أرشيفات التصنيف: مساحة شخصية

خضير جلعوط

(1)

في الظروف الطبيعية، حينما لا تكون الحروب قد سلبت النظام الاجتماعي ـ وحدات النظام ـ اتساقها، ولا يكون هناك حاكم دموي يصادر آمال الناس ويستنزف ألفتهم، أو معتوه يؤمن بضرورة سفك الدماء قربانا لفكرة يراها مقدسة، وحين تنفذ العائلة من كل هذه المصائد ـ وهي مصائد صميمة في حياة كل أسرة عراقية ـ في مثل تلك الظروف، فإن وجه أول رجل يألفه الطفل يكون وجه أبيه، ربما اخوته من بعده، ثم وجوه اصدقاء والده، وفي الحروب والمعتقلات والمعارك العقائدية التي نفذ أبي منها سالما بجلده، وقد حرثت في روحه حقولا من الأسى لمّا تنمحي، فإني تعرفت على وجوه أصدقائه صغيرا، أنا ابنه البكر، وهو وحيد أمه، أبي من أعنيه، فكنت انتقل بين أذرعهم، تداعبني ابتسامات المحبة المنثالة من وجوههم التي أرهقتها الحروب، وأضناها العمل الشاق، وأنهكها الحزن، والوجل.

(2)

خضير جلعوط، قلها بملئ فمك، وأطلقها كقذيفة مدفع، في العراق، لا نلفظ الاسم كما هو في الفصحى، أعني (خُضَيْر)، بل نقول (إخْضَّيِّر) نكسر الألف، ونسكن الخاء، ثم نفخم الضاد والياء إلى آخر المدى، ونطلقه، رصاصة مسرعة ثابتة، وبالنسبة لأبي الياس ـ كل خضير عندنا مرتبط باسم خضر الياس، فنقول لمن اسمه ياس: ابو خضير، ومن اسمه خضير: ابو الياس ـ بالنسبة له، فإن قوة اسمه مرتبطة بقوة اسم جده الذي اتخذته العائلة لقبا ـ اسم ابيه: تركي ـ نقول: خضير جلعوط، فتشعر أن للاسم وقعا، وجرسا، ومهابة، وحين تتفرس في وجه صاحبه، الأسمر، حاد الملامح، بشاربه الرفيع، وعينه الخازرة ـ يخفض حاجبه بطبيعته لا تكلفا ـ بذقنه البارز نحوك، وعيناه المقتحمتان، ينزل من مقعد السائق في سيارته طراز (OM)، ثم من سيارته (التريلة) طراز (مرسيدس اكتروس) التي نسميها في العراق: (ألبي)، حين تشاهده، بدشداشته الزبدة، وكفه الغليظ، مقرونا باسمه العاصف، تقول في نفسك: إن هذا لرجل صعب، شديد، قوي الشكيمة، مهاب الجانب، وهكذا كان.

(3)

يرتبط وجهه في ذاكرتي بصورتين أساسيتين، طفل، يحدق هو في وجهي مركزا، يستمع لي، ربما كنت أسأله، ربما كان يحدق بوجه ابن صاحبه، الذي يرتبط معه بصلة نسب ـ جده، خال جدي، لهذا كان أبي يضايقه مازحا بمناداته: خالي ـ لا اذكر لماذا كان ينظر لي، وقد خفض حاجبه الأيسر، مركزا في وجهي، بملامح ساكنة، لا تعبير في وجهه سوى التماعة في العين، لعلها فيض من المحبة الخبيئة خلف هذا الوجه ذل الملامح الصلدة.

أما الصورة الثانية فقد كتبتها قبل سنوات وأنا استعيد ملامح مدينتي التي ابتعدت عني، استذكر صور من أحبهم واحدا فواحد، والأماكن التي شغفتني وقد صارت طللا، أثر يتلو أثر، كنت اتحدث عن (سبيل عمران) المنصوب على السور، قرب بيتنا في طرف البراق، كتبت:

(وأغرب ما علق بذاكرتي عن ذلك السبيل أنني طوال عمري لم أشاهد أحدا يضع الثلج فيه، إلا مرة واحدة، شاهدت من بعيد (خضير جلعوط) صديق أبي الحميم ومعه صديق آخر لا أتذكره اليوم، فتحا غطاء السبيل، وأخذا يكدسان قوالب الثلج في جوفه، ثم أحضرا بطانية ثقيلة، ولفا بها الثلج، لتزداد حيرتي، كيف يُلف الثلج بهذه القذارة ويفترض بنا أن نشربه، كنت متحيرا، فذهبت لأتساءل، لا أذكر أذا كان أبو حيدر (خضير جلعوط) هو من رفعني لأستكشف داخل السبيل أم رفيقه، بل أني لا أذكر إذا كنت قد رفعت غطائه مستكشفا بنفسي أم أن ابو حيدر هو من وضّح لي الأمور، لكن الحيرة تبددت ساعتها، واكتشفت أن نظام مياه السبيل الأسطوري ما هو إلا أنبوب حديدي طويل، التوى على نفسه مرارا وتكرارا، حتى غدا كجوف الإنسان، كأمعائه الملتفة على نفسها، تديم حياته ما بقيت نشطة الالتفاف، وأن الثلج المكدس فيها يعمل على تبريد الانابيب، والمياه تسري فيها، فتخرج مثلجة تبل عطش الشاربين).

بهذه الكيفية، ارتبطت صورته في ذاكرتي، يقوم بالمهمة الأقدس في محيطه الاجتماعي: سقاية المياه للظامئين، تقربا للقتيل الظامئ قبل ألف ونصف الألف من السنين، النابض في صدور هؤلاء العراقيين ما بقوا.

(3)

كان واحدا من أبطال طفولتي، بصوته المجلجل، بالنكتة الحاضرة التي تجتاح وجهه بضحكة تطفو فوق قسوة السنين على محياه، حتى تضيق لها عيناه، وتشعر معها أنه يضحك من جوفه، كأنه لم يضحك من قبل، كأنه بحاجة ماسة للضحك كغريق يلاحق الهواء النزر من حوله، يرفع كتفيه العريضين حتى يقاربا رأسه، ثم يسكت، ويستعيد وجهه تلك الصرامة الحزينة، قبل ان يطلق نكتة اخرى، وحديث آخر.

(4)

كان يخب بمشية (الأشقيائية) القدامى، يرقص شعره الرمادي مذ وعيت عليه، وقد باعد رسغيه عن بدنه، ولوح بهما يمينا وشمالا مع خطوه الوئيد، وجسمه الرشيق، لا ادري لماذا علق بمخيلتي أنه كان يمشي خفيض الرأس، على الرغم من مشيته الفخورة المقتحمة المنذرة بجرأته وشجاعته، لا أدري لماذا.

(5)

كل من عرفه يدري أن هذا الشجاع لم يؤذ أحد يوما، ولم يغدر بأحد، ولم يقصر في نجدة قريب أو بعيد، ولم يخن أمانة، أو يعتدي على ضعيف، كان أريحيا، أبو نخوة كما نقول هنا، جرّب أن تطلب منه شيئا، وستجده يهب كصقر لعونك، كان وفيا، أمينا، طيب القلب، صافي السريرة، بدأ شبابه كما بدأه مجايلوه، وأنهاه كما قلت عنه، بأوبة إلى ربه، بيقين وتسليم، ورضا صرت أحسد كل من نزل في قلبه مثل ذلك الرضا والتسليم.

(6)

لم يتزوج، بقي مع أمه وأخته يرعاهما، ثم أخذ ابن أخيه عبد، حيدر الجميل الأشقر، وقام بتربيته كأنه ابنه، فكنا لا نناديه إلا (أبو حيدر)، وكان حيدر إذا تحدث وقال أبي دون إضافة فهو يعني عمه خضير، وإذا أراد التخصيص قال: أبويه عبد، وآخر أمره، كتب بيته وسيارته باسم حيدر، ولده الذي ربّاه وعلمه وصار رفيقه وصديقه في حله وترحاله، يصحبه حيث ذهب، يشتري له الجديد من الملبس قبل أن يشتري لنفسه، ويعده ليتكأ عليه في شيخوخته.

(7)

هذه الوجوه، هؤلاء الاشخاص، صورة طفولتي، النجوم التي غمرتني بالضوء صغيرا، كنت أشعر بالأمن لرؤيتهم قربي، كانوا طمأنينة لي، ظل نشأت في برده، الندى الذي بلل هجير هذه الأرض، وهوّن أيامي فيها، وجنّب الطفل الذي كنته التعرف المبكر على قسوتها، كلما غاب وجه منهم، شعرت بثلم في الروح، ووجع يغرز جذره عميقا في ذاكرتي، ليستمر في النمو كنبت شيطاني، تسقيه هذه الارض وتتعهده بالغذاء كل ساعة.

(8)

عمي ابو حيدر، سمعت برحلتك الأخيرة أيها السائق المترحل، إلى مستقرك الأبدي، وأنا في بغداد، بعيد عن الدار والديار، لا أذكر متى رأيتك آخر، مرة، لكنني أعرف أنني سأفتقدك ما حييت، متذكرا صوتك الجهوري المجلجل مرحبا بابن صاحبك: هله عمي علاوي.

وداعة الله ابو حيدر.

لذكرى العم أبو حيدر، خضير تركي جلعوط، جار العمر في طرف البراق، صديق أبي، وقريبي الذي توفي يوم السبت، 27/ 6/ 2020، في النجف، فضلت وضع صورة له وهو في أوج عافيته، صورته آخر ايامه، بالعقال، بعينين غائرتين، ووجه غائم بالقلق والحزن، وبعصا في يده يتوكأ عليها تؤلمني رؤيتها..

29/ 6/ 2020

عن رمضان الذي افتقد

 

ارتبط رمضان في ذاكرتي بأمور خاصة، أسرية، وأمور عامة شاركت فيها أبناء مدينتي الآخرين.

كنجفي، كان صوت محمد عنوز، مؤذن الروضة الحيدرية ملازما لكل حدث ديني كبير يستلزم دورا لصوت مؤذن العتبة ينطلق من المأذنة، وشهر رمضان كان في طليعة تلك الاحداث.

كان صوته يبدأ أواخر شهر شعبان، يهلهل معلنا نهايته وقدوم أخيه: مرحبا مرحبا يا شهر رمضان، مرحبا مرحبا يا شهر الطاعة والإيمان… ثم يدور القمر في مداره ويهل مؤكدا وصول شهر الصيام، ليبدأ الصوت الرخيم بتشكيل ذاكرة الطفل الذي كنته عن الشهر الأهم في دين المسلمين، شهر رمضان.

كان صوته إيذانا بانتهاء النهار، يجلب معه المغرب كهدية، مؤذنا، أول عرى الفرح التي يمسكها الصائمون، ليهرعوا إلى إفطارهم وصلاتهم.

ثم، وما أن يستريح القوم، ويأخذون بالانسلال إلى الولاية ـ المدينة القديمة ـ ساعين نحو قبر الإمام علي، يجتمعون كلٌ لشأنه وربه، يبدأ صوت محمد عنوز بالانهمار كالغيث على المَحْل، من مأذنة العتبة العلوية، ينساب رخيما، عميقا، مهيبا، يسلك طريقه نحو الأفئدة الوجلة، يتخطى الأصوات المتزاحمة كأنها غير موجودة، يعزل السامعين عن الصخب الذي تزدحم به دنياهم، عن الحصار الذي يضرب معايشهم، والبطش الذي يهيمن على حياتهم، وعيون عناصر الأمن التي تترصد تهجدهم عند علي، صاحب طمأنينتهم.

كان يبسمل، ثم يسدر في قراءة دعاء الافتتاح: اللّهُمَّ إِنِّي أَفْتَتِحُ الثَّناءَ بِحَمْدِكَ، وَأَنْتَ مُسَدِّدٌ لِلصَّوابِ بِمَنِّكَ، وَأَيْقَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فِي مَوْضِعِ العَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، وَأَشَدُّ المُعاقِبِينَ فِي مَوْضِعِ النِّكالِ وَالنَّقِمَةِ…

كلمات تسلك دربها للقلوب لتحييها، ترويها بعد ظمأ، تؤمنها بعد خوف، يرقق صوته، يمد حروف الدعاء بشغف، حتى يصل إلى ذلك المقطع الفخم: الحَمْدُ للهِ الَّذِي لا يُهْتَكُ حِجابُهُ، وَلا يُغْلَقُ بابُهُ، وَلا يُرَدُّ سائِلُهُ، وَلا يُخَيَّبُ آمِلُهُ.

الحَمْدُ للهِ الَّذِي يُؤْمِنُ الخائِفِينَ، وَيُنَجِّي الصَّالِحِينَ، وَيَرْفَعُ المُسْتَضْعَفِينَ، وَيَضَعُ المُسْتَكْبِرِينَ، وَيُهْلِكُ مُلُوكا وَيَسْتَخْلِفُ آخَرِينَ.

يقول، ويهلك ملوكا ويستخلف آخرين، يمد حروف المد في الجملتين مدا، يبدوا فيه صوته متسربلا بإصرار عجيب، كأنه قادم من عالم آخر، ملكوتي، يخبر المتوجسين بأن لا ظالم يدوم، ولا حال يخلد، فكانت الناس كأنها ترفع اعينها لصورة الجلاد المعلقة عنوة في الروضة، مطمأنة لمصيره القادم.

ثم تؤوب الناس إلى دورها، منتظرة صوت محمد عنوز في السحر، يدعوا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ بَهَائِكَ بِأَبْهَاهُ وَ كُلُّ بَهَائِكَ بَهِيٌّ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِبَهَائِكَ كُلِّهِ.

لينذرهم بعدها بقرب طلوع الفجر وموعد الامساك، منغما ارجوزة رمضانية: إشرب الماء وعجل قبل أن يأتي الصباح… حتى يقول: لا تشرب، فتمسك الأبدان عن شرابها ومطعمها، بانتظار يوم متعب آخر من الصيام، حتى ينقضي الشهر، فيأتي صوته باكيا في أيامه الأخيرة: الوداع الوداع يا شهر رمضان، يا شهر الطاعة والإيمان…

أقصي الرجل من مكانه لاحقا بعد ان راح رعب صدام عن البلد بسنوات، اقصي لمزاج شخصي بدا وكأنه مدفوع بكره النجف، أهلها، لا أكثر، ولم يترك بابا الا وطرقه ليعود، باكيا متحسرا لمجلسه تحت مأذنة علي، دون فائدة، فرضي بأن يرسل صوته عبر مقام آخر في النجف.

كل رمضان فاتني بعيدا عن صوته العذب لم يلمس خلجات روحي، لم يمر عليّ رمضان منذ ذلك الوقت كعذوبة أيامه السابقة، سواء حين كنت مطمئنا بإيماني، أو حين سكنني القلق فيه، فصرت لا أكاد أقر لقرار، أو يخبو لنار قلبي أوار، يا لأيام الطمأنينة تلك، “بعت منها باللجين الذهبا” كما يقول #محمد_سعيد_الحبوبي.

كل رمضان خارج تلك المدينة العتيقة، خارج بيتنا القديم في طرف البراق، كل شهر، ليس كتلك الشهور، لا يمنح قلبي السكينة، التي فقدتها… ولن تعود.

في استقباله…

علي عبد  الهادي المعموري

هل هو ابن التطور الطبيعي أم هو سلاح مصطنع؟

لا يهمني، حقا لا يهمني، لا آبه مطلقا، وإن كنت في قرارة نفسي موقن أن الوجود في الطبيعة كله قائم على توازن دقيق، توازن مذهل بالنسبة لي، معزز لقناعاتي الايمانية الخاصة ـ لن اتحدث عنها ـ وأن الإنسان أحدث خلال آخر 100 عام في هذا التوازن ما لم يحدثه خلال عمر البشرية كلها، خرّب وشوّه وحطّم نظما بيئية عمرها ملايين السنين، دون تفكير، بغباء، بجشع لا نظير له، ولابد للنظام الطبيعي أن يحمي نفسه ـ مثل أي نظام ـ لا نعرف بالضبط كيف يتوازن هذا المزيج المعقد، ولا ندرك كيف يمكن أن يحمي نفسه.

لست مهتما بمصير البشرية، إلى سقر وبئس المقر، نحن لا ننال إلا ما جنت أيدينا، وما كان ربك بظلام للعبيد.

ماذا عن مصيري الشخصي؟

كنت أحلم بأن أكون كاتبا، أخلد بما تركته من نتاج معرفي، منذ طفولتي الحالمة بالكتاب، الذائبة فيه، أقلب بصري في الرفوف المصطفة في طوابق مكتبة الإمام الحكيم العامة في النجف، أحدق عاليا، حتى تعانق عيناي الضوء المنهمر من مركز قبة المكتبة المهيبة، وأحلم أن يكون لي رف بين رفوفها، يحمل اسمي، مؤلفا، لكم أحببت تلك المكتبة، فكانت أول نسخة أهديها من كتابي الأول حصة مكتبة الامام الحكيم.

أمسكت أول طريق حلمي بالكتابة، كتاب مفرد، و4 كتب أخرى مشتركة، وبحوث ومقالات بالعربية والانجليزية، واستيقنت روحي المضطربة طريقها ووجدت ذاتها في الكتابة، وحدها، لا شريك لها.

حلمت في طفولتي أن أزور لبنان، وإيران، وتركيا، وايطاليا بمعالمها الكثيرة، وألمانيا، ولندن، وأمستردام وبجليكا، وفعلت، وطبت نفسا، وقفت تحت سقف السيستين المهيب، تسمرت أمام لوحة رافائيل: (مدرسة أثينا) التي حلمت برؤيتها، ورؤية ابن رشد الرابض فيها منذ أن قرأت عنها في مجلة العربية قبل أكثر من عشرين عام، تجولت تحت سقف كاتدرائية القديس بيتر، وطأت دروب روما، وقنوات البندقية، ولمست برج بيزا المائل، وقفت قرب بيغ بن، وبرج لندن، وساحة الطرف الاغر، وسوهو التي ضاع فيها كولن ولسن، اخذتني رهبة آيا صوفيا، وجمال البسفور، ومهابة الروشة في بيروت، وغيرها وغيرها.

نعم، لا زالت في النفس أماني كثيرة لمدن كثيرة، ولكنها نالت الكثير مما اشتهت من المدن، وأهلها.

نفذتُ من الموت مرارا، موت اقتحمته بنفسي في بعض الاحيان، حلمت ـ وأنا ابن الوله العراقي بالموت ـ أن أموت مجلل بدمي، ميتة فخورة ـ تخيل أن نفخر بالموت ـ اصطلحت مع الموت مبكرا، ولا زلنا وإياه مصطلحان، حتى إذا  كان سخيفا مثل الموت بفايروس لا يعرف نسبه.

انا مستعد للموت، راضٍ بما نلته، ساخط لكل ما لم ينله الاخرون، لكل ما حرم الناس منه، وسرق منهم، ساخط ويغلي الدم في عروقي واتقلب على فراش من الجمر المستعر.

انا مستعد لاستقبال الموت، راغب فيه، ساعٍ إليه، أما إذا قدّر لي ان أعبره بسلام، وأعبر مع الناس أزمة هذا الفايروس، فلن أظل في هذا الوجع المستديم، واللعنة التي لا فكاك منها، سأغادر لأموت في بلادٍ يجمد صقيعها عظامي الكارهة للبرد، وعلى شفتي اسم كل شبر وطأته على هذا التراب، وبين جفوني صورة كل مكان قبلته عيناي، وفي قلبي ذاكرة مضطربة بالعراق.

أمنية واحدة ستظل عزيزة، أن أقرأ ما سيكتبه اصدقائي في رثائي، بموت قريب، أم بموت بعيد بارد.

الصورة: أنا تحت سقف كنيسة السيستين.

أم سمير

 

لا اذكر السنة تحديدا، ربما في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي، اشترى أبي وصديقه وشريكه: أبو زينب، صاحب العصيبي، سيارة فولكسفاكن طراز ترانزبورتر (Volkswagen Transporter) ميني باص صفراء اللون، كانا يطلقان عليها اسم أم سمير، ولعله كان الاسم الدائر السائر لها تلك الأيام.

لا اذكر كم مرة ركبت تلك السيارة، لهذا لا اعرف تفاصيل صالونها الداخلي بشكل واضح، أذكر أن هناك قاطع يفصل مقصورة السائق عن السيارة، وخلف الباب الخلفي المنزلق الذي تدلف منه لحوض السيارة الخلفي، كانت هناك مخارج لجهاز التبريد في السيارة ـ ربما، لا أذكر ـ لا ادري إذا كانت هناك مقاعد خلفية في السيارة، تقريبا لا اذكر من مرات ركوبي تلك السيارة سوى مرتين، في إحداها اصطحبني أبو زينب ليشرب الحليب صباحا حين كنا ننتظر خروج أبي ليذهبا إلى العمل في الحي الصناعي، لا أدري لم تأخر أبي وأرسلني قبله، كان الجو شتاء بارد، سألني أبو زينب أذا كنت أريد الذهاب معه لشرب الحليب، وكطفل لم يتجاوز العاشرة وافقت، اذكر أن المحل كان قرب ساحة ثورة العشرين، وحين وصلنا تصاعد خوف الطفل لدي، وملأني الرعب من تذكري منع أهلي لي من أن آخذ أو آكل من أي شخص دون إذنهم، فرفضت أن ارتجل معه لشرب الحليب، رغم توسلاته.

ويبدو أننا قد تأخرنا قليلا، فعدت لأجد أبي ينتظرنا على الشارع العام بقلق، قرب مقبرة آل الصائغ على جهة النجف الجديدة الموازية لطرف البراق، حيث بيتنا القديم، ولقلقه الشديد نالتني صفعة معتبرة، هي من الصفعات القليلة التي وجهها أبي لي خلال حياتي، وانخرط في عتاب شديد لصاحبه لأنه اخذني ولم ينفع اعتذار أبو زينب ومحاولته الدفاع عني.

المرة الثانية التي اذكرها مرتبطة بعلة أم سمير الكبيرة، وهي إطاراتها دائمة العطب، أذكر أن أبو زينب لم يكن يتحدث عن السيارة دون ذكر آخر زياراته لـ”البنـﭽـرﭽـي” صحبة المحروسة الصفراء التي يسر لونها الناظرين، ذاهب آيب منه، دون جدوى، ذات يوم، تأخر أبي في العمل، ويبدو أنه نسي شيء ما وكان مستعجلا، دار بي والسيارة في عدة أماكن، ليعود إلى الحي الصناعي عقب انتهاء ساعات العمل، ويقتحم بأم سمير أرضا غير مسفلتة، وعرة ممتلئة بحطام الطابوق وشظايا الزجاج، وبسرعة، كانت الكلاب السائبة تنبحنا أنّى التفتنا في تلك الظهيرة القاصمة، وخلص، لا اتذكر تفاصيل أخرى، لكن الذي لا انساه أبدا هو ما فكرت فيه ساعتها، قلت لنفسي، أن كثرة العطب الذي يصيب إطارات أم سمير هو لأنها مدللة، لأن أبي وصاحبه لا يحملان السيارة أي ضغط أو جهد، لهذا صارت مائعة، كثيرة العطب، وأن ولوج أبي إلى هذه الأرض الوعرة اليوم هو  أفضل دواء لهذه السيارة النحسة، كثيرة الشكوى، وستتعلم الأدب وتتجلد على الشدائد، اتذكر الواقعة، وأتذكر أن إطاراتها لم تتأثر بعد تلك الحادثة، وأقف مستغربا من طريقي تفكيري في سني اليافعة تلك، كيف ناغمت أبا نؤاس حيث يقول:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء

وداوني بالتي كانت هي الداء

لا ادري كيف!

على أي حال، قبل مدة وأنا أتصفح أحد مواقع التواصل الاجتماعي، وجدت مجسمات صغيرة لسيارات متعددة، كان من بينها الظاهر في الصورة المرفقة، صرخت دون وعي: يا الله، أم سمير! ودون تردد اشتريت النموذج.

لقد أحببت تلك السيارة التي لم أركبها كثيرا، أحببتها بشغف كبير.

 

رضا

كان الشيخ يقف عند الباب المؤدي إلى رواق أبي طالب الجديد ـ الذي صممه الدكتور ساهر القيسي ـ أسند ظهره على إفريز الباب ، الذي صُمم كشبه دعامة رخامية، تلتوي على نفسها لتنتهي بطرف مسطح حر، استقرت عليه مزهرية جميلة، هناك وقف، أسند ظهره للدعامة، متجه إلى الضريح عبر الباب المقابلة، قصير القامة، وجه ابيض مشرب بسمرة خفيفة، لحية قصيرة بيضاء، شابها بعض السواد من بقايا شبابه، عمامته ناصعة البياض، لا ادري ماذا كان يحمل بيده، أو لعله كان يضع يداه في جيوبه؟ لم أعد أذكر لأنني انشغلت بالنظر إلى وجهه.

كان وجهه البهي يطلق نظرة تجاه الضريح، نظرة عجيبة، عيناه، وفمه، تقاسيم وجهه، مزيج غريب من الرضا، والبكاء، والابتسام، إذا اقبلت عليه لا تعرف أباكٍ هو أم مبتسم، حزين أم سعيد، راضٍ أم راجٍ، فمه كان يتمتم بين حين وآخر ببعض الكلمات ثم يصمت، ليخاطب صاحب الضريح بعينيه وحسب، ابتسامة عميقة من الرضا، دمع محتبس يقف بحياء، لا تكاد تعرف حاله، جلست لحوالي ثلث ساعة أحدق بوجهه من بعيد، ينظر، بتمعن، بتركيز، وكأنه منهمك بحوار عميق، كأن الدنيا كلها من حوله ساكنة، ولا يوجد سواه، هو وساكن الضريح، يتبادلان حديث محتشد، ما كان مرور الزائرين أمامه يشتته عما هو فيه، منغمر برضا عجيب.

جلست هناك، بعيد عنه، وقريب منه، اسائل نفسي عن المرة الأخيرة التي غمرتني فيها مثل تلك المشاعر، وبان على وجهي الرضا والإيمان والطمأنينة مثل هذا الشيخ، فلم اذكر، ولم أعرف أين ذهب ذلك السكون الذي كان يعتريني، مددت يداي اتلمس ذاكرتي، كما يفعل البصير مستهديا طريقه، فما عادت لي كفاي بما اشتهيت، كان في اليسرى فراغ يباب، وفي اليمنى خوف وقلق وشك.

نظرت إلى الشيخ وابتسامته تزداد عمقا، يستأذن صاحبه الإمام بالانصراف، ليخب رويدا، وعيناه على الارض، لا يرفعهما إلا ليعرف طريقه أو ليجد رفيقه، ليتركني هنا، وحدي، مثل ناعور يدور دون فائدة، يحمل الماء من النهر إلى النهر حيث لا أرض لتشرب منه.

المنكفئون في زاويتهم

 

بعض الناس، تحطم الحياة قدرتهم على أن يشاركوا أحزانهم مع الآخرين، يمكن أن يكونوا عطوفين، مراعين، أهل للثقة والمسؤولية، لكن في صميم أنفسهم هناك صندوق لا يتسع سوى لهم، لأنهم إذا أشركوا أحبتهم بهذه التعاسة فسيخربون حياتهم.

بعض الناس لا يستطيعون أن يكونوا على سجيتهم مع أقرب الأحبة إليهم، لأن سجيتهم خشنة، قاسية، يمكن أن تجرح الآخرين، لأنهم لم يعيشوا خلال حياتهم ما يؤهلهم لأن ينبسطوا كما هم، أرواحهم حادة مثل صخور الشواطئ، مؤذية لو أطلقوها دون كبح، مؤذية مثل منشار صدئ، بعض الناس محكوم عليهم بأن يبكوا للآخرين، ويحزنون من أجلهم، أن يقفوا معهم كل وقت، وأن يبذلوا طاقتهم من أجل غيرهم، هذه هي الطريقة الوحيدة لكي يحتفظوا بمحبتهم، السبيل الوحيد لكي يسعدوا أنفسهم، بإسعاد الآخرين.

بعض الناس تصنع بهم السعادة خللا، عواطفهم معطوبة، إذا شعروا بالسعادة فقدوا القدرة على أن يكونوا عناصر إيجابية في حياة أحبتهم، لمن حولهم، مثل النواعير، إذا توقفت عن الدوران أصابها العطب، مثل بيت يحتاج لإدامة وسكان، بيت من الطين المفخور، الطين يحتاج الحياة، وهم يأنسون إلى ذلك النصل الأعمى الذي غرسته الليالي في قلوبهم عميقا، واستمرت بفركه ذات اليمين وذات الشمال.

بعض الناس يلتذون بالجوع، ويأنسون إلى شبع من حولهم، يكدرون أرواحهم بالكرب، ويفرحون لبهجة أحبتهم، منكفئون في زاويتهم، مثل متصوف مزق الوله رغبته.

هل هم مخطئون؟

السؤال هو: إذا أسعدوا من حولهم، فما الداعي للسؤال عن خطأهم؟

والجواب هو المحبة، المحبة تلزم بالسؤال، ولكنهم مصابون بالعطب، ولعلهم يشفون بالمحبة.

بعض الناس

بعض الناس..

31/ 3/ 2018

الذين لا نجيد الاعتذار لهم

يقضم النهر في مسيره الأرض، يقتطع من روحها دون ملل، وتحبه الضفاف دون تحفظ، تمنحه من روحها المزيد، وتورق على كتفيه شجرا وبشرا.

يستقبل الواحد منا الصباح بوجه مكفهر، فتضحك أمه في وجهه، رغم أنه عاد متأخرا، وملئ قلبها بالوجل، وبدأ صباحه عابس الوجه، جائع مثل كلب متشرد، هو لا يعتذر، وهي تتقبل شعوره بالخزي، الخزي الظاهر في تنمره، وتعنته، وتصرفه وكأن شيء لم يكن.

يطعن الفلاح ضلوع النخلة وهي تكبر، يختضم سعفها ليحيله كرباً يتسلقه نحو ثمرة فؤادها، ويحرقه ليخبز قوته، ولا تغضب النخلة وتستمر بالعطاء، تفيض عليه وتظلله عن هجير الشمس، وتمد سعفها أكفا حانية ترعى القداح المتفتح في ظلها.

يستمع الأخ الصغير لسيل العنف المتدفق من فم أخيه، عنتا، وغضبا يهدر مثل ناعور عتيق، ثم يقول له: حاضر، ولكن لا تكن مع الغير كما أنت معي.

ترنو الفتاة الجميلة بعين غاضبة نحوه، وتتسائل من أين يأتي بكل هذا الجلد والغلظة، والقدرة على الهبوب يمينا وشمالا مثل ريح (الشرجي) في حدتها وإزعاجها، ثم تسامحه دون أن يفلح في تقديم اعتذار لائق.

لماذا نفعل كل هذا مع الذين نحبهم، ولا نصبر على مبارحتهم لقلوبنا؟

لماذا يجيد أحدنا الحديث لساعات وساعات ذات اليمين وذات الخبب، ويقول ما يشتهي دون كلل، ثم يبتلع لسانه فلا يجيد أن يقول ما في سريرته أمام من يعنيه أمرهم، ويعنيهم أمره؟

لعل للقلوب التي يشج بعضها البعض بخيط المودة دورا في تعطيل اللسان، نحن نقول ما نريد للآخرين بعقولنا، ولكننا نفقد السيطرة على القلوب حين تخاطب القلوب، فنترك لأسوأ صفاتنا المرح كما تشاء، فتكاد أن تفسد المحبة بالتبلد.

ولكن القلوب كفيلة بالغفران، وبالمضي قدما، الذين لا نجيد الاعتذار لهم هم الأكثر قربا إلى قلوبنا.

عن النجف والنجوم وبغداد وأشياء أخرى

علي عبد الهادي المعموري

(1)

كانت تُحب النجوم، ولما تَعَسَّرَ أن تنام تحتها، رسمت على سقف غرفتها نجوما ملونة، مثل أحلامها، مثل العصافير التي ترقص في روحها الرقيقة، ثم نامت مبتسمة.

(2)

بعد منتصف التسعينات بقليل، وقبل أن تغزونا المولدات بصوتها الكريه الذي يمزق هدوء الليل، ذلك الوقت، كانت سماء النجف ليلا هي أجمل ما شاهدته عيناي، وما تذوقته روحي، كنتُ أنام في ليالي الصيف الصاخدة على السطح العالي⃰ ، مستلقٍ على ظهري، الكهرباء مقطوعة فلا يوجد تلوث ضوئي، وفوق رأسي، على وسع بصري الغض، تمتد السماء، كأنها عروس من الزنج عليها قلائد من جمان كما قال المعري ذات يوم، ومع الضوء الفضي الهاطل على روحي، كنت اتحسس همهمات النائمين على السطوح، وأنفاسهم، تمتزج بنسيم الصحراء العليل، يهب من غرب المدينة، ليلتقي بنسيم الكوفة وشطها ونخلها القادمين من الشرق، يتعانقان، يمران بين (التشاريف)⃰  ⃰ ، ينحدران إلى مركز المدينة، إلى القبة الذهبية ومنائرها، يحمل النسيم قبلات يرسلها النائمين على السطوح قبيل أن يستسلموا لسلطان النوب، مهداة إلى صاحب الشباك الفضي، تهمس تضرعاتهم، احلامهم، مخاوفهم، مشتملة نجوى العاشقين، ومحبة الأمهات، ومناغاة الأطفال، ثم ينحدر هذا المزيج الرطب بالحياة إلى وادي السلام، يخبر الراقدين بحب أهلهم، بما ذكروهم فيه على العشاء، عن صورهم المعلقة في صدور الحجرات، والمصاحف التي تفتح لكي تتلو ما تيسر عن أرواحهم يوميا، وأنا، أحدق في السماء، في هذا البهاء المتلألئ، استمع خلسة إلى راديو أبي، النائم على سريره المفرد بعيدا عني في السطح الواطئ، ينبعث منه صوت من الـbbc يتحدث عن العراق بوجل، وأبي، بكل سنوات حروبه، يتقلب مستسلم لوجع العراق، بمفرده.

(3)

الفتاة التي كانت تظن أنها سيئة الحظ، غاب عن فكرها أنها قد تكون تعويذة حظ شخص آخر، يعول أن تكون راحته الكبيرة بعد كل ذلك الضنى.

(4)

في طفولتي، كنتُ مثل طفل أي أسرة نجفية فخورة، تربيت على أن أحب مديني بتطرف، كنتُ استمع إلى النكات التي تُسَخِّفُ رقة بغداد، ونعومة أهلها، وخفة الـ(لعد) والـ(هياته)، والـ(دا)، رغم أن لي عمة قريبةٌ قريبة إلى القلب تسكن بغداد، ولها أبناء أحبةٌ أحبة من البغادةِ البغادة، لا أعرف كيف وافقت بالضبط بين هذا الحب لأهلي ــ بيت عمتي في بغداد ــ وبين مشاعري الخشنة تجاه العاصمة، العاصمة التي بدت على الدوام عاصمة الآخر، وليست عاصمتي، العاصمة التي كان أبي يستخرج بدلته السفاري البنية اللون الغامقة (الجوزية كما نقول) حين يريد الذهاب إليها، لم أفهم أبدا ضرورة أن يترك أبي الفخور بلبسه النجفي [دشداشته] وسترته حين يريد الذهاب إلى المدينة الملتبسة هذه، كنت لا أحبها في داخلي دون سبب مفهوم، نمطٌ درجت عليه مع الأميين الذي كنت اسمع منهم نبرة السخرية من المدينة السحرية، ولم يخطر ببالي للحظة واحدة أن الأيام ستدور وأنني سأفدُ إلى بغداد لا زائرا بيت كعمتي مثل كل مرة، ولكن كطالب جامعي، في واحدة من أكثر سنواتها اضطرابا، حينما سال دم أبنائها الأبرياء في الشوارع بالجملة، قبلها، كنت لا أرى في غير مدن الله كلها جمالا إلا في مدينتي، ولا رجالا إلا في رجالها، أما نساء النجف فكانت مثل أشيائها الأخرى السرية، أمر بالغ الالتباس، مبهم، يجب أن يظل سراً لا يباح بشأنه.

(5)

صعودا من النجف إلى بغداد، ونزولا منها إلى النجف، تختلط الأصوات والصور والروائح في الطريق، مزيج دافئ في الشتاء، بارد في الصيف، مثل سراديب مدينتي، صوت محرك السيارة، رائحة المخمل المغسول، هذر السائق و(العبرية)، ما يتسرب من عبق طبيخ أمهات طلبة الأقسام الداخلية المعبأ في الحقائب، الصوت الذي تسكبه سماعات الأذن في رأسي، والآخر المتسلل من راديو السيارة، الابتسامة البلهاء التي تعلو وجوه الشباب وهم يتلقون رسائل شخصية من أحبتهم على أجهزة الهاتف المحمول، الشتائم العابرة، صوت عناق سعف النخيل ينهمر على روحي من خلال النوافذ نصف المفتوحة، رائحة الطريق التي تتسرب إلى الفؤاد عبر أنفي وسمعي وبصري وكل مسامة في جسدي، رائحة العراق الندية، صوت المطر يضرب سقف السيارة، وصوت فتاة جميلة تخاف القطط، وتحب أغلى حيوان في الدنيا، أصوات كعوب بنات بغداد العالية، تقتحم حياتك اقتحاماً، صور تتداعى إلى الذاكرة عن احتكاك أوراق الكتب ببعضها في سوق الحويش، وشارع المتنبي، لقطات من طرف البراق، والكاظمية، والجادرية، والكرادة، والحرية، وبيوتٌ من الخشب، وأصدقاء هم مكسبي الذي لولا بغداد لما عرفتهم، ولكانت لحياتي صورةٌ أخرى، لن تكون بلذة حياتي اليوم.

(6)

اكتشفتُ أن لبغداد جمالا ترفا، يختلف عن جمال مدينتي، وعرفت قيمة وخفة الـ(لعد) والـ(هياته)، والـ(دا) التي تتراقص كالموسيقى على ألسنة البغداديات، لتصنع في الروح خواطر (ما لي عرف بيهن ﮔبل) كما يقول مظفر النواب، تطيحني بضربة واحدة قاضية مفاجئة لا تبقي ولا تذر، وإن لهذه الأزقة رائحة تشبه رائحة البيت، وإن لأهلها قلوبا تشبه الأمهات، وأن تاريخها الملتبس أجمل ما فيها، وأنني أحب أن أتدفأ بذكرياتها كحبي لدفئ ذاكرة النجف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

⃰  في بيتنا القديم في طرف البراق في النجف، كان لدينا سطحان، سطح على الجزء القديم من بيتنا، عمره قارب الأربعمائة عام، بطابق واحد، لهذا كنا نسميه (السطح الناصي = الواطئ) وآخر على الغرفة التي تعلو المطبخ، وكلاهما حديثا البناء، منتصف الثمانينات تقريبا، ولأن السطح كان للغرفة العلوية فهو عالي، فنسميه (السطح العالي).

⃰  ⃰  [التِشْارِيف] جمع [تِشْرِيفة]، جدران الأسطح كما نسميها في النجف، ويطلق عليها في بغداد أحيانا اسم (التيغة).

[الصورة: رسم للصقر، أحب الطيور إلى قلبي، تلقيته كهدية، وأحببت أن أضعه مع هذه التدوينة]

رفيق على غير موعد

هذه الليلة عاشت لحظات غريبة، فعلا غريبة.

طالما ربت أسرتي البلابل، كان أبي يجلب البلبل صغيرا، يختطفه المزارعون من أعشاشه المودعة على متون النخيل، نربيه في البيت، حتى يعتاد علينا ولا نضطر لحبسه في قفص، بل أننا مرة ربينا بلبلا كنا نطلقه في النهار فيأخذ المنطقة كشفا وبحثا، ويذهب ليدلل نفسه من ثمار شجرة السدر في منزل آل الشاهرودي في طرف البراق، ثم يعود إلى قفصه حين يطيب مزاجه، وبلبل آخر كان لا يقف إلا على متن أبي، يناديه فيأتيه بلهفة، وحين يجلس أحدنا لتناول طعامه فإنه يدعو نفسه للأكل، شرط أن تطعمه بيدك، لا أن يأكل هو بنفسه، وإلا لن يتركك تأكل براحتك، وحين يشبع، يتركك ويذهب غير عابئ بك.

ولكنني لم أحب يوما حبس طيور الزينة هذه، منحها الله أثمن ما في الوجود، الحرية، فكيف لنا نحن البشر الذين نخرب الدنيا إذا امتلكنا حريتنا، فكانت القيود أصل الأصول في انتظام عيشنا وقيام أمرنا؟ فعلا كرهت حبس هذه الطيور الجميلة لمجرد أن نستمتع بصوتها وبريشها الباهر الحسن.

على أي حال، الليلة، ومثل أي وحيد عتيد، خرجت لأتناول عشائي في مطعم قريب، داعب الهواء البارد حواسي، ونفذ إلى جسمي المتدثر جيدا عبر رأسي الحليق، كانت البرودة تتسلل إلى جوفي بنعومة لطيفة، وقد أشبعت برائحة أوراق الشجر، وعبق سعف النخيل، وبقايا التمر الذي لم يجنه أحد من النخيل الرابض وحيدا في البيوت الفخمة التي هجرها أصحابها بهذا الحي الفخم.

في المطعم الصغير، كانت هناك أسرة تتناول عشائها، مما اضطرني أن أغير مجلسي المعتاد لأدير ظهري للأسرة الصغيرة وعصفورتهم التي في الرابعة من العمر تقريبا.

بعد أن وضع أمامي الطعام، وفجأة، وجدت ريشة رمادية اللون ناعمة تهبط أمامي متراقصة، تتمايل مع النسائم المتسربة من الستارة البلاستيكية الشفافة التي تغطي باب المطعم، تعجبت من هذه الريشة الراقصة، رفعت رأسي لأتبين مصدرها، وإذا بعينين سوداوين تحدقان بي من خلف قضبان خشبية، كان هناك بلبل كبير في قفص من سعف النخيل فوق الطاولة تماما، يقف على العارضة الخشبية، مخفضا رأسه، ويتطلع نحوي، بريشه الممزوج بالأسود والرمادي، وكتلة الريش الصفراء عند قاعدة ذيله تتمايل مع حركته المهيمنة من الأعلى، لم ارتح للريشة التي هبطت على طعامي، ولكنني عدت للأكل مجددا.

ولكن الأمر لم ينتهي، لقد غضب الجميل من تجاهلي، نعم أقول لكم غضب.

انتقل إلى المنهل المركب في زاوية القفص، فوق طاولتي اللعينة، وبدأ ينثر المياه علي، حين ارفع رأسي نحوه يتوقف عن طرطشة المياه، يتطلع في عيني، مديرا رأسه يمينا وشمالا، يرمقني بنظرة من يمينه، ثم أخرى من شماله.

اعود لطعامي، فيعود للطرطشة، أرفع رأسي فيتوقف، تكرر الأمر أربع أو خمس مرات، فاستسلمت، رفعت رأسي نحوه وهمست:

– حسنا يا صديقي، آسف لأنني تجاهلتك، اعتذر لمقامك الجميل، هل تسمح لصديقك الوحيد مثلك، المسجون في ذاته، هل تسمح له بتناول طعامه بسلام؟

ولكن العينان العميقتان بقيتا تتطلعان فيَّ، ورأسه يتمايل برشاقة ذات اليمين وذات الخبب ـ بتعبير عدنان الصائغ ـ رفعت كاميرتي لأصوره فهبط سريعا إلى قاع القفص وأخفى نفسه، المشهد يزداد غرابة، حسنا أيها الجميل، أنت وشأنك، عدت لطعامي فعاد لمناكفته.

– طيب أيها الوسيم، أخبرني كيف الحل معك اليوم، أعرف أنك وحيد، وأنا مثلك، وحدتنا مزمنة، ما الحل يا صديقي الصغير؟ هل ستدعني أنال لقيماتي وأمضي بطريقي لا ألوي على شيء؟ أم أنك استعذبت هذه اللعبة؟ طيب دعني ـ على الأقل ـ أصورك حتى استعين على وحشتي بجمالك، لعلك ترضى مرة أو تسامح ـ هل العجز صحيح؟ لقد نسيت عجز ذلك البيت الذي مطلعه: فليتك تدري كل ما فيك نالني ـ ولكن رجائي خاب مرة أخرى، ما أن أرفع الكاميرا نحوه، يتوارى في قفصه مبتعدا، وبقيت معه، مدا وجزرا حتى أكملت طعامي وسط رشيش المياه الذي يطلقه نحوي حين اخفض رأسي عنه متجاهلا كبريائه المتدفقة من علياء متلفعة بالجمال.

حسنا، أنا يا صديقي مبارحك، عائد حيث ألتف على روحي، اسحب وحدتي إلى صدري مثل دخان السجائر، تستنزفني رويدا أيها الرمادي الأسير، وأنت وريشك الجميل، وزهوك المتكبر، تظل هنا، وقد غيرت الإضاءة مواعيد نومك، وأفقدك الأسر قدرتك على أن تدع أمثالي من المكسورين بسلام، أو لعلك بما وهبك المصوّر من قدرة أردت أن تؤنس وحشتي، أن تُطرق نحوي بحنو، أن تشاركني أمسيتي هذه بمحبة، أن تقول لي أنا معك أيها النائي، انظر بعيني وكلمني، لا تصورني، فهذه اللحظة أثمن من أن تحبسها في هاتفك المتخم هذا.

سلام لك أيها النبيل في هذه الليلة الباردة، خرجت، وليس في يدي من جمال هذه اللحظات الحميمة غير ذكرى، وصورة لقفص يختبئ فيه بلبل خجول من الكاميرا.

الاثنين، 15 كانون الثاني، 2018

عن الأشياء الجميلة التي تذهب عنك الغضب

لماذا تحزن؟

ما الذي يصيبك بالضيق؟

حسنا، لعلي آخر من يمكن أن يواسيك، أو يعطيك نصيحة في موضوع الحزن، أو الضيق، لأنني متضايق دائما، حزينا أبدا.

لكنني أعرف أن هناك أشياء جميلة يجب أن لا تغضب وأن لا تحزن، لمجرد وجودها من حولك.

الأشجار التي تحتضن آخر الليل صغار العصافير، نخيل البرحي، أشجار السدر، التي تحب البلابل أن تأوي إليها، فيها سكن لها، وطعام حلو.

هل أنت حزين؟

قم وقبل وجه أمك، عاند أباك، ناكف أخوتك، اتصل بأصدقائك، اذهبوا إلى مقهى، اشتموا بعضكم بدفء حميم.

انظر إلى كل ما حولك، انزلاق الأبواب في سككها، الصوت الذي ينبعث من انتظام سيرها، الملابس المغسولة التي يلوحها الهواء، فتنثر قطرات من الماء البارد على وجهك وأنت تمر من تحتها ذاهبا إلى عملك.

كل ما حولك يحمل في ذاته جمال.

قميصك الجديد، الذي كوته أمك، أو حبيبتك، أو تذكرت بنفسك أن تكويه صباحا، رغم أنك صحوت متأخرا، فقمت بالتضحية بإفطارك في سبيل أن تهندم نفسك.

الجميلات، كل النساء جميلات، يصحون مبكرات، يهندمن أنفسهن كي تطالع وجوههن الجميلة أول يومك، اللواتي يتجملن، ويتغنجن، ويتحجبن، ويسفرن، كي يلملمن شتات أرواحنا، اللواتي يرممن ما نخربه كل يوم، ويتداركن ما نخطأ فيه كل ساعة، يلقين بالجمال على كل ما نقبحه بسلوكنا، ويكبحن جموحنا وجنوننا، تداوي ايديهن الحانية جروح حروبنا، وخساراتنا، وخيباتنا المزمنة، ويكون همهن في الحياة أن نعبر هوّاتنا، يجزن بنا الجسر تلو الجسر.

كعوبهن العالية تضرب الرصيف، فتدهم موسيقاهن أروحنا بزوبعة تطير بنا عاليا، يصررن على لبسها رغم تورم أقدامهن، وآلام أربطتهن، لكي يرسلن في أرواحنا السعادة، عن أحذيتهن الـ(فلات) يخطرن بها عند الظهيرة، يجلبن الخبز الحار والسمك والخضروات الطرية.

عطورهن التي تسبقهن معلنة مقدمهن، وتلحقهن وهن يمرقن بك مياسات تتبع خطاهن، فتحير من يضع من، هن أم العطور؟

أطفالهن، يطلقون الضحكة تلو الضحكة تملأ أيامنا نحن الرجال العابرون بالجذل والشغف.

صوت الريح وهي تمر بين البنايات، تداعب حوافها الحادة، تحرك الأغصان في الشجر المغروس قديما بين تلك البنايات، تنقل البذار من شجرة إلى أخرى، تسقط الورق اليابس متيحة للحياة أن تستمر، تداعب النوافذ، كأنها أمك تحاول أن تصفر لك في مهدك، فتفشل، مطلقة مزيج من الحب والهواء المنغم، فتكتفي بتقبيلك لتضحك.

شعر الجواهري ومظفر النواب وعريان السيد خلف.

أصدقائك، الذين تهاتفهم في أي وقت تشاء، الذين تدخل عليهم الخاص دون أن تضطر للسلام.

غرفتك، بيتك، عاداتك الصغيرة التي تبثها الشكوى وتبثك السعادة.

الأشياء التي تزدحم في طريقك إلى العمل:

الأبواب المصبوغة حديثا، الأبواب القديمة، الشبابيك نصف الموصدة، والستائر التي تهتز خلفها، الطريق المرشوش أول الصبح طلبا للرزق، و(الخواتين) يحملن صحون الـ(قيمر) وأكياس الصمون الحار.

السيارات المرصوفة في زقاقكم الضيق، وبقايا البناء، الرصيف بمقرنصه المكسور.

أصوات الباعة الذين ينادون على بضائعهم الرخيصة، قانعين برزقهم القليل، وبيتهم الدافئ، وأفواه اطفالهم الممتلئة بالطعام، ونسائهم بالأثواب الـ(كودري) الرخيصة.

سواق الـ(كيات) وهم يهزون أيديهم يمينا وشمالا، يخبرونك بوجهتهم عبر لغة الإشارة هذه، يتوقفون لأجلك حيث تشاء إذا هممت بالركوب، ويقلبون سحنتهم إذا هممت بالنزول، دون ان يختلف مزاجك، لأنك تعرف أن هذا هو مزاج العراقيين المتوتر دائما.

الجيش والشرطة ورجال المرور، يلوحون أذرعهم، يستعجلونك بالمسير، يحاولون أن يشعروك بالأمن، وأنهم مسيطرون، رغم أنك وأنهم تعرفون حجم هذا الوهم.

الذين ينصحونك لكي تتشدد  في الدين، والذين ينصحونك لكي تترك كل ما يخبرك به أهل الدين.

أسراف الجميع في (الشح والندى) كما يقول الجواهري.

الشوارع الممتلئة، والشوارع الفارغة، التي تحتضن البيوت القديمة، وتقبل ساكنيها.

الحياة التي تجري سريعا، وتذوب سريعا، التي تطوح بك ذات الخبب، تسير بك (صلياً) حتى توقظك ذات يوم، مدرك بأن لا شيء يستحق ان تردم بسببه ذلك الركن الركين في روحك، الذي اختصك به الله لتجعله مستودع للأشياء الجميلة، تنزوي فيه بمفردك، مستطلعا وجوه من تحب، وأسماء من تود، تستعرض فيه صور الأشياء الجميلة، والكلمات البهية، والكتب الجيدة، والشاي الفاخر، وأقلام الباركر والشيفر، والقصب الفارسي المبري الذي خططت به اسمها ذات مرة، خواتمك الفضة، وعلب السجائر المعدنية التي دخنت ما في جوفها لأجلها، كتابك الأول، ومرتبك الأول، وكل الأشياء الأولى التي صيرتك ذات لحظة ملكا أمام ذاتك، كلها تزدحم من حولك، وأنت في كرسي هزاز، في مساحة لا تتسع لأكثر من كرسيك الذي احتضنك، الأشياء التي تزدحم مثل خيوط سجادة آذرية، تحتاج إلى أن تبتعد عنها لتدرك حجم الجمال الكامن فيها، وصدى صوت ياس خضر يغني لمظفر النواب:

يا حلم، يا مامش بمامش

طبع ﮔلبي من اطباعك ذهب

[الصورة: جناح العرائس في مركز حيدر علييف، باكو، آذربيجان، بعدستي]