arablog.org

عن النجف والنجوم وبغداد وأشياء أخرى

علي عبد الهادي المعموري

(1)

كانت تُحب النجوم، ولما تَعَسَّرَ أن تنام تحتها، رسمت على سقف غرفتها نجوما ملونة، مثل أحلامها، مثل العصافير التي ترقص في روحها الرقيقة، ثم نامت مبتسمة.

(2)

بعد منتصف التسعينات بقليل، وقبل أن تغزونا المولدات بصوتها الكريه الذي يمزق هدوء الليل، ذلك الوقت، كانت سماء النجف ليلا هي أجمل ما شاهدته عيناي، وما تذوقته روحي، كنتُ أنام في ليالي الصيف الصاخدة على السطح العالي⃰ ، مستلقٍ على ظهري، الكهرباء مقطوعة فلا يوجد تلوث ضوئي، وفوق رأسي، على وسع بصري الغض، تمتد السماء، كأنها عروس من الزنج عليها قلائد من جمان كما قال المعري ذات يوم، ومع الضوء الفضي الهاطل على روحي، كنت اتحسس همهمات النائمين على السطوح، وأنفاسهم، تمتزج بنسيم الصحراء العليل، يهب من غرب المدينة، ليلتقي بنسيم الكوفة وشطها ونخلها القادمين من الشرق، يتعانقان، يمران بين (التشاريف)⃰  ⃰ ، ينحدران إلى مركز المدينة، إلى القبة الذهبية ومنائرها، يحمل النسيم قبلات يرسلها النائمين على السطوح قبيل أن يستسلموا لسلطان النوب، مهداة إلى صاحب الشباك الفضي، تهمس تضرعاتهم، احلامهم، مخاوفهم، مشتملة نجوى العاشقين، ومحبة الأمهات، ومناغاة الأطفال، ثم ينحدر هذا المزيج الرطب بالحياة إلى وادي السلام، يخبر الراقدين بحب أهلهم، بما ذكروهم فيه على العشاء، عن صورهم المعلقة في صدور الحجرات، والمصاحف التي تفتح لكي تتلو ما تيسر عن أرواحهم يوميا، وأنا، أحدق في السماء، في هذا البهاء المتلألئ، استمع خلسة إلى راديو أبي، النائم على سريره المفرد بعيدا عني في السطح الواطئ، ينبعث منه صوت من الـbbc يتحدث عن العراق بوجل، وأبي، بكل سنوات حروبه، يتقلب مستسلم لوجع العراق، بمفرده.

(3)

الفتاة التي كانت تظن أنها سيئة الحظ، غاب عن فكرها أنها قد تكون تعويذة حظ شخص آخر، يعول أن تكون راحته الكبيرة بعد كل ذلك الضنى.

(4)

في طفولتي، كنتُ مثل طفل أي أسرة نجفية فخورة، تربيت على أن أحب مديني بتطرف، كنتُ استمع إلى النكات التي تُسَخِّفُ رقة بغداد، ونعومة أهلها، وخفة الـ(لعد) والـ(هياته)، والـ(دا)، رغم أن لي عمة قريبةٌ قريبة إلى القلب تسكن بغداد، ولها أبناء أحبةٌ أحبة من البغادةِ البغادة، لا أعرف كيف وافقت بالضبط بين هذا الحب لأهلي ــ بيت عمتي في بغداد ــ وبين مشاعري الخشنة تجاه العاصمة، العاصمة التي بدت على الدوام عاصمة الآخر، وليست عاصمتي، العاصمة التي كان أبي يستخرج بدلته السفاري البنية اللون الغامقة (الجوزية كما نقول) حين يريد الذهاب إليها، لم أفهم أبدا ضرورة أن يترك أبي الفخور بلبسه النجفي [دشداشته] وسترته حين يريد الذهاب إلى المدينة الملتبسة هذه، كنت لا أحبها في داخلي دون سبب مفهوم، نمطٌ درجت عليه مع الأميين الذي كنت اسمع منهم نبرة السخرية من المدينة السحرية، ولم يخطر ببالي للحظة واحدة أن الأيام ستدور وأنني سأفدُ إلى بغداد لا زائرا بيت كعمتي مثل كل مرة، ولكن كطالب جامعي، في واحدة من أكثر سنواتها اضطرابا، حينما سال دم أبنائها الأبرياء في الشوارع بالجملة، قبلها، كنت لا أرى في غير مدن الله كلها جمالا إلا في مدينتي، ولا رجالا إلا في رجالها، أما نساء النجف فكانت مثل أشيائها الأخرى السرية، أمر بالغ الالتباس، مبهم، يجب أن يظل سراً لا يباح بشأنه.

(5)

صعودا من النجف إلى بغداد، ونزولا منها إلى النجف، تختلط الأصوات والصور والروائح في الطريق، مزيج دافئ في الشتاء، بارد في الصيف، مثل سراديب مدينتي، صوت محرك السيارة، رائحة المخمل المغسول، هذر السائق و(العبرية)، ما يتسرب من عبق طبيخ أمهات طلبة الأقسام الداخلية المعبأ في الحقائب، الصوت الذي تسكبه سماعات الأذن في رأسي، والآخر المتسلل من راديو السيارة، الابتسامة البلهاء التي تعلو وجوه الشباب وهم يتلقون رسائل شخصية من أحبتهم على أجهزة الهاتف المحمول، الشتائم العابرة، صوت عناق سعف النخيل ينهمر على روحي من خلال النوافذ نصف المفتوحة، رائحة الطريق التي تتسرب إلى الفؤاد عبر أنفي وسمعي وبصري وكل مسامة في جسدي، رائحة العراق الندية، صوت المطر يضرب سقف السيارة، وصوت فتاة جميلة تخاف القطط، وتحب أغلى حيوان في الدنيا، أصوات كعوب بنات بغداد العالية، تقتحم حياتك اقتحاماً، صور تتداعى إلى الذاكرة عن احتكاك أوراق الكتب ببعضها في سوق الحويش، وشارع المتنبي، لقطات من طرف البراق، والكاظمية، والجادرية، والكرادة، والحرية، وبيوتٌ من الخشب، وأصدقاء هم مكسبي الذي لولا بغداد لما عرفتهم، ولكانت لحياتي صورةٌ أخرى، لن تكون بلذة حياتي اليوم.

(6)

اكتشفتُ أن لبغداد جمالا ترفا، يختلف عن جمال مدينتي، وعرفت قيمة وخفة الـ(لعد) والـ(هياته)، والـ(دا) التي تتراقص كالموسيقى على ألسنة البغداديات، لتصنع في الروح خواطر (ما لي عرف بيهن ﮔبل) كما يقول مظفر النواب، تطيحني بضربة واحدة قاضية مفاجئة لا تبقي ولا تذر، وإن لهذه الأزقة رائحة تشبه رائحة البيت، وإن لأهلها قلوبا تشبه الأمهات، وأن تاريخها الملتبس أجمل ما فيها، وأنني أحب أن أتدفأ بذكرياتها كحبي لدفئ ذاكرة النجف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

⃰  في بيتنا القديم في طرف البراق في النجف، كان لدينا سطحان، سطح على الجزء القديم من بيتنا، عمره قارب الأربعمائة عام، بطابق واحد، لهذا كنا نسميه (السطح الناصي = الواطئ) وآخر على الغرفة التي تعلو المطبخ، وكلاهما حديثا البناء، منتصف الثمانينات تقريبا، ولأن السطح كان للغرفة العلوية فهو عالي، فنسميه (السطح العالي).

⃰  ⃰  [التِشْارِيف] جمع [تِشْرِيفة]، جدران الأسطح كما نسميها في النجف، ويطلق عليها في بغداد أحيانا اسم (التيغة).

[الصورة: رسم للصقر، أحب الطيور إلى قلبي، تلقيته كهدية، وأحببت أن أضعه مع هذه التدوينة]

رفيق على غير موعد

هذه الليلة عاشت لحظات غريبة، فعلا غريبة.

طالما ربت أسرتي البلابل، كان أبي يجلب البلبل صغيرا، يختطفه المزارعون من أعشاشه المودعة على متون النخيل، نربيه في البيت، حتى يعتاد علينا ولا نضطر لحبسه في قفص، بل أننا مرة ربينا بلبلا كنا نطلقه في النهار فيأخذ المنطقة كشفا وبحثا، ويذهب ليدلل نفسه من ثمار شجرة السدر في منزل آل الشاهرودي في طرف البراق، ثم يعود إلى قفصه حين يطيب مزاجه، وبلبل آخر كان لا يقف إلا على متن أبي، يناديه فيأتيه بلهفة، وحين يجلس أحدنا لتناول طعامه فإنه يدعو نفسه للأكل، شرط أن تطعمه بيدك، لا أن يأكل هو بنفسه، وإلا لن يتركك تأكل براحتك، وحين يشبع، يتركك ويذهب غير عابئ بك.

ولكنني لم أحب يوما حبس طيور الزينة هذه، منحها الله أثمن ما في الوجود، الحرية، فكيف لنا نحن البشر الذين نخرب الدنيا إذا امتلكنا حريتنا، فكانت القيود أصل الأصول في انتظام عيشنا وقيام أمرنا؟ فعلا كرهت حبس هذه الطيور الجميلة لمجرد أن نستمتع بصوتها وبريشها الباهر الحسن.

على أي حال، الليلة، ومثل أي وحيد عتيد، خرجت لأتناول عشائي في مطعم قريب، داعب الهواء البارد حواسي، ونفذ إلى جسمي المتدثر جيدا عبر رأسي الحليق، كانت البرودة تتسلل إلى جوفي بنعومة لطيفة، وقد أشبعت برائحة أوراق الشجر، وعبق سعف النخيل، وبقايا التمر الذي لم يجنه أحد من النخيل الرابض وحيدا في البيوت الفخمة التي هجرها أصحابها بهذا الحي الفخم.

في المطعم الصغير، كانت هناك أسرة تتناول عشائها، مما اضطرني أن أغير مجلسي المعتاد لأدير ظهري للأسرة الصغيرة وعصفورتهم التي في الرابعة من العمر تقريبا.

بعد أن وضع أمامي الطعام، وفجأة، وجدت ريشة رمادية اللون ناعمة تهبط أمامي متراقصة، تتمايل مع النسائم المتسربة من الستارة البلاستيكية الشفافة التي تغطي باب المطعم، تعجبت من هذه الريشة الراقصة، رفعت رأسي لأتبين مصدرها، وإذا بعينين سوداوين تحدقان بي من خلف قضبان خشبية، كان هناك بلبل كبير في قفص من سعف النخيل فوق الطاولة تماما، يقف على العارضة الخشبية، مخفضا رأسه، ويتطلع نحوي، بريشه الممزوج بالأسود والرمادي، وكتلة الريش الصفراء عند قاعدة ذيله تتمايل مع حركته المهيمنة من الأعلى، لم ارتح للريشة التي هبطت على طعامي، ولكنني عدت للأكل مجددا.

ولكن الأمر لم ينتهي، لقد غضب الجميل من تجاهلي، نعم أقول لكم غضب.

انتقل إلى المنهل المركب في زاوية القفص، فوق طاولتي اللعينة، وبدأ ينثر المياه علي، حين ارفع رأسي نحوه يتوقف عن طرطشة المياه، يتطلع في عيني، مديرا رأسه يمينا وشمالا، يرمقني بنظرة من يمينه، ثم أخرى من شماله.

اعود لطعامي، فيعود للطرطشة، أرفع رأسي فيتوقف، تكرر الأمر أربع أو خمس مرات، فاستسلمت، رفعت رأسي نحوه وهمست:

– حسنا يا صديقي، آسف لأنني تجاهلتك، اعتذر لمقامك الجميل، هل تسمح لصديقك الوحيد مثلك، المسجون في ذاته، هل تسمح له بتناول طعامه بسلام؟

ولكن العينان العميقتان بقيتا تتطلعان فيَّ، ورأسه يتمايل برشاقة ذات اليمين وذات الخبب ـ بتعبير عدنان الصائغ ـ رفعت كاميرتي لأصوره فهبط سريعا إلى قاع القفص وأخفى نفسه، المشهد يزداد غرابة، حسنا أيها الجميل، أنت وشأنك، عدت لطعامي فعاد لمناكفته.

– طيب أيها الوسيم، أخبرني كيف الحل معك اليوم، أعرف أنك وحيد، وأنا مثلك، وحدتنا مزمنة، ما الحل يا صديقي الصغير؟ هل ستدعني أنال لقيماتي وأمضي بطريقي لا ألوي على شيء؟ أم أنك استعذبت هذه اللعبة؟ طيب دعني ـ على الأقل ـ أصورك حتى استعين على وحشتي بجمالك، لعلك ترضى مرة أو تسامح ـ هل العجز صحيح؟ لقد نسيت عجز ذلك البيت الذي مطلعه: فليتك تدري كل ما فيك نالني ـ ولكن رجائي خاب مرة أخرى، ما أن أرفع الكاميرا نحوه، يتوارى في قفصه مبتعدا، وبقيت معه، مدا وجزرا حتى أكملت طعامي وسط رشيش المياه الذي يطلقه نحوي حين اخفض رأسي عنه متجاهلا كبريائه المتدفقة من علياء متلفعة بالجمال.

حسنا، أنا يا صديقي مبارحك، عائد حيث ألتف على روحي، اسحب وحدتي إلى صدري مثل دخان السجائر، تستنزفني رويدا أيها الرمادي الأسير، وأنت وريشك الجميل، وزهوك المتكبر، تظل هنا، وقد غيرت الإضاءة مواعيد نومك، وأفقدك الأسر قدرتك على أن تدع أمثالي من المكسورين بسلام، أو لعلك بما وهبك المصوّر من قدرة أردت أن تؤنس وحشتي، أن تُطرق نحوي بحنو، أن تشاركني أمسيتي هذه بمحبة، أن تقول لي أنا معك أيها النائي، انظر بعيني وكلمني، لا تصورني، فهذه اللحظة أثمن من أن تحبسها في هاتفك المتخم هذا.

سلام لك أيها النبيل في هذه الليلة الباردة، خرجت، وليس في يدي من جمال هذه اللحظات الحميمة غير ذكرى، وصورة لقفص يختبئ فيه بلبل خجول من الكاميرا.

الاثنين، 15 كانون الثاني، 2018

عن الأمكنة التي لا تغادر البعض

للأمكنة روح تسري فيها، وللأشخاص أمكنة تسكنهم، تكاد أن تجدهم مترادفين، يشعرون ببعضهم، بعض الأشخاص حين يلجون مكانا، أو يمرون بشارعٍ، تكاد تشعر أن الجدران تتبرج لهم، تظهر أجمل ما فيها من المفاتن، يتناغمون مع بعضهم كتناغم أصابع نصير شمّة مع العود، فلا يبارحون الدار، ويتلف أحدهم عمره مترقباً كذاك الذي ينتظر بغداد في قصيدة مصطفى جمال الدين حين يقول:

والآن يا بغداد يأزف موعد

لك في الخلود قلوبه تتنظرُ

من كل من أعطاك غض شبابه

ومضى بذابل عمره يتعثر

يترقبونك والطريق أمامهم

بهم المسارب ضيق مستوعر

يبس الزمان وهم على أطرافه

عذب بما تعدينه مخضوضر

ثم يؤوبون إلى حيث آخر الطريق، وحيث الراحة الأبدية، مباركون حيث حلوا، وليس في يديهم مما انتظروا غير المحبة.

أما البعض، فتأخذهم الأزمنة بعيدا، وتقلبهم الليالي، يتنقلون بين المرابع كالرعاة، يثملون ويصحون، يحزنون ويبكون، يلبسون أجمل ثيابهم، ويأكلون على أفخم أفخم الموائد وأكثرها ترفا، يشربون مياها نقية لم تكدرها الأنظمة الغبية، ولم يستنزفها العشب الضار، يأوون آخر اليوم إلى منازل مكيفة، وفرش وثيرة، ولكنهم، ومهما شتموا دارهم الأول، وقرّعوا رهطهم الأولين، فإنهم، وحين يغلقون على أنفسهم مصاريعها، ويخلون إلى ذاتهم، مجردة عارية، يطلقون حسرة طويلة، يشتمون أنفسهم، ويترنمون بما قاله المنشد الأحوازي ذاك (الله يا ديرة هلي يلماكو مثـلـﭻ ديرة).

أذرعُ صفحاتهم في هذا الفضاء الالكتروني، فأجدهم ـ حسنا، بعضهم على الأقل ـ على بعد دارهم، وكثرة ثمارهم، يقتطعون نصف وقتهم ليشتموا أهل بلدتهم الأولى، وبلدهم الأم، مستصغرين قدرهم، مسخفين شأنهم، يسخرون من كل ما يطمأن نفوس جيرانهم الهلعة أبداً، ثم أسأل نفسي، لماذا يفضون كل هذا المزاج لنا؟ ألسنا دونهم في القدر؟! ودونهم في الفهم؟! ألم ينقذوا أنفسهم من الوهدة التي غرزت فيها أرواحنا عميقاً؟ ما الذي يجبرهم علينا؟ هل هو سعي إلى إصلاحنا بشتمنا؟ أم هي عقدة و(الحـﮓ ربعك)؟

ثم أتذكر ما قاله عريان السيد خلف يوما، حين تحدث عن امرئ يشتم نفسه من شدة غضبه، ولكن الجماعة إياهم غاضبون، ويكابرون، فيشتموننا، يكرهون في أعماقهم أنهم لا يزالون يحبون تلك الساقية الأولى، وشظية الزجاج الأولى التي جرحت أقدامهم في تلك القرية النائية، يحن أحدهم إلى أولى صفعات أبيه، وشتيمة أمه الدافئة، ولكنهم يكرهون هذا الحب، ويأنفون من ذاتهم المغروزة عميقا، المدفونة تحت كتل من الذكريات الكئيبة، وليالي الشراب المهتاجة في بارات السعدون الرخيصة، أو الصلوات الخائفة الوجلة في المساجد المراقبة، والحيرة التي تقلبهم ذات الخبب.

الأمكنة حواضن ذكرياتنا، بيادرنا التي تملئ أرواحنا بالشبع، الكأس الأولى التي نظمأ لها بعد كل مشرب عذب.

خارج المتن: في يومها الأول، دخلت الفتاة الجميلة، الملتحقة بالسلك الدبلوماسي، التي نقلت إلى بعثة بلدها في ربع أوربي أخضر، وما أن اجتازت عتبة السفارة، وجدت في استقبالها زملائها، وبينهم رجل يرتدي بذلة حمراء، تحتها قميص أصفر فاقع، وعقد رباط أخضر مفسفر حول عنقه الغليظة، صرخت (أيييع)، ثم هوت على وجهه بصفعة رنانة، كتلك التي منحها لها الوالد حين ارتدت أول تنورة قصيرة في حياتها، ورضيت أن يعيدها خال الفتى الأحمر المخضر المصفر ذاك ـ المتنفذ في بلدها ـ إلى مقر الوزارة، كموظفة في الأرشيف، القبح يستفز القلوب الجميلة.

[الصورة: للفنان علي آل تاجر]

 

العراق الذي ينتصر

حسنا، يبدو أنني لن استطيع أن أكتب ما يرضيني فعلا، لهذا قررت أن أكتب على أي حال، أن اترك لنفسي الحديث دون رقيب أو ضابطة.

سأحدثكم عني منذ حزيران 2014.

ببساطة، لم ألتذ بلذيذ، أو أطرب لمطرب، أو أهنأ بعذب منذ تلك اللحظة.

كنت أضحك، ثم فجأة أشعر بعصرة تقبض انفاسي، ويضيق لها صدري.

كانت مشاعري مزيج من الغضب العارم، والحزن العارم، والغبن العارم، ولكن الأكثر ألما والأكثر إزهاقا للروح كان الشعور بالإذلال، إذلال من يرى 7000 عام تسحق بالأقدام، إذلال لعنفوان لم يهدأ للحظة على هذه الأرض، كبرياء كانت على الدوام تياهة بالحق والباطل، ثم ديست بإقدام مجموعة من القاذورات في سيارات بيك آب.

ثم أتدرون ما هو الأكثر وجعا؟

حسنا، أنها اعراضنا، نعم اقولها مثل أي عراقي بدون رتوش التثاقف وادعائاته، اعراضنا من الأيزيديات والتركمانيات والشبك وغيرهم الذين أخذتهن داعش بحكم ديني صار من التاريخ ومن العار والمعيب الحديث عنه وإفراد باب له في المدونات الفقهية، يااااااااااااااااااااااااااااااااااه يا حسرتي عليهن.

كنت أقف طويلا أمام المرآة، وأشعر بأنني جزء من هذا العار، ارفع كفي، وأرسلها إلى المرآة، [غمة] لنا، لعجزنا، لتقاعسنا، لهذه الكرامة المهدورة، وصرخات نسائنا.

كنت أخجل أن أعرب عن إعجابي بشيء، او فرحي لشيء.

خجل حتى قرارة الروح.

ثم انبثقوا من الأرض، كالحياة، يهدرون، جاءوا من النواحي المهملة، من بيوت الصفيح، من البراري القاحلة، يركضون إلى الموت بلهفة العاشق، يا بويييييييييييييييييييه على تلك اللحظات، وأنا اراهم يصعدون إلى السيارات بالجملة، لا سلاح، ولا تدريب، ولا دروع، عراة الصدور، كرامتهم تضطرم في صدورهم.

وشيئا فشيئا، استعادوا لنا كرامتنا التي أهدرت، ومعها استعدنا الجيش المسروق، وأراضينا المغتصبة، ومدننا العبقة بالتاريخ والدفء.

أيها الأحبة، أقبل أقدامكم جميعا، أقبل تلك الوجوه الكريمة التي لوحتها الشمس، والشفاه التي شققها البرد، أقبل أياديكم التي نافحت عني، واقعدتني في داري مطمئن هانئ آمن، أقبل التراب الذي داسته بساطيلكم، لأن جبهاكم الغر أعلى مني همة وأرفع هامة، جباهكم لا يقبلها البشر، تقبلها الملائكة في عليائها، أنتم خبزنا ومائنا، كرامتنا وحميتنا، انتم سراج بيوتنا، وأبواب طمأنينتنا، أنتم الأدعية في أفواه أمهاتنا، والأحراز في صرر جداتنا.

أمهاتكم، أيتامكم وأراملكم، وصوركم المعلقة في البيوت، قناديل تخبرنا بحجم الدين الذي لكم في اعناقنا.

مرة أخرى، اثبتم أن طينة هذه الأرض غير طينة  البشر، وأن عنفوانها مخصوص بها مقدر على مقاسها.

ومرة أخرى، ملأتم هذه الأرض همة وبسالة، ورقصّتم بأقدامكم قلبها العامر بالحزن.

تبا لكل من سبب هذا البلاء، تبا لكل من خذلنا وخذّلنا، تبا لهم وشاهت الوجوه.

لأول مرة منذ تلك السنوات أشعر بطعم الفرحة في كل مساحة من جسدي.

لشهدائنا، لأبطالنا الذي خرجوا منها مصابين، لمن خاضها وخرج منها بروح جبارة، وجسد يتذكر طعم كل حبة رمل لامسها، لكم جميعا، معقودة أرواحنا نذر، لدين لن نستطيع الوفاء به.

العراق ينتصر

العراق لا يموت

نحن ضاربون في هذه الأرض عمقا، كلما عصرتنا النوائب ازددنا شدة وصلابة وقدرة على البقاء.

السلام عليكم، السلام على شاهدكم وغائبكم، السلام على كبيركم وصغيركم، السلام على همتكم، السلام على صدقكم، السلام على أمهاتكم، وحليبهن الطاهر، السلام على البيوت، على الشوارع، على ضفاف الفراتين، السلام على كل شبر خطوتم عليه، السلام عليكم إذ تهجمون، وإذ تهدرون، وإذ تهجعون، وإذ تضحكون، وإذ يبكي بعضكم بعضا، السلام على أسِّرتكم حين ترقدون، السلام على قبوركم، سلام أزلي سرمدي لا أول له ولا آخر، ورحمة الله وبركاته.

عن الأشياء الجميلة التي تذهب عنك الغضب

لماذا تحزن؟

ما الذي يصيبك بالضيق؟

حسنا، لعلي آخر من يمكن أن يواسيك، أو يعطيك نصيحة في موضوع الحزن، أو الضيق، لأنني متضايق دائما، حزينا أبدا.

لكنني أعرف أن هناك أشياء جميلة يجب أن لا تغضب وأن لا تحزن، لمجرد وجودها من حولك.

الأشجار التي تحتضن آخر الليل صغار العصافير، نخيل البرحي، أشجار السدر، التي تحب البلابل أن تأوي إليها، فيها سكن لها، وطعام حلو.

هل أنت حزين؟

قم وقبل وجه أمك، عاند أباك، ناكف أخوتك، اتصل بأصدقائك، اذهبوا إلى مقهى، اشتموا بعضكم بدفء حميم.

انظر إلى كل ما حولك، انزلاق الأبواب في سككها، الصوت الذي ينبعث من انتظام سيرها، الملابس المغسولة التي يلوحها الهواء، فتنثر قطرات من الماء البارد على وجهك وأنت تمر من تحتها ذاهبا إلى عملك.

كل ما حولك يحمل في ذاته جمال.

قميصك الجديد، الذي كوته أمك، أو حبيبتك، أو تذكرت بنفسك أن تكويه صباحا، رغم أنك صحوت متأخرا، فقمت بالتضحية بإفطارك في سبيل أن تهندم نفسك.

الجميلات، كل النساء جميلات، يصحون مبكرات، يهندمن أنفسهن كي تطالع وجوههن الجميلة أول يومك، اللواتي يتجملن، ويتغنجن، ويتحجبن، ويسفرن، كي يلملمن شتات أرواحنا، اللواتي يرممن ما نخربه كل يوم، ويتداركن ما نخطأ فيه كل ساعة، يلقين بالجمال على كل ما نقبحه بسلوكنا، ويكبحن جموحنا وجنوننا، تداوي ايديهن الحانية جروح حروبنا، وخساراتنا، وخيباتنا المزمنة، ويكون همهن في الحياة أن نعبر هوّاتنا، يجزن بنا الجسر تلو الجسر.

كعوبهن العالية تضرب الرصيف، فتدهم موسيقاهن أروحنا بزوبعة تطير بنا عاليا، يصررن على لبسها رغم تورم أقدامهن، وآلام أربطتهن، لكي يرسلن في أرواحنا السعادة، عن أحذيتهن الـ(فلات) يخطرن بها عند الظهيرة، يجلبن الخبز الحار والسمك والخضروات الطرية.

عطورهن التي تسبقهن معلنة مقدمهن، وتلحقهن وهن يمرقن بك مياسات تتبع خطاهن، فتحير من يضع من، هن أم العطور؟

أطفالهن، يطلقون الضحكة تلو الضحكة تملأ أيامنا نحن الرجال العابرون بالجذل والشغف.

صوت الريح وهي تمر بين البنايات، تداعب حوافها الحادة، تحرك الأغصان في الشجر المغروس قديما بين تلك البنايات، تنقل البذار من شجرة إلى أخرى، تسقط الورق اليابس متيحة للحياة أن تستمر، تداعب النوافذ، كأنها أمك تحاول أن تصفر لك في مهدك، فتفشل، مطلقة مزيج من الحب والهواء المنغم، فتكتفي بتقبيلك لتضحك.

شعر الجواهري ومظفر النواب وعريان السيد خلف.

أصدقائك، الذين تهاتفهم في أي وقت تشاء، الذين تدخل عليهم الخاص دون أن تضطر للسلام.

غرفتك، بيتك، عاداتك الصغيرة التي تبثها الشكوى وتبثك السعادة.

الأشياء التي تزدحم في طريقك إلى العمل:

الأبواب المصبوغة حديثا، الأبواب القديمة، الشبابيك نصف الموصدة، والستائر التي تهتز خلفها، الطريق المرشوش أول الصبح طلبا للرزق، و(الخواتين) يحملن صحون الـ(قيمر) وأكياس الصمون الحار.

السيارات المرصوفة في زقاقكم الضيق، وبقايا البناء، الرصيف بمقرنصه المكسور.

أصوات الباعة الذين ينادون على بضائعهم الرخيصة، قانعين برزقهم القليل، وبيتهم الدافئ، وأفواه اطفالهم الممتلئة بالطعام، ونسائهم بالأثواب الـ(كودري) الرخيصة.

سواق الـ(كيات) وهم يهزون أيديهم يمينا وشمالا، يخبرونك بوجهتهم عبر لغة الإشارة هذه، يتوقفون لأجلك حيث تشاء إذا هممت بالركوب، ويقلبون سحنتهم إذا هممت بالنزول، دون ان يختلف مزاجك، لأنك تعرف أن هذا هو مزاج العراقيين المتوتر دائما.

الجيش والشرطة ورجال المرور، يلوحون أذرعهم، يستعجلونك بالمسير، يحاولون أن يشعروك بالأمن، وأنهم مسيطرون، رغم أنك وأنهم تعرفون حجم هذا الوهم.

الذين ينصحونك لكي تتشدد  في الدين، والذين ينصحونك لكي تترك كل ما يخبرك به أهل الدين.

أسراف الجميع في (الشح والندى) كما يقول الجواهري.

الشوارع الممتلئة، والشوارع الفارغة، التي تحتضن البيوت القديمة، وتقبل ساكنيها.

الحياة التي تجري سريعا، وتذوب سريعا، التي تطوح بك ذات الخبب، تسير بك (صلياً) حتى توقظك ذات يوم، مدرك بأن لا شيء يستحق ان تردم بسببه ذلك الركن الركين في روحك، الذي اختصك به الله لتجعله مستودع للأشياء الجميلة، تنزوي فيه بمفردك، مستطلعا وجوه من تحب، وأسماء من تود، تستعرض فيه صور الأشياء الجميلة، والكلمات البهية، والكتب الجيدة، والشاي الفاخر، وأقلام الباركر والشيفر، والقصب الفارسي المبري الذي خططت به اسمها ذات مرة، خواتمك الفضة، وعلب السجائر المعدنية التي دخنت ما في جوفها لأجلها، كتابك الأول، ومرتبك الأول، وكل الأشياء الأولى التي صيرتك ذات لحظة ملكا أمام ذاتك، كلها تزدحم من حولك، وأنت في كرسي هزاز، في مساحة لا تتسع لأكثر من كرسيك الذي احتضنك، الأشياء التي تزدحم مثل خيوط سجادة آذرية، تحتاج إلى أن تبتعد عنها لتدرك حجم الجمال الكامن فيها، وصدى صوت ياس خضر يغني لمظفر النواب:

يا حلم، يا مامش بمامش

طبع ﮔلبي من اطباعك ذهب

[الصورة: جناح العرائس في مركز حيدر علييف، باكو، آذربيجان، بعدستي]

 

 

ملاحظات على الطبقات…ملاحظات وتعقيبات على فقرات من الجزء الأول من كتاب (العراق) لحنا بطاطو

 

كنت قد نشرت هذه الملاحظات في موقع فكر اونلاين المصري، ولأن الموقع قد توقف، أعيد نشرها هنا مرة ثانية

لقد صار من الراسخ والمتعارف عليه بين الباحثين في تاريخ العراق الحديث ان القراءة المعمقة في كتاب حنا بطاطو (العراق) بأجزائه ـ أو كتبه ـ الثلاث هي شرط لازم في أي دراسة عن العراق، سواء تناولت نواحيه الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية، لدقة وتثبت وعمق المؤلف، وللظروف الممتازة التي توفرت له وأعانته على انجاز كتابه هذا باللغة الانجليزية.

فقد اطلع الأكاديمي الفلسطيني الذي درس في جامعة هارفرد على أرشيف مديرية الأمن العامة في العراق، وهو أرشيف بدأ به البريطانيون منذ العام 1917 تقريبا، وهذا الامتياز لم يحصل عليه أي باحث من قبل، ومهد لأن يطالب الباحثون العراقيون بمساواتهم بحنا بطاطو والسماح لهم بالاطلاع على الارشيف هذا، ويذكر لي أحد كبار المثقفين العراقيين من المنتمين إلى الحركة الاشتراكية العربية ـ لم استأذنه بنشر اسمه ـ بأن الفرصة التي أتيحت لبطاطو وقف خلفها بعثي لبناني توسط له بحجة تنظيم وأرشفة تلك الوثائق المرصوصة في مديرية الأمن العراقية.

ولم يقف المؤلف عند هذا الحد، إذ عزز بحثه المعمق بمقابلات شخصية مهمة مع رموز العهد الملكي ممن امتلكوا خزينا مهما في ذاكرتهم فضلا عن وثائقهم الشخصية، والتقى في السجن بقياديين كبار في الحزب الشيوعي العراقي قبل نهاية الملكية عام 1958.

وكل هذا، بالإضافة إلى الروح العلمية المتجردة والنفس الطويل والصبر في تفحص المادة العلمية الأساس للبحث التي تظافرت بالمجمل في شخصية حنا بطاطو، بما أتاح أن يظهر كتابه بهذا العمق والأهمية.

وقد ولد حنا بطاطو في القدس عام 1926، هاجر إلى الولايات المتحدة عام النكبة (1948)، ونال الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفرد عام 1960، وصدرت دراسته الضخمة عن العراق التي نقدم هذه الملاحظات عليها عام (1978) باللغة الانجليزية، ورغم انه قدم دراسة أخرى عن سوريا مقاربة لدراسته عن العراق، إلا أن كتابه عن العراق يظل هو الأكثر أهمية في تاريخه الأكاديمي.

زاول حنا بطاطو التدريس في الجامعة الامريكية ببيروت حتى العام 1982، ثم انتقل إلى جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة حتى تقاعده عام 1994، ثم توفي في ويستد – كونيكتوت عام 2000.

وقد غطى (الكتاب الأول) وكما كتب على غلافه (الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية) وفي هذه السطور سوف أقتصر على هذا الجزء من الكتاب وحسب.

بينما تناول الكتاب الثاني (الحزب الشيوعي) تأسيسا وجذورا وقادة وظروفا اجتماعية، ملاحظا بالتفصيل الطبيعة الشخصية لكل الشيوعيين الأوائل والظروف الاجتماعية التي احاطت بهما والتي أثرت سلبا أو إيجابا في نشاطهم، وفي الكتاب الثالث تناول (الشيوعيون والبعثيون والضباط الاحرار) مواصلا تتبعه للحزب الشيوعي العراقي وقادته في المراحل التالية ثم ظهور البعثيين والصدام مع الحزب الشيوعي.

وبالمجمل فإن هذا السفر العلمي المهم أوسع من أن يحاط به بمقال أو بدراسة مختصرة، وقراءته ضرورة لا غنى عنها للدارسين، وللمثقفين الراغبين بفهم طبيعة العراق الحديث وملابسات العمل السياسي فيه، وما آمله ان تكون هذه السطور محفزا لمن لم يطلع على الكتاب من قبل.

على ذلك كله، ورغم ان هناك شبه اجماع بين الباحثين على ان كتاب حنا بطاطو هو المرجع الأهم عن تاريخ العراق الاجتماعي الحديث إلا أنه لم يسلم من النقد، وبعض النقود التي وجهت له لم تكن محايدة تماما، ولم تظهر بمعزل عن تأثيرات الايديولوجيا على الاطلاق، سواء كانت ايديولوجيا قومية، أو يسارية، أو ميول طائفية هاجمت بعض ما ذكره عن الديمغرافيا العراقية، ولكنها بالمجمل، سواء كانت علمية محايدة، أو متحاملة، أوضحت ما لهذا الكتاب بأجزائه الثلاث من أهمية تستدعي هجوم السلطات السياسية في العراق عليه، ومنعه طوال فترة حكم حزب البعث في العراق، رغم ان ميول مترجمه ـ عفيف الرزاز ـ القومية البعثية كانت واضحة في الترجمة كما سأذكره لاحقا في ملاحظاتي على الكتاب([1]) حيث يذكر لي أحد المثقفين العراقيين اليساريين انه ومجموعة من المثقفين كانوا يتداولون نسخة بالرونيو من الكتاب في تسعينات القرن المنصرم وكأنها عبوة ناسفة!

عدا ذلك، وبرأيي الشخصي، فإن الكتاب والكاتب على عمقه وتثبته فاتته بعض الأمور، أو انه فهم بعضها بطريقة ليست بالغة الدقة، وهذا أمر لا يلام عليه، فهو ليس ابن البيئة العراقية بتعقيداتها العميقة التي تظهر حتى على مستوى اللهجة المحلية، وكناياتها المعقدة، مما قاده لإصدار بعض الملاحظات قد لا تكون بالضبط كما ذكرها هو.

وهنا أضع جملة من الملاحظات على الكتاب الأول من هذا السفر القيّم، على أمل أن أواصل وضع ملاحظات مثلها على الجزأين الآخرين من الكتاب، وهذه الملاحظات بعضها استدراك على الترجمة والنقل، وأصول الكلمات كما تلفظ سواء كانت عربية أو أعجمية، أعيدها لأصلها زيادة للدقة، أو أوضح بعض ما اختصر المؤلف ذكره، وأرى ان في توضيحه فائدة كبيرة، فضلا عن بعض الأوهام في الأسماء والمواقع، وغيرها من الملاحظات، كما ان هذه الملاحظات هي جزء من مجموعة أخرى أوسع، تعرضتُ ضمنها بالنقاش والتحليل للعديد من مباحث هذا الكتاب، أدخرها لوقت آخر، وأعترف بأني عمدت إلى حجب بعض الملاحظات التي قد يكون من المبكر نشرها لحساسيتها الشخصية.

على أي حال، أضعها بين أيديكم بأمل تعميم الفائدة، وطلبا للنقاش والرأي وتصحيح ما قد أكون مخطئا بشأنه أو توهمت فيه، وقد استطبت أن أسميها (ملاحظات على الطبقات) بكون الكتاب ينطلق بالأساس من المقاربة الطبقية لفهم المجتمع العراقي.

ملاحظة مهمة: من الضروري استحضار نسخة من الكتاب أثناء الاطلاع على هذه الملاحظات، وقد اعتمدت في أرقام الصفحات على الطبعة الصادرة عن دار القبس في الكويت (2003) وأصل هذه الطبعة هي الطبعة الأولى لمؤسسة الأبحاث العربية ببيروت (1990)، والاختصار الذي استخدمته هو (رقم الجزء/رقم الصفحة) ورجائي أن لا يبخل علي من سيقرأ هذه الملاحظات بالتصويب والتوضيح.

  1. 1/28 وفي سياق الحديث عن شرط (الكفاءة) في الزواج الذي ساهم في تقوية التراتب الاجتماعي، من المهم ملاحظة أن الشيعة الإمامية لا يفرضون شرط الكفاءة للزواج في مدونتهم الفقهية، ولكن ذلك لا يعني عدم ممارسته كسلوك اجتماعي من قبل الأفراد المنتمين لهذا المذهب.
  2. 1/38 وفي سياق الحديث عن (طرف البراق) في مدينة النجف، ودستور البراق عام 1915، تجدر الإشارة إلى أن التسمية المتداولة في النجف لما عبّر عنه المؤلف بـ(المحلة/الحي) هي (الطرف) نسبة إلى أن مركز النجف كان مرقد الإمام علي بن أبي طالب، والتجمعات السكانية المجاورة للمرقد سكنى هي أطراف لذلك المركز، وأطراف النجف الأربعة هي: (البراق، المشراق، الحويش، العمارة)، كما ان جزئي مدينة السماوة يسميان شعبياً بـ(الصوب الكبير والصوب الصغير) مشطوران بأحد افرع الفرات، كذلك هناك اشتباه باسم احد الاعلام في هامش ص39، إذ ورد اسم (كاظم صبي) زعيم طرف البراق مصحفاً فصار (كاظم صبحي)، وهو غلط بين.
  3. 1/59 في الهامش رقم (6) يبدو ان المؤلف أو المترجم توهم بين مدينتي الحي والرفاعي وهو يتحدث عن شيخ الطريقة الرفاعية السيد أحمد الرفاعي، فالحي قضاء، ومركزه مدينة الحي وتقع إداريا ضمن محافظة واسط وبالقرب منها يقع مرقد التابعي الكبير سعيد بن جبير الذي قتله الحجاج بن يوسف الثقفي، بينما تقع مدينة الرفاعي ضمن الحدود الإدارية لمحافظة ذي قار اليوم ـ جزء من إقليم (المنتفج) القديم ـ والرفاعي احد أقضية المحافظة، ومن الواضح نسبة المدينة إلى السيد احمد الرفاعي المدفون فيها، ولعل الاشتباه مرده إلى نهر (الغراف) الذي يمر بالمدينتين معاً.
  4. 1/62، هناك التباس في فهم أسباب حركة رجال الدين الشيعة خارج المدن الدينية التي يسكنوها للدراسة وهي النجف بالدرجة الأولى في العراق، والحقيقة إنهم كانوا يخرجون في الصيف هرباً من حر النجف إلى الأرياف أبان تعطل الدروس في ذلك الفصل، وهناك يمارسون بحكم وجودهم نشاط للتوعية الدينية وليس التبشير، وهذا النشاط قد يكون بالاساس مجرد مجالس عزاء للحسين بكل ما تحمله من شحن عاطفي ومحفز تجاه التشيع، كما يجب التأكيد على ان الكلمة الشعبية الأدق هي (موامنة) وليس كما ورد في متن الكتاب (المؤمنين)، وتحويلها إلى (مؤمنين) يبدو لي غير دقيق ولا يجعلها تؤدي ذات المعنى الشعبي المتداول لها.
  5. 1/65، يذكر ان (هزاع المحيميد) شيخ المعامرة في الحلة كان من المذهب السني، بينما كان مزارعيه وابناء عمومته من الشيعة، وهو صحيح، ولكن مما يذكر اليوم ان المشيخة العامة خرجت من بيت الهزاع إلى بيت الراشد وهؤلاء شيعة، ولا يمكن في الوقت الحاضر المرور بهذا التغير دون تتبع دلالته المتأثرة بالوضع العراقي.
  6. 1/77، وفي سياق الحديث عن أثر المياه والسقي وطرقه وتواجد الملاكين الكبار في أقاليم المياه، أضاف المترجم ما يلي: (وكان صغار الملاكين موجودين في معظمهم في مناطق كانت تزرع زراعة مكثفة منذ زمن طويل، مثل إقليم الدواليب المائية (النواعير، أو ((الكرد)) وتلفظ ((شرد)) في اللهجة العراقية ــ المترجم)، وهو غلط كبير، وكان بالإمكان ان يوضح المترجم لو كان يعرف اللفظ الصحيح وخشي على عمله من العجمة أن يقول (جرد) بالجيم الفارسية)، والحقيقة ان اللفظ الصحيح هو (ﭼرد)  بفتح الجيم الفارسية، وليس (شرد)، كما أن هناك فرق بين الـﭼرد والناعور، فالناعور يدور ذاتياً مع جريان مياه النهر، بينما يعمل الـﭼرد بجهد الحيوانات (الحمير أو البغال) وفي الغالب تنتشر النواعير على الفرات، والـﭼرود على دجلة وفي بغداد خصوصاً، ومنها جاءت تسمية منطقة الكرّادة المحرفة عن (الـﭼرادة) حيث ان الكرد=ﭼرد، ويبدو ان المترجم لا يرغب بأن يسمي الأشياء بمسمياتها لحساسية شخصية، فيبتكر اصطلاحات لا أصل لها على طول الكتاب، مثل ذكره في هامش ص110 من الجزء نفسه في سياق ذكر مرادفات (الحوشية) مرادف (رشاقَّة) فقال (قاف تلفظ كالجيم المصرية) وكأن للمصريين لغة قائمة بذاتها وليس لهجة عربية، بينما الأصوب لغويا ان يقول (كاف فارسية) بدلا من حساسيته التي كدرت عمله الجليل في ترجمة هذا السفر، و(رشاﮔـة) أتت من (الرشـﮓ) أي (الرشق) وهي من رشق السهام أو الرصاص، كذلك ما ذكره حول التسمية التي اطلقها البغداديون على المهاجرين إليها من العمارة والكوت 1/162، وغيرها.
  7. 1/84-85 آل ازيرج في الكوت (يقال لواحدهم الازيرجاوي) هم غير بنو زريج في الرميثة من أعمال المنتفج، لان بنو زريج من الظوالم، وهم غير الازيرجاويين، وشيوخ بني زريج هم آل عبد العباس وأشهرهم خوام العبد العباس.
  8. 1/95 في الهامش رقم (30) يوجد وهم بظني، ففي سياق الحديث عن مناطق نفوذ قبيلة (الخزاعل)، ورد ذكر كلمة (شبشة) ضمن تعداد القبائل الخاضعة للخزاعل والتي كانت تعمل في أراضيهم مثل الغزالات وآل شبل وخفاجة، وأتصور أن الأدق هو تبيان شيخ الخزاعل في حديثه لحدود منطقة نفوذهم التي تصل إلى (شبـﭼـة) وهي منطقة وليست عشيرة، حيث امتدت مضارب الغزالات وآل شبل وخفاجة حتى شبـﭼـة على الحدود مع السعودية اليوم.
  9. 1/98 من الجزء الأول وفي سياق الحديث عن حصة (المضيف) التي كانت تفرز من الأرض وتمنح للشيخ قبل ان تقوم الملكية الزراعية بعد (الطابو) و(اللزمة) و(التسوية)، وفي الهامش كُتب ـ ولعلها ملاحظة من المترجم ـ (وبشكل أدق، وبلهجة العشائر العراقية، كانت الكلمة ((تلفظ المظيف))) وهذا الملاحظة برأيي مجرد تقعر لغوي وتحميل للأمر بما لا يحمل ولا داعي لها.
  10. 1/109، في الهامش رقم (93) ومتنه، ورد ذكر فريق مزهر الفرعون أحد شيوخ آل فتلة وما ميزه بكونه ألف كتاباً، لم يذكر المؤلف الكتاب وهو كتاب (الحقائق الناصعة في ثورة العشرين) وقد ذكر لي أحد السادة العارفين بالفرات الأوسط ان الكتاب ليس من تأليف فريق المزهر الفرعون، لأنه كان أمياً وان هناك شخص آخر كتبه له وأعاد صياغة ما يمليه فريق المزهر من كلام جعل فيه الفضل الأكبر في ثورة العشرين لعشيرته ولآل فرعون، ولكن اطلعت على كتيب صغير اسمه (الغدير في جامعة النجف) صدر أوائل الخمسينات من القرن الماضي، جمع فيه مؤلفه (محمد حسن الصلوات) قصائد وكلمات ألقيت في احدى احتفاليات (عيد الغدير) في النجف، ومن بين تلك الكلمات كلمة لفريق مزهر الفرعون، والكلمة بليغة، مما يعني انه حتى في حالة كتابة شخص آخر لتلك الكلمة من أجل الشيخ فلابد انه يجيد القراءة بشكل جيد يتيح له ان يلقيها في تلك الاحتفالية.
  11. 1/142، مما يدلل أيضا على ممارسات عجيل الياور شيخ شمر ونشاطه في قطع الطرق والإغارة على القبائل الأخرى على طريقة عرب الجاهلية القدماء هو الشعر الذي قاله أحد أعمام عجيل الياور بحق ابن أخيه مادحاً له

اللي يبي شرب اللبن………ينزل على الياور عجيل

كل يوم ما خذله عرب…………يومي لشمر بالشليل

 

  1. 1/143ــ144، في سياق حديثه عن مذكرة رفعها بعض من شيوخ العشائر للاحتجاج على تعيين الملك فيصل الأول للضباط الشريفيون كمتصرفين وتعيين محمد جعفر ابو التمن وزيرا للتجارة، ذكر ان الشيوخ طالبوا بأن تكون عراقة المولد والنسب هي معيار اختيار المتولين للمناصب، وأشار إلى ان هذه (النزعة الفكتورية) قد لا تكون من صميم عقلية الزعماء العشائريين، وأنها توحي على الأقل بأن هناك مسئولين كانوا يصدرون لهم هذه الأفكار، وهو أمر لا اتفق معه، لأن مسألة التأكيد على العراقة والنسب البارز فيمن يتولى الرياسة ليست جديدة على العقل العربي والعراقي، بل لها حتى من النصوص الدينية في سياقها الزمني ما يعززها ويدفع تجاهها، حتى مسألة عدم تزويج سليلة الأشراف إلا لشريف سيد مثلها تدخل في هذا الباب.
  2. 1/167-169، حول (المُغارس والتعّاب)، يمكن القول ان الأمر برمته، وأنواع المغارسين لم يقتصر على من ذكرهم المؤلف، مثلا، كان جدي لأبي يمتلك نخيلا بطريقة المغارسة في مناطق العبودة جنوب النجف في أراضي آل زوين، وهو لم يبذل بها جهدا، بل حازها كأجور عن خطابته لدى المالكين في شهر محرم، فكان سنويا يُمنح مجموعة من النخيل يصله إيرادها بعد استيفاء أجور الفلاحين وما شابه، وظلت إيراداتها وجزء كبير من انتاجها من التمر يصلنا دون ان نعرف حتى مكانها بالضبط.
  3. 1/175، في الحالات التي يتم منح المرأة فيها كتعويض تسمى تلك الحالة (فصلية) لأن الفصل هو غرامة مترتبة على اختراق أحكام القانون العشائري (السانية)، بينما (الفصلية) هي تسمية خاصة بأحد أنواع تلك الغرامة أو (الفصل) وتتم عادة في الحالات التي يقوم فيها رجل بـ(نهب) امرأة من عشيرة أخرى، أي اختطافها والزواج بها أو مجرد الزنا بها، فيتم دفع امرأة أو أكثر كتعويض عن تلك المرأة المنهوبة.
  4. 1/184 في الهامش رقم (7) ما أشار له المؤلف من الصراع حول مستحق لقب (السيد/الشريف) بأنه تاريخيا قد تم توسيع تعبير بيت النبي محمد حتى شمل المنحدرين من عمه العباس، وفي الحقيقة فإن هذا يعد من أساسات الاختلاف بين السنة والشيعة، حيث يخصص الشيعة نطاق (آل البيت) بذرية الإمام علي من ابنته الزهراء، مستثنين حتى ابناءه الآخرين، بينما يحرص السنة على توسيعه ليضم زوجات النبي وأعمامه، خصوصا العباس بن عبد المطلب، وفي التوسيع أو التضييق جانب سياسي كبير كما لا يخفى.
  5. 1/186: حول الخمس، من المهم فهم أن تركيز المدونة الفقهية الشيعية على الخمس ليس قائما على مزاجيات فقهية وحسب، بل انه في الواقع مرتبط بدرجة اساس بكون المؤسسة الدينية الشيعية كانت على الدوام مستقلة أو معارضة للسلطة الحاكمة مما جعلها بدون موارد كافية للصرف على الطلبة وغيرهم ممن تقع مسئولية رعايتهم على عاتق الفقهاء الشيعة، هنا لجئوا إلى الخمس ورسّخوا وجوده كضريبة شرعية على الشيعة تدفع إلى الفقهاء حصرا، وهم من يقوموا بتوزيعها على مستحقيها حسب الآية القرآنية التي ذكرت الخمس موارده ومستحقيه، ولكن شرط أن يكون المستحقون على شعبتين، شعبة للسادة أو ذرية علي وفاطمة، وشعبة للعامة غير المنحدرين من علي، وما كان يدفعه بعض الناس للسادة غير المنضوين في الحوزة في العراق إنما كان بمزاجهم لا بحكم فقهي، إذ يتشدد فقهاء الشيعة على ضرورة أن يدفع الخمس للفقيه حصرا ولا يبرئ الذمة لمن يتصرف بخمس أمواله السنوي بمعرفته، إلا في حالات استثنائية معينة، مثل ما ذهب له المرجع الشيعي الأعلى في وقتنا الحاضر (السيد علي السيستاني) حيث انه منح الرخصة للعراقيين والأفغان بأن يعطوا خمس أموالهم لمستحقيه سادة وغير سادة وفق معرفتهم دون الرجوع إلى المرجع، وبعد سقوط نظام طالبان في افغانستان رفع الرخصة تلك عن الافغان، وأبقاها سارية على العراقيين، ومقصدي من هذا كله أن السادة (الطفيليين) بتعبير المؤلف في عراق القرن الماضي كانوا يأخذون الخمس من العشائر بمزاج العشائر نفسهم دون أن يكون ذلك برضا الفقيه الشيعي الأعلى.
  6. 1/191، في حديثه عن الأسر التي اغتنت من توليها (لسدانة) العتبات المقدسة، أي إدارتها، ذكر المؤلف الأسرة التي أسندت لها سدانة العتبة العلوية في العصر الحديث نهاية القرن التاسع عشر تقريبا، واسماهم (الرفاعيين) وهو التباس، إذ لا صلة لهم بالسيد احمد الرفاعي، بل الأدق هو القول (الرفيعيين) والنسبة هي الرفيعي، وآل الكليدار الرفيعي كان آخرهم هو حيدر الكليدار الذي قتل عام 2003، وكان والده قد قتل أيضا على يد عشيرة (البو عامر) في ستينات القرن الماضي خلال الصراع الذي كان دائرا بينهم وبين عشيرة (البو كلل) الذين كان الكليدار صهرا لهم، ولعله لبس من المترجم.
  7. 1/196، هناك غلط باسم الوالي علي رضا باشا اللاز، إذ ورد اسمه في الكتاب (علي راضي) ولعله خطأ مطبعي.
  8. 1/196، بشأن ما ذكره المؤلف عن أبي الثناء الآلوسي، ونفيه من بغداد عام 1902 (لمهاجمته المعتقدات الخرافية ولاتهامه بالتحريض على العصيان ضد السلطان) والواقع إن ما لم يذكره المؤلف ان الالوسي كان ميال للوهابيين إذا لم يكن وهابيا صرفاً، وهذا ما يفسر ما وصُف بـ (مهاجمته للمعتقدات الخرافية) بتعبير المؤلف نقلا عن الشيخ محمد بهجت الاثري ويشير البعض إلى انه لم يقتصر على الاعجاب بافكار ابن عبد الوهاب وتشدده الحنبلي عبر ابن تيمية، بل انه ذهب إلى إقامة صلات مع الوهابية وابن سعود، ومن المعروف ان الوهابيون كانوا على قطيعة شديدة مع العثمانيين، والاتصال بهم سيمثل بالتأكيد عصيانا على السلطان العثماني.
  9. 1/200، وفي الهامش (106) ورد اسم قضاء (المشخاب) جنوب النجف بلفظ خاطئ هو (مشكاب) ومن الواضح انه خطأ المترجم.
  10. 1/203، أسفل الصفحة وفي حديثه عن أدوار بعض رجال الدين، كتب (محمد الصدر، وهو “سيد ــ عالم” شيعي من سامراء) ثم في أول الصفحة الثانية (204) اوضح انه ورجال دين سنة آخرون (مارسوا نفوذهم على العامة في العاصمة ضد الانكليز) وهنا يتبين الالتباس، إذ إن أسرة آل الصدر ليسوا من سامراء أصلا، فهم لبنانيون في الأصل استوطنوا النجف والكاظمية، وحين انتقل المجتهد الشيعي الأكبر الميرزا الشيرازي إلى سامراء انتقل أيضا السيد حسن الصدر لاحقا إلى هناك، ونشأ أولاده فيها قبل عودتهم إلى الكاظمية في بغداد.
  11. 1/205، رغم أن المؤلف أشار إلى ما لعبته العوامل الدينية وقوتها (غير المشكوك بها) بتعبيره ودورها في التحريض ضد البريطانيين (الحكم الكافر)، إلا انه لم يفرد لها الكثير من الحديث لسبب غير مفهوم، وتوسع كثيرا في تبيان العوامل الأخرى المتعلقة بطبيعة كبار الملاكين وحرصهم على سلطاتهم وثرواتهم.
  12. 1/236 اثناء الحديث عن التيارين اللذين تقاسما الجيش العراقي قي الثلاثينات وقبل انقلاب بكر صدقي اللذان وصفهما المؤلف بـ(التيار العروبي الجامع) و(التيار الإقليمي) تدخل المترجم ايديولوجيا فكتب (أو بالأحرى “القطري” Particularisr ــ المترجم) وهي التسمية التي يصطلح علها البعثيون.
  13. 1/247، الهامش (11) وصف (الانكشارية) بأنهم مجرد (الجيش العثماني المحلي المحترف) فيه الكثير من الاختزال وعدم التوضيح لماهية الفرق الانكشارية وموقعها في التشكيلات العسكرية العثمانية.
  14. 1/262، تصرف المترجم باسم عشيرة (العـﮕـيليين) من (إعـﮕـيل) وجعلها (عقيل) وهو غلط.
  15. 1/267، أشار المؤلف إلى نشاط الاقتصاد البدوي، ولكنه لم يستطرد أو يشير إلى نماذج من مراكزه في العراق، رغم انه تحدث في ذات الفقرة عن النشاط التجاري المستند للمراكز الدينية الشيعية، حيث ان النجف كانت مركزا مهما للتجارة مع بدو الجزيرة العربية، وسكن أفراد من بعض أسرها المشتغلين بالتجارة في مدن نجد والحجاز مثل آل الحبوبي وغيرهم، أي انهم لم يقتصروا على التجارة وبيع الحبوب وشراء الجلود منهم حينما يردون إلى النجف، بل ذهبوا للسكن هناك أيضا.
  16. 1/268، أحسب انه كان الاجدر بالمترجم ان يستخدم التسمية المعروفة للسلطان العثماني سليمان، وهي سليمان القانوني، لا أن يعرب بالنص ما ورد في الكتاب، ليسميه (سليمان العظيم)، مما قد يسبب لبساً عند القارئ غير المطلع.
  17. 1/366 الهامش رقم (34) لا أعرف إذا كان التفسير الذي ورد في الهامش من المؤلف أم من المترجم لأنه من الواضح انه يفتقر للدقة وملتبس تماما، إذ ورد في المتن ان الملك جعل أمين الـﭼرﭼفـﭼـي يقسم على ((ولاية أمير المؤمنين)) بعدم إشاعة ما جرى بينهما، وجاء الهامش ليوضح هذا بالقول (أي توالي إمارة المؤمنين بعد علي) وهي عبارة ملتبسة تماما، حيث إن دلالة مفهوم (ولاية أمير المؤمنين) خطيرة جدا بالنسبة للشيعة، وهي أساس الاختلاف بينهم وبين السنة، ان المفهوم يتعلق بآخرتهم كما يتعلق بدنياهم، وهم لا يعترفون بإمارة المؤمنين لأحد سوى للإمام علي بن أبي طالب، ان الملك في هذه الحالة قد جعل الـﭼرﭼفـﭼـي يقسم بخلاصه الأخروي، بصميم عقيدته، بولاية (أمير المؤمنين) التي هي صلته بآخرته، وآصرته بأبناء مذهبه، وتقديمها بهذه الطريقة لا يوضح خطورتها التي جعلت فيصل يقسم على امين الـﭼرﭼفـﭼـي الذي شغب عليه في غيابه بهذا القسم الكبير.

 

هذه هي أهم الملاحظات التي وددت التعرض لها في الجزء الأول من كتاب العراق، وكلي أمل ان اواصل عملي في بقية الاجزاء، وأكرر أمنيتي بأن تكون هذه الملاحظات محفزاً لقراءة الكتاب لمن لم يقرأه من قبل.

 

 

على الرابط

 

http://www.fekr-online.com/article/%D8%AA%D8%B9%D9%82%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%281%29-%D9%85%D9%86-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%28%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%29-%D9%84%D8%AD%D9%86%D8%A7-%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D8%B7%D9%88

 

([1]) لا أعرف بالضبط ما إذا كانت له صلة بمنيف الرزاز (بعثي اردني/سوري) الذي كان ـ قبل اتهامه بالاشتراك بمؤامرة ضد صدام حسين ووضعه في الاقامة الجبرية حتى وفاته ـ يشغل الأمين العام المساعد للقيادة القومية لحزب البعث.

 

[الصورة: حنا بطاطو]

مشاهدات ليلية 4

في شارع مزدحم بالاطباء والصيدليات ومحال التجهيزات الطبية، حيث تكون مضطرا لشراء حاجتك مهما كان وجه البائع أو البائعة متجهما، في مثل هذا الشارع تكون بعض المحلات استثنائية.

في شارعي هذا، هناك محل للتجهيزات الطبية، حين أمر به مساءً لا أجد فيه سوى فتاة عشرينية بمفردها، ليست شديدة الجمال، وجه طبيعي يشعرك بالألفة دون أن يؤذيك ببهائه، في الغالب تنتهي جولتي الليلية حين تقفل الفتاة المحل، بمفردها، تنقل المواد من باب المحل إلى الداخل بهمة، كراسٍ متحركة، كراسٍ طبية، عكازات بأربع أرجل، وما شابه من هذه الادوات المصفوفة أمام المحل، تنقلها بحسب ثقلها، اثنين اثنين، أو فرادى.

الفتاة تهش لكل داخل إلى دكانها، تنصحه بهذه الشيء أو ذاك بمرح ونكتة، مخلية مسؤوليتها عن خياراته برقة وخفة، وحين يقر قرار الشاري على أمر معين تلفه وتناوله له مع تمنياتها بالصحة والعافية.

وبصفتي شخص كثير السفر، ولكوني شخص يقضي جل يومه في حالتين اثنتين: منكب على كتاب، أو متسمر أمام شاشة حاسوب، فإن عنقي تكون دائما عرضة لآلام خاطفة بين مدة وأخرى، مع تهديد مستمر بسوفان الفقرات العنقية، فإنني وتحرزا للمستقبل، وفي محاولة تأجيل قدر السوفان هذا، قد اشتريت منها عدة مرات ما يسلتزم مثل هذه العنق، مخدة لدعم العنق أثناء السفر، ورقبة اسفنجية تدعم العنق حين الحاجة أمام كتاب أو حاسوب، وفي كل مرة اشتري منها هذه الأشياء تنصحني بود وجذل وحياء، فأشتري البضاعة وأخرج وكأنني اشتريت كيلو بقلاوة من الخاصكي وليس شيء منذر بالمرض.

هامش: بعد أن أنهيت الجولة، ودخلت لأشتري الصمون من أجل افطاري، في مدخل الفرن سابقتني قمرة صغيرة دون الخامسة من العمر، بذيل حصان يتمايل مع مشيتها السريعة، يتلوى مع نسمات هذه الليلة الجميلة، وحين وصلنا إلى منضدة البائع وأقبل علينا أراد أن يمنحني حاجتي قبلها، ساعتها، ومثل أي شخص ضعيف أمام هذه المخلوقات الجميلة قلت له: مشّي الحلوة أولاً، فرمقتني بنصف ابتسامة، من نصف وجه، من نصف التفاتة، ثم أخذت كيس الصمون وخبّت مسرعة كما دخلت.

هامش ثاني: في الطريق أيضا بنايتان قيد الانجاز، ومثل أي مشروع بناء عراقي محترم فقد احتلت مواد البناء الرصيف وحولته إلى هباء منثور من التراب وبقايا قطع المرمر والطابوق، ويوميا أجد عمّال البناية وقد جمّعوا ما تبقى من أخشاب قالب صب الكونكريت التالفة، وأوقدوا النار لكي يشوون طعام عشائهم، سمك أو دجاج، بسعادة بالغة، ساعتها يتبخر غضبي على صاحب البناية، بسبب السعادة الصغيرة التي تلفُ قلوب هؤلاء الفقراء وهم يعدون عشائهم.

#مشاهدات_ليلية

عكادة ⃰   العراق وعكادة صيدا… ما يبنيه الطين وما يشيده الحجر

الذي يزور صيدا في الجنوب اللبناني لابد له من أن يزور صيدا القديمة، المبنية على طراز المدن الشرقية العتيقة، أقواس وأزقة ضيقة نسميها في النجف (عكود، مفردها عكد، بالكاف الفارسية) أو كما يقول العراقيون الآخرون (درابين، مفردها دربونة) ـ وإن كان العم الاستاذ ذياب آل غلام يقول أن الدربونة هي التي تكون بمدخل ومخرج واحد، أما العكد فيكون له مدخل ومخرج ـ أقواس تعتلي الطرقات من تلك التي نسميها (سوباط)، جدران متقاربة تشعرك بألفة المكان وحميميته.

ولكن صيدا القديمة هذه مبنية بالحجر، وهو أهم ما يميزها عن البناء العراقي، الذي قامت حضارته منذ ولدت على الطين، بناء ومعيشة.

وبتقديري فإن الفرق الأساس بين الحضارات الطينية ـ لو صح التعبير ـ وغيرها هو تلك العلاقة التي لا تنفك بين الانسان والطين، فتُحوِج الطين للإنسان، والإنسان للطين، بعكس الحجر.

ومنذ لحظتها الأولى، قامت حضارة العراق على الزراعة، وارتبطت بالفراتين وطينهما، حتى غدت حياة العراقيين مترادفة مع الطين وجودا ومعيشة.

ابتنى العراقيون بيوتهم منه، فهو بارد في الصيف، حار في الشتاء، في الطين يزرعون، ومنه يستخرجون ما يغسلون به اجسادهم (طين خاوه)، ومن الطين المفخور شيدوا قصورهم وجنائنهم المعلقة ومراقدهم المقدسة، يعجنون الطين بأرواحهم، كأنهم يصلون، يحرقونه في نارهم الأزلية، ثم يرصونه على بعض، ليتركوا لنا تلك العمائر المتفردة، الممتلئة بالذكريات والقداسة، حتى تكاد تسمع صدى تضرعهم وصلواتهم تتردد بين اللبنات التي تتعانق لتشيد هذا الصروح المشبعة بالروحانية.

ولأن الطين صنو الانسان فقد احتاج ليدوم كبناء مشيد إلى الإنسان، وكل بيت أو قصر أو عمارة عظيمة مبنية من الطين تتهدم حين يهجرها الإنسان، لهذا بادت الكثير من منجزاتنا المعمارية في العراق، بسبب هجران البشر لها وتعرضها لعوامل الزمن والطبيعة، تضائلت ثم توارت رويدا منسحبة إلى عتمة الخراب مثل أم فقدت وحيدها، كأن للطين روح وللبيت قلب.

أما العمارة المشيدة من الحجر فهي تنبيك أنها لا تحتاج إلى الانسان، وأن الانسان عابر في حياتها، ولا قيمة له بقي أم هاجر، والعمارة المبنية من الحجر تبين أيضا نمط المعيشة والحضارة التي قامت على اكتافها، فحضارات بلاد الشام ولبنان منها كانت تجارية بالأغلب، واعتمدوا في أغلب معيشتهم على النقل التجاري والزراعة الديمية والأشجار المثمرة المعمرة ـ كتبت مرة عن اختلاف عادات الأكل وفق أنماط الزراعة ـ مما أفقد البُنى الحجرية ذلك الرابط الخفي الذي تشعر بيه حين تمشي في آثار الحضارات الطينية، في المشيدات الحجرية تبهرك الضخامة، ومتانة البنيان، وصموده المتطاول مع الزمن، ولكنك لا تكاد تشعر بأنه حيٌ.

ومن شدة علاقة الطين بالانسان، وطواعيته له، ولد نمط العمارة العراقي الاستثنائي الذي طالما تغنيت به ونشرت صوره، تلك السقوف التي رصفت بشغف حتى كأنها سجادة صانع فنان، ترفع نظرك إلى السقوف والقباب لتشاهد منظرا بديعا لم يحوج السكان إلى أن يطلوا الجدران بالأصباغ لتكون جميلة، لبنات تتعانق مثل المحبين لتنتج اشكالا هندسية وورد وقلوب تحوم فوق الرؤوس كأنها ملائكة تحرس أنفاس الساكنين في البيت.

هامش: كتب احدهم على جدار منسي: [أحب هذه البلاد حتى في خرابها الأخير]، أحب هذا الطين مهما كان موجعا وموحشا.

هامش آخر: أحب لبنان حبا متفردا، أمس واليوم وغدا، وحتى آخر أيامي.

⃰ العكادة: هو الاسم الذي يطلقه العراقيون على السقوف المشيدة بالطابوق أو الحجر، على رصفها وبنائها وريازتها، وهي مشتقد من العقد، من عقد الأشياء ببعضها، مثل عقد الحبال.

 

 

 

مشاهدات ليلية (2)

 

أمام عيادة أحد الأطباء، كانت تقف سيارة تاكسي صفراء اللون لم انتبه إلى طرازها، من الخارج، وعلى باب الراكب الأمامي كان هناك رجل جاوز الثلاثين، ضخم الجثة، يرتدي [تيشيرت] أخضر اللون غامق، وبنطلون جينز رصاصي، شاب أسمر حاد الملامح، شعره خفيف، أسند ظهره إلى سيارته، وشبك ذراعيه على صدره بضجر، خلفه مباشرة، وعلى سقف السيارة، أجلس طفلته الجميلة، فتاة قمحية ربما تكون في الرابعة من العمر، ترتدي قميص زهري بلا أكمام وجينز قصير بدا وكأنه خيط لها من بقية قماش بنطلون والدها، كانت تجلس على سقف السيارة، وتدلي ساقاها على كتفي أبيها وصولا إلى صدره، وتعتنق رأسه بكلتا ذراعيها الغضتين، ومالت برأسها على أذنه اليمنى تحدثه.

كان الضيق يسيطر على الأب، لعل لديه مريض ينتظره، لعله قلق على مريضه، وجهه منكمش تماما بضيق بالغ، وفي ذات الوقت كان مضطرا أن يجيب على أسئلة ابنته، ويسايرها في حديثها المتدفق الرقراق دون أن ينتبه فعلا لما تصبه في أذنه من نغم، لا أعرف ما الذي سألته عنه، ولكني سمعتها تقول له منحنية عليه تمزج سؤالها بالقبل: هذا زين؟ فأجابها بنعم، فأطلقت ضحكة رنانة مرقت إلى الشارع المقابل ملعلعة بالبهجة، فأجبرته على أن يضحك بطريقة ملئت وجهه وروحه، بفرحة تساوي بهجتها الطفولية العارمة لإجابته البليدة على سؤالها الساذج، وأنا شاركته هذه الضحكة الساذجة بالتأكيد بكل بلاهة!

تذكرت عندها البهجة التي ارتسمت على وجه صديقي، الذي كان يراقبني أزيح شرائح الزيتون عن قطع البيتزا قبل أن آكلها، فملئت البهجة وجهه الجميل، وانطلق يحدثني عن حب طفلته الصغرى للزيتون، وكيف أن علب الزيتون التي يجلبها إلى البيت لا تصمد سويعات معها، وكيف أنها تبدأ أكل قطع البيتزا من الناحية التي توجد فيها شرائح الزيتون، كان يحدثني وفرحة عميقة ترتسم على كل وجهه، وبدنه، سعيد بعادات ابنته الغذائية.

سرت مبتعدا عن الأب وابنته، متذكر لصاحبي، وفكرت في نفسي، لولا بناتهم، لفقد ثلاثة أرباع العراقيين عقولهم بسبب الكرب الذي يواجهونه يومياً.

#مشاهدات_ليلية

 

مشاهد ليلية

علي المعموري

تختلف مواعيد المشي عندي باختلاف الأماكن التي اتنقل بالمبيت فيها خلال الأسبوع، اليوم بتُ في المكان الذي أخرج فيه عادة بُعيد الغروب، اتمشى لحوالي كيلومترين، اتعشى، وأعود إلى سكني.

ومن دون خلق الله، يوقظ الحر كل حواسي، الأمر الذي يكون مضاعفا في حالة شخص شغوف باستطلاع ما حوله، من السلوك الانساني إلى النسق العمراني، تتحرك عيناي يمينا ويسارا، وتلتقط أذناي كل شاردة وواردة، أبحث عن التراتب البديع للكون من حولي، علَّ تلك الأشياء الجميلة تزيح عن روحي عناء اليوم العراقي المثقل بالغصص.

أراقب ابتسامة الأمهات في وجوه أطفالهن، والمناغاة الدافئة يتبادلنها بلغة لا يفهمها سواهم، انسجام العمال فيما بينهم، حركة الروافع وهي تأخذ مواد البناء إلى أعلى البنايات قيد التشييد، حديث الأشجار فيما بينها، وضوء الأعمدة الأصفر يهطل عليها في الليل فتبدو شاحبة مثل حسناء أصابتها الحمى، استدارة الأفرع حول بعضها في الأحياء القديمة، عناق الطابوق في البيوت العتيقة، البضائع المرصوفة على الأرفف في المحال التجارية، تجمع الجنود ورجال الشرطة قرب بعضهم ـ وهؤلاء أدرب نفسي على أن لا يلاحظونني وأنا التقط الصور يمينا وشمالا للبيوت والبنايات والسيارات والقطط التي تستريح على أبواب المنازل ـ وأشياء أخرى كثيرة.

وبين ليلة وأخرى يختلف الحال، مرة تظفر بالكثير من الجمال، ومرة تعود بأشياء بسيطة بالكاد تقيم أود ذاكرتك، أما الليلة فكانت رائعة، وعلى امتلائها بالكثير من الأشياء الجميلة، والناس الجميلين، فقد كان هناك مشهد فريد، شاهدته عرضيا، لم تتجاوز التقاطتي له أكثر من خمس ثواني هي أمد مروري الخاطف بالواقعة، كانت كافية لي، ومناسبة لكي لا أكون متلصصا مقتحما لخصوصيات الآخرين.

شابين ـ ولد وبنت ـ ربما متزوجان، ربما خطيبان، لا أعرف حقا، كان الشاب قد جلب سندويتشين، ناول البنت واحدا، وجلس جوارها يزدرد الثاني بنهم، ذاهلا عن كل ما حوله، أما البنت فكانت تمضغ لقيمة صغيرة، وقد أقبلت بكل جوارحها على ماكنة الفرم المجاورة لها، وهو يهرس الطعام هرسا، تنظر له وقد علت وجهها ابتسامة لم تدع عضلة في وجهها إلا داعبتها وحركتها، ابتسامة عميقة سعيدة متلهفة، تصبها على الشاب صبحا كالضياء، سعيدة تنظر له كما ينظر طفل إلى لوح شوكولاته، كما تنظر أم إلى طفلها الوحيد، وهو يحمل شهادة التفوق، مثل أرض تتهلف للشمس والماء، ابتسامة كأنها موسم حصاد العنبر، عبقة بالعطر والأمل، تنظر له بطريقة لا أعرف كيف أصفها، سعيدة بأنها حازت هذا الذي أقبل على طعامه كأنها نهاية العالم، سعيدة فعلا.

أنا بدوري ضحكت من القلب، ومشيت لخمسة كيلومترات.

[هامش: الاشياء الجميلة لابد أن تجربها أول مرة في بلدك]

لا أعرف الفنان الذي رسم الصورة المرفقة

موقع آخر في Arablog