تجارب واعتذارات ثلاثينية

كنت عازما أن أبدا يومي هذا بالسخرية من صفحة على الفيسبوك مرت أمامي صدفة اسمها (نقد العقل العراقي)، وأردت ان اسلق الصفحة بالقول أنها أبعد ما تكون عن الفهم، وعن النقد وعن العقل، لكن (تاريخ اليوم) ذكرني بأني لم أكن اختلف عن هذا الفتى الذي يديرها، من الواضح انه فتى صغير، صغير نضجا وتفكيرا ومعرفة على الأقل، من الواضح ان مصادر معلوماته محدودة وضيقة، وأنه قد انتقل بعنف من خندق إلى آخر، ولكني لم أكن أقل إيمانا منه بالمطلقات، وكانت الأمور بالنسبة لي ـ كشخص درس المنطق الأرسطي ـ إما ان تكون سوداء أو بيضاء، واحتجت الى وقت طويل، والكثير من التعلم والقراءة، والكثير من السفر والتعرف إلى الآخر قبل أن أبدا بفهم نسبية الأشياء، وارتباط تاريخ الأمم بسياقها، وتلون عقائدهم بتجاربهم الجمعية، احتجت الى الكثير من الكتب، والكثير من الكتب التي ترد على الكتب الأولى، انبهرت بمحمد عابد الجابري، ثم بعثر جورج طرابيشي ذلك الانبهار، وبصّرني بأن الإنسان ومهما بلغ من العلم، فإنه لا يتخلص تماما من ذاته، وإن حرصه على ذاته مدمر ما لم يحرص على ذات الآخرين بالطريقة نفسها، ورجعت لأحاسب نفسي، وأراجع أخطائي المعرفية، قبل أن اسلق من لم يتهيأ لهم من الظروف الطيبة ما تهيأ لي ومكنني من التعلم، ومعرفة أدوات العلم.

على مستوى بسيط، وجدتني قبل أيام قد سخرت بعنف من شخص متواضع المعرفة ولكنه يدعيها، رغم اني في الظروف الاعتيادية أكره ما أكره أن اسخر من الآخرين، وبررت لنفسي تلك السخرية بأن الرجل كان يسخر من مفكرين عظماء عجز بتفكيره المحدود عن فهمهم، لذلك فالسخرية حق فيه، ولكني كنت مخطئاً، لأن السخرية ليست أداة المعرفة المثلى، ولأن المتخندقين يزدادون ضرواة لو هاجمت خنادقهم وهم فيها، ولأن قليلي المعرفة انتحاريون فكريا بطبعهم، ولا يجدر بالباحث عن المعرفة إن يعترك معهم بهذه الطريقة، وإن الأفضل مع أمثاله هو تركهم، ومحاولة الحوار مع الشباب الدائرين في فلكهم، ثم وجدتني اسرد تجربة شخصية مع طبيب أراه جشعا، ورغم ما انفقته في مراجعتي له لم أشف، لكني شفيت على يد طبيب آخر كان غاية في النبل، فنبهني صديق عزيز الى أنني اسرد تجربة شخصية قد أجدها معكوسة عند شخص آخر مع ذات الطبيبين، ووجدتني مخطئ مرة أخرى، فأعتذرت له وأغلقت المنشور.
نحن في النهاية بشر، خطاءون، ولسنا آخر الأمر سوى مجموع أخطائنا، وقد تحولت الأخطاء الى تجارب، وصارت اعتذاراتنا عنها هي الأمر الوحيد الذي يمنحها السماح من الآخرين.

الصورة للمبدع العراقي مرتضى ﮔـزار

زهاء حديد…ومعضلة الانتماء العراقي

ما هو الانتماء؟

وما هي الهوية؟

ولم نضيق على الآخرين وما يرغبون في قوله؟

هناك الكثيرون ممن تضايقوا من كثرة ما نعى العراقيون الراحلة (زهاء حديد) على الفيسبوك، قال بعضهم انها لم تعد نفسها عراقية يوماً، وأنها لم تتكلم العربية في أي لقاء ظهرت فيه على الاطلاق، وكنت مثلهم في القول حتى شاهدت الرابط المرفق بهذه السطور، فتغيرت وجهة نظري لا في زها وحسب، بل أعدت النظر في أصل موقفي من انتماءات العراقيين المبدعين الذين لم ينسوا أصلهم ولم يتنكروا لجلدتهم.

وبعضهم لام الراحلة لأنها لم تنفق على العراق، وهي تقول أنها ليست ثرية، وبغض النظر عن ثرائها المزعوم فهو إذا كان حقيقيا ليس سوى كدها وتعبها، وليست ملزمة تجاهكم إلا معنويا، أكيد كان ليذكر لها تبرعها كمنقبة كما ذكر لمن بذل للعراق، ولكن إعراضها لا ينتقص من قدرها إطلاقا.

طيب، قلت مرة هنا أنني لا اتفاعل مع أعمال زهاء حديد المعمارية، لأني ابن البيئة العراقية والعمارة العباسية، ولا أتفاعل مع الحداثة في الأدب والفن، أحب أعمال محمد مكية ورفعت الجادرجي، ولا أرتاح للبنايات ذات الكلف العالية التي كانت زها حديد تأتي بها من الأساطير، ولكني سأكون أقبح الناس إذا غمطت ابنة محمد حديد حقها، وقللت من شأن منجزها المعماري، لقد غيرت تلك الراحلة وجه العمارة، وجملت وجه الدنيا بما انجزته، كانت ملكا للانسانية قبل ان تكون ملكا لوطن أو لقومية أو لعرق، فلماذا تتضايقون ممن نعاها؟

يبحث العراقيون عن أحد، أي احد ليتفقوا عليه، ينقبّون عمن يرمم ذاتهم المهشمة، ويلملم كرامتهم الجريحة، فتأتون بمعاول (الاختلاف لأجل الاختلاف) وتنهالون عليهم ضرباً

لماذا؟ ما هو الهدف؟

على الأقل أفضل من أن ينشغلوا بهرجات الفيسبوك والسباب الطائفي.

طيب، هل تظنون أن زها حديد كانت لتنجح في العراق، إن نجاحها ارتكز بدرجة كبيرة على وجود البيئة الحاضنة للإبداع، ولا أحسب انها كانت لتبلغ ما بلغت لو بقيت رهنا لآليات مجتمعنا الراكدة، لقد بلغت ما بلغت لأنها انطلقت في مكان آخر وليس في هذه البيئة الملغومة.

من نحن لنحاسب الناس على انتماءاتهم، ولم نضيّق علاقتنا بالآخرين على أساس الانتماء الضيق، كل مبدع إنساني هو موضع محبة وتقدير عندي، مهما اختلفت معه، مهما عجزت عن فهمه، وخسارة كل مبدع هي خسارة شخصية لي، فكيف إذا كانت المبدع هذه المرة امرأة عراقية تقول بكل ثقة، بكل كبرياء وأنفة:

(أنا عراقية عربية، لست بريطانية).

مهما رطنت زهاء بالانجليزية، إنها عراقية كما تريد وكما ترغب وكما تشاء، ولا أحد يمتلك القدرة على أن يسلبها عراقيتها.

لقاء مع زها حديد…انا عربية عراقية

[الصورة: مركز ثقافي من أعمال زها حديد، ألا تذكركم بمضيف القصب في الأهوار؟]