arablog.org

مالك الحارس

(1)

لا أذكر متى رأيته أول مرة، لأنه كان حاضر في حياتي منذ طفولتي، لكنني سأذكر على الدوام صورة أو صورتان له، عملاق يحجب نظرك إذا تمشى نحوك، شعر أقرب للصلع، وجه مشرب بحمرة، بيضوي، حين يمشي يندفع نصفه الأعلى إلى الأمام، كما هي سجيته المندفعة وروحه الاقتحامية التي لا تخاف شيئا، يضع على كتفيه (قمصلة) ثخينة ـ لعلها جيشية لا أذكر بالضبط ـ يمتطي دراجته النارية طراز MZ الألمانية، ذات اللون الاحمر ـ أو الأزرق؟ ـ وأحيانا، كان يضيف لها القطعة الثانية التي كانت تضاف كملحق للدراجات النارية، تركّب إلى يمين السائق، جسم طويل أشبه بالقارب، تحتوي مقعد لراكب آخر، وصندوق.

الصورة الأخرى له، يجلس على مقعد طويل ـ لعله لم يكن أكثر من منصة خشبية صنعت على عجل ـ على باب موقف السيارات في النفق الذي كان في ساحة الميدان، وكان قد استأجره لسنوات طويلة، نعود من الحي الصناعي، تنزل السيارة في النفق، ينزل أبي النافذة ويصرخ به: هاااااا يولد، فيرفع هو حواجبه، وكفه الضخمة تلوح في الهواء، مسلما.

(2)

اسمه لوحده قصة، يضربك بموسيقاه ومعناه، مالك الحارس ـ من آل الحارس الكرام، الذين يسكنون النجف والكوفة ـ تخيل اسمه المهيب ملفوظا بصوته العميق، يخرج من فمه فخما مضخما، ينحدر عليك من قمة رأس هذا العملاق الذي يرفع حواجبه خازرا، أنت تعرف أنه من أشرس خلق الله وأكثرهم بطشا، ومن أكثرهم ظرفا وفكاهة ومحبة، يمكن أن يميتك من الضحك، دون أن يبين على وجهه أي تأثر، يحفظ من الشعر الشعبي الكثير، ويلقيه بطريقة مؤثرة جدا، أما روحه من الدنيا، فهو ولده ابراهيم، اللطيف، تشعر بنشوة جارفة من الحب تفيض على وجهه وهو يتحدث عنه، بود، متحبب بلفظ اسمه: برهم.

(3)

بداية العام 2004، وفي مجلسه الذي اعتاده لسنوات بعد العام 2003، في طرف البراق ـ رغم انه ليس طرفه ـ على الدرج النازل من السور باتجاه الحمام، يجلس هناك، ظهره لمنزل آل يعقوب غازي السلاميين، ومن حوله يحف به الاصدقاء، وأبناء الاصدقاء، كنتُ متفائلا بالتغيير، وبأن القادم خير وبركة، نظر إلي بود، ابتسم، وجاءني صوته المنذر عميقا: عمي علاوي، انت بعدك صغير الان، يعني قياسا بي انا انت صغير حتى لو كنت متعلم وتقرأ، انت متعرف هذوله الجايين، اني اعرفهم، اسألني، هذوله ما بيهم حظ، إسا يحرﮔـون العراق وميبنون طابوﮔـة.

ولم يبنوا!

(4)

تقريبا، أي نجفي عرف مالك الحارس ـ وأغلب أهل النجف يعرفونه ـ يمكن أن يروي لك موقف حدث له مع (ابو ابراهيم)، نكتة، او نخوة، لا يمكن أن يمر ابو ابراهيم في حياتك دون أن يترك لديك أثر وذكرى، من الصعب أن تنساها إلى آخر يوم في عمرك، شخصيا لا استطيع أن أحصر الأشياء التي اتذكرها عنها، لهذا تحدثت عن صورته ببالي.

أكثر وقت اقتربت منه كانت أبان العام 2005، أيام الحرب في النجف، اذكر مرة أنه قال مفاكها أن الدبابة الامريكية وقفت بركن الحمام، وخرج منها جندي أسود، هنا، رفع ابو ابراهيم كفه إلى وسط جسمه، جعل اصابعه الضخمة بزاوية قائمة مع باطن كفه، وحركهن باتجاهي، مستطردا عما قاله الجندي له، قال: مالك، تُب، تُب، يعني (طُب = ادخل).

(5)

لفرط قوته وعافيته كنت أظن أنه سيعمر لثلاث قرون، ولكن الموت اخترمه، وكانت آخر سنواته عذابا له، مريض يرفض ان يتداوى، يًكابر ويدافع المرض بقوته، حتى صرعه المرض.

(6)

كان على طول الخط صادق مع نفسه، صريح، لم يدع ما ليس فيه، وكان يفعل ما بنفسه دون تردد ولا خوف من أحد، لك ان تفق معه، او تختلف، ولكنه تصالح مع نفسه وما يحب، إلى آخر الخط.

رحمك الله أيها الراحل، أحببتك كثيرا، وسأفتقدك كثيرا.

الصورة: ابو ابراهيم، في مجلسه البراقي.

عامر… وركضه العبثي

 

سألني بعض الأصدقاء، لماذا تستخدم هذه العبارة كـ(هاشتاك) في بعض ما تكتبه من شخابيط.

وحتى من يعرف أصل القصة، يستغرب بعضهم من استخدامي لها.

في الأسفل رابط لفيديو منتشر على موقع (يوتيوب)، يظهر فيه رجل ريفي في العراق، يرتدي سترة داكنة، وقد أرخى على كتفه شماغا أحمر قاني، وفتح عقاله ووضعه على رقبته، وهو أمر لو تعلمون عظيم.

خفيف شعر الرأس، بلحية مهملة يمكن لك ان تميزها في ابناء الريف، المشغولين بأرضهم وغنمهم عن أنفسهم، ينظر نحو الكاميرا بوجه تعلوه البلاهة، والدهشة، مندمجتين مع حيرة وحزن للظرف الذي ألم به.

حوله أرض مصفرة النبت، وبعض من خضرة تلوح في أعلى وحيدات من نبات لم اتبين نوعه، وخلفه نبتة صحراوية كثيفة الأذرع، هي الحلفاء، والمشهد برمته يخبرك أن الموسم كان يبابا، كهذا اللون الأصفر الذي يعم المكان بوحشية، لا يمكن لك ان تتبين الفصل إذا كان شتاءا أو صيفا، وإن تدثر ابطال المشهد بالملابس الثقيلة، لكنها ليست دليلا على الطقس عند البدو، الذين يرتدون (فروتهم) في الصيف كما في الشتاء.

على الأرض تمدد خروف كبير ــ ستعرف لاحقا أنه أنثى ــ، وضع الرجل رأسه في حضنه، وطوقه بذراعه كأنه يمسك رأس أبوه، أو فلذة كبده، وهو يبكي بين لحظة وأخرى، وتغلبه الدهشة من الموقف فينسى البكاء، من الجلي ان الخروف يحتضر، وستتبين ذلك من لعثمة الرجل ولخبطته بالكلام، حتى لم يعد يعرف ما يقول، وكل الذي يردده بين فينة وأخرى: (أخوي يا عامر اركض، اركض يا عامر اركض لخاطر الله) والمصور يستفزه قائلا (صار وجهه ازرق، راح يموت) فيهرف الرجل، فيقول له المصور، (ادعي الله) فيتمتم الرجل بكلام اهبل، ثم يهذر بكلمات غير مفهومه، ليطلب بعدها من صاحبه أي شيء ليذبح به الخروف قبل ان يموت، ويصل الأمر معه مداه حينما يسخف طلبه لدرجة غريبة (حديدة ما عندك؟ كزازة ـــ كسرة من زجاج ـــ ما عندك؟ درنفيس ـــ مفك براغي ـــ ما عندك؟) وكأنه سيذبح الخروف طعنا، أو يفك براغي عنقه، ثم يتذكر عامر، ويطلب منه ان يركض لعله يجلب عونا أو مدية تريحه وتريح الخروف.

وبعد استغاثة أخرى لعامر، الذي لا تسمع سوى ضحكته طول المقطع، يظهر فجأة أمامك في المشهد، يرتدي ملابساً فضفاضة مهلهلة، يلتف راكضا في الدغل الأصفر يبحث عن حل ترقيعي، رغم ان الخروف قد مات ثم يتلوه صاحب المصاب بنفسه، راكضا باتجاهات مختلفة جيئة وذهابا، قبل أن يجد كسرة من زجاج احتز بها رأس الخروف دون ان يشخب عنقه دما اطلاقا، لأنه مات.

حال هذا الرجل يذكرني بالكثير من المشاكل التي وصلت إلى مداها الأخطر في هذا البلد، ويحاول من يعنيه شأنها ان يجد حلا يطوق بعضاً من آثارها الكارثية، بعد ان فات موعد الحل، دون أن يعدم متفرجا يضحك على حاله، وأحمقا يجمد كالصخرة أمامه وهو يستصرخه طالبا العون، مثل صاحبنا عامر هذا، الذي ظل الرجل يستصرخه لدقائق ان يركض (لخاطر الله) دون فائدة، إذ ظل عامر متسمراً في مكانه، فاغرا فاه بضحك أبله، والمصور يلتقط بلؤم مقدار العبث البالغ التام الذي يحيط بالمشهد، بعد ان لم ينفع الدعاء حيث تكون الحاجة إلى الدواء، أو إلى المدية التي تجلب حلا يقلل من وقع الخسارة.

لهذا، أقوم بوسم بعض ما أكتبه بهذا الصريخ الذي تفلت من شفاه الرجل، في تلك اللحظة، ليعبر عن مدى العبث واللاجدوى اللذان يحيطان بنا اليوم.

 

#اركض_يعامر_اركض

 

https://www.youtube.com/watch?v=JTTqeKTMgP4

https://www.youtube.com/watch?v=LcoCESAzlqY

 

عمارة عراقية من بغداد

هذه التدوينة صورية، لبعض منشآت بغداد، بيوت وعمارات تجارية.

  1. خان مرجان، شيد سنة 760 هـ

بوابة الخان

تفصيل من احد شبابيك الخان

2. تفاصيل من شارع الرشيد

 

رفع المستأجر احد الأبواب الخشبية ووضع محله باب المنيوم قبيح، في الطابق الثاني

3. تفاصيل من الكاظمية منزل مبني عام 1944

منزل آخر

الشيخ والفلاح في العراق (1917-1958) مراجعة نقدية

علي عبد الهادي المعموري

هذا العنوان هو اطروحة د. حنا بطاطو للدكتوراه، ويعرف الباحثون بطاطو بعمله المهم (العراق) باجزاءه الثلاثة، كتاب تأسيسي لا يمكن للباحث في تاريخ العراق الحديث أن يتجاوزه.
أما اطروحته، فقد وردت أغلب معلوماتها في كتاب العراق، ولكنها تميزت عنه بالتركيز على تحليل موقع شيوخ العشائر اجتماعيا، من أين يكتسبون سلطتهم، وكيف سيطروا على الأراضي، واختلاف نوع سلطة الشيخ من إقليم إلى آخر في العراق.
الاطروحة تترجم للمرة الأولى، وصدرت عن دار سطور في العراق، ودار سومر في لوكسمبورغ بترجمة د. صادق عبد علي طريخم، وتقديم د. سلمان الهلالي.
ويُشكر للمترجم سعيه للحصول على الاطروحة، واستحصال حقوق ترجمتها، وبذله جهد شخصي كبير وعناء لا يُنكر في سبيل هذا المشروع، مما يوجب شكره على هذا.
ولكن، وعلى أي حال، ما ذكرناه لا يمنع الباحث من نقد الترجمة والكتاب، أمر سبق ان فعلته بنفسي مع ترجمة عفيف الرزاز لكتاب العراق، حيث دونت العديد من الاخطاء التي وقع الرزاز بها لأنه ليس عراقيا، وكذلك نقدت بعض استنتاجات المؤلف رحمه الله، مما وجدت فيه وهما او توجيه لبعض الأمور باتجاه لا يوافق فكرتها الأساس، لأن المؤلف وإن نبش عميقا في التاريخ الاجتماعي العراقي فإن بعض الأمور فاتته، فهو غير عراقي بالنهاية، كتبت ما كتبت، دون أن انتقص من ترجمة الرزاز واللغة المحكمة السبك التي جاءت بها، فالرزاز مترجم محترف متمكن من اللغتين.
على أي حال، الأمر لن يختلف مع ترجمة الشيخ والفلاح، إذ كتبت ملاحظاتي عليه، وأرجو أن يتسع صدر المترجم د. صادق، ومقدم الكتاب د. سلمان لما سأكتبه من نقد للكتاب.
فبالرغم من الفائدة الجليلة التي اسديت إلى الباحثين، لكن لكن الترجمة وطبع الكتاب لم يكونا على قدر الكتاب برأيي، ومن عدة نواحي.
فمن ناحية إخراج الكتاب، جاء حافل بالاخطاء الاملائية على طوله، عدم تمييز بين الألف المفتوحة والمكسورة وهمزة الوصل بطريقة لا تكاد تخلو صفحة منها، اخطاء في التنضيد ودمج بعض الكلمات مع بعض، وغيرها.
أما علامات الترقيم، فنادرا ما تجد فارزة في الكتاب، ووضعت بدلا عنها نقطة نهاية كل جملة داخل الفقرة الواحدة، كما في نهاية كل فقرة، الأمر الذي يربك القارئ، فالفارزة تؤدي وظيفة تختلف عن وظيفة النقطة، وتبديل مواضعهما يزري بالاخراج الفني للكتاب.
من ناحية أخرى، وبمقارنة لغة الترجمة بلغة الرزاز نكتشف بونا شاسعا بالسبك، وتكثيف المعنى ونقله ببلاغة، الترجمة ضعيفة السبك ولغتها غير جذابة.
بالمناسبة، صورة الغلاف بظني لمجموعة من الصابئة العراقيين، ولا اظنها تناسب محتوى الكتاب لو صدقت ذاكرتي بشأنها.
كذلك، فإن تصرف المؤلف وتقسيم الكتاب إلى مباحث لم يكن موفقا، المؤلف، ومقدم الكتاب د. سلمان الهلالي كلاهما اكاديميان، ومسألة تقسيم الدراسة إلى مباحث بهذه الطريقة لم تكن موفقة، فلا ترك المترجم الكتاب كما جاء في صورته الأصلية، ولا هو قسم الكتاب إلى فصول ومباحث كما هو متعارف عليه، وكما يطلبه كأكاديمي من طلابه، حتى جاء مبحث كامل بصفحة واحدة!
من جانب آخر، وفيما يخص التعليقات التي وضعها المترجم على الكتاب في الهوامش، فإن بعضها جاء موفقا بينما لم يوفق في بعضها الآخر، واستطرد أحيانا فأضاف هوامش لا ترتبط بالمتن، مثل ما ورد في الهامش 1 ص61، بل انه ذكر في الهامش ص99 ما ذكره المؤلف في المتن نفسه، أو في الهامش 2 ص38، والهامش 1 ص61، وفي مواضع أخرى، يشرح المؤلف في الهامش شيئا شرحه المؤلف بعد صفحات من الهامش، مثل شرحه لمصطلح السركال والسراكيل، ناهيك عن بعض الاحكام التي اطلقت دون مصدر، مثل الهامش رقم 1 ص140 والهامش رقم 3 ص141.
أما الحكم المطلق غير النسبي الذي تبناه المترجم في الهامش 3 ص183 حيث قال: (يقصد المثل الشعبي الدارج (اللي ياخذ امي اصيحله عمي) وهو دلالة على اللاأبالية والسلبية التي يتميز بها أغلبية الناس في المجتمع العراقي تجاه الاحداث والمواقف السياسية) وهذا العبارة من الخطاب السلبي الدائر الذي صرنا نسمعه ونقرأه يوميا على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، من هجوم وشيطنة للعراقيين دون تحليل للاحداث والاسباب، المترجم اطلق خطابه هذا متجاهلا التحليل العلمي القيم الذي قدمه المؤلف رحمه الله في الصفحة التالية (184) لما يصنعه الفقر من سلبية تجاه الشأن العام، دون حكم سلبي على أغلبية المجتمع، ولا أعرف كيف قاس الدكتور المترجم الفاضل هذه النسبة، حكم ناقض نفسه فيه حين كرر فكرة المؤلف في الهامش 2 ص184 حينما حلل دور العوامل الاجتماعية في تكوين السلوك الجمعي تجاه الاحداث، فأي الهامشين فعلا يتبناه المترجم؟
حقيقة، تمنيت لو لم يتورط المترجم بوضع تعليقات واستنتاجات شخصية من حضرته، خصوصا ان الكتاب موضع الترجمة ليس ضمن تخصصه العلمي، الأمر الذي قدم احكاما مربكة، مثل ما ذكر اعلاه.
على أي حال، وكما فعلت مع كتاب العراق، ادون ملاحظاتي مرقمة هنا:
1. ص40 اظن أن المقصود هم بنو خيكان في المجرة، وليس بنو خيكان والمجرة كما جاء في الكتاب، التي بدا ـ المجرة ـ وكأنها فخذ آخر من قبيلة بني مالك وليست مكانا يسكنه بنو خيكان.
2. ص50 ورد اسم (آل دودا) ولعل المقصود هو (آل الددة).
3. ص55، آل أبو التمن ليسوا سادة، وهو خطأ من المؤلف.
4. ص63 ورد خطأ في الهامش 1 وهو من تعليقات المترجم، اسم مؤلف كتاب اختراع العراق هو دوبي دوج وليس روبي.
5. ص58 كتب أن خوام العبد العباس هو شيخ بني زيرج، وهو خطأ، إذ انه شيخ بني زريج وليس الازيرج، وتكرر الخطأ مرة أخرى ص132 حين قال (خوام العبد العباس شيخ بني ازيرج).
6. هامش 3 ص73، ما ذكره المترجم عن الاثوريين وقوات الليفي غير دقيق، الآثوريون نزحوا إلى العراق من منطقة حكاري في جبال الاناضول أواخر العهد العثماني في العراق، وأسس البريطانيون من بينهم قوات الليفي عام 1914 وكان معهم الهنود، وفي 1915 صارت الليفي قوات آثورية خالصة، مليشيا تتبع البريطانيين لقمع المواطنين المحليين، واحتفظوا بسلاحهم ورفضوا تسليمه للحكومة حتى عام 1932 حين قمعهم بكر صدقي بعد سفر الملك فيصل الأول إلى سويسرا، عراقيتهم لا ترقى إلى عراقة الجماعات العراقية الأخرى ولا صله لهم فعلا بالاشوريين القدامى في العراق، ربما من الجيد قراءة الكتاب الذي ترجمه الدكتور مؤيد الونداوي عن الليفي، وما كتبه الاستاذ باسم فرات بهذا الشأن.
7. ص89 ورد خطأ في اسم الديوانية.
8. ص195 ورد اسم (الشاهنية) وهو خطأ إذ المقصود (الشحنية) وهم الحراس، فترجمت كما لفظت بالانجليزية.
9. ص108، وفيما يخص العريضة التي رفعها الشيوخ إلى الملك بشأن استعمال الملك فيصل للضباط الشريفيين السابقين في الادارات العامة والوزارات وما شابه من مواقع المسؤولية الحكومية، وكما ذكرها أيضا حنا بطاطو في كتاب العراق، ولكن الترجمة هنا جائت ملتبسة فلم يتبين المقصود إذ كتب ((ففي 1922 طالب 40 من الشيوخ المؤيدين لبريطانيا بعريضة إلى الملك وبإشارة واضحة إلى تعيين متصرفين من الموظفين القوميين من أنصار الشريف السابقين وتعيين رجال أعمال وزعيم قومي شهير هو جعفر ابو التمن كوزير للتجارة “بالاستماع إلى مشورتهم وأن يختار للحكومة من هو كريم المحتد والنسب لأنهم مصدر موارد البلاد ومصلحة الدولة تهمهم وتهم عشائرهم))، ماذا يفهم القارئ من هذه العبارة؟ إن الذي لم يقرأ كتاب العراق لحنا بطاطو سيلتبس عليه الأمر ويظن أن المقصود هو مطالبة الشيوخ بتعيين الضباط الشريفيين في هذه المناصب وليس الاعتراض على تعيينهم، كما أن الملاحظة بشأن أبو التمن أيضا غير دقيقة سواء وردت من المؤلف نفسه أم ان الترجمة الملتبسة أوحت بها، في كتابه العراق اثنى كثيرا على ابو التمن، وأوضح شعبيته الواسعة والاحترام الذي يحظى به بين العشائر ورجال الدين، وجهوده الوطنية والكلمة المسموعة له بما يجعل المطالبة بتنحيته عن منصبه أمر مستبعد، حقيقة لم أجد من يهاجم أبو التمن يوما سوى شخص من الفسابكة الدائرين في مواقع التواصل الاجتماعي ينحدر من أسرة قديمة غاشمة هاجمه لأنه لم يقم بالواجب مع زوجة المرحوم الفريق جعفر العسكري حينما كان وزيرا في حكومة حكمت سليمان أيام انقلاب بكر صدقي وطعن بنسبه دون دليل.
10. وهنا أيضا اشير إلى ملاحظة المؤلف نفسه حول الموضوع، من أن هذا الترفع الفيكتوري مما اوحى به ضابط بريطاني إلى الشيوخ فتلقفوه وتصرفوا بموجبه، حقيقة ان موضوعا الطبقية وكرم المحتد ورفعة النسب والاعتزاز بهما والترفع على اساسهما ليس بالجديد الطارئ على العراقيين والعرب، منذ القدم كان السادة لا يزوجون بناتهم لغير السادة، والخزاعل لم يكونوا يزوجون بناتهم لغير الخزاعل أو السادة، والطبقية موجودة دون التباس عند الدول الاسلامية، يعني ليس في الموضوع تأثيرات بريطانية كما ذهب المؤلف، وهو ما كرره أيضا لاحقا في كتابه العراق، وفي الأمر شيء من المبالغة في التأثير الكولونيالي لا أعرف كيف وقع المؤلف تحت تأثيرها.
11. ص118، ورد اسم مقاطعة (السيكال) والصحيح هو (الصيقل) أو (الصيـﮕـل)، كما ذكرت في عدة كتب، منها مباحث فراتية للمؤلف المرحوم السيد فيصل غازي الميالي.
12. ص123 سقط اسم علي جودت الأيوبي، فجاء هكذا (جودت الأيوبي)، وهو خطأ طباعي فيما يبدو.
13. في الهامش رقم 1 الذي وضعه المؤلف ص 128، كتب المؤلف هذا الهامش الذي انقله بالنص رغم طوله: (بعد الحرب العالمية الثانية ونتيجة لتداعيات الحرب الباردة (1945 – 1990) بين المعسكر الغربي والمعسكر الاشتراكي الشرقي هيمنت التوجهات الثورية واليسارية على المشهد الثقافي والسياسي للمجتمع العراقي، وأصبح هدف الانتلجنسيا العراقية هو تقويض النظام الملكي واسقاطه، وكان المحرك الاول لهذا التوجه هو تبنيها للتيارات الثورية والتأثر بخطابات جمال عبد الناصر والثورة المصرية) ولي أن أسأل الدكتور الهلالي، هل أنت مقتنع بهذا الكلام والحكم التاريخي الذي دلّس على الطريقة المعروفة عند أهل الحديث بين سنوات طويلة وتيارات متعددة بهذه الطريقة؟ ولي أن أسأل الاساتذة المختصين إذا كانوا مقتنعين بهذا التعليق الذي فضلا عن عدم الحاجة إليه في الكتاب فإنه ملتبس تماما.
الحرب الباردة بدأت كما ذكر المترجم فعلا عام 1945، بينما وقعت الثورة المصرية عام 1952، ولم يستلم عبد الناصر السلطة فعليا إلا بعد تنحية محمد نجيب عام 1954، فكيف أثر عبد الناصر على الخطابات الثورية منذ بداية الحرب الباردة ونهاية الحرب العالمية؟
وإذا كان الحال هكذا فلم أرهق حنا بطاطو نفسه في كتاب العراق بأجزائه الثلاثة الضخمة بتتبع جذور الفكر الاشتراكي وتاريخ الحزب الشيوعي في العراق منذ بداية القرن الماضي، ومراحل المد والجزر في حياة التيارات الثورية في العراق قبل ان يُقبل جمال عبد الناصر في الكلية العسكرية؟
هل فعلا كان هدف النخبة العراقية بكل تياراتها المختلفة هو تقويض النظام الملكي؟ كلهم بدون استثناء؟ على أي اساس يقدم أكاديمي مثل هذا التعميم؟ الحقيقة أن ولا حزب عراقي بما فيهم الحزب الشيوعي كان يفكر باسقاط النظام الملكي إلى وقت قريب من انقلاب 14 تموز في العراق كما يذكر د. عامر حسن فياض، وأن الأمر برمته كان مرتبط بهوس الضباط وتطلعهم إلى السلطة والإفادة منها وتعزيز مكانتهم التي حوصرت منذ حركة العقداء الأربعة الفاشلة بكل اخطائها.
تأثيرات جمال عبد الناصر الفعلية لم تبدأ إلا بعد انقلاب 14 تموز، والهامش باكمله ملتبس ويخلط بين عوامل كثيرة بطريقة خاطئة.
14. ص130، الهامش 2 من المترجم، ذكر بيت شعر للجواهري بطريقة خاطئة، والبيت ورد في قصيدته (عميد الدار) التي قيلت لتكريم الدكتور هاشم الوتري عميد الكلية الطبية العراقية، حيث أن البيت الصحيح كالتالي:
وبأن أروح ضحى وزيرا مثلما……….أصبحت عن أمر بليل نائبا
15. ذكر بتكرار اسم (الشهلاء) لوصف المقاطعة التي تخضع لآل الصيهود من شيوخ البو محمد، فمرة يذكرها الكحلاء، ومرة يقول الشهلاء، وبرر المترجم ذلك بأن المؤلف نفسه ذكرها باملائين مختلفين ـ في نقاش على صفحات الفيسبوك ـ ولكن لو كان المؤلف وقع في وهم فلا يمكن تكرار وهمه، خصوصا أن ناحية الكحلاء معروفة، الأمر تكرر مع قضاء المجر الكبير الذي ترجمه المؤلف باسم (المجر الأكبر) ص145، وكرر الاسم اكثر من مرة.
16. ص154 ورد اسم قبيلة الازيرج مكتوبا هكذا (الزيرج) وهو خطأ، والصحيح ما اثبت هنا، الازيرج.

أما مقدمة الكتاب، فبالرغم مما أجاد د. سلمان بذكره عن منهجية الكتاب وأهميته ومطالبه، لكنني اود ان اناقشه ببعض الأمور.
فلو تجاوزنا الحكم المطلق الذي كتبه الدكتور في أول كلامه بشأن المجتمع العراقي، وانتقلنا مباشرة إلى ما كتبه ص8 عن الوجود العربي في العراق، وأنه لم يستطع تغيير هوية المجتمع العراقي حتى الفتح الاسلامي الذي “استطاع تغيير الهوية الحضارية العراقية، والتحول نحو الثقافة العربية والديانة الاسلامية، من خلال السلطة السياسية والاستيطان العربي والهيمنة الاقتصادية” كما كتب بالنص، وهنا لي أن أسأل الدكتور الهلالي عن معالم تلك الهوية العراقية التي غيرها العرب الموجودين قبل الفتح أصلا، وبكثرة غالبة قادت إلى أن يسمي الفرس العراق بـ(تيازي) نقلا عن السريانية التي تصفه باسم (طيايي) نسبة إلى قبيلة طي العربية، وهي واحدة من قبائل كثيرة استوطنت العراق وهيمنت على جغرافيته وورد ذكرها في المدونات التاريخية منذ القرن الثالث الميلادي، كما فصل د. نصير الكعبي ذلك في كتابه الذي سبق لي أن عرضته، ما هي معالم تلك الهوية، وتمثلاتها التي انتزعت؟
كما أن من المهم الإشارة إلى أن (الخزاعل) لم يكونوا حلف عشائري ـ كتب الدكتور اتحاد، وهي كلمة غير متعارف عليها في العهود التي تقوم بين العشائر، ويقال لها أحلاف ـ نعم، كانت لهم احلاف معينة تتفعل أيام الحرب حين ترفع الراية، وتنتهي حين تنتهي الحرب، مثل حلف (چبشة) ـ بالجيم الفارسية ـ مع عدد من القبائل في الفرات الأوسط، أما الخزاعل بذاتهم فليسوا حلفا، بل قبيلة، ووصفهم بالحلف ص9 يناقض تعريف القبيلة الذي ساقه د. الهلالي ص8، ووصف الخزاعل بأنهم حلفا كرره المؤلف حنا بطاطو ص48 وهذا خطأ.
ص10، كان من المهم الاشارة إلى أن العثمانيين لم يطبقوا نظام الالتزام في الفرات الأوسط، وتم تطبيقه على الجنوب والمنتفك.
وبينما ذكر الدكتور الهلالي ص12 دور البريطانيين في انعاش العشائرية وتعزيز سلطة الشيوخ وفق رأي هنري دوبس مهملة رأي ستيفن همسلي لونكريك، فإنه عاد نهاية ص13 ليقلل من قيمة الدور البريطاني، فأي الحكمين نأخذ به؟
هذا أبرز ما استطعت تدوينه من ملاحظات على الكتاب وترجمته، أما الاخطاء الإملائية فأكثر من أن أحيط بها، ويستوجب مراجعة الكتاب من قبل مدقق لغوي قبل طبعه مرة ثانية.
ولا يفوتني أن اختم حديثي هنا بشكر المترجم لتصديه لهذا العمل الجليل، وما دونته ليس فيه أي دافع شخصي إذ لا توجد معرفة سابقة بيننا، ولولا أهمية الكتاب وجلالة قدره لما كتبت ما كتبت، وقد كتبت مثلها على كتاب العراق، ونوهت إلى تدخلات المترجم أيضا وما كتبته منشور في ذات هذه المدونة (اسى عراقي)، وكلي أمل أن يتسع صدر المترجم والمقدم لما كتبته، حرصا مني على الكتاب، وضرورة أن تتم مراجعة الطبعة الثانية لأهميته الفائقة، ولكي يكون مفيد للجميع، لأن الكتاب بصيغته الحالية قد يكون مفهوما بالنسبة للمتخصصين ولمن سبق له قراءة كتاب العراق لحنا بطاطو.

1/ 1/ 2019

الأسماك الطائرة

 

رأيت فيما يرى النائم ما يرد ذكره لك، أمور مما يخطر على روح المستغرق في السبات، هواجس تتشكل بهيئة بشر، حيث تنعدم الحدود، ولا يظل بين الزمان والمكان فاصل، ويتوحد الكل في جزء واحد.

حسنا، بدأ الحلم بوجداني نفسي في حديقة عامة، رتب فيها موضع كمنصة لبرنامج تلفزيوني، جلست مذيعة جميلة في الوسط، استضافت جميلة أخرى هي الممثلة صبا مبارك، وداعيك معهما كلا الفتاتين وضعتا الكثير من الكحل على رموشهما، والكثير من الظلال أيضا، وفي بعض مشاهد الحلم الملتبس هذا تشابه وجهيهما حتى صرتُ ، أنا، النائم الضيف، في هذا البرنامج الحلم، صرت لا استبين الفرق بينهما.

على أي حال، يبدو أن السيدة المذيعة استضافتني لأن لدي خبرة ما في الفن ـ أي والله ـ وأرادت أن تستعين بي لإدارة حوار مثمر مع ممثلة جميلة ومثقفة مثل صبا مبارك، ذات اللسان الحاد اللبق، ولكن السيدة المذيعة بدأت حلقتها بتقديم نفسها، لا بتقديم ضيفتها، تحدثت عن مسيرتها المهنية، وكيف تنقلت بنجاح حتى أصبحت مذيعة معروفة كما هي اليوم، لتربط ثرثرتها آخر الأمر بضيفتها الجميلة، لتقول ان ضيفتي الفنانة صبا مبارك تذكرني بمسيرتي هذه، رغم انها بذات عمرها الوارف!

خلال هذا التقديم غير اللبق، كانت صبا ترمق المذيعة بنصف ابتسامة، بنصف استدارة من وجهها، نظرة فيها رثاء وازدراء، وحين سمحت لها المذيعة بالكلام قالت اشكرك على تقديم نفسك، ومقارنة مسيرتي بمسيرتك، لن اناقش هذا معك لكن تنحي قليلا لأنك تحجبين الكاميرا عني.

ولكي اوضح سبب طلبها هذا، لابد أن اذكركم بأن هذا حلم، وأنني كنت مشارك وشاهد فيه، لهذا، بدا أن الكاميرا هي بذاتها عيني، إذ إننا كنا نجلس ثلاثتنا على مقعد هو نصف إطار دائرة، أنا على شمال المذيعة، وصبا على يمينها، أرفع نظري إلى الجميلتين جنبي، بدا وكأن مجلسي وصبا اوطأ من مجلس المذيعة على المنصة، لهذا، كان جسد المذيعة، وصدرها يعترض مسار رؤيتي، عيناي اللتان كانتا الكاميرا الموجهة نحو صبا في هذا الحلم اللقاء الغريب.

على أي حال، بدأ اللقاء، ويبدو أنني كنت محاور جيد، فاستفزت المذيعة مني وقاطعتني وقالت: من الجيد أنني دعوتك إلى البرنامج.

على أي حال، خلال الاستراحة، كانت صبا تتكئ على حاجز خشبي يفصلنا عن الحديقة المجاورة، ترتدي ثوبا أحمرا مطعم بالـﭙُـلك (الترتر) الفضي اللامع، وشعرها الأسود ينسدل على كتفيها وظهرها، وكانت الظلال قد اختفت عن جفونها واقتصرت على كحل بهي، الثوب كان حريريا ناعما، وهنا لك أن تسألني كيف عرفت أنه من الحرير الناعم؟

حسنا، لقد سرت نحوها وبدا لي أنها (زعلانة) من هذا اللقاء، اقتربت منها، قرصتها من بطنها، أي وداعتك بجرأة لم يخطر على بالي ان امتلكها ولا في الاحلام، قلت لها: هل تعلمين، لي صديق إذا عرف أن أصابعي لامست بطنك فسيقبل يدي نصف نهار، ضحكت بجذل من صنيعي وروايتي عن صديقي ذاك، واتكأت براحة الذي يعرف قدره على السياج منتشية تماما، وبدأتُ أغني لها (من تزعل)، وهي مستمتعة، ثم فجأة، استدارت وامسكت رجل اجتازنا من يده، وقالت تعال اسمع، الرجل كان قد مر بنا دون أن انتبه له، جاء من خلف ظهري بينما شاهدته هي، حين استدار فوجئت بأنه المرحوم رياض احمد! أي والله.

كان يرتدي ملابس بسيطة، قميص مخطط، وبنطلون لم استبن لونه لأنه كان مغطى بصدرية طويلة من التي تستخدم في المطابخ، ارتداها رياض، كأنه يعمل (ﭽـايـﭽـي) أو طباخ في هذا الحلم السوريالي، بالاضافة إلى كونه مطرب عظيم.

قالت له، بطريقة بدت وكأنها جزء من حوار سبق أن خاضته معه: تعال اسمع، هذا دليل على أنني استحق الاغنية، هنا، ورغم انني تضايقت من دخوله المفاجئ لكنني انخرطت معه بحديث عميق أنساني الجميلة الواقفة بجنبي، التي طربت لأن (من تزعل) جاءت على مقاسها الباذخ، ولأن صديقي سيقهر من قرصي بطنها.

سألتُه، أليست الأغنية من شعر داود الغنام ـ سؤالي خطأ لأن الأغنية من شعر جواد حسن ـ فقال لا، هي من شعر ابن مدينتك حسن الكافوري! وهنا كان أيضا رحمه الله مخطئا، أو أنني أنا المخطئ؟

على أي حال، تبين أنني اعرف الكافوري المزعوم هذا، في الحلم طبعا، قلت: نعم، هو من أسرة معروفة، قال لي رياض: كانت أمور الكافوري ممتازة، لكن (حظه طاح) بعد أن أهان طيار قتيل عقب ان غسله بالكافور في الثمانينات ـ تبين فيما بعد أنه دس اصبعه في مؤخرة الطيار المعني ـ وعند تلك اللحظة، تحول مشهد الحلم إلى داخل مطبخ كبير، فيه منضدة طويلة كدست عليها الأسماك.

كان رياض، أو الكافوري، لم أعد أعرف فعلا، يمسك بيده سكينا، يشق الأسماك الميتة ويرميها في الجو، لاحقت طيران السمكة ـ هل للأمر علاقة بالطيار المهان القتيل؟ سمكة ميتة تطير!؟ ـ وأنا ألاحق السمكة الميتة في تحليقها، اتبعها ببصري في السماء، تحول المشهد إلى مرآب النقل الداخلي القديم في النجف، المكتظ بباصات المرسيدس التي نسميها في العراق 18 راكب، وباصات (OM)، كانت هناك جزرات وسطية تفصل بين موقف وآخر تغطيها سقائف كونكريتية رفيعة لا تقي من الشمس ولا من المطر، لكل حي موقف.

على إحدى الجزرات، كانت الأسماك تتكوم قرب واحدة من السقائف، نازلة من السماء عقب رمية الكافوري ـ أو لعله رياض كما أسلفت ـ هناك، كان يقف شخص لم اتبين ملامحه، يحمل السمكة، يغسلها من سبيل ماء نصب هناك، السبيل هو مجمدة عاطلة تم تحويل وظيفتها إلى سبيل مياه بإضافة حنفيات مياه إليها، ثم يرصف الاسماك على صينية بشكل دائري يشبه تراصف الكرب في جذع النخلة، التفت إلي حين انتبه لتحديقي فيه، وقال، هذا سمك مجمد وليس ميت، أنا ضحكت بداخلي وقلت (خوش عليك).

عدت إلى المطبخ إياه، كنت أبحث عن اللقاء، وصبا، ورياض، ولكنني لم أجد شيء، محض يباب، لاستيقظ، وأجد نفسي غارق في عرقي، وفي الكثير من الأمنيات التي تطير، وتباع على أنها سمك مجمد.

 

 

مباحث فراتية في الجغرافية والتاريخ والآثار (الجزء الأول)

مباحث فراتية في الجغرافية والتاريخ والآثار (الجزء الأول)

تأليف السيد فيصل غازي الميالي

طبع هذا الكتاب في النجف عام 2009، بنسخ قليلة، وتفضل نجل المرحوم المؤلف بإعارتي نسخته الشخصية لأقرأه، وأخبرني أنه يعتزم إعادة طباعته مع الجزء الثاني سوية.

الكتاب مبهر، فالمؤلف عارف بالفرات الأوسط بشكل استثنائي، وهو إذ يحاكي يعقوب سركيس في كتابه مباحث عراقية، فإنه يتميز بدوره بوفرة كبيرة من المعلومات، مع تحليل مركز على بعض القضايا التاريخية والعشائرية والآثارية التي يتميز المؤلف بسعة اطلاعه عليها.

فقد أتاح له عمله في مديرية الإصلاح الزراعي وفي لجان تنفيذ قانون الإصلاح فضلا عن سكرتارية المجلس الزراعي للواء الديوانية لمدة طويلة أن يكون على اطلاع تام بالنزاعات العشائرية حول الأراضي وحدودها ومن يسكن فيها، فضلا عن تضلعه في التنقيبات الآثارية في الفرات الأوسط ومعرفته بمعالمه الآثارية.

والكنز الحقيقي في هذا الكتاب لا يكمن في إحالاته الكثيرة إلى الكتب المختصة، وإن كان له فضل كبير في تعريف القارئ بهذه المصادر التي صار بعضها نادر ومفقود، خصوصا المخطوط منها، ولكن فضله الكبير يتعلق بشكل أبرز بما دونه من معلومات شفاهية عن ألسنة المعمرين، وشيوخ العشائر، ومن شهد العديد من الوقائع التاريخية في العراق من بين كبار السن، فضلا عن تحليلاته المهمة حول بعض الأماكن الأثرية في الفرات الأوسط.

الكتاب كنز من المعلومات عن الفرات الأوسط، وفيه توضيح للعديد من الالتباسات والمغالطات التاريخية بشأن الرجال والأمكنة، وإني لألتمس اسرته الكريمة بالتعجيل بطبعه مرة ثانية مع الجزء الثاني من الكتاب، فالكتاب جدير بأن يكون بين يدي الباحثين في تاريخ الفرات، خصوصا في الحقب المضطربة من تاريخه.

تضمن الكتاب مجموعة من المباحث، يربط فيما بينها الفرات الأوسط، تاريخا وتراثا، وجاءت مباحثه في 27 مبحث، منها مبحث ضم فصلا من رحلة ج. فلانتان كيري، أحد أعضاء الحملة البابلية التي وجهتها جامعة بنسلفانيا عام 1895، تكفل المؤلف بترجمته على نفقته من الرحلة التي لم يتم ترجمتها، ومبحث آخر ضم تحقيق تاريخي مهم عن تل الزجرية وتل ابن الزجرية الأثريين وعلاقة الموقعين بابن زكرويه، فضلا عن توثيق مهم لعدد من انتفاضات الفرات الأوسط، وطبيعة سلوك الشيوخ خلالها، ومبحث في غاية الأهمية عن تحولات مجاري نهر الفرات وما تبعها من مشاكل وتغيرات ديمغرافية.

أكرر هنا رجائي من أسرته الكريمة بالتعجيل بإعادة طباعة الكتاب.

بلا عنوان

لو بعث الكليم، فإن جولة واحدة في أي شارع تكثر فيه عيادات الاطباء في العراق كافية لأن تدفعه لتكرار فعلته القديمة، لقتل دون تردد، ولرفع صوته بالاحتجاج الصاخب كعادته، فصاحبه العبد الصالح يتجول هنا ملوحا بعصا حكمة غامضة، حتى هو لا يعرف معناها، يطيح بالفقراء ذات القتال وذات المرض، عصاه تقتل وتهدم وتبني وتخرق، دون أن يستطيع تقديم عذر دقيق، فلا  المساكين عادوا يمتلكون سفينتهم، ولا عاد الملك يهتم بالسفن، والأبناء الصالحين يقتلون أو يهاجرون أو يلتقمهم البحر خلال المحاولة، الجدران تتهدم ولا كنوز تحتها، بل تبدت عن قبور قديمة رطبة محملة بأعباء التاريخ، ولا يبقى بيد الامهات سوى أبناء سيئين وذكريات موجعة، يجلسن في عيادات الاطباء بمفردهن، يحسبن قبور الأبناء في وادي السلام، وما تبقى من نقود “الدفنة*” التي تتناقص كلما أخذهن الخبب إلى الطبيب، يحدقن في فراغ يمتد إلى مضاجع الأحبة، ويتمتمن بلغة خفيضة فقرات من “زيارة وارث” ويهمسن: خذ حتى ترضى.

بلا نحو بلا وجع راس

* لغير العراقيين، ” الدفنة” هي النقود التي تجمعها العراقية لتجهيزها للدفن حين تغادر هذه الأرض الموجعة لترقد جنب أحبتها.

 

 

حديث عن مكتبات النجف

علي عبد الهادي المعموري

في الدقيقة 55 تقريبا يبدأ التقرير بالحديث عن مكتبات النجف، وابدأ انا الحديث في الدقيقة 58.
لقائي الليلة 17/ 10/ 2018 على قناة العربي في برنامج شبابيك للحديث عن مكتبات النجف، هذا أول لقاء تلفزيوني اظهر فيه، وكنت بالكاد اسمع ما يوجهه المذيع لي من أسئلة، لهذا التمس منكم العذر إن قصّرت.
شكري للاستاذ حسين الحمداني الذي اقترحني على معدة البرنامج.

رضا

كان الشيخ يقف عند الباب المؤدي إلى رواق أبي طالب الجديد ـ الذي صممه الدكتور ساهر القيسي ـ أسند ظهره على إفريز الباب ، الذي صُمم كشبه دعامة رخامية، تلتوي على نفسها لتنتهي بطرف مسطح حر، استقرت عليه مزهرية جميلة، هناك وقف، أسند ظهره للدعامة، متجه إلى الضريح عبر الباب المقابلة، قصير القامة، وجه ابيض مشرب بسمرة خفيفة، لحية قصيرة بيضاء، شابها بعض السواد من بقايا شبابه، عمامته ناصعة البياض، لا ادري ماذا كان يحمل بيده، أو لعله كان يضع يداه في جيوبه؟ لم أعد أذكر لأنني انشغلت بالنظر إلى وجهه.

كان وجهه البهي يطلق نظرة تجاه الضريح، نظرة عجيبة، عيناه، وفمه، تقاسيم وجهه، مزيج غريب من الرضا، والبكاء، والابتسام، إذا اقبلت عليه لا تعرف أباكٍ هو أم مبتسم، حزين أم سعيد، راضٍ أم راجٍ، فمه كان يتمتم بين حين وآخر ببعض الكلمات ثم يصمت، ليخاطب صاحب الضريح بعينيه وحسب، ابتسامة عميقة من الرضا، دمع محتبس يقف بحياء، لا تكاد تعرف حاله، جلست لحوالي ثلث ساعة أحدق بوجهه من بعيد، ينظر، بتمعن، بتركيز، وكأنه منهمك بحوار عميق، كأن الدنيا كلها من حوله ساكنة، ولا يوجد سواه، هو وساكن الضريح، يتبادلان حديث محتشد، ما كان مرور الزائرين أمامه يشتته عما هو فيه، منغمر برضا عجيب.

جلست هناك، بعيد عنه، وقريب منه، اسائل نفسي عن المرة الأخيرة التي غمرتني فيها مثل تلك المشاعر، وبان على وجهي الرضا والإيمان والطمأنينة مثل هذا الشيخ، فلم اذكر، ولم أعرف أين ذهب ذلك السكون الذي كان يعتريني، مددت يداي اتلمس ذاكرتي، كما يفعل البصير مستهديا طريقه، فما عادت لي كفاي بما اشتهيت، كان في اليسرى فراغ يباب، وفي اليمنى خوف وقلق وشك.

نظرت إلى الشيخ وابتسامته تزداد عمقا، يستأذن صاحبه الإمام بالانصراف، ليخب رويدا، وعيناه على الارض، لا يرفعهما إلا ليعرف طريقه أو ليجد رفيقه، ليتركني هنا، وحدي، مثل ناعور يدور دون فائدة، يحمل الماء من النهر إلى النهر حيث لا أرض لتشرب منه.

في انتظار الابابيل

(1)

ألم ترَ كيف فعل بنا أصحاب الفيل؟

ها نحن

منذ ثمانون ـ او لعلها ثمانين فالأمر سيان ـ ننتظر طيرا أبابيل تبدد هذه الوحشة

تدرك أحلامنا التي تُفصد واحد تلو آخر، وتيبس أرواحنا مثل الوند وجسره الوحيد

أرواح الشباب التي تهشم في صحن ثريد المتاجرين باسمك لا في صحن هاشم الممدوح أيام السغب، ونحن نتلوى حولها يستنزفنا اليتم والتطلع

نرفع رؤوسنا عاليا، عاليا إليك

الأحلام المتمددة في وادي السلام يصلها بقلوب الأمهات خيط سمكه الوجع الأزلي المقيم في هذه الارض

وسؤال اللائمينا فيك يبري تصبرنا ويأكله رويداً: كيف ترك قطعان الملوك والأمراء والضباط وأشباه الرجال والكواسر الخسيسة تأكلكم وهذه الأرض؟

(2)

مدي إلى هذا التنور القتيل في صدري كفك البلور

اقبضي ما شئتِ

سيلوث الرماد ذلك الفجر الممتد من جبينك إلى قلبك

(3)

يقتلني

أن تلك الأكف الضارعة بالدعاء لم تعد تمطر في روحي

أن الندى لم يعد يتسرب منها إلى قلبي الهلع

وأن الليالي التي كنت ارصف فيها الحلم على الحلم، وأصب بينها الأمل لأصعد بما ابتنيت نحو أمانك

أن تلك الصفوف التي خططتها بالطول والعرض رجاء الطمأنينة

كلها تتهاوى أمامي وأنا انتظر وانتظر طيرا أبابيل لعلها هاجرت إلى قطبك الشمالي تحميه، هربا من هذا الجحيم المحتاج إلى نظرة من لطفك

28/8/2018

 

 

 

موقع آخر في Arablog