arablog.org

العراق الذي ينتصر

حسنا، يبدو أنني لن استطيع أن أكتب ما يرضيني فعلا، لهذا قررت أن أكتب على أي حال، أن اترك لنفسي الحديث دون رقيب أو ضابطة.

سأحدثكم عني منذ حزيران 2014.

ببساطة، لم ألتذ بلذيذ، أو أطرب لمطرب، أو أهنأ بعذب منذ تلك اللحظة.

كنت أضحك، ثم فجأة أشعر بعصرة تقبض انفاسي، ويضيق لها صدري.

كانت مشاعري مزيج من الغضب العارم، والحزن العارم، والغبن العارم، ولكن الأكثر ألما والأكثر إزهاقا للروح كان الشعور بالإذلال، إذلال من يرى 7000 عام تسحق بالأقدام، إذلال لعنفوان لم يهدأ للحظة على هذه الأرض، كبرياء كانت على الدوام تياهة بالحق والباطل، ثم ديست بإقدام مجموعة من القاذورات في سيارات بيك آب.

ثم أتدرون ما هو الأكثر وجعا؟

حسنا، أنها اعراضنا، نعم اقولها مثل أي عراقي بدون رتوش التثاقف وادعائاته، اعراضنا من الأيزيديات والتركمانيات والشبك وغيرهم الذين أخذتهن داعش بحكم ديني صار من التاريخ ومن العار والمعيب الحديث عنه وإفراد باب له في المدونات الفقهية، يااااااااااااااااااااااااااااااااااه يا حسرتي عليهن.

كنت أقف طويلا أمام المرآة، وأشعر بأنني جزء من هذا العار، ارفع كفي، وأرسلها إلى المرآة، [غمة] لنا، لعجزنا، لتقاعسنا، لهذه الكرامة المهدورة، وصرخات نسائنا.

كنت أخجل أن أعرب عن إعجابي بشيء، او فرحي لشيء.

خجل حتى قرارة الروح.

ثم انبثقوا من الأرض، كالحياة، يهدرون، جاءوا من النواحي المهملة، من بيوت الصفيح، من البراري القاحلة، يركضون إلى الموت بلهفة العاشق، يا بويييييييييييييييييييه على تلك اللحظات، وأنا اراهم يصعدون إلى السيارات بالجملة، لا سلاح، ولا تدريب، ولا دروع، عراة الصدور، كرامتهم تضطرم في صدورهم.

وشيئا فشيئا، استعادوا لنا كرامتنا التي أهدرت، ومعها استعدنا الجيش المسروق، وأراضينا المغتصبة، ومدننا العبقة بالتاريخ والدفء.

أيها الأحبة، أقبل أقدامكم جميعا، أقبل تلك الوجوه الكريمة التي لوحتها الشمس، والشفاه التي شققها البرد، أقبل أياديكم التي نافحت عني، واقعدتني في داري مطمئن هانئ آمن، أقبل التراب الذي داسته بساطيلكم، لأن جبهاكم الغر أعلى مني همة وأرفع هامة، جباهكم لا يقبلها البشر، تقبلها الملائكة في عليائها، أنتم خبزنا ومائنا، كرامتنا وحميتنا، انتم سراج بيوتنا، وأبواب طمأنينتنا، أنتم الأدعية في أفواه أمهاتنا، والأحراز في صرر جداتنا.

أمهاتكم، أيتامكم وأراملكم، وصوركم المعلقة في البيوت، قناديل تخبرنا بحجم الدين الذي لكم في اعناقنا.

مرة أخرى، اثبتم أن طينة هذه الأرض غير طينة  البشر، وأن عنفوانها مخصوص بها مقدر على مقاسها.

ومرة أخرى، ملأتم هذه الأرض همة وبسالة، ورقصّتم بأقدامكم قلبها العامر بالحزن.

تبا لكل من سبب هذا البلاء، تبا لكل من خذلنا وخذّلنا، تبا لهم وشاهت الوجوه.

لأول مرة منذ تلك السنوات أشعر بطعم الفرحة في كل مساحة من جسدي.

لشهدائنا، لأبطالنا الذي خرجوا منها مصابين، لمن خاضها وخرج منها بروح جبارة، وجسد يتذكر طعم كل حبة رمل لامسها، لكم جميعا، معقودة أرواحنا نذر، لدين لن نستطيع الوفاء به.

العراق ينتصر

العراق لا يموت

نحن ضاربون في هذه الأرض عمقا، كلما عصرتنا النوائب ازددنا شدة وصلابة وقدرة على البقاء.

السلام عليكم، السلام على شاهدكم وغائبكم، السلام على كبيركم وصغيركم، السلام على همتكم، السلام على صدقكم، السلام على أمهاتكم، وحليبهن الطاهر، السلام على البيوت، على الشوارع، على ضفاف الفراتين، السلام على كل شبر خطوتم عليه، السلام عليكم إذ تهجمون، وإذ تهدرون، وإذ تهجعون، وإذ تضحكون، وإذ يبكي بعضكم بعضا، السلام على أسِّرتكم حين ترقدون، السلام على قبوركم، سلام أزلي سرمدي لا أول له ولا آخر، ورحمة الله وبركاته.

عن الأشياء الجميلة التي تذهب عنك الغضب

لماذا تحزن؟

ما الذي يصيبك بالضيق؟

حسنا، لعلي آخر من يمكن أن يواسيك، أو يعطيك نصيحة في موضوع الحزن، أو الضيق، لأنني متضايق دائما، حزينا أبدا.

لكنني أعرف أن هناك أشياء جميلة يجب أن لا تغضب وأن لا تحزن، لمجرد وجودها من حولك.

الأشجار التي تحتضن آخر الليل صغار العصافير، نخيل البرحي، أشجار السدر، التي تحب البلابل أن تأوي إليها، فيها سكن لها، وطعام حلو.

هل أنت حزين؟

قم وقبل وجه أمك، عاند أباك، ناكف أخوتك، اتصل بأصدقائك، اذهبوا إلى مقهى، اشتموا بعضكم بدفء حميم.

انظر إلى كل ما حولك، انزلاق الأبواب في سككها، الصوت الذي ينبعث من انتظام سيرها، الملابس المغسولة التي يلوحها الهواء، فتنثر قطرات من الماء البارد على وجهك وأنت تمر من تحتها ذاهبا إلى عملك.

كل ما حولك يحمل في ذاته جمال.

قميصك الجديد، الذي كوته أمك، أو حبيبتك، أو تذكرت بنفسك أن تكويه صباحا، رغم أنك صحوت متأخرا، فقمت بالتضحية بإفطارك في سبيل أن تهندم نفسك.

الجميلات، كل النساء جميلات، يصحون مبكرات، يهندمن أنفسهن كي تطالع وجوههن الجميلة أول يومك، اللواتي يتجملن، ويتغنجن، ويتحجبن، ويسفرن، كي يلملمن شتات أرواحنا، اللواتي يرممن ما نخربه كل يوم، ويتداركن ما نخطأ فيه كل ساعة، يلقين بالجمال على كل ما نقبحه بسلوكنا، ويكبحن جموحنا وجنوننا، تداوي ايديهن الحانية جروح حروبنا، وخساراتنا، وخيباتنا المزمنة، ويكون همهن في الحياة أن نعبر هوّاتنا، يجزن بنا الجسر تلو الجسر.

كعوبهن العالية تضرب الرصيف، فتدهم موسيقاهن أروحنا بزوبعة تطير بنا عاليا، يصررن على لبسها رغم تورم أقدامهن، وآلام أربطتهن، لكي يرسلن في أرواحنا السعادة، عن أحذيتهن الـ(فلات) يخطرن بها عند الظهيرة، يجلبن الخبز الحار والسمك والخضروات الطرية.

عطورهن التي تسبقهن معلنة مقدمهن، وتلحقهن وهن يمرقن بك مياسات تتبع خطاهن، فتحير من يضع من، هن أم العطور؟

أطفالهن، يطلقون الضحكة تلو الضحكة تملأ أيامنا نحن الرجال العابرون بالجذل والشغف.

صوت الريح وهي تمر بين البنايات، تداعب حوافها الحادة، تحرك الأغصان في الشجر المغروس قديما بين تلك البنايات، تنقل البذار من شجرة إلى أخرى، تسقط الورق اليابس متيحة للحياة أن تستمر، تداعب النوافذ، كأنها أمك تحاول أن تصفر لك في مهدك، فتفشل، مطلقة مزيج من الحب والهواء المنغم، فتكتفي بتقبيلك لتضحك.

شعر الجواهري ومظفر النواب وعريان السيد خلف.

أصدقائك، الذين تهاتفهم في أي وقت تشاء، الذين تدخل عليهم الخاص دون أن تضطر للسلام.

غرفتك، بيتك، عاداتك الصغيرة التي تبثها الشكوى وتبثك السعادة.

الأشياء التي تزدحم في طريقك إلى العمل:

الأبواب المصبوغة حديثا، الأبواب القديمة، الشبابيك نصف الموصدة، والستائر التي تهتز خلفها، الطريق المرشوش أول الصبح طلبا للرزق، و(الخواتين) يحملن صحون الـ(قيمر) وأكياس الصمون الحار.

السيارات المرصوفة في زقاقكم الضيق، وبقايا البناء، الرصيف بمقرنصه المكسور.

أصوات الباعة الذين ينادون على بضائعهم الرخيصة، قانعين برزقهم القليل، وبيتهم الدافئ، وأفواه اطفالهم الممتلئة بالطعام، ونسائهم بالأثواب الـ(كودري) الرخيصة.

سواق الـ(كيات) وهم يهزون أيديهم يمينا وشمالا، يخبرونك بوجهتهم عبر لغة الإشارة هذه، يتوقفون لأجلك حيث تشاء إذا هممت بالركوب، ويقلبون سحنتهم إذا هممت بالنزول، دون ان يختلف مزاجك، لأنك تعرف أن هذا هو مزاج العراقيين المتوتر دائما.

الجيش والشرطة ورجال المرور، يلوحون أذرعهم، يستعجلونك بالمسير، يحاولون أن يشعروك بالأمن، وأنهم مسيطرون، رغم أنك وأنهم تعرفون حجم هذا الوهم.

الذين ينصحونك لكي تتشدد  في الدين، والذين ينصحونك لكي تترك كل ما يخبرك به أهل الدين.

أسراف الجميع في (الشح والندى) كما يقول الجواهري.

الشوارع الممتلئة، والشوارع الفارغة، التي تحتضن البيوت القديمة، وتقبل ساكنيها.

الحياة التي تجري سريعا، وتذوب سريعا، التي تطوح بك ذات الخبب، تسير بك (صلياً) حتى توقظك ذات يوم، مدرك بأن لا شيء يستحق ان تردم بسببه ذلك الركن الركين في روحك، الذي اختصك به الله لتجعله مستودع للأشياء الجميلة، تنزوي فيه بمفردك، مستطلعا وجوه من تحب، وأسماء من تود، تستعرض فيه صور الأشياء الجميلة، والكلمات البهية، والكتب الجيدة، والشاي الفاخر، وأقلام الباركر والشيفر، والقصب الفارسي المبري الذي خططت به اسمها ذات مرة، خواتمك الفضة، وعلب السجائر المعدنية التي دخنت ما في جوفها لأجلها، كتابك الأول، ومرتبك الأول، وكل الأشياء الأولى التي صيرتك ذات لحظة ملكا أمام ذاتك، كلها تزدحم من حولك، وأنت في كرسي هزاز، في مساحة لا تتسع لأكثر من كرسيك الذي احتضنك، الأشياء التي تزدحم مثل خيوط سجادة آذرية، تحتاج إلى أن تبتعد عنها لتدرك حجم الجمال الكامن فيها، وصدى صوت ياس خضر يغني لمظفر النواب:

يا حلم، يا مامش بمامش

طبع ﮔلبي من اطباعك ذهب

[الصورة: جناح العرائس في مركز حيدر علييف، باكو، آذربيجان، بعدستي]

 

 

ملاحظات على الطبقات…ملاحظات وتعقيبات على فقرات من الجزء الأول من كتاب (العراق) لحنا بطاطو

 

كنت قد نشرت هذه الملاحظات في موقع فكر اونلاين المصري، ولأن الموقع قد توقف، أعيد نشرها هنا مرة ثانية

لقد صار من الراسخ والمتعارف عليه بين الباحثين في تاريخ العراق الحديث ان القراءة المعمقة في كتاب حنا بطاطو (العراق) بأجزائه ـ أو كتبه ـ الثلاث هي شرط لازم في أي دراسة عن العراق، سواء تناولت نواحيه الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية، لدقة وتثبت وعمق المؤلف، وللظروف الممتازة التي توفرت له وأعانته على انجاز كتابه هذا باللغة الانجليزية.

فقد اطلع الأكاديمي الفلسطيني الذي درس في جامعة هارفرد على أرشيف مديرية الأمن العامة في العراق، وهو أرشيف بدأ به البريطانيون منذ العام 1917 تقريبا، وهذا الامتياز لم يحصل عليه أي باحث من قبل، ومهد لأن يطالب الباحثون العراقيون بمساواتهم بحنا بطاطو والسماح لهم بالاطلاع على الارشيف هذا، ويذكر لي أحد كبار المثقفين العراقيين من المنتمين إلى الحركة الاشتراكية العربية ـ لم استأذنه بنشر اسمه ـ بأن الفرصة التي أتيحت لبطاطو وقف خلفها بعثي لبناني توسط له بحجة تنظيم وأرشفة تلك الوثائق المرصوصة في مديرية الأمن العراقية.

ولم يقف المؤلف عند هذا الحد، إذ عزز بحثه المعمق بمقابلات شخصية مهمة مع رموز العهد الملكي ممن امتلكوا خزينا مهما في ذاكرتهم فضلا عن وثائقهم الشخصية، والتقى في السجن بقياديين كبار في الحزب الشيوعي العراقي قبل نهاية الملكية عام 1958.

وكل هذا، بالإضافة إلى الروح العلمية المتجردة والنفس الطويل والصبر في تفحص المادة العلمية الأساس للبحث التي تظافرت بالمجمل في شخصية حنا بطاطو، بما أتاح أن يظهر كتابه بهذا العمق والأهمية.

وقد ولد حنا بطاطو في القدس عام 1926، هاجر إلى الولايات المتحدة عام النكبة (1948)، ونال الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفرد عام 1960، وصدرت دراسته الضخمة عن العراق التي نقدم هذه الملاحظات عليها عام (1978) باللغة الانجليزية، ورغم انه قدم دراسة أخرى عن سوريا مقاربة لدراسته عن العراق، إلا أن كتابه عن العراق يظل هو الأكثر أهمية في تاريخه الأكاديمي.

زاول حنا بطاطو التدريس في الجامعة الامريكية ببيروت حتى العام 1982، ثم انتقل إلى جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة حتى تقاعده عام 1994، ثم توفي في ويستد – كونيكتوت عام 2000.

وقد غطى (الكتاب الأول) وكما كتب على غلافه (الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية) وفي هذه السطور سوف أقتصر على هذا الجزء من الكتاب وحسب.

بينما تناول الكتاب الثاني (الحزب الشيوعي) تأسيسا وجذورا وقادة وظروفا اجتماعية، ملاحظا بالتفصيل الطبيعة الشخصية لكل الشيوعيين الأوائل والظروف الاجتماعية التي احاطت بهما والتي أثرت سلبا أو إيجابا في نشاطهم، وفي الكتاب الثالث تناول (الشيوعيون والبعثيون والضباط الاحرار) مواصلا تتبعه للحزب الشيوعي العراقي وقادته في المراحل التالية ثم ظهور البعثيين والصدام مع الحزب الشيوعي.

وبالمجمل فإن هذا السفر العلمي المهم أوسع من أن يحاط به بمقال أو بدراسة مختصرة، وقراءته ضرورة لا غنى عنها للدارسين، وللمثقفين الراغبين بفهم طبيعة العراق الحديث وملابسات العمل السياسي فيه، وما آمله ان تكون هذه السطور محفزا لمن لم يطلع على الكتاب من قبل.

على ذلك كله، ورغم ان هناك شبه اجماع بين الباحثين على ان كتاب حنا بطاطو هو المرجع الأهم عن تاريخ العراق الاجتماعي الحديث إلا أنه لم يسلم من النقد، وبعض النقود التي وجهت له لم تكن محايدة تماما، ولم تظهر بمعزل عن تأثيرات الايديولوجيا على الاطلاق، سواء كانت ايديولوجيا قومية، أو يسارية، أو ميول طائفية هاجمت بعض ما ذكره عن الديمغرافيا العراقية، ولكنها بالمجمل، سواء كانت علمية محايدة، أو متحاملة، أوضحت ما لهذا الكتاب بأجزائه الثلاث من أهمية تستدعي هجوم السلطات السياسية في العراق عليه، ومنعه طوال فترة حكم حزب البعث في العراق، رغم ان ميول مترجمه ـ عفيف الرزاز ـ القومية البعثية كانت واضحة في الترجمة كما سأذكره لاحقا في ملاحظاتي على الكتاب([1]) حيث يذكر لي أحد المثقفين العراقيين اليساريين انه ومجموعة من المثقفين كانوا يتداولون نسخة بالرونيو من الكتاب في تسعينات القرن المنصرم وكأنها عبوة ناسفة!

عدا ذلك، وبرأيي الشخصي، فإن الكتاب والكاتب على عمقه وتثبته فاتته بعض الأمور، أو انه فهم بعضها بطريقة ليست بالغة الدقة، وهذا أمر لا يلام عليه، فهو ليس ابن البيئة العراقية بتعقيداتها العميقة التي تظهر حتى على مستوى اللهجة المحلية، وكناياتها المعقدة، مما قاده لإصدار بعض الملاحظات قد لا تكون بالضبط كما ذكرها هو.

وهنا أضع جملة من الملاحظات على الكتاب الأول من هذا السفر القيّم، على أمل أن أواصل وضع ملاحظات مثلها على الجزأين الآخرين من الكتاب، وهذه الملاحظات بعضها استدراك على الترجمة والنقل، وأصول الكلمات كما تلفظ سواء كانت عربية أو أعجمية، أعيدها لأصلها زيادة للدقة، أو أوضح بعض ما اختصر المؤلف ذكره، وأرى ان في توضيحه فائدة كبيرة، فضلا عن بعض الأوهام في الأسماء والمواقع، وغيرها من الملاحظات، كما ان هذه الملاحظات هي جزء من مجموعة أخرى أوسع، تعرضتُ ضمنها بالنقاش والتحليل للعديد من مباحث هذا الكتاب، أدخرها لوقت آخر، وأعترف بأني عمدت إلى حجب بعض الملاحظات التي قد يكون من المبكر نشرها لحساسيتها الشخصية.

على أي حال، أضعها بين أيديكم بأمل تعميم الفائدة، وطلبا للنقاش والرأي وتصحيح ما قد أكون مخطئا بشأنه أو توهمت فيه، وقد استطبت أن أسميها (ملاحظات على الطبقات) بكون الكتاب ينطلق بالأساس من المقاربة الطبقية لفهم المجتمع العراقي.

ملاحظة مهمة: من الضروري استحضار نسخة من الكتاب أثناء الاطلاع على هذه الملاحظات، وقد اعتمدت في أرقام الصفحات على الطبعة الصادرة عن دار القبس في الكويت (2003) وأصل هذه الطبعة هي الطبعة الأولى لمؤسسة الأبحاث العربية ببيروت (1990)، والاختصار الذي استخدمته هو (رقم الجزء/رقم الصفحة) ورجائي أن لا يبخل علي من سيقرأ هذه الملاحظات بالتصويب والتوضيح.

  1. 1/28 وفي سياق الحديث عن شرط (الكفاءة) في الزواج الذي ساهم في تقوية التراتب الاجتماعي، من المهم ملاحظة أن الشيعة الإمامية لا يفرضون شرط الكفاءة للزواج في مدونتهم الفقهية، ولكن ذلك لا يعني عدم ممارسته كسلوك اجتماعي من قبل الأفراد المنتمين لهذا المذهب.
  2. 1/38 وفي سياق الحديث عن (طرف البراق) في مدينة النجف، ودستور البراق عام 1915، تجدر الإشارة إلى أن التسمية المتداولة في النجف لما عبّر عنه المؤلف بـ(المحلة/الحي) هي (الطرف) نسبة إلى أن مركز النجف كان مرقد الإمام علي بن أبي طالب، والتجمعات السكانية المجاورة للمرقد سكنى هي أطراف لذلك المركز، وأطراف النجف الأربعة هي: (البراق، المشراق، الحويش، العمارة)، كما ان جزئي مدينة السماوة يسميان شعبياً بـ(الصوب الكبير والصوب الصغير) مشطوران بأحد افرع الفرات، كذلك هناك اشتباه باسم احد الاعلام في هامش ص39، إذ ورد اسم (كاظم صبي) زعيم طرف البراق مصحفاً فصار (كاظم صبحي)، وهو غلط بين.
  3. 1/59 في الهامش رقم (6) يبدو ان المؤلف أو المترجم توهم بين مدينتي الحي والرفاعي وهو يتحدث عن شيخ الطريقة الرفاعية السيد أحمد الرفاعي، فالحي قضاء، ومركزه مدينة الحي وتقع إداريا ضمن محافظة واسط وبالقرب منها يقع مرقد التابعي الكبير سعيد بن جبير الذي قتله الحجاج بن يوسف الثقفي، بينما تقع مدينة الرفاعي ضمن الحدود الإدارية لمحافظة ذي قار اليوم ـ جزء من إقليم (المنتفج) القديم ـ والرفاعي احد أقضية المحافظة، ومن الواضح نسبة المدينة إلى السيد احمد الرفاعي المدفون فيها، ولعل الاشتباه مرده إلى نهر (الغراف) الذي يمر بالمدينتين معاً.
  4. 1/62، هناك التباس في فهم أسباب حركة رجال الدين الشيعة خارج المدن الدينية التي يسكنوها للدراسة وهي النجف بالدرجة الأولى في العراق، والحقيقة إنهم كانوا يخرجون في الصيف هرباً من حر النجف إلى الأرياف أبان تعطل الدروس في ذلك الفصل، وهناك يمارسون بحكم وجودهم نشاط للتوعية الدينية وليس التبشير، وهذا النشاط قد يكون بالاساس مجرد مجالس عزاء للحسين بكل ما تحمله من شحن عاطفي ومحفز تجاه التشيع، كما يجب التأكيد على ان الكلمة الشعبية الأدق هي (موامنة) وليس كما ورد في متن الكتاب (المؤمنين)، وتحويلها إلى (مؤمنين) يبدو لي غير دقيق ولا يجعلها تؤدي ذات المعنى الشعبي المتداول لها.
  5. 1/65، يذكر ان (هزاع المحيميد) شيخ المعامرة في الحلة كان من المذهب السني، بينما كان مزارعيه وابناء عمومته من الشيعة، وهو صحيح، ولكن مما يذكر اليوم ان المشيخة العامة خرجت من بيت الهزاع إلى بيت الراشد وهؤلاء شيعة، ولا يمكن في الوقت الحاضر المرور بهذا التغير دون تتبع دلالته المتأثرة بالوضع العراقي.
  6. 1/77، وفي سياق الحديث عن أثر المياه والسقي وطرقه وتواجد الملاكين الكبار في أقاليم المياه، أضاف المترجم ما يلي: (وكان صغار الملاكين موجودين في معظمهم في مناطق كانت تزرع زراعة مكثفة منذ زمن طويل، مثل إقليم الدواليب المائية (النواعير، أو ((الكرد)) وتلفظ ((شرد)) في اللهجة العراقية ــ المترجم)، وهو غلط كبير، وكان بالإمكان ان يوضح المترجم لو كان يعرف اللفظ الصحيح وخشي على عمله من العجمة أن يقول (جرد) بالجيم الفارسية)، والحقيقة ان اللفظ الصحيح هو (ﭼرد)  بفتح الجيم الفارسية، وليس (شرد)، كما أن هناك فرق بين الـﭼرد والناعور، فالناعور يدور ذاتياً مع جريان مياه النهر، بينما يعمل الـﭼرد بجهد الحيوانات (الحمير أو البغال) وفي الغالب تنتشر النواعير على الفرات، والـﭼرود على دجلة وفي بغداد خصوصاً، ومنها جاءت تسمية منطقة الكرّادة المحرفة عن (الـﭼرادة) حيث ان الكرد=ﭼرد، ويبدو ان المترجم لا يرغب بأن يسمي الأشياء بمسمياتها لحساسية شخصية، فيبتكر اصطلاحات لا أصل لها على طول الكتاب، مثل ذكره في هامش ص110 من الجزء نفسه في سياق ذكر مرادفات (الحوشية) مرادف (رشاقَّة) فقال (قاف تلفظ كالجيم المصرية) وكأن للمصريين لغة قائمة بذاتها وليس لهجة عربية، بينما الأصوب لغويا ان يقول (كاف فارسية) بدلا من حساسيته التي كدرت عمله الجليل في ترجمة هذا السفر، و(رشاﮔـة) أتت من (الرشـﮓ) أي (الرشق) وهي من رشق السهام أو الرصاص، كذلك ما ذكره حول التسمية التي اطلقها البغداديون على المهاجرين إليها من العمارة والكوت 1/162، وغيرها.
  7. 1/84-85 آل ازيرج في الكوت (يقال لواحدهم الازيرجاوي) هم غير بنو زريج في الرميثة من أعمال المنتفج، لان بنو زريج من الظوالم، وهم غير الازيرجاويين، وشيوخ بني زريج هم آل عبد العباس وأشهرهم خوام العبد العباس.
  8. 1/95 في الهامش رقم (30) يوجد وهم بظني، ففي سياق الحديث عن مناطق نفوذ قبيلة (الخزاعل)، ورد ذكر كلمة (شبشة) ضمن تعداد القبائل الخاضعة للخزاعل والتي كانت تعمل في أراضيهم مثل الغزالات وآل شبل وخفاجة، وأتصور أن الأدق هو تبيان شيخ الخزاعل في حديثه لحدود منطقة نفوذهم التي تصل إلى (شبـﭼـة) وهي منطقة وليست عشيرة، حيث امتدت مضارب الغزالات وآل شبل وخفاجة حتى شبـﭼـة على الحدود مع السعودية اليوم.
  9. 1/98 من الجزء الأول وفي سياق الحديث عن حصة (المضيف) التي كانت تفرز من الأرض وتمنح للشيخ قبل ان تقوم الملكية الزراعية بعد (الطابو) و(اللزمة) و(التسوية)، وفي الهامش كُتب ـ ولعلها ملاحظة من المترجم ـ (وبشكل أدق، وبلهجة العشائر العراقية، كانت الكلمة ((تلفظ المظيف))) وهذا الملاحظة برأيي مجرد تقعر لغوي وتحميل للأمر بما لا يحمل ولا داعي لها.
  10. 1/109، في الهامش رقم (93) ومتنه، ورد ذكر فريق مزهر الفرعون أحد شيوخ آل فتلة وما ميزه بكونه ألف كتاباً، لم يذكر المؤلف الكتاب وهو كتاب (الحقائق الناصعة في ثورة العشرين) وقد ذكر لي أحد السادة العارفين بالفرات الأوسط ان الكتاب ليس من تأليف فريق المزهر الفرعون، لأنه كان أمياً وان هناك شخص آخر كتبه له وأعاد صياغة ما يمليه فريق المزهر من كلام جعل فيه الفضل الأكبر في ثورة العشرين لعشيرته ولآل فرعون، ولكن اطلعت على كتيب صغير اسمه (الغدير في جامعة النجف) صدر أوائل الخمسينات من القرن الماضي، جمع فيه مؤلفه (محمد حسن الصلوات) قصائد وكلمات ألقيت في احدى احتفاليات (عيد الغدير) في النجف، ومن بين تلك الكلمات كلمة لفريق مزهر الفرعون، والكلمة بليغة، مما يعني انه حتى في حالة كتابة شخص آخر لتلك الكلمة من أجل الشيخ فلابد انه يجيد القراءة بشكل جيد يتيح له ان يلقيها في تلك الاحتفالية.
  11. 1/142، مما يدلل أيضا على ممارسات عجيل الياور شيخ شمر ونشاطه في قطع الطرق والإغارة على القبائل الأخرى على طريقة عرب الجاهلية القدماء هو الشعر الذي قاله أحد أعمام عجيل الياور بحق ابن أخيه مادحاً له

اللي يبي شرب اللبن………ينزل على الياور عجيل

كل يوم ما خذله عرب…………يومي لشمر بالشليل

 

  1. 1/143ــ144، في سياق حديثه عن مذكرة رفعها بعض من شيوخ العشائر للاحتجاج على تعيين الملك فيصل الأول للضباط الشريفيون كمتصرفين وتعيين محمد جعفر ابو التمن وزيرا للتجارة، ذكر ان الشيوخ طالبوا بأن تكون عراقة المولد والنسب هي معيار اختيار المتولين للمناصب، وأشار إلى ان هذه (النزعة الفكتورية) قد لا تكون من صميم عقلية الزعماء العشائريين، وأنها توحي على الأقل بأن هناك مسئولين كانوا يصدرون لهم هذه الأفكار، وهو أمر لا اتفق معه، لأن مسألة التأكيد على العراقة والنسب البارز فيمن يتولى الرياسة ليست جديدة على العقل العربي والعراقي، بل لها حتى من النصوص الدينية في سياقها الزمني ما يعززها ويدفع تجاهها، حتى مسألة عدم تزويج سليلة الأشراف إلا لشريف سيد مثلها تدخل في هذا الباب.
  2. 1/167-169، حول (المُغارس والتعّاب)، يمكن القول ان الأمر برمته، وأنواع المغارسين لم يقتصر على من ذكرهم المؤلف، مثلا، كان جدي لأبي يمتلك نخيلا بطريقة المغارسة في مناطق العبودة جنوب النجف في أراضي آل زوين، وهو لم يبذل بها جهدا، بل حازها كأجور عن خطابته لدى المالكين في شهر محرم، فكان سنويا يُمنح مجموعة من النخيل يصله إيرادها بعد استيفاء أجور الفلاحين وما شابه، وظلت إيراداتها وجزء كبير من انتاجها من التمر يصلنا دون ان نعرف حتى مكانها بالضبط.
  3. 1/175، في الحالات التي يتم منح المرأة فيها كتعويض تسمى تلك الحالة (فصلية) لأن الفصل هو غرامة مترتبة على اختراق أحكام القانون العشائري (السانية)، بينما (الفصلية) هي تسمية خاصة بأحد أنواع تلك الغرامة أو (الفصل) وتتم عادة في الحالات التي يقوم فيها رجل بـ(نهب) امرأة من عشيرة أخرى، أي اختطافها والزواج بها أو مجرد الزنا بها، فيتم دفع امرأة أو أكثر كتعويض عن تلك المرأة المنهوبة.
  4. 1/184 في الهامش رقم (7) ما أشار له المؤلف من الصراع حول مستحق لقب (السيد/الشريف) بأنه تاريخيا قد تم توسيع تعبير بيت النبي محمد حتى شمل المنحدرين من عمه العباس، وفي الحقيقة فإن هذا يعد من أساسات الاختلاف بين السنة والشيعة، حيث يخصص الشيعة نطاق (آل البيت) بذرية الإمام علي من ابنته الزهراء، مستثنين حتى ابناءه الآخرين، بينما يحرص السنة على توسيعه ليضم زوجات النبي وأعمامه، خصوصا العباس بن عبد المطلب، وفي التوسيع أو التضييق جانب سياسي كبير كما لا يخفى.
  5. 1/186: حول الخمس، من المهم فهم أن تركيز المدونة الفقهية الشيعية على الخمس ليس قائما على مزاجيات فقهية وحسب، بل انه في الواقع مرتبط بدرجة اساس بكون المؤسسة الدينية الشيعية كانت على الدوام مستقلة أو معارضة للسلطة الحاكمة مما جعلها بدون موارد كافية للصرف على الطلبة وغيرهم ممن تقع مسئولية رعايتهم على عاتق الفقهاء الشيعة، هنا لجئوا إلى الخمس ورسّخوا وجوده كضريبة شرعية على الشيعة تدفع إلى الفقهاء حصرا، وهم من يقوموا بتوزيعها على مستحقيها حسب الآية القرآنية التي ذكرت الخمس موارده ومستحقيه، ولكن شرط أن يكون المستحقون على شعبتين، شعبة للسادة أو ذرية علي وفاطمة، وشعبة للعامة غير المنحدرين من علي، وما كان يدفعه بعض الناس للسادة غير المنضوين في الحوزة في العراق إنما كان بمزاجهم لا بحكم فقهي، إذ يتشدد فقهاء الشيعة على ضرورة أن يدفع الخمس للفقيه حصرا ولا يبرئ الذمة لمن يتصرف بخمس أمواله السنوي بمعرفته، إلا في حالات استثنائية معينة، مثل ما ذهب له المرجع الشيعي الأعلى في وقتنا الحاضر (السيد علي السيستاني) حيث انه منح الرخصة للعراقيين والأفغان بأن يعطوا خمس أموالهم لمستحقيه سادة وغير سادة وفق معرفتهم دون الرجوع إلى المرجع، وبعد سقوط نظام طالبان في افغانستان رفع الرخصة تلك عن الافغان، وأبقاها سارية على العراقيين، ومقصدي من هذا كله أن السادة (الطفيليين) بتعبير المؤلف في عراق القرن الماضي كانوا يأخذون الخمس من العشائر بمزاج العشائر نفسهم دون أن يكون ذلك برضا الفقيه الشيعي الأعلى.
  6. 1/191، في حديثه عن الأسر التي اغتنت من توليها (لسدانة) العتبات المقدسة، أي إدارتها، ذكر المؤلف الأسرة التي أسندت لها سدانة العتبة العلوية في العصر الحديث نهاية القرن التاسع عشر تقريبا، واسماهم (الرفاعيين) وهو التباس، إذ لا صلة لهم بالسيد احمد الرفاعي، بل الأدق هو القول (الرفيعيين) والنسبة هي الرفيعي، وآل الكليدار الرفيعي كان آخرهم هو حيدر الكليدار الذي قتل عام 2003، وكان والده قد قتل أيضا على يد عشيرة (البو عامر) في ستينات القرن الماضي خلال الصراع الذي كان دائرا بينهم وبين عشيرة (البو كلل) الذين كان الكليدار صهرا لهم، ولعله لبس من المترجم.
  7. 1/196، هناك غلط باسم الوالي علي رضا باشا اللاز، إذ ورد اسمه في الكتاب (علي راضي) ولعله خطأ مطبعي.
  8. 1/196، بشأن ما ذكره المؤلف عن أبي الثناء الآلوسي، ونفيه من بغداد عام 1902 (لمهاجمته المعتقدات الخرافية ولاتهامه بالتحريض على العصيان ضد السلطان) والواقع إن ما لم يذكره المؤلف ان الالوسي كان ميال للوهابيين إذا لم يكن وهابيا صرفاً، وهذا ما يفسر ما وصُف بـ (مهاجمته للمعتقدات الخرافية) بتعبير المؤلف نقلا عن الشيخ محمد بهجت الاثري ويشير البعض إلى انه لم يقتصر على الاعجاب بافكار ابن عبد الوهاب وتشدده الحنبلي عبر ابن تيمية، بل انه ذهب إلى إقامة صلات مع الوهابية وابن سعود، ومن المعروف ان الوهابيون كانوا على قطيعة شديدة مع العثمانيين، والاتصال بهم سيمثل بالتأكيد عصيانا على السلطان العثماني.
  9. 1/200، وفي الهامش (106) ورد اسم قضاء (المشخاب) جنوب النجف بلفظ خاطئ هو (مشكاب) ومن الواضح انه خطأ المترجم.
  10. 1/203، أسفل الصفحة وفي حديثه عن أدوار بعض رجال الدين، كتب (محمد الصدر، وهو “سيد ــ عالم” شيعي من سامراء) ثم في أول الصفحة الثانية (204) اوضح انه ورجال دين سنة آخرون (مارسوا نفوذهم على العامة في العاصمة ضد الانكليز) وهنا يتبين الالتباس، إذ إن أسرة آل الصدر ليسوا من سامراء أصلا، فهم لبنانيون في الأصل استوطنوا النجف والكاظمية، وحين انتقل المجتهد الشيعي الأكبر الميرزا الشيرازي إلى سامراء انتقل أيضا السيد حسن الصدر لاحقا إلى هناك، ونشأ أولاده فيها قبل عودتهم إلى الكاظمية في بغداد.
  11. 1/205، رغم أن المؤلف أشار إلى ما لعبته العوامل الدينية وقوتها (غير المشكوك بها) بتعبيره ودورها في التحريض ضد البريطانيين (الحكم الكافر)، إلا انه لم يفرد لها الكثير من الحديث لسبب غير مفهوم، وتوسع كثيرا في تبيان العوامل الأخرى المتعلقة بطبيعة كبار الملاكين وحرصهم على سلطاتهم وثرواتهم.
  12. 1/236 اثناء الحديث عن التيارين اللذين تقاسما الجيش العراقي قي الثلاثينات وقبل انقلاب بكر صدقي اللذان وصفهما المؤلف بـ(التيار العروبي الجامع) و(التيار الإقليمي) تدخل المترجم ايديولوجيا فكتب (أو بالأحرى “القطري” Particularisr ــ المترجم) وهي التسمية التي يصطلح علها البعثيون.
  13. 1/247، الهامش (11) وصف (الانكشارية) بأنهم مجرد (الجيش العثماني المحلي المحترف) فيه الكثير من الاختزال وعدم التوضيح لماهية الفرق الانكشارية وموقعها في التشكيلات العسكرية العثمانية.
  14. 1/262، تصرف المترجم باسم عشيرة (العـﮕـيليين) من (إعـﮕـيل) وجعلها (عقيل) وهو غلط.
  15. 1/267، أشار المؤلف إلى نشاط الاقتصاد البدوي، ولكنه لم يستطرد أو يشير إلى نماذج من مراكزه في العراق، رغم انه تحدث في ذات الفقرة عن النشاط التجاري المستند للمراكز الدينية الشيعية، حيث ان النجف كانت مركزا مهما للتجارة مع بدو الجزيرة العربية، وسكن أفراد من بعض أسرها المشتغلين بالتجارة في مدن نجد والحجاز مثل آل الحبوبي وغيرهم، أي انهم لم يقتصروا على التجارة وبيع الحبوب وشراء الجلود منهم حينما يردون إلى النجف، بل ذهبوا للسكن هناك أيضا.
  16. 1/268، أحسب انه كان الاجدر بالمترجم ان يستخدم التسمية المعروفة للسلطان العثماني سليمان، وهي سليمان القانوني، لا أن يعرب بالنص ما ورد في الكتاب، ليسميه (سليمان العظيم)، مما قد يسبب لبساً عند القارئ غير المطلع.
  17. 1/366 الهامش رقم (34) لا أعرف إذا كان التفسير الذي ورد في الهامش من المؤلف أم من المترجم لأنه من الواضح انه يفتقر للدقة وملتبس تماما، إذ ورد في المتن ان الملك جعل أمين الـﭼرﭼفـﭼـي يقسم على ((ولاية أمير المؤمنين)) بعدم إشاعة ما جرى بينهما، وجاء الهامش ليوضح هذا بالقول (أي توالي إمارة المؤمنين بعد علي) وهي عبارة ملتبسة تماما، حيث إن دلالة مفهوم (ولاية أمير المؤمنين) خطيرة جدا بالنسبة للشيعة، وهي أساس الاختلاف بينهم وبين السنة، ان المفهوم يتعلق بآخرتهم كما يتعلق بدنياهم، وهم لا يعترفون بإمارة المؤمنين لأحد سوى للإمام علي بن أبي طالب، ان الملك في هذه الحالة قد جعل الـﭼرﭼفـﭼـي يقسم بخلاصه الأخروي، بصميم عقيدته، بولاية (أمير المؤمنين) التي هي صلته بآخرته، وآصرته بأبناء مذهبه، وتقديمها بهذه الطريقة لا يوضح خطورتها التي جعلت فيصل يقسم على امين الـﭼرﭼفـﭼـي الذي شغب عليه في غيابه بهذا القسم الكبير.

 

هذه هي أهم الملاحظات التي وددت التعرض لها في الجزء الأول من كتاب العراق، وكلي أمل ان اواصل عملي في بقية الاجزاء، وأكرر أمنيتي بأن تكون هذه الملاحظات محفزاً لقراءة الكتاب لمن لم يقرأه من قبل.

 

 

على الرابط

 

http://www.fekr-online.com/article/%D8%AA%D8%B9%D9%82%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%281%29-%D9%85%D9%86-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%28%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%29-%D9%84%D8%AD%D9%86%D8%A7-%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D8%B7%D9%88

 

([1]) لا أعرف بالضبط ما إذا كانت له صلة بمنيف الرزاز (بعثي اردني/سوري) الذي كان ـ قبل اتهامه بالاشتراك بمؤامرة ضد صدام حسين ووضعه في الاقامة الجبرية حتى وفاته ـ يشغل الأمين العام المساعد للقيادة القومية لحزب البعث.

 

[الصورة: حنا بطاطو]

مشاهدات ليلية 4

في شارع مزدحم بالاطباء والصيدليات ومحال التجهيزات الطبية، حيث تكون مضطرا لشراء حاجتك مهما كان وجه البائع أو البائعة متجهما، في مثل هذا الشارع تكون بعض المحلات استثنائية.

في شارعي هذا، هناك محل للتجهيزات الطبية، حين أمر به مساءً لا أجد فيه سوى فتاة عشرينية بمفردها، ليست شديدة الجمال، وجه طبيعي يشعرك بالألفة دون أن يؤذيك ببهائه، في الغالب تنتهي جولتي الليلية حين تقفل الفتاة المحل، بمفردها، تنقل المواد من باب المحل إلى الداخل بهمة، كراسٍ متحركة، كراسٍ طبية، عكازات بأربع أرجل، وما شابه من هذه الادوات المصفوفة أمام المحل، تنقلها بحسب ثقلها، اثنين اثنين، أو فرادى.

الفتاة تهش لكل داخل إلى دكانها، تنصحه بهذه الشيء أو ذاك بمرح ونكتة، مخلية مسؤوليتها عن خياراته برقة وخفة، وحين يقر قرار الشاري على أمر معين تلفه وتناوله له مع تمنياتها بالصحة والعافية.

وبصفتي شخص كثير السفر، ولكوني شخص يقضي جل يومه في حالتين اثنتين: منكب على كتاب، أو متسمر أمام شاشة حاسوب، فإن عنقي تكون دائما عرضة لآلام خاطفة بين مدة وأخرى، مع تهديد مستمر بسوفان الفقرات العنقية، فإنني وتحرزا للمستقبل، وفي محاولة تأجيل قدر السوفان هذا، قد اشتريت منها عدة مرات ما يسلتزم مثل هذه العنق، مخدة لدعم العنق أثناء السفر، ورقبة اسفنجية تدعم العنق حين الحاجة أمام كتاب أو حاسوب، وفي كل مرة اشتري منها هذه الأشياء تنصحني بود وجذل وحياء، فأشتري البضاعة وأخرج وكأنني اشتريت كيلو بقلاوة من الخاصكي وليس شيء منذر بالمرض.

هامش: بعد أن أنهيت الجولة، ودخلت لأشتري الصمون من أجل افطاري، في مدخل الفرن سابقتني قمرة صغيرة دون الخامسة من العمر، بذيل حصان يتمايل مع مشيتها السريعة، يتلوى مع نسمات هذه الليلة الجميلة، وحين وصلنا إلى منضدة البائع وأقبل علينا أراد أن يمنحني حاجتي قبلها، ساعتها، ومثل أي شخص ضعيف أمام هذه المخلوقات الجميلة قلت له: مشّي الحلوة أولاً، فرمقتني بنصف ابتسامة، من نصف وجه، من نصف التفاتة، ثم أخذت كيس الصمون وخبّت مسرعة كما دخلت.

هامش ثاني: في الطريق أيضا بنايتان قيد الانجاز، ومثل أي مشروع بناء عراقي محترم فقد احتلت مواد البناء الرصيف وحولته إلى هباء منثور من التراب وبقايا قطع المرمر والطابوق، ويوميا أجد عمّال البناية وقد جمّعوا ما تبقى من أخشاب قالب صب الكونكريت التالفة، وأوقدوا النار لكي يشوون طعام عشائهم، سمك أو دجاج، بسعادة بالغة، ساعتها يتبخر غضبي على صاحب البناية، بسبب السعادة الصغيرة التي تلفُ قلوب هؤلاء الفقراء وهم يعدون عشائهم.

#مشاهدات_ليلية

عكادة ⃰   العراق وعكادة صيدا… ما يبنيه الطين وما يشيده الحجر

الذي يزور صيدا في الجنوب اللبناني لابد له من أن يزور صيدا القديمة، المبنية على طراز المدن الشرقية العتيقة، أقواس وأزقة ضيقة نسميها في النجف (عكود، مفردها عكد، بالكاف الفارسية) أو كما يقول العراقيون الآخرون (درابين، مفردها دربونة) ـ وإن كان العم الاستاذ ذياب آل غلام يقول أن الدربونة هي التي تكون بمدخل ومخرج واحد، أما العكد فيكون له مدخل ومخرج ـ أقواس تعتلي الطرقات من تلك التي نسميها (سوباط)، جدران متقاربة تشعرك بألفة المكان وحميميته.

ولكن صيدا القديمة هذه مبنية بالحجر، وهو أهم ما يميزها عن البناء العراقي، الذي قامت حضارته منذ ولدت على الطين، بناء ومعيشة.

وبتقديري فإن الفرق الأساس بين الحضارات الطينية ـ لو صح التعبير ـ وغيرها هو تلك العلاقة التي لا تنفك بين الانسان والطين، فتُحوِج الطين للإنسان، والإنسان للطين، بعكس الحجر.

ومنذ لحظتها الأولى، قامت حضارة العراق على الزراعة، وارتبطت بالفراتين وطينهما، حتى غدت حياة العراقيين مترادفة مع الطين وجودا ومعيشة.

ابتنى العراقيون بيوتهم منه، فهو بارد في الصيف، حار في الشتاء، في الطين يزرعون، ومنه يستخرجون ما يغسلون به اجسادهم (طين خاوه)، ومن الطين المفخور شيدوا قصورهم وجنائنهم المعلقة ومراقدهم المقدسة، يعجنون الطين بأرواحهم، كأنهم يصلون، يحرقونه في نارهم الأزلية، ثم يرصونه على بعض، ليتركوا لنا تلك العمائر المتفردة، الممتلئة بالذكريات والقداسة، حتى تكاد تسمع صدى تضرعهم وصلواتهم تتردد بين اللبنات التي تتعانق لتشيد هذا الصروح المشبعة بالروحانية.

ولأن الطين صنو الانسان فقد احتاج ليدوم كبناء مشيد إلى الإنسان، وكل بيت أو قصر أو عمارة عظيمة مبنية من الطين تتهدم حين يهجرها الإنسان، لهذا بادت الكثير من منجزاتنا المعمارية في العراق، بسبب هجران البشر لها وتعرضها لعوامل الزمن والطبيعة، تضائلت ثم توارت رويدا منسحبة إلى عتمة الخراب مثل أم فقدت وحيدها، كأن للطين روح وللبيت قلب.

أما العمارة المشيدة من الحجر فهي تنبيك أنها لا تحتاج إلى الانسان، وأن الانسان عابر في حياتها، ولا قيمة له بقي أم هاجر، والعمارة المبنية من الحجر تبين أيضا نمط المعيشة والحضارة التي قامت على اكتافها، فحضارات بلاد الشام ولبنان منها كانت تجارية بالأغلب، واعتمدوا في أغلب معيشتهم على النقل التجاري والزراعة الديمية والأشجار المثمرة المعمرة ـ كتبت مرة عن اختلاف عادات الأكل وفق أنماط الزراعة ـ مما أفقد البُنى الحجرية ذلك الرابط الخفي الذي تشعر بيه حين تمشي في آثار الحضارات الطينية، في المشيدات الحجرية تبهرك الضخامة، ومتانة البنيان، وصموده المتطاول مع الزمن، ولكنك لا تكاد تشعر بأنه حيٌ.

ومن شدة علاقة الطين بالانسان، وطواعيته له، ولد نمط العمارة العراقي الاستثنائي الذي طالما تغنيت به ونشرت صوره، تلك السقوف التي رصفت بشغف حتى كأنها سجادة صانع فنان، ترفع نظرك إلى السقوف والقباب لتشاهد منظرا بديعا لم يحوج السكان إلى أن يطلوا الجدران بالأصباغ لتكون جميلة، لبنات تتعانق مثل المحبين لتنتج اشكالا هندسية وورد وقلوب تحوم فوق الرؤوس كأنها ملائكة تحرس أنفاس الساكنين في البيت.

هامش: كتب احدهم على جدار منسي: [أحب هذه البلاد حتى في خرابها الأخير]، أحب هذا الطين مهما كان موجعا وموحشا.

هامش آخر: أحب لبنان حبا متفردا، أمس واليوم وغدا، وحتى آخر أيامي.

⃰ العكادة: هو الاسم الذي يطلقه العراقيون على السقوف المشيدة بالطابوق أو الحجر، على رصفها وبنائها وريازتها، وهي مشتقد من العقد، من عقد الأشياء ببعضها، مثل عقد الحبال.

 

 

 

مشاهدات ليلية (2)

 

أمام عيادة أحد الأطباء، كانت تقف سيارة تاكسي صفراء اللون لم انتبه إلى طرازها، من الخارج، وعلى باب الراكب الأمامي كان هناك رجل جاوز الثلاثين، ضخم الجثة، يرتدي [تيشيرت] أخضر اللون غامق، وبنطلون جينز رصاصي، شاب أسمر حاد الملامح، شعره خفيف، أسند ظهره إلى سيارته، وشبك ذراعيه على صدره بضجر، خلفه مباشرة، وعلى سقف السيارة، أجلس طفلته الجميلة، فتاة قمحية ربما تكون في الرابعة من العمر، ترتدي قميص زهري بلا أكمام وجينز قصير بدا وكأنه خيط لها من بقية قماش بنطلون والدها، كانت تجلس على سقف السيارة، وتدلي ساقاها على كتفي أبيها وصولا إلى صدره، وتعتنق رأسه بكلتا ذراعيها الغضتين، ومالت برأسها على أذنه اليمنى تحدثه.

كان الضيق يسيطر على الأب، لعل لديه مريض ينتظره، لعله قلق على مريضه، وجهه منكمش تماما بضيق بالغ، وفي ذات الوقت كان مضطرا أن يجيب على أسئلة ابنته، ويسايرها في حديثها المتدفق الرقراق دون أن ينتبه فعلا لما تصبه في أذنه من نغم، لا أعرف ما الذي سألته عنه، ولكني سمعتها تقول له منحنية عليه تمزج سؤالها بالقبل: هذا زين؟ فأجابها بنعم، فأطلقت ضحكة رنانة مرقت إلى الشارع المقابل ملعلعة بالبهجة، فأجبرته على أن يضحك بطريقة ملئت وجهه وروحه، بفرحة تساوي بهجتها الطفولية العارمة لإجابته البليدة على سؤالها الساذج، وأنا شاركته هذه الضحكة الساذجة بالتأكيد بكل بلاهة!

تذكرت عندها البهجة التي ارتسمت على وجه صديقي، الذي كان يراقبني أزيح شرائح الزيتون عن قطع البيتزا قبل أن آكلها، فملئت البهجة وجهه الجميل، وانطلق يحدثني عن حب طفلته الصغرى للزيتون، وكيف أن علب الزيتون التي يجلبها إلى البيت لا تصمد سويعات معها، وكيف أنها تبدأ أكل قطع البيتزا من الناحية التي توجد فيها شرائح الزيتون، كان يحدثني وفرحة عميقة ترتسم على كل وجهه، وبدنه، سعيد بعادات ابنته الغذائية.

سرت مبتعدا عن الأب وابنته، متذكر لصاحبي، وفكرت في نفسي، لولا بناتهم، لفقد ثلاثة أرباع العراقيين عقولهم بسبب الكرب الذي يواجهونه يومياً.

#مشاهدات_ليلية

 

مشاهد ليلية

علي المعموري

تختلف مواعيد المشي عندي باختلاف الأماكن التي اتنقل بالمبيت فيها خلال الأسبوع، اليوم بتُ في المكان الذي أخرج فيه عادة بُعيد الغروب، اتمشى لحوالي كيلومترين، اتعشى، وأعود إلى سكني.

ومن دون خلق الله، يوقظ الحر كل حواسي، الأمر الذي يكون مضاعفا في حالة شخص شغوف باستطلاع ما حوله، من السلوك الانساني إلى النسق العمراني، تتحرك عيناي يمينا ويسارا، وتلتقط أذناي كل شاردة وواردة، أبحث عن التراتب البديع للكون من حولي، علَّ تلك الأشياء الجميلة تزيح عن روحي عناء اليوم العراقي المثقل بالغصص.

أراقب ابتسامة الأمهات في وجوه أطفالهن، والمناغاة الدافئة يتبادلنها بلغة لا يفهمها سواهم، انسجام العمال فيما بينهم، حركة الروافع وهي تأخذ مواد البناء إلى أعلى البنايات قيد التشييد، حديث الأشجار فيما بينها، وضوء الأعمدة الأصفر يهطل عليها في الليل فتبدو شاحبة مثل حسناء أصابتها الحمى، استدارة الأفرع حول بعضها في الأحياء القديمة، عناق الطابوق في البيوت العتيقة، البضائع المرصوفة على الأرفف في المحال التجارية، تجمع الجنود ورجال الشرطة قرب بعضهم ـ وهؤلاء أدرب نفسي على أن لا يلاحظونني وأنا التقط الصور يمينا وشمالا للبيوت والبنايات والسيارات والقطط التي تستريح على أبواب المنازل ـ وأشياء أخرى كثيرة.

وبين ليلة وأخرى يختلف الحال، مرة تظفر بالكثير من الجمال، ومرة تعود بأشياء بسيطة بالكاد تقيم أود ذاكرتك، أما الليلة فكانت رائعة، وعلى امتلائها بالكثير من الأشياء الجميلة، والناس الجميلين، فقد كان هناك مشهد فريد، شاهدته عرضيا، لم تتجاوز التقاطتي له أكثر من خمس ثواني هي أمد مروري الخاطف بالواقعة، كانت كافية لي، ومناسبة لكي لا أكون متلصصا مقتحما لخصوصيات الآخرين.

شابين ـ ولد وبنت ـ ربما متزوجان، ربما خطيبان، لا أعرف حقا، كان الشاب قد جلب سندويتشين، ناول البنت واحدا، وجلس جوارها يزدرد الثاني بنهم، ذاهلا عن كل ما حوله، أما البنت فكانت تمضغ لقيمة صغيرة، وقد أقبلت بكل جوارحها على ماكنة الفرم المجاورة لها، وهو يهرس الطعام هرسا، تنظر له وقد علت وجهها ابتسامة لم تدع عضلة في وجهها إلا داعبتها وحركتها، ابتسامة عميقة سعيدة متلهفة، تصبها على الشاب صبحا كالضياء، سعيدة تنظر له كما ينظر طفل إلى لوح شوكولاته، كما تنظر أم إلى طفلها الوحيد، وهو يحمل شهادة التفوق، مثل أرض تتهلف للشمس والماء، ابتسامة كأنها موسم حصاد العنبر، عبقة بالعطر والأمل، تنظر له بطريقة لا أعرف كيف أصفها، سعيدة بأنها حازت هذا الذي أقبل على طعامه كأنها نهاية العالم، سعيدة فعلا.

أنا بدوري ضحكت من القلب، ومشيت لخمسة كيلومترات.

[هامش: الاشياء الجميلة لابد أن تجربها أول مرة في بلدك]

لا أعرف الفنان الذي رسم الصورة المرفقة

عن “علي” وأشياء أخرى

(1)

كتبتُ مرة: (الأمم تصطنع رموزها اصطناعا، توجد لنفسها ما يملئ ذاتها عنفوانا ويمنحها الكبرياء اللازم للمقاومة والرفض والقدرة على المناجزة الطويلة عبر القرون، وتجاوز المفازات التاريخية بصمود واقتدار وتضحية تصنع الحياة، ولأكون أكثر تحديدا فليس كل من في التاريخ يمكن أن يكون رمزا، ولا يعني ان كل من اتخذه وعاظ السلاطين محورا لهرائهم وصنعوا حوله الهالات المزيفة يمكن ان يكون رمزا ينطبق عليه ما ذكرته، ولعل أول معالم الاستثنائية في شخص انسان ما هي أن يضطرب أبعد الناس عنه فكرا اعجابا أمام سيرته الاستنثنائية).

(2)

علاقة أي انسان بإنسان آخر، رمزا تاريخيا كان أم معاصرا، ترتبط بأمور كثيرة، بمواقف ترسخت عميقا في اللاوعي، بتأثيرات المكان والأسرة، وابن أبي طالب يمتلك معي كعراقي وشائج عديدة تشدني إليه شداً، روابط لا استطيع تجاوزها، صنعتها أمور كثيرة لعل أقل ما بينها الدين!

(3)

العارفون بعمارة النجف يعلمون ان المدينة القديمة تقوم على ثيمة معمارية يشكل مرقد الإمام مرتكزها الرئيس، “عـﮕود” تلتف مستديرة بين الأطراف الأربعة للنجف ـ طرف = محلة – كالسلاسل متقاطعة ما بينها، وكل “عـﮕد” يمتلك مخرج ومدخل لابد أن يقودك آخر الأمر إلى مرقد علي، يسير الإنسان بين جدران البيوت المتقاربة، وهواء “بادﮔيرات” السراديب الباردة يداعبك، بعيدا عن الهجير اللافح، “العـﮕود” تلتف على بعضها حتى تظن أنك في متاهة لن تخرج منها، ثم فجأة تجد نفسك في رحبة علي، كمن ينتقل من الأرض إلى السماء، وبالنسبة لطفل نجفي، فتلك اللحظات لا يمكن ان تنسى على الإطلاق، الباب الخشبي الضخم، الرخام البارد، الخدم بـ”كشايدهم” الحمراء “كشيدة=طربوش”، الأقفال الكبيرة، صوت “محمد عنوز” يرتفع من المأذنة، الأقواس المبطنة بالمرايا، السوباط الحاني، صوت الخادم وهو يصرخ حين يحين وقت إغلاق المرقد ـ حين كان يغلق منتصف الليل ـ ينادي منغما صوته الرخيم، والأقفال في يده: يا الله، يمدها مداً، ومنذ ذلك اليوم البعيد قبل ربع قرن، حتى اليوم، لم أسمع (يا الله) بجمال تلك التي سمعتها من ذلك الرجل، بكشيدته الحمراء، وقماشها الأسود الملتف حول فمها، ببدنه الضخم، ووجهه الأبيض وشواربه الخفيفة، يمسك عضادة الباب مرددا جملته مرارا وتكرارا، يستصرخ المحبين ان يذهبوا إلى بيوتهم، كمن ينفر سربا من الحمام عن مأمنه، لاحقا عرفت أن السادة من آل (القابجي) ينفردون بلف تلك القماشة السوداء على “كشايدهم”.

(4)

دعك من الأمور التي تخبرك أمك بها عن علي، دعك من علي الأسطوري، دعك مما تناثر في بطن “بحار الأنوار” من أخبار تجعل من علي كائن غيبي أقرب إلى المستحيل، دعك من هذا كله، واسمع تجربتي، أكثر من ربطني بعلي اثنان، المرحوم الدكتور أحمد الوائلي، الذي يفقد سيطرته على نفسه حين يصل إلى ذكر علي، ثم يبدأ بضرب المنبر مرارا وتكرارا وهو يترنم باسمه، هذا في طفولتي، قبل اكتشاف القراءة وسحرها، الوائلي سلمني إلى من أجد أنهم أفضل من كتب عن علي: اليساريون بمختلف اصنافهم، قرأت هؤلاء بالتوازي مع تنامي حس الميل للعدالة الاجتماعية عندي، مع قراءتي للأدب العربي الساخط، مع الحزن الذي يهيمن على كتابات مصطفى لطفي المنفلوطي وبكائه على الجياع، ميل فطري إلى الفقراء تملكني، رغم أنني قضيت طفولة سعيدة لم يوجعني الحصار الذي ضرب العراق خلالها ـ تسعينات القرن الماضي ـ لم يصب أسرتي ما أصاب الآخرين على الأقل، ولم نحتج إلى بيع أثاث بيتنا، رغم ذلك كله، كنت لا أرى غير علي متجسد في صورة الفقراء، بحسراتهم الممتدة على طول العراق، الذي ما مر عام وليس فيه جوع كما قال السياب مرة.

(5)

قرأت علي الثائر، المبدئي، المتوجع للجياع حد البكاء، قرأته عند عبد الرحمن الشرقاوي، عند عبد الفتاح عبد المقصود، عند علي الوردي، عند شخص لم ينتمي سوى إلى مذهبه الشخصي مثل عباس محمود العقاد، عند الوائلي، هؤلاء وأضرابهم انتقلوا بي من علي الملكوتي الذي يصدح به الشعراء إلى علي الانسان الاستثنائي، علي الذي اختار أن يعود إلى جذوره العراقية، منتقلا من الحجاز إلى السواد، ليفتتح تاريخا طويلا من الثورات والبطولات الفردية، صانعا عنفوان أمة، متخذا من الفلاحين جنودا بوجه تجار قريش، رافضا أي حل وسط يزري بما آمن به، وما سار في سبيله حتى النهاية المدوية.

(6)

عند هذه النقطة وجدت ـ بعد سنوات ـ أن علياً المبدئي، الرافض لأنصاف الحلول، العصي على أن يقبل تسوية تؤلف بين ما يراه حقا وما يراه باطلا، وقدرته على أن يتحمل خياره الذي يعرف أنه خيار خاسر، ليسير به إلى آخر الخط، وتمكنه ـ بمختلف الأزمنة ـ من صنع أشخاص يتقبلون خيار الخسارة المزمن ذاك، وهم راضين عن انفسهم تمام الرضا، رغم أن علي يستطيع أن يسلك الطرق الأخرى، ولكن ما كان ليكون علي لو اتخذ تلك الطرق، عند تلك اللحظة عرفت أن علي، الذي يرفض أنصاف الحلول، والتسويات التي تمزج الحق بالباطل، هو اقرب إلى مزاج العراقيين غير القادرين على التسوية، غير القادرين على تقبل الحلول الوسطى، وإن اختلفوا عنه بمعيار الحق والباطل، وإن كانت عدم قدرتهم على التسوية تلك مزاجاً صنعته الأرض كما صنعه الرجال الرافضين لأنصاف الحلول مثل علي وبنوه، وهو ما جعل العراقيين المسلمين يذكرونه أكثر من ذكرهم ابن عمه النبي ومربيه، لهذا ارتبط علي في ذاكرتي بالعراق، وارتبط العراق بعلي.

(7)

أذهلتني قدرته الكبيرة على أن يكون قطب رحا لا يجرؤ على نكران فضله إلا موتور فارغ عاجز عن الإتيان على دليل بمزاعمه ضد علي، حتى أن الشعبي، وهو ممن اختلفوا عن خط علي تماما قال فيه يوما ما مضمونه أن اعدائه وظفوا أهل الحديث ضده، واستكروا ـ كما تستكرى البهيمة ـ الشعراء يمدحون آبائهم ويزرون بعلي، وآخر الأمر، وعند انجلاء العجاج، بدا وكأن الشعراء بمدحهم لأجداد أولئك كانوا يمدحون جيفة، وكأنهم إذ شتموا علياً كانوا يأخذون بضبعه إلى السماء! وخلال الألف ونصف الألف التي تلت إيابه إلى خالقه، بقي مناجزا، صامدا على تقلب الدهور، يحتل في القلوب مكانا لا يماثله فيه أحد، أذهلني أنه يتيح لي أن أحبه، دون أن أبغض أحد، أو اشتم أحد بحجة حبي لعلي.

(8)

كتب د. علي الوردي مرة أن ما من أمة اختلفت في رجل من رجالها كما اختلف المسلمون في علي، ولكنني اختلف مع الحكيم الوردي، وأظن أنهم اختلفوا عليه أكثر مما اختلفوا فيه، كل فريق أراد أن يحوز علي إلى خندقه، تقاتلوا على علي منذ وفاته إلى اليوم، كلٌ يرى أنه أولى بعلي وأحق من غيره به، ولكنه كان نسيج وحده، يحرك التاريخ رغم اختلاف الحدثان وتقلب الدهور، شاء من شاء وأبى من أبى.

(9)

كتبتُ مرة نصا أردته أن يكون قصيدة عنه، قلت في مطلعه:

“غريبون عنك

نغلف أرواحنا بالجليد

ونزعم أنا صنيع يديك”

ولا أزال.

فجر 17/6/2017

21رمضان 1438

[الصورة بعدستي: مرقد الإمام كما كان يبدو من بناية قرب منزلي، ولم يعد هذا المشهد متاحا]

 

 

هل كان الأمر يستحق هذا الثمن الباهظ؟

ثم أقف عند حافة الروح، اقلب الصور واحدة تلو أخرى، تصطف بتناسق على قبور جديدة، تناسق تاق له نازلوها حين ذرعت أقدامهم هذه الأرض، كانت كل خطوة تندك على خد هذا الثرى مثل سنبلة حديثة الولادة، كفسيلة تخطو مبتعدة عن أمها لتغدو نخلة شامخة، لكن الليالي والتجار غرسن تلك القامات الشوامخ في الأرض عميقا دون أن يكون للغرس وعد بالحياة.

كيف بعثرتهم هذه الأرض؟ ثم ابتلعتهم الواحد تلو الآخر؟ ضربت بالفوضى حياتهم، اخترمَ مهجهم أن لا نظام لحياة أهلهم، ولا وعد بالمستقبل.

تتابعت رقدتهم بترتيب كان ليكفيهم لو لم يخرجوا من دنياهم بسواه.

ثم أسأل نفسي، هل كان الأمر يستحق هذا الثمن الباهظ، وهل لي أن أثمن شيئا لا أملك ثمنه؟

ثم ألتفت كرة أخرى، أتصفح الصور، وجه تلو وجه، عين تلو عين، ثم أرفع رأسي قليلا، تقبّل روحي وجوه الأمهات، تراقب قلوبهن وهي تطالع الصور، وفي المدى الواصل بين عيونهن وشواهد قبور أبنائهن تمتد أيامٌ كانت مرجوة، ترفل بزوجات الأبناء المناكفات، والأطفال، والملابس التي تفوح منها رائحة الكد والاجتهاد، بيوت اتخذت البهجة مطارق لأبوابها، يملئ حجراتها عبير العنبر ونسيم السمك المزقوف الذي لم يجد من يأكله، والخبز الحار الذي بقي وحيدا على موائد فارغة هجرها الفرح.

أي فرح يلم بمائدة لا تجد من تسد جوعه؟

ثم أسأل وجهي المحدق في المرآة، وعيناي تطيلان النظر في لحيتي المهملة: ألا تخجل من نفسك؟ كيف لك أن تخرج وتعود وتنام وتأكل وتسافر وتضحك وتعمل وتكتب؟ كيف لك أن تقنع نفسك بأن تتهرب من عملك، وتجلس باحثا عن صورة جميلة لعلك تكتب عنها بعض الكلمات المنمقة، حتى يقول لك محبوك: عاشت يدك؟ فتطالعك صورة هذه الأم، وقد وخط شيب الأرض طرف عبائتها، تخب على كرسي مدولب قاصدة شهيد كربلاء في اربعينيته، تطلب منه العزاء، هي صامتة، ولكن كل ما حولها يقول لك: هل كان الأمر يستحق هذا الثمن الباهظ؟

 

مكابدات سعيد

هذه القطعة كتبت بنية أن تكون نصا بديلا عن النص الأدبي الذي اختير كمثال لدرس (اسم المفعول) في كتاب قواعد اللغة العربية للصف الرابع الاعدادي حين كنتُ في تلك المرحلة ـ عام 2003- كتبته بطلب من أستاذي، أستاذ مادة اللغة العربية، الأستاذ سعد عجيل الرجل الذي نشر لي أول نص في حياتي وكانت قصة عن فلسطين نشرت في مجلة الموقف التربوي التي كانت تصدر عن مديرية تربية النجف قبل العام 2003 ـ اذكر ان النص القديم كان عن مشعول الصفحة صدام، ولما حدث ما حدث وأُهملت النصوص القديمة طلب مني أن اكتب نصا بديلا ـ بعد ان أحسن الظن بي ووجد أن لدي ميولا أدبية ـ على أي حال، كتبت النص، ولم أقدمه له حياء، وها أنا بعد كل هذه السنوات أضعه بين يديه، محبة ووفاء، مع اعتذاري عن الأخطاء النحوية التي في النص.

مكابدات سعيد

ظل سعيد ضاحكاً طوال الأربعين سنة الأولى من عمره، مواجه متاعب الحياة ووعورة العيش بنفس هادئة وثغر منطلق، يعينه على ذلك ضحكات خمس أطفال وأمهم، وكان يعود متعباً منهك القوى إلى الدار، ولكنه وما أن يدخل يسمع تلك الضحكات البريئة، والاستقبال الحار، حتى ينسى كل ما مر به منذ أن ابتدأ عمله في الصباح الباكر.

ولكن معارفه فوجئوا به منقلب الحال وقد أصبح لا يُرى إلا ذاهلا، صامتاً مكفهر الوجه، والذين يعرفونه عن كثب يتعجبون أكثر، إذ أنهم يرونه منخلع الفؤاد محزون النفس، فيتساءلون: ما الذي دهى هذا الرجل؟ المفروض أن يفرح في هذه الفترة أكثر من الفترة السابقة أولاده كبروا وفتحوا بيوتاً ورفعوا رأسه، فماذا أصابه؟

بالتأكيد لم يعرف الناس ماذا أصاب الرجل، الخائض حياة كالتي خاضها سعيد وحده يعرف ماذا حصل، لقد تفرق أولاده عنه، وماتت أمهم، وأخذ كل واحد من الأولاد زوجته وخرج، وبقي سعيد وحده يقاسي آلام وحدته ذاكراً ضحكات زهوره الخمسة.

الناس تتسائل، ماذا أصاب سعيد؟ وسعيد المبعثر الفؤاد منشغل بمحاولة لملمة أجزائه.

2003

[كتبت النص بدون عنوان، والعنوان الذي وضعته هو ابن اليوم وليس من صلب النص القديم]

موقع آخر في Arablog