arablog.org

الخسارة الأقل كلفة

أكره كرة القدم لأسباب شخصية تماما، ولكني في أحيان كثيرة اجد نفسي وسط جمهورها الغاضب دون رغبة مني.
قبل ايام ذهبت مع صديقي “الريالي” الذي اراد مشاهدة مباراة ريال مدريد، توجهنا إلى مقهى شعبي في الكرادة – ارخيته – افضل الجلوس فيه عادة لأشرب الشاي وأشياء أخرى، بعيدا عن مقاهي المثقفين القريبة منه، لأنه يختلف عن تلك المقاهي بنوعية زبائنه.
أغلب رواد هذا المقهى من الكتاكيت، أو من صغار الكسبة، ينفتلون أول الليل إلى المقهى الذي يديره شاب اسمه مهند، ذاع صيته مرة على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب مهارته في العزف على اقداح الشاي – للأحبة العرب، نسمي قدح الشاي العراقي الصغير: استكان، وهو قدح لا تجدوه إلا في العراق -، المكان شعبي تماما غير متكلف، ومهند يخدمك كأنك صديق شخصي، يدور بعينيه على زبائنه، يحفظ التفضيلات الشخصية لكل واحد منهم، مثل داعيكم الذي يكره السكر في الشاي، ينادي: باشا، ﭽـاي مو؟ أجيبه نعم، فينادي عماله: واحد بدون شكر للباشا، فأغنم منه الشاي الممتاز، ولقب الباشوية علاوة على البيعة! – بالمناسبة، كتب صديقي ايتش هومو الفراتي مرة مقالا عن مهند – .
على أي حال، أعود إلى مباراة الريال إياها، جلسنا أنا وصديقي متكئين عند الزاوية التي تقع أقصى يمين الداخل للجزء الداخلي من مقهى مهند – حيث انه سقف المساحة الواقعة أمام مقهاه –، تكدست أمامنا الكراسي، وشيئا فشيئا بدأت تتقارب، تلتصق ببعضها كقصب ينمو عشوائيا، مفسحة المجال لكرسي آخر وزبون آخر يتسمر أمام الشاشة الفضية، حتى ازدحم مثل قطار هندي، تخيل محل مربع بمساحة 5X5 تقريبا، تكدس فيه أكثر من اربعون شخص، تربعت جنبهم الاراكيل، ينفثون الدخان “بحسرة مفارگ” كما يغني ياس خضر، فبدا المقهى كحمام شعبي تكاثفت فيه الأبخرة والقهقهات والشتائم، وعجزت ساحبات الهواء عن مجاراة هذا الدخان المتكاثف، حتى ضاق الدخان بالدخان، يتعالى من أجواف شباب لا يتجاوز أكبرهم الثامنة عشرة، وكنت وصاحبي بينهم بعمر جدودهم.
في الكرسي الذي على يمين صاحبي جلس شاب في الثامنة عشرة – باعتباره تخرج لتوه من السادس الاعدادي – ومعه شقيقه الأصغر سنا، التفت الأخ الأكبر محدثا شاب آخر يجلس إلى يساري، أخبره أنه قدم أوراقه إلى الكلية العسكرية، ولكن الطبيب رفضه في الفحص الطبي.
رد عليه جاري: يمعود، تروح لكلية ما بيها بنات، وفوﮔـاها عريف جاسم مـﮕـابلك يوميا، وراها تروح للجبهة ويكتلوك داعش، شلك بهاي اللغوة.
فرد عليه الشاب: احسن مما أروح اصير طبيب واعالج واحد والله ياخذ أمانته ويكتلني ابن عم عريف جاسم لو ياخذ مني فصل يبيعني الأكو والماكو.
رد عليه الشاب: ومنو ﮔـال اريد اروح لكلية الطب؟
فتعجب الأول وتسائل: يعني قابل وين غير هذني الاثنين – العسكرية والطبية – أكو تعيين؟
رد عليه الشاب: اروح تحليلات مرضية.
ثم انبلجت الشاشة الفضية عن هجمة خطرة، فنسى الاثنان حديثهما، وتسمرت البواصر على المستطيل الأخضر، تتابع أقدام اللاعبين الذي أنفقت الملايين من الدولارات لتجميعهم في فريق واحد، استثمار طويل الأمد، تقف خلفه طوابير من الوظائف التي تعتاش على هذه الساحرة المتدحرجة بين الأقدام، بينما قبع شباب بعمر الورد هنا، يفكرون بطريقة يموتون فيها بطريقة اقل خسارة، وحسب.

عن الحياة وخياراتها (مترجم)

الكلمة أدناه هي لـ Sarah Bäckman وهي bodybuilder (لاعبة كمال اجسام) سويدية تعيش في الولايات المتحدة، الرياضة التي تفقد الرجال وهج الحياة وتجعل من يمارسها منهم يبدون كالتماثيل الصماء، فكيف بالنساء؟

على أي حال، رغم بساطة ما كتبته، لكن وصفها لتجربتها في الحياة عميق، وهي تثير أسئلة محيّرة، عن الحياة، وعن صورة الحياة في الغرب في مخيلتنا العربية، هي تقول (بترجمتي عن الانجليزية):

(انها لمفارقة جميلة ومبهجة أن افكر بأني أعيش اليوم ما اعتدت على ان يكون كابوسي الأسوأ في السابق، حينما كنت أعيش في السويد كنت بشكل جاد خائفة من أن اصبح ما نطلق عليه بالسويدية (Svensson) وهي كلمة تعني ان ينال المرء تعليما جامعيا، ويحصل على عمل جيد، يتزوج، يشتري سيارة، يحصل على منزل مع حديقة، يرزق بأطفال، ثم يعيش بعدها كالسنجاب ما تبقى من حياته بهذه الرتابة، وبمثل هذه الحالة لن تتمكن من الخروج عن الطريق لفعل ما ترغب انت بفعله خارج المعتاد، لأنك يجب أن تكون مثل كل أفراد المجتمع الآخرين، أو انك سوف تتعرض لانتقاد الناس، وهو الأمر الذي لم استطع يوما أن اتخيل نفسي أقوم به، لهذا بالأساس هربتُ إلى امريكا.

ولكن.. ما الذي أعرفه حقيقة؟

انا الآن متزوجة، لدي كلاب، منزل قديم في الضواحي، سيارة، في النهاية حياة بالضبط كتلتك الحياة التي كنت اعتبرها كابوسا حينما كنت تلك الفتاة القديمة في السويد، هل أن تفكيري تغير لأنني وجدت الشخص الصحيح لأعيش معه تلك الحياة التي كرهتها في السابق؟ أم ان الحياة ببساطة هي أكثر تنوعا وغنى بالألوان في الولايات المتحدة؟

شخصيا، اعتقد انهما الأمران معاً)

أليس من الغريب ان تتحدث فتاة سويدية عن رتابة معايير الحياة في بلدها؟ وان تقول بأنك لا يمكن ان تخرج عن أسلوب الحياة السويدي وإلا تعرضت للانتقاد؟ ورغم انها في النهاية تلمح إلى اختلاف طريقة الحياة في الولايات المتحدة (الحياة على الطريقة الأمريكية) ولا أباليتها، إلا انها تضيء على أمر آخر أكثر أهمية، هو ان تجد شريكا يشاطرك الرتابة تلك، بما يجعلها رتابة سعيدة.

وهنا أتسائل ألسنا نشتم مجتمعاتنا لذات السبب، منعك من الخروج عن المألوف؟

سؤال بحاجة لكلام طويل.

 

It’s pretty fun to think that I’m living what used to be my worst nightmare. When I lived in Sweden, I was seriously scared to be something we call a “Svensson” which means, you get a college education, get a good job, get married, get a car, get a house with a garden, get kids and then you live like a squirrel in a wheel for the rest of your life. You can’t stand out and do your “own thing”, you have to be “like everybody else” or people will judge you. It was something I couldn’t even dare to think about! So I basically escaped to America, and what am I know? I’m married, I have dogs, house out in the valley, car and life is exactly what would be a nightmare in Sweden according to my old mindset. Did my mind change because I found the right person to do it with, or is it because life simply is better and more colorful in the U.S? I think it’s both

 

مشهد بغدادي من الألم العراقي

ركبت من الباب الشرقي الى الكرادة، صعدت سيارات الكرادة داخل (الكوستر)، كنت اجلس في المقعد الأخير، وفي المقعد الذي جنب الباب مباشرة كان يجلس شاب بهي الطلعة، دفع الشاب (الكروة) ولم يكن لدى السائق فكة ليعيد له الباقي، بعد قليل صعدت طفلة صغيرة قرب تمثال السعدون، جلست خلف الشاب وناولته الأجرة، بمقدار يسد الباقي له عند السائق، عندها نادى الشاب ذي الهندام الحسن ان الباقي قد وصله.
كانت الطفلة بحدود السادسة، نحيلة جدا، ترتدي قطعتي ملابس رياضيتين بائستين اختلط لونهن الاصفر بصفرة وجهها، وتلف شعرها بقطعة قماش شفافة، تحمل كيسا من البلاستك لم اتبين محتواه، وبيدها علبة عصير رخيصة، شكلها بدا كأطفال الشوارع الذين يقفون في التقاطعات يستجدون او يبيعون سلعا تافهة، كان البؤس يلفها تماما.
حين وصلت السيارة الى ساحة الفردوس، وقرب فندق فلسطين شاهدت طفلة تطابق الفتاة تماما، تقف في الساحة وبيدها علبة من العلكة،تبيع منها للمارة، وما ان شاهدت الفتاة في السيارة حتى ابتسمت لها ورفعت يدها بالتحية، هما رفيقتان إذن، وظني كان في محله.
في ذات اللحظة انتبهتُ ان الشاب الجالس قرب باب السيارة قد لاحظ ما حدثت بين الفتاتين، وبطريقة آلية دس يده في جيبه وأخرج الخمسمئة دينار التي اعطتها الفتاة له، ومد يده للخلف دون أن يدير وجهه حتى، بطريقة خفيفة لا يريد معها ان يشاهده احد، او تشاهده الفتاة، مد يده معيدا للطفلة نقودها، اخذت البنت النقود دون تردد، ثم نزلت مباشرة، لا أعرف إذا كانت قد خافت من هذا الذي ناولها النقود ففرت سريعا، او انها ظنت انه يرد الباقي لمن في الخلف وليس لها وقررت ان تسرقهن، او انها ببساطة قررت أن تلتحق بصديقتها الواقفة في التقاطع، تبيع احلامها في المدينة العجوز.

الباب الشرقي والكرادة، من مناطق بغداد القديمة يقع كلاهما في جانب الرصافة، وفي الباب الشرقي يقع نصب الحرية الذي شيده جواد سليم واطلق اسم ساحة التحرير نسبة له

من ألف باء البحث العلمي في الدراسات الانسانية

لست هنا في موضع التطرق لمناهج البحث العلمي وهي واسعة وتحتاج قراءة مستقلة، أنا هنا فقط أشير إلى جانب من طبيعة البحث العلمي، إلى صورة عن روحه مهما اختلفت المناهج.

لكي تقيم شخصية تاريخية لابد من أن تقيمها وفق معيارها الزمني، وفق متبنياتها الشخصية ذاتها، ومدى التزام تلك الشخصية بما تبنته من قيم، أن تقارن بين الفعل الحقيقي وبين القيم المعنوية، عند تلك اللحظة تطلق حكما تحرص على أن تكون نسبيا فيه، بلغة غير حدية، قابلة للنقاش والمراجعة والتراجع، وتحرص على أن تقول أن هذا رأيي الشخصي واستقرائي، وتحرص على أن تؤسس حكمك الأساس على المعيار الزمني الذي عاشت فيه تلك الشخصية، وتقرر هل التزمت بمعاييرها أم لا، وهنا تقرر ما إذا كانت تلك الشخصية قد التزمت بمعيار القيم التي تبنتها في سياقها الزمني لا بمعيار القيم الحالية التي تتبناها أنت، وأن تحاكمها بمعيارها لا بمعيارك المتخيل.

وفي كل هذا لابد أن تفهم أن اللغة البحثية في الدراسات الإنسانية بالمطلق لغة نسبية، لغة غير حدية، لا تستخدم ألفاظا قد تفقد المادة البحثية حياديتها ولابد أن تعرف أيضا أنه لكي تطلق حكما تاريخياً له قيمة فلابد أن تكون مدخلاتك البحثية واسعة ووافية، مصادر، وقائع تاريخية خضعت للتدقيق والبحث وفحص المصداقية عبر الشك ومنهج الجدل.

مثال: هل لاحظت جنابك بأنه حتى الدراسات الغربية تقسم تاريخ الحكومات الإسلامية إلى مراحل، تختلف كل مرحلة بمعاييرها؟ إذا كنت قد لاحظت ذلك فسأعطيك سببا واحداً لهذا التمييز بين المراحل، وهو تبدل مفهوم رأس الأمة، فبعد وفاة الرسول، وحتى مقتل الإمام علي، كانت الدولة مؤسسة على مبدأ (الإمام) وهو أفقه القوم وأعلمهم بالدين والدنيا، مما يعني أنك لتقيم حاكما في تلك الفترة فلابد أن تقيمه بالتزامه بالدين، وليس بمعيارك الحاضر لما تعنيه الدولة، هنا أنت تتفحص مدى التزام مسلمي الصدر الأول بالمثالية الإسلامية، وهو التزام يختلف بين الخلفاء الأربعة ذاتهم، كل بطبيعته الشخصية.

ثم بعد قيام الحكم الأموي يبدأ منهج جديد للحكم لا يتطابق بمقدار قيد أنملة مع فكرة مسلمي الصدر الأول عن القائد أو رأس الدولة لو شئت، لأنه لم يكن فقيها، ولم يكن أصلح الناس، وتحولت الرياسة إلى وراثة، بل أن اتباع الأمويين يعدون من مفاخر مؤسس الدولة الأموية أنه أول ملوك الإسلام، هنا جانبك لا يحق لك ان تقول فلان أنجح في حكمه من فلان، لسبب بسيط، الفلانين ذاتهما ينطلقان من موقف مختلف تماما، ومن نظام حكم مختلف تماما، وقيم مؤسسة مختلفة تماما، ولا يصح أن تقارن لتقيم من الأفضل، انت تقارن هنا لترى من الأكثر التزاما بمنهجه تحاكمه بالتزامه الشخصي ومدى تأثير التزامه الشخصي هذا على ما تفترضه أنت نجاحا، وما قد يفترضه غيرك فشلا، المقارنة هنا بين (النجاح والفشل) غير دقيقة، لأن (صورة النجاح) تختلف عند من وجدته “فاشلاً” وإنك إذا اطلقت حكما خاطئا، بمعيار خاطئ فإن النتيجة هي رد فعل عكسي قد يهدم ولا يبني.

مثال ثاني: حول الكلمات التي تُفقد تحليلك حياده وقيمته، انظر مصطلح (ميليشيا)، بالرغم من أن هذا المصطلح محايد في اللغة الانجليزية والذي لا يتضمن موقفا مسبقا من الموصوف به، إلا ان الاستهلاك الإعلامي العربي له بطريقة تنطوي على موقف سياسي مسبق قد أفقدته حياده وخلخلت قيمته الأكاديمية، لأن الخطاب الأيديولوجي الذي أسبغ صفة سلبية مسبقة على المصطلح جعله بهذه الكيفية غير صالح للاستخدام الأكاديمي الذي يفترض التجرد بالمصطلح، فكيف يمكن أن يتحقق التجرد عبر استخدام مصطلح دلالته لم تعد متجردة في اللسان العربي؟ على هذا أميل دوماً إلى استخدام مصطلح (فصائل غير نظامية) الذي يؤدي ذات المعنى بتجرد, ينظر:

International Encyclopedia of the Social Sciences, William A. Darity Jr. editor in chief (New york: Macmillan reference, 2008) vol5 ,P163

 

 

 

 

انزياح الدين لصالح الفلسفة

الملحدون الجدد ومثقفو الفيسبوك يتصورون ان الحضارة الأوربية متقدمة لتجردها عن الدين وحسب، ما لا يدركه الجماعة ان الغربيين لم يحلوا الفراغ مكان الدين، الفراغ الذي يعيشه (الجماعة) إياهم، فالدين، بما يسوقه من أسئلة، وإجابات، وما يقدمه من قاعدة فكرية يحوج معتنقه إذا ما انزاح إلى منظومة فكرية تحل بديلا له، الحضارة الغربية انغمست بالفلسفة، وانتقلت شعوبها من الدين إلى الفلسفة، التي أسست للمواطنة والدولة المدنية، وحينما اضمحلت الروادع الدينية كانت الدولة المدنية، والمواطنة، والقوانين القوية قد هيمنت على الفرد الأوربي، وصارت أسلوب حياة له، جنبا إلى جنب احترام العقائد الفردية للآخرين، وعدم السخرية من متبنياتهم المعرفية والدينية، لتقوم العلاقة بين أفراد المجتمع على أساس احترام الحريات الفردية، وصيانة الحقوق، والتساوي أمام القانون.
(ربعنا) يحسبون انك لكي تصبح متطور كالغرب فما عليك إلا أن تصير ملحدا، وان تبدأ يوميا بسب عقائد الناس حقا كان سبك أم باطلا، ليتماهوا مع المتطرفين الدينين بالإقصاء للآخر المختلف، فهم ــ كالعادة الأثيرة لدى الشعوب المتخلفة والمهزومة ــ فهموا الأمر بالمقلوب.
أكبر مشاكلنا الحاضرة اليوم هي مشاكل دينية، مشاكل خاضعة لتفسير النصوص، والتموضع في خنادقنا التاريخية، وفي النصوص الدينية نفسها تكمن الحلول، فنحن بحاجة إلى تسوية، إلى صيغة توفيقية للتعايش، وليس إلى زيادة الطين بلة بالهراء السطحي.

عن المحافظين الجدد والببغاوات العرب

تيار المحافظين الجدد واليمين الأمريكي لهم ما يبرر وجودهم في بيئتهم الاجتماعية والسياسية، كمدرسة لها معالمها، وتيار له تاريخه، وترميزاته الفلسفية، ونظرياته الاقتصادية المنسجمة مع كل ما ذُكر، وفي سياقه الاجتماعي لا يبدو عجيبا صعوده ووجود أكاديميين لامعين نظّروا له، ووضعوا مؤلفات دسمة في ربطه بجذوره التاريخية في أوربا، بل إن واحدا من أكبر منظريه يعد أبرز متخصص بنيكولا مكيافيلي، وأكثر الأكاديميين فهما له، كجزء من انسجامه مع التراث الفلسفي اليوناني والأوربي الوسيط وحين أراد بعض طلابه الاحتفاء به قاموا بإعداد كتاب ضم مجموعة من الدراسات عن فلاسفة العصور الوسطى والحديثة وأطلقوا عليه (تعليم الأمير) في إشارة إلى (الأمير) كتاب مكيافيلي، وهذا الأكاديمي هو هارفي مانسفيلد.
ما يصيبني بالحيرة هم العرب، والعراقيين بشكل خاص فيما يبدو، الذين ما إن تعلم واحدهم كيف يستعمل مواقع التواصل الاجتماعي، إلا وطفت عقده على سطح استيعابه العقلي، وانخرط بمتابعة مجموعة من المتطفلين على المعرفة والبحث، الذين يجيدون اللغة الانجليزية، والذين يبدأون صباحهم بجولة في مواقع المحافظين الجدد، يحفظون ما يجدوه هناك، ثم ـ وكأي ببغاء نجيب ـ يعيدون قوله لأتباعهم العرب، الذين لا يستطيعون التفريق بين المدارس الفكرية ضمن العنوان الواحد، فيظنون ان المدرسة الليبرالية واحدة، والاشتراكية واحدة، والرأسمالية واحدة، ويلعنون كينز أكثر من لعنهم لماركس جريا على سنة ميلتون فريدمان، وفوق ذلك كله لا يعرفون انهم ـ مرة أخرى ـ كأي ببغاء شاطر يكررون مقولات مدرسة تحتقرهم كعرق وثقافة ضمن حضارة معينة، ولا يعرف ثلاثة أرباعهم من هو هارفي مانسفيلد!
هم في الحقيقة يذكروني بصنف آخر من العرب معجب بهتلر ويضع صوره حيث ما مر، وهم لا يعرفون ان هتلر لو ظفر بهم لقام بقليهم في “الطاوة” بدون زيت.
#اركض_يعامر_اركض
#انبياء_اليوتيوب_والفيسبوك_واتباعهم
#ببغاوات_نجيبة
#محافظون_جدد

الرياضة في مخيال السياسة والدين

لا أذكر بالضبط في أي سنة فاز نادي النجف الرياضي على ضيفه نادي الزوراء، قد تكون في بداية التسعينات، كنتُ واقفا في ساحة الميدان قرب تسجيلات علي العبيدي سابقاً ـ نسيت اسمها الفعلي وظل اسم صاحبها ببالي ـ، على جهة طريق السيارات الخارجة من المدينة القديمة، فجأة انتبهت إلى مجموعة من الرجال، بحدود 200 شخص يركضون، كان الجو باردا لأنني أتذكر انهم كانوا يرتدون ستراً وقماصل جلدية، ويحملون (شمغ) بأيديهم، ويهوسون، صاروا إزائي بالضبط حينما مروا أمام جامع البهباني، وكانوا يهتفون مهنئين الإمام علي بفوز فريق النجف على فريق الزوراء، وركضوا حتى وصلوا إلى الصحن العلوي وفرقهم عناصر الأمن هناك، لا يمكن لمن لم يعاصر تلك الحقبة أن يعرف معنى هذه التظاهرة، وحجم التحدي الهائل الذي انطوت عليه بخروجها.

بعدها بسنوات، اتذكر الباصات الكبيرة التي نسمي واحدتها (منشأة) وقد اصطفت في شارع الرابطة، قرب حمام (كلة حسين/ حمام جاويد)، وكان الشباب الذين أعرفهم، والرجال بعمر أبي يصعدون لتلك الباصات المتراصفة في صف طويل باتجاه جبل الحويش، كان الصباح الشتوي الباكر يلف الشارع ببرودته، والرجال المتلفعين بملابسهم الثقيلة وشماغاتهم يدلفون تباعا إلى السيارات، وكانت السيارات قد امتلأت وبدأت بالاستعداد للتحرك مع خروجي إلى المدرسة، لم تكن هناك وفاة إمام تستدعي زيارته والتحشد في قافلة كبيرة مثل هذه ـ وهو السؤال الذي طرحه أحد الأشخاص في بغداد وهو يشاهد سيارات أهل النجف تدخل في طوابير متلاحقة لا تنتهي، عابرة منطقته البغدادية العريقة ـ كان السيارات تقل أهل النجف إلى ملعب الشعب، ليحضروا المباراة النهائية بين نادي النجف الرياضي ونادي الشرطة، يومها فاز نادي النجف بالبطولة وأخذ درعها (بطولة أم المعارك)، وبعد أن أدوا الزيارة إلى الإمامين الكاظمين، عادت القافلة إلى النجف ليلا صحبة سيارة فريق النجف، حوالي التاسعة ليلا احترق صمت المدينة، وامتلأ الهواء والطرقات والبيوت وغرف النوم وسراديب النجف المعتمة، بأصوات المنبهات، تنفجر كأنها صراخ المدافع من السيارات المحيطة بسيارة الفريق، تعلن فوز النجف، نعم النجف وليس نادي النجف الرياضي.

تلك الأيام، كانت كل مباراة مع نادي الزوراء تنتهي بشجار، وشتيمة يبدأ أولها في النجف، وينتهي آخرها في “العوجة” مارة بالقصر الجمهوري، هذا هو الواقع، كان المخيال الشعبي ببساطة يعد نادي الزوراء نادي السلطة، نادي صدام وعدي، والمباراة معه هي مباراة وجودية، معركة بين النجف وما تمثله وبين صدام وما يمثله، ببساطة شديدة كانت كل مباراة تمثل احد تمظهرات الصراع بين السلطة والمجتمع، وكان حكم المباراة يتلقى سبابا يبدأ من الأهزوجة الشهيرة: (هيه هيه هذا الحكم ناقص)، وتمتد إلى مستويات رهيبة من القدرة البلاغية الفائقة على صياغة الشتائم النابية شعرا، ومهما كانت النتيجة فإن جمهور فريق النجف كان سيعلن أن الحكم تحيّز لفريق السلطة.

وليس هذا فقط، كان صدام النجف الاجتماعي مع نظرائها في الجنوب أيضا يظهر في مثل هذه المناسبات، في إحدى المباريات مع فريق جنوبي حمل مشجعوا ذلك الفريق تابوتا من الكارتون وأخذوا يدورون به بينهم، غامزين أهل النجف بأنهم يعملون في دفن الموتى (دفّانة)، فرد عليهم النجفيون قائلين: (احنه اللي ندفن جيفتكم)، فصمتوا اتقاء شر أهل النجف.

ما حدث في ملعب نادي النجف بعد مباراة الفريق مع نادي أربيل الرياضي اليوم، وهجوم المشجعين على الملعب صارخين (هية هية هية، اربيل داعشية) هو نتيجة للشد السياسي اليومي بين بيت البارزاني والحكومة العراقية، واستفزاز مسعود المتواصل وغروره ورعونته، فضلا عن تحميل الشارع الجنوبي لمسعود جزء كبير من مسؤولية احتلال الموصل بالتعاون مع آل النجيفي، لهذا كان طبيعي جدا ومتوقع أن يحصل هذا، خصوصا أن جمهور أربيل سبق له أن مارس هذه الاستفزاز تجاه نادي النجف من قبل، نادي النجف الذي يتمتع بأكثر الجماهير شراسة وميلا إلى الصدام في العراق.

16/ 12/ 2016

قضايا فيسبوكية

الفيسبوك هذا ليس إلا مساحتنا الشخصية، نفلت فيه أحيانا ما نفلته في “صفنة” تتلو “استكانين” من الشاي، ونسبك فيه أحيانا ما نفكر فيه بعد قراءة توماس هوبز.
نتحدث فيه أحيانا عن أشياء كبيرة جدا، مثل العراق، أو أشياء نظنها كبيرة، مثل حديثنا عن العراق، الذي كثيرا ما يكون حديثاً ساذجاً.
ونستطرد على صفحته في سويعات أخرى لنقول كلاما سطحيا لا معنى له خارج السياق العام المتوتر المشحون بالترقب، والأمل بعودة أحبتنا سالمين محررين، كلام لا قيمة له مثل هذا الكلام:
أكره أن يكون لدي ملابس كثيرة، أكره أن تتعدد خياراتي في اللبس، اكتفي عادة ببنطلونين أو ثلاثة، وقميصين أو ثلاثة مما يلبس في الصيف، ومما يلبس في الشتاء، أكره أن اشتري ملابس جديدة وملابسي لا تزال بحال جيدة، ولأنني لا أبلي الملابس بسرعة لحذري الدائم فقليلا ما أشتري سترة جديدة، أو قمصلة جديدة، لدي “قماصل وستر” لا زلت ألبسها منذ سنوات، لا تزال جاكيت “قاط التخرج” عام 2009 في الخدمة العامة، وحين تخرج الملابس من الخدمة العامة أدخلها الى الخدمة الخاصة فارتديها في البيت، ثم أستخدمها آخر المطاف كبطائن أعزز بها قوة أغلفة الكتب التي أجلدها بنفسي.
أكره تبديل الديكورات، وتغيير الألوان، والبنايات المشيدة بالأسمنت والحديد، اكره ناطحات السحاب، والأكل المعدل جينيا، و”تمن الوجبة”، أكره السفر برا، مغرم بالسفر بالطائرة، ابتهج كطفل اشترى له أبوه حلوى النعناع التي يحبها عند تلك اللحظة التي تنتقل فيها الطائرة من المدرج الفرعي الى المدرج الرئيس، تمشي ببطء، ثم فجأة تنطلق بسرعة وحشية حتى تقلع بنا.
أكره المطاعم الفخمة رغم أني أحب الطعام الفخم، أحب المطاعم الشعبية في النجف، كباب مطعم (المشهد) عندي أفضل من كل الأطايب التي أكلتها خلال أسفاري الى بلدان تهتم بالفخامة في الطعام، أحب المقاهي الشعبية، شرط ان تكون هادئة خالية من صخب الشباب ولا اعترض على صخب الشيوخ، أعطني مكانا انام فيه بمفردي، وسأنام كيفما اتفق، ما دمت دافئا فلا فرق عندي على الأرض نمت أم معلق في الهواء، وفي الصيف جنبني الهواء البارد، وسأنام مثل طفل صغير، أكره كريمات الوجه ومثبتات الشعر والملمعات، أعطني أشياء نظيفة وسأطير من الفرح، أكره أن أمشي أو أجلس في المنتصف، أكره فلاتر الفوتشوب التي يجلس كل مصور اقصده لنصف ساعة وهو يحاول أن يقعني بضرورة أن تمر “جهرتي” عبرها، ثم يعود خائب الأمل، ولا يطبع اسمه على الصورة التي تظهر أنفي الكبير، وشعر وجهي المهمل وتعرجات وجهي “المخربطة”.
أكره السيارات الفخمة ذات الدفع الرباعي رغم أنني أحب “الكراون تويوتا” لأسباب شخصية، والمرسيدس لأسباب تتعلق بي كشخص قلق، أبحث عن أكثر الأشياء تماسكا وقوة، مثل الدولة، دولة توماس هوبز.
#سوالف_بدون_قصد_ولا_معنى

المدينة التي تبتعد (6)

محلات لم تعد موجودة (2)

محل أسد ميرزا علي

على ذات طريقي ذات اليمين ذاك، وقبل أن أصل إلى (خان الحجي)، كان محل أسد ميرزا علي النجار في أول (عكد بيت مال الله)، وأسد هذا كان من أحب خلق الله لي في طفولتي، ما قابلني يوما إلا بالمودة والبشاشة، أذكر مرة أني فجأة قررت أنني أريد خشبة طويلة، فسرحت له دون تفكير، وقلت أريد خشبة طويلة، فناولني الخشبة دون أن يسألني لماذا وقال: يله روح للبيت، بكل بساطة، كان منزلهم في البراق يجاور منزلنا، نشترك معهم بجدار واحد، لكن بابهم كانت وسط البراق، وبابنا على الشارع، ولكي تصل لهم فانك ستدور دورة طويلة في العكود قبل أن تصل لهم، ولطالما ناولت جدتي أرغفة الخبز الحارة لأم أسد من ذلك الجدار الرفيع بيننا، ولطالما تحادثتا وهما تخبزان معا، كل واحدة في سطحها.

ولكن ذاكرتي عنه انثلمت حين غادر العراق في 1991 إلى (رفحاء) ومنها إلى الولايات المتحدة، ورغم أن أخوه تولى المحل بعده، لكنه بقي محل أسد، حتى بعد ان تركه أخوه بعد 2003، وأجرته أمه إلى السيد ناجح غيبي الخياط.

لم يعد أبو نمر من الولايات المتحدة إلا بعد 2003، عاد ليجلس على السور وكأنه لم يغب لسنين طوال، عاد وشكله لم يتغير ـ رغم أنه اكبر من أبي ـ هو هو، أبو نمر، جالس في موضعه على السور، كأن الدنيا لم تمر به، ولم يمر بها، لكم أحب هذا الرجل.

المرحوم كاظم حميدي

ألتفتُ هذه المرة إلى يساري، أخبُ حتى أصل إلى المحلات التي أخرجت من منزل لأحد أفراد أسرة (آل دوش) أول ركن (عـﮕد الجمالة)، يتوسطها محل المرحوم كاظم حميدي، صباغ الملابس المسن، الذي لم يكن يترك أحدا يمر دون أن يوقفه، يسأله من أين وإلى أين؟

كان رحمه الله أبيضا مشربا بحمرة تميزت بها بشرة أسرته (آل حميدي)، اصلع، له شارب ولحية وخطهما الشيب، ووجه مستدير بهي، يجلس في قعر محله المظلم، وقد أحاطت به صفائح الصبغ، وخلفه برميلان كبيران، وموقد تحت مرجل كبير، لم أشاهده يمارس مهنته سوى مرة يتيمة كان ينشر فيها على حبل مده على خربة آل حميّد قطع من القماش، صبغها باللون الأرجواني الفاقع، لون (القجرات).

تخبرني عمتي انه كان أول من تلقاها على السور يوم ولدتُ، وعادت بي إلى البيت، تبشر جدتي بأن وحيدها قد رزق ببكر ذكر، صاح من محله: (ها بت شيخ كاظم شجاه هادي؟)، فقالت: ولد، فأخذ يردد صارخا بصدق: مبارك، مبارك بقي يكررها حتى بعد أن غابت عمتي عن ناظريه، بقي صوته ينبعث من جوف المحل المظلم كأنه صوت سماوي يمطر على أذنها: مبارك مبارك.

صور من النجف

1. تفصيل من منزل كاظم صبي في طرف البراق، وكان زعيم الطرف، والرجل الذي وقف خلف ما يطلق عليه اسم (دستور البراق) سنة 1915، اعدمه الانجليز عام 1918

تفصيل من منزل كاظم صبي في طرف البراق

2. إعدادية النجف المركزية للبنين، تأسست عام 1925 (ثاني أو ثالث اعدادية في العراق)

اعدادية النجف اعدادية النجف

3. منزل عبد المحسن شلاش (1882 – 1948) التاجر والوزير في العهد الملكي العراقي

 

 

 

منزل الحاج عبد المحسن شلاش

 

4. مقبرة السياسي الكبير في العهد الملكي صالح جبر (1896-1957) على الشارع الرئيس الرابط بين النجف والكوفة (شارع الكوفة)

مقبرة صالح جبر

5. آخر سوباط في النجف، في طرف الحويش، الصور قبل الهدم التقطتها عام 2005، وبعد الهدم هذا العام، هن سوباطين، الأول من جهة الطمة، والثاني من جهة دور السادة آل الخرسان.

أ. من جهة آل الخرسان قبل الهدم

سوباط الحويش 2

بعد الهدم

سوباط الحويش img_5303

 

ب. من جهة الطمة

قبل الهدم

سوباط الحويش scan30002

بعد الهدم

سوباط الحويش img_5306 img_5311 img_5312 img_5313 img_5314

 

 

موقع آخر في Arablog