arablog.org

عن المحافظين الجدد والببغاوات العرب

تيار المحافظين الجدد واليمين الأمريكي لهم ما يبرر وجودهم في بيئتهم الاجتماعية والسياسية، كمدرسة لها معالمها، وتيار له تاريخه، وترميزاته الفلسفية، ونظرياته الاقتصادية المنسجمة مع كل ما ذُكر، وفي سياقه الاجتماعي لا يبدو عجيبا صعوده ووجود أكاديميين لامعين نظّروا له، ووضعوا مؤلفات دسمة في ربطه بجذوره التاريخية في أوربا، بل إن واحدا من أكبر منظريه يعد أبرز متخصص بنيكولا مكيافيلي، وأكثر الأكاديميين فهما له، كجزء من انسجامه مع التراث الفلسفي اليوناني والأوربي الوسيط وحين أراد بعض طلابه الاحتفاء به قاموا بإعداد كتاب ضم مجموعة من الدراسات عن فلاسفة العصور الوسطى والحديثة وأطلقوا عليه (تعليم الأمير) في إشارة إلى (الأمير) كتاب مكيافيلي، وهذا الأكاديمي هو هارفي مانسفيلد.
ما يصيبني بالحيرة هم العرب، والعراقيين بشكل خاص فيما يبدو، الذين ما إن تعلم واحدهم كيف يستعمل مواقع التواصل الاجتماعي، إلا وطفت عقده على سطح استيعابه العقلي، وانخرط بمتابعة مجموعة من المتطفلين على المعرفة والبحث، الذين يجيدون اللغة الانجليزية، والذين يبدأون صباحهم بجولة في مواقع المحافظين الجدد، يحفظون ما يجدوه هناك، ثم ـ وكأي ببغاء نجيب ـ يعيدون قوله لأتباعهم العرب، الذين لا يستطيعون التفريق بين المدارس الفكرية ضمن العنوان الواحد، فيظنون ان المدرسة الليبرالية واحدة، والاشتراكية واحدة، والرأسمالية واحدة، ويلعنون كينز أكثر من لعنهم لماركس جريا على سنة ميلتون فريدمان، وفوق ذلك كله لا يعرفون انهم ـ مرة أخرى ـ كأي ببغاء شاطر يكررون مقولات مدرسة تحتقرهم كعرق وثقافة ضمن حضارة معينة، ولا يعرف ثلاثة أرباعهم من هو هارفي مانسفيلد!
هم في الحقيقة يذكروني بصنف آخر من العرب معجب بهتلر ويضع صوره حيث ما مر، وهم لا يعرفون ان هتلر لو ظفر بهم لقام بقليهم في “الطاوة” بدون زيت.
#اركض_يعامر_اركض
#انبياء_اليوتيوب_والفيسبوك_واتباعهم
#ببغاوات_نجيبة
#محافظون_جدد

الرياضة في مخيال السياسة والدين

لا أذكر بالضبط في أي سنة فاز نادي النجف الرياضي على ضيفه نادي الزوراء، قد تكون في بداية التسعينات، كنتُ واقفا في ساحة الميدان قرب تسجيلات علي العبيدي سابقاً ـ نسيت اسمها الفعلي وظل اسم صاحبها ببالي ـ، على جهة طريق السيارات الخارجة من المدينة القديمة، فجأة انتبهت إلى مجموعة من الرجال، بحدود 200 شخص يركضون، كان الجو باردا لأنني أتذكر انهم كانوا يرتدون ستراً وقماصل جلدية، ويحملون (شمغ) بأيديهم، ويهوسون، صاروا إزائي بالضبط حينما مروا أمام جامع البهباني، وكانوا يهتفون مهنئين الإمام علي بفوز فريق النجف على فريق الزوراء، وركضوا حتى وصلوا إلى الصحن العلوي وفرقهم عناصر الأمن هناك، لا يمكن لمن لم يعاصر تلك الحقبة أن يعرف معنى هذه التظاهرة، وحجم التحدي الهائل الذي انطوت عليه بخروجها.

بعدها بسنوات، اتذكر الباصات الكبيرة التي نسمي واحدتها (منشأة) وقد اصطفت في شارع الرابطة، قرب حمام (كلة حسين/ حمام جاويد)، وكان الشباب الذين أعرفهم، والرجال بعمر أبي يصعدون لتلك الباصات المتراصفة في صف طويل باتجاه جبل الحويش، كان الصباح الشتوي الباكر يلف الشارع ببرودته، والرجال المتلفعين بملابسهم الثقيلة وشماغاتهم يدلفون تباعا إلى السيارات، وكانت السيارات قد امتلأت وبدأت بالاستعداد للتحرك مع خروجي إلى المدرسة، لم تكن هناك وفاة إمام تستدعي زيارته والتحشد في قافلة كبيرة مثل هذه ـ وهو السؤال الذي طرحه أحد الأشخاص في بغداد وهو يشاهد سيارات أهل النجف تدخل في طوابير متلاحقة لا تنتهي، عابرة منطقته البغدادية العريقة ـ كان السيارات تقل أهل النجف إلى ملعب الشعب، ليحضروا المباراة النهائية بين نادي النجف الرياضي ونادي الشرطة، يومها فاز نادي النجف بالبطولة وأخذ درعها (بطولة أم المعارك)، وبعد أن أدوا الزيارة إلى الإمامين الكاظمين، عادت القافلة إلى النجف ليلا صحبة سيارة فريق النجف، حوالي التاسعة ليلا احترق صمت المدينة، وامتلأ الهواء والطرقات والبيوت وغرف النوم وسراديب النجف المعتمة، بأصوات المنبهات، تنفجر كأنها صراخ المدافع من السيارات المحيطة بسيارة الفريق، تعلن فوز النجف، نعم النجف وليس نادي النجف الرياضي.

تلك الأيام، كانت كل مباراة مع نادي الزوراء تنتهي بشجار، وشتيمة يبدأ أولها في النجف، وينتهي آخرها في “العوجة” مارة بالقصر الجمهوري، هذا هو الواقع، كان المخيال الشعبي ببساطة يعد نادي الزوراء نادي السلطة، نادي صدام وعدي، والمباراة معه هي مباراة وجودية، معركة بين النجف وما تمثله وبين صدام وما يمثله، ببساطة شديدة كانت كل مباراة تمثل احد تمظهرات الصراع بين السلطة والمجتمع، وكان حكم المباراة يتلقى سبابا يبدأ من الأهزوجة الشهيرة: (هيه هيه هذا الحكم ناقص)، وتمتد إلى مستويات رهيبة من القدرة البلاغية الفائقة على صياغة الشتائم النابية شعرا، ومهما كانت النتيجة فإن جمهور فريق النجف كان سيعلن أن الحكم تحيّز لفريق السلطة.

وليس هذا فقط، كان صدام النجف الاجتماعي مع نظرائها في الجنوب أيضا يظهر في مثل هذه المناسبات، في إحدى المباريات مع فريق جنوبي حمل مشجعوا ذلك الفريق تابوتا من الكارتون وأخذوا يدورون به بينهم، غامزين أهل النجف بأنهم يعملون في دفن الموتى (دفّانة)، فرد عليهم النجفيون قائلين: (احنه اللي ندفن جيفتكم)، فصمتوا اتقاء شر أهل النجف.

ما حدث في ملعب نادي النجف بعد مباراة الفريق مع نادي أربيل الرياضي اليوم، وهجوم المشجعين على الملعب صارخين (هية هية هية، اربيل داعشية) هو نتيجة للشد السياسي اليومي بين بيت البارزاني والحكومة العراقية، واستفزاز مسعود المتواصل وغروره ورعونته، فضلا عن تحميل الشارع الجنوبي لمسعود جزء كبير من مسؤولية احتلال الموصل بالتعاون مع آل النجيفي، لهذا كان طبيعي جدا ومتوقع أن يحصل هذا، خصوصا أن جمهور أربيل سبق له أن مارس هذه الاستفزاز تجاه نادي النجف من قبل، نادي النجف الذي يتمتع بأكثر الجماهير شراسة وميلا إلى الصدام في العراق.

16/ 12/ 2016

قضايا فيسبوكية

الفيسبوك هذا ليس إلا مساحتنا الشخصية، نفلت فيه أحيانا ما نفلته في “صفنة” تتلو “استكانين” من الشاي، ونسبك فيه أحيانا ما نفكر فيه بعد قراءة توماس هوبز.
نتحدث فيه أحيانا عن أشياء كبيرة جدا، مثل العراق، أو أشياء نظنها كبيرة، مثل حديثنا عن العراق، الذي كثيرا ما يكون حديثاً ساذجاً.
ونستطرد على صفحته في سويعات أخرى لنقول كلاما سطحيا لا معنى له خارج السياق العام المتوتر المشحون بالترقب، والأمل بعودة أحبتنا سالمين محررين، كلام لا قيمة له مثل هذا الكلام:
أكره أن يكون لدي ملابس كثيرة، أكره أن تتعدد خياراتي في اللبس، اكتفي عادة ببنطلونين أو ثلاثة، وقميصين أو ثلاثة مما يلبس في الصيف، ومما يلبس في الشتاء، أكره أن اشتري ملابس جديدة وملابسي لا تزال بحال جيدة، ولأنني لا أبلي الملابس بسرعة لحذري الدائم فقليلا ما أشتري سترة جديدة، أو قمصلة جديدة، لدي “قماصل وستر” لا زلت ألبسها منذ سنوات، لا تزال جاكيت “قاط التخرج” عام 2009 في الخدمة العامة، وحين تخرج الملابس من الخدمة العامة أدخلها الى الخدمة الخاصة فارتديها في البيت، ثم أستخدمها آخر المطاف كبطائن أعزز بها قوة أغلفة الكتب التي أجلدها بنفسي.
أكره تبديل الديكورات، وتغيير الألوان، والبنايات المشيدة بالأسمنت والحديد، اكره ناطحات السحاب، والأكل المعدل جينيا، و”تمن الوجبة”، أكره السفر برا، مغرم بالسفر بالطائرة، ابتهج كطفل اشترى له أبوه حلوى النعناع التي يحبها عند تلك اللحظة التي تنتقل فيها الطائرة من المدرج الفرعي الى المدرج الرئيس، تمشي ببطء، ثم فجأة تنطلق بسرعة وحشية حتى تقلع بنا.
أكره المطاعم الفخمة رغم أني أحب الطعام الفخم، أحب المطاعم الشعبية في النجف، كباب مطعم (المشهد) عندي أفضل من كل الأطايب التي أكلتها خلال أسفاري الى بلدان تهتم بالفخامة في الطعام، أحب المقاهي الشعبية، شرط ان تكون هادئة خالية من صخب الشباب ولا اعترض على صخب الشيوخ، أعطني مكانا انام فيه بمفردي، وسأنام كيفما اتفق، ما دمت دافئا فلا فرق عندي على الأرض نمت أم معلق في الهواء، وفي الصيف جنبني الهواء البارد، وسأنام مثل طفل صغير، أكره كريمات الوجه ومثبتات الشعر والملمعات، أعطني أشياء نظيفة وسأطير من الفرح، أكره أن أمشي أو أجلس في المنتصف، أكره فلاتر الفوتشوب التي يجلس كل مصور اقصده لنصف ساعة وهو يحاول أن يقعني بضرورة أن تمر “جهرتي” عبرها، ثم يعود خائب الأمل، ولا يطبع اسمه على الصورة التي تظهر أنفي الكبير، وشعر وجهي المهمل وتعرجات وجهي “المخربطة”.
أكره السيارات الفخمة ذات الدفع الرباعي رغم أنني أحب “الكراون تويوتا” لأسباب شخصية، والمرسيدس لأسباب تتعلق بي كشخص قلق، أبحث عن أكثر الأشياء تماسكا وقوة، مثل الدولة، دولة توماس هوبز.
#سوالف_بدون_قصد_ولا_معنى

المدينة التي تبتعد (6)

محلات لم تعد موجودة (2)

محل أسد ميرزا علي

على ذات طريقي ذات اليمين ذاك، وقبل أن أصل إلى (خان الحجي)، كان محل أسد ميرزا علي النجار في أول (عكد بيت مال الله)، وأسد هذا كان من أحب خلق الله لي في طفولتي، ما قابلني يوما إلا بالمودة والبشاشة، أذكر مرة أني فجأة قررت أنني أريد خشبة طويلة، فسرحت له دون تفكير، وقلت أريد خشبة طويلة، فناولني الخشبة دون أن يسألني لماذا وقال: يله روح للبيت، بكل بساطة، كان منزلهم في البراق يجاور منزلنا، نشترك معهم بجدار واحد، لكن بابهم كانت وسط البراق، وبابنا على الشارع، ولكي تصل لهم فانك ستدور دورة طويلة في العكود قبل أن تصل لهم، ولطالما ناولت جدتي أرغفة الخبز الحارة لأم أسد من ذلك الجدار الرفيع بيننا، ولطالما تحادثتا وهما تخبزان معا، كل واحدة في سطحها.

ولكن ذاكرتي عنه انثلمت حين غادر العراق في 1991 إلى (رفحاء) ومنها إلى الولايات المتحدة، ورغم أن أخوه تولى المحل بعده، لكنه بقي محل أسد، حتى بعد ان تركه أخوه بعد 2003، وأجرته أمه إلى السيد ناجح غيبي الخياط.

لم يعد أبو نمر من الولايات المتحدة إلا بعد 2003، عاد ليجلس على السور وكأنه لم يغب لسنين طوال، عاد وشكله لم يتغير ـ رغم أنه اكبر من أبي ـ هو هو، أبو نمر، جالس في موضعه على السور، كأن الدنيا لم تمر به، ولم يمر بها، لكم أحب هذا الرجل.

المرحوم كاظم حميدي

ألتفتُ هذه المرة إلى يساري، أخبُ حتى أصل إلى المحلات التي أخرجت من منزل لأحد أفراد أسرة (آل دوش) أول ركن (عـﮕد الجمالة)، يتوسطها محل المرحوم كاظم حميدي، صباغ الملابس المسن، الذي لم يكن يترك أحدا يمر دون أن يوقفه، يسأله من أين وإلى أين؟

كان رحمه الله أبيضا مشربا بحمرة تميزت بها بشرة أسرته (آل حميدي)، اصلع، له شارب ولحية وخطهما الشيب، ووجه مستدير بهي، يجلس في قعر محله المظلم، وقد أحاطت به صفائح الصبغ، وخلفه برميلان كبيران، وموقد تحت مرجل كبير، لم أشاهده يمارس مهنته سوى مرة يتيمة كان ينشر فيها على حبل مده على خربة آل حميّد قطع من القماش، صبغها باللون الأرجواني الفاقع، لون (القجرات).

تخبرني عمتي انه كان أول من تلقاها على السور يوم ولدتُ، وعادت بي إلى البيت، تبشر جدتي بأن وحيدها قد رزق ببكر ذكر، صاح من محله: (ها بت شيخ كاظم شجاه هادي؟)، فقالت: ولد، فأخذ يردد صارخا بصدق: مبارك، مبارك بقي يكررها حتى بعد أن غابت عمتي عن ناظريه، بقي صوته ينبعث من جوف المحل المظلم كأنه صوت سماوي يمطر على أذنها: مبارك مبارك.

صور من النجف

1. تفصيل من منزل كاظم صبي في طرف البراق، وكان زعيم الطرف، والرجل الذي وقف خلف ما يطلق عليه اسم (دستور البراق) سنة 1915، اعدمه الانجليز عام 1918

تفصيل من منزل كاظم صبي في طرف البراق

2. إعدادية النجف المركزية للبنين، تأسست عام 1925 (ثاني أو ثالث اعدادية في العراق)

اعدادية النجف اعدادية النجف

3. منزل عبد المحسن شلاش (1882 – 1948) التاجر والوزير في العهد الملكي العراقي

 

 

 

منزل الحاج عبد المحسن شلاش

 

4. مقبرة السياسي الكبير في العهد الملكي صالح جبر (1896-1957) على الشارع الرئيس الرابط بين النجف والكوفة (شارع الكوفة)

مقبرة صالح جبر

5. آخر سوباط في النجف، في طرف الحويش، الصور قبل الهدم التقطتها عام 2005، وبعد الهدم هذا العام، هن سوباطين، الأول من جهة الطمة، والثاني من جهة دور السادة آل الخرسان.

أ. من جهة آل الخرسان قبل الهدم

سوباط الحويش 2

بعد الهدم

سوباط الحويش img_5303

 

ب. من جهة الطمة

قبل الهدم

سوباط الحويش scan30002

بعد الهدم

سوباط الحويش img_5306 img_5311 img_5312 img_5313 img_5314

 

 

عبد الحسين حمد

 

(1)

أول عهدي بقراءة الشعر، وتتبع الشعراء، كنتُ أظن أنهم من طينة أخرى تختلف عن طينة البشر، وكنت اسأل نفسي: هل يأكلون ويشربون مثلنا؟ هل يتحدثون كما نتحدث؟ هل ينامون ويعملون؟ هل أن حياتهم تشبه حياتنا؟ هل يعرف أصدقائهم ذلك الحد الفاصل بينهم؟ حد عظيم قوامه الإبداع، الخلق من العدم، وابتكار المعنى، هل لهم أصدقاء أصلا؟ أما إذا كان الشاعر ذا مبدأ لا يتزحزح، ولا يرتزق بوحيه، فتلك حكاية أخرى، وبعد آخر من أسطورة قوامها الشعر والشعراء.

(2)

سمعت به أول مرة وأنا صغير، بداية التسعينات، كان وقتها أستاذاً في معهد إعداد المعلمين في النجف، وكان خالي الأصغر أحد طلابه، مرة كان خالي عندنا، يترنم بقصيدة تصف حال الجندي العراقي المسحوق في معسكرات التدريب، المنهوب، المقهور، أتذكر منها بيتا واحدا يقول:

ما بين أور والأثل …… يسطو على الصيد الجعل

شرح لي خالي معنى البيت، قال أن أور والأثل هما معسكران تدريب شهيران، أحدهما في الجنوب، والآخر في الشمال، والصيد هو الجندي، أما الجعل فهم العرفاء ونواب الضباط وأضرابهم، يحلبون الجندي الجائع حلب الشاة، ثم لا يفكون له وثاقاً، سألت خالي من القائل؟ فأجاب بفخر وابتهاج: عبد الحسين حمد.

(3)

لاحقا، بدأت اشتري أعداد مجلة (الكوثر) النجفية، المجلة التي احتضنت كتاب النجف وشعرائها في التسعينات، مجلة كانت تصدر بجهود استثنائية من رئيس تحريرها الشاعر المرحوم محمد عباس الدراجي، وفي الكوثر بدأ اسم عبد الحسين حمد يتردد عليَّ كثيراً، محررا لباب المجلة الأدبي، شارحاً لنهج البلاغة، ناقداً أدبيا عرفني للمرة الأولى أن للشعر روح باطنية، وأن للرموز معانٍ ومعان، كتب نقداً جميلا لقصيدة أنشودة المطر للسياب، فصدمت بما كان يريد الرجل قوله، ثم هو كما هو: شاعر عمودي فحل، لا ينتمي لغير العمود، ولا يذهب بعيداً عنه.

(4)

حدثني خالي بما كان يحدثهم به عن نفسه، عن حياته مع استاذه السيد مصطفى جمال الدين، وكيف أن الشاعر الفحل دفعه أيام كان طالباً صغيراً في كلية الفقه ليقرأ قصيدة أمام ضيف مصري كبير حل في النجف، واحتفت به جمعية الرابطة الأدبية، وكيف أن عبد الحسين حمد خاف من الموقف، وكيف أن السيد جمال الدين كان يريد أن يقول للضيف أنظر لطلابنا اليافعين كيف يبدعون، فكيف بشيوخنا الذين مرستهم الحياة ومرسوها، وكيف أن ظن السيد كان في محله، فطار الشاب بالمجلس شعرا، وأطار الضيف في سماوات من الأدب النجفي.

(4)

ثم جاءت اللحظة التي كان لابد أن أقابل فيها الرجل، الذي أدرجه خيالي في خانة الأساطير الشعرية، وأن أستكشف عن قرب طينة الشعراء التي طالما حيّرتني.

كانت إعدادية النجف ثالث أو ثاني إعدادية تأسست في العراق في العام (1925)، وكانت وقت دخلتُها معقلا لآخر جيل ذهبي من المربين، الذين جاعوا، وتألموا، وما بدلوا تبديلا في حرصهم على طلابهم، تحيط بهم الهيبة، وتسبق أسمائهم رهبة توارثناها عن الأجيال الأقدم من أهل النجف، الذين درسّهم هؤلاء الأفذاذ قبلنا، جيل من الذين مارسوا التدريس طويلا، وسافروا، وحضروا، وتقلبت بهم الأزمان وما قلبتهم، كان الطلبة أبناؤهم، والمدرسة بيتهم، ومنهم كان صاحبنا هذا.

دخلتها، وأستاذ اللغة العربية فيها هو عبد الحسين حمد بشحمه ولحمه، وكان الشاعر الغامض أول من سألت عنه من رفاقي الذين سبقوني إلى الإعدادية بعد أن تأخرت عنهم في المتوسطة، كنت ملهوفاً اسأل، من هو عبد الحسين حمد من بين هؤلاء الشيوخ المهيبين؟ فأشار صاحب منهم إلى رجل يخب بثبات نحو أحد صفوف السادس العلمي، رجل قصير لكنه ممتلئ خشن الجثة، كان يرتدي بذلة نيلية اللون غامقة، وتحتها قميص أسود بلا أزرار (تيشيرت)، ذي رقبة عالية تدفئ عنقه القوي والعليل معاً في برد النجف القارص، بيده سيجارة تبينت لاحقاً أنها رفيقته القديمة التي لا يصبر عنها ساعة من ليل أو نهار، رأس ضخم احتوى وجها حليقا أسمرا مشرب بحمرة خفية، عينان حادتان، تبدوان للناظر وكأن الشزر يتطاير منهما، لونهما أقرب إلى الزرقة، مسافة وسطى بين الزرقة والسواد، ارتسمت على فمه حركة وكأنه قرف من الدنيا وما فيها، وبدا على وجهه بالمجمل ما يعتلج بروحه من قلق واضطراب، هما مادة الشعر، وعنفوانه، صوت عميق يشعر سامعه وكأنه يقف على رأس بئر لا يدرك قعرها البصر، ينبعث صوته مركزاً، قوياً، ثابتاً، كأنه السيل الجارف يجلجل بالشعر.

(5)

عرفت لاحقاً أنه لا يدرس سوى صفوف السادس العلمي، وكانت هذه أول الصدمات، إذ أني قررت منذ البداية أن أختار الفرع الأدبي، وظننت أن السبل ستتقطع بيني وبين معرفة الشاعر الأسطورة، حتى دخل علينا الصف أستاذ اللغة العربية للرابع الإعدادي الأستاذ سعد عجيل، وبعد أن قرأتُ قصيدة زهير بن أبي سُلمى المقررة في المنهج قراءة من عاقر الشعر طويلاً، توجه لي المدرس الأسمر المهيب قائلا: هل تستطيع أن تكتب قصة قصيرة؟

فبهتُ ساعتها، كنت قد بدأت منذ سنتين بمحاولات كتابة القصة، بعد أن سبقتها بمحاولات لكتابة الشعر الشعبي أسفرت عن دفاتر كثيرة، ساعتها قلتُ لأستاذي أن نعم، وفي الدرس الثاني ناولته قصة كنتُ كتبتها عن فلسطين اسمها (عرسين في ليلة واحدة) فأخذها الرجل وسعى بها إلى عبد الحسين حمد، وعادت لي وقد تم تصحيحها لغويا لتصبح (عرسان في ليلة واحدة)، وبعد أشهر أحضر لي أستاذي سعد عجيل مجلة (الموقف التربوي) الصادرة عن مديرية تربية النجف، وفيها قصتي.

(6)

لاحقا، أخذت لعبد الحسين حمد قصة أخرى، وعدني بأن يقرأها وأن أمر عليه غدا لأعرف رأيه، قال لي حين لحقته في الممر عقب أحد دروسه بأنه قرأ القصة، وأن لغتي جميلة لكنني لا أعرف عناصر القص بعد، سألت عما يعنيه فقال لا يوجد تكثيف، يعني أن تعبر عن أوسع المعاني بأقل الكلمات، ولا يوجد فيها تنامي للحدث وصولا إلى العقدة والحل، ومع ذلك وعدني بأن يضعها في خطة النشر في مجلة الكوثر ولكن سيأخذ هذا وقتا طويلا لكثرة المادة المرسلة للنشر في مجلة شهرية لا داعم حكومي لها، تطبع بتبرعات المحبين.

وهو وليس غيره من جعلني اتوقف عن محاولاتي البائسة في نظم الشعر العمودي وقتها، اتذكر أن صاحبي المرحوم علي الغريفي كان قد جلب إلى المدرسة معمما من الذين عادوا إلى النجف مع الأحزاب، شقيق حزبي كبير، دعاه ليلقي محاضرة في المدرسة، وطلب مني علي أن اكتب قصيدة ترحيب، فكتبتها مغترا بنفسي، وأخذتها صحبة صديقي حسين حبل المتين إلى عبد الحسين حمد، ومنذ أول بيت قال لي لا تليق باستقبال ضيف فدعها يا ولدي وأنا سأعطيك قصيدة لتقرأها، وبعد أن انتقد تصريحاً إيرانيا معيناً وقتها تركناه، ومزقت تلك الخربشات التي لم يكن لدي نسخة سواها ورميتها في الطين، وكم فرحت لاحقاً لأنه منعني من أن اقرأ شعراً أمام ذلك المعتوه الوضيع الذي بانت طينته الرديئة هو وأخوته لاحقاً.

كان لا يجامل أحداً في الشعر، مرة أخطأ واحد من أساطين النجف، فقها، وشعرا، وأدباً، وبحثا أكاديمياً، حتى أنه يلقب بالمجتهد الأفندي، كان في مجلس عام يلقي محاضرة، فنسي عجز بيت، وتدارك الموقف ورتب العجز من عنده، فانفجر عبد الحسين حمد بوجهه في نصف المجلس، وهو ما كان يفعله مع الكثيرين غيره، وهذا كان ديدنه، الشعر حده المقدس، لا يجامل فيه أحداً.

(7)

شاهدته مرة يقف عند ساحة ثورة العشرين، ظهره للبناية التي كانت مقراً لمركز دراسات جامعة الكوفة عند الركن الجنوب الغربي من الساحة، كانت تظاهرة لم أعد أذكر سببها، يقف على كرسي، والناس تحيط به، يقرأ قصيدة تندد بأول طلائع التفجيرات في العراق، اتذكر أنه كان يهاجم بشار الأسد ببيت يقول صدره: (ويا صاحب العنق الممتد سارية) ويهاجم الخونة، واللصوص، والقتلة، وبدا أن الرجل لا يزال حريصا على أن يكون رافضاً للسائد، مثل أقرانه الشعراء العظام، وأنه ذات الرجل الذي رفض أن يمدح صدام، وذهب إلى أبعد من ذلك فقام في احتفال أجبره محافظ النجف قائد العوادي على أن يقرأ فيه شعرا عن العراق أيام حكم صدام فحرص أن يكتب قصيدة يندد بها بالموجودين ووصفهم بالمغول والطواغيت بشعر ملغز، ولما شرّح أحد شعراء السلطة للمحافظ ما يقول الرجل كادت رقبته أن تطير ثمنا لتلك القصيدة.

لاحقاً صدر الجزء الأول من ديوانه (وقد الجوى) عن مركز دراسات جامعة الكوفة ذاته.

(8)

الكلام يطول عن الرجل الذي ولد في النجف عام (1949) في طرف الحويش، لأسرة آل حمودي الكعبيين، وتخرج من كلية الفقه في النجف، وقضى حياته مدرسا في إعداديات النجف، الخورنق، ومعهد إعداد المعلمين، ومضى نظيفا كما دخل إلى الدنيا خالي الوفاض بالأمس، في اليوم التاسع عشر من أيلول (2016).

(9)

قال في الموت

وإنْ عَلِمْتُ بأنَ الموتَ مَنْقَلَةٌ

مِما يَزولُ إلى خُلْدٍ بهِ نَعِمُوا

لكنما حُرَقُ التَشْتيتِ مُحْزِنَةٌ

وإن فُرقَـــةَ مَنْ أحْبَبْتَهُ ألَــمُ

في كلِ حينٍ لنا خِلٌ نُفارِقُهُ

وكلِ حينٍ بنا الأَرزاءُ تَحْتَدِمُ

ما إِنْ نُسَرُ بجَمْعٍ وَهْوَ مُؤْتَلِفٌ

حتى نُفيقَ وما قد سَرَنا لَمَـــــمُ

 

اعدادية النجف

اللغة والهوية (1)

الهوية من اعقد المفاهيم الشائكة ذات الابعاد المتعددة، وهي تتضمن عناصر متداخلة مع بعضها، أولها العناصر المادية التي تضمن بدورها عناصر القوة الاقتصادية والعقلية والتنظيمات المتعلقة بنظام السكن والتنظيم الاقليمي، فضلا عن الانتماءات الاجتماعية والاختلافات الأخرى المميزة.

وثاني هذه العناصر هي التاريخية التي تتضمن تاريخ الاسلاف والموروث الرمزي والرموز البشرية، آليات التنشئة الموروثة، والمعايير الاخلاقية الموروثة وتطورها وما تأثرت به خلال تطورها.

المجموعة الثالثة هي العناصر الثقافية النفسية، تضم النظام الثقافي، بما يحتويه من عقائد وايديولجيا وقيم ثقافية واشكال التعبير عنها، فضلا عن العناصر العقلية التي تنصرف إلى التقاطعات الثقافية والاتجاهات المغلقة والمعايير الجمعية والعادات الاجتماعية.
وأخيرا العناصر النفسية والاجتماعية، التي تضم أسسا اجتماعية تشمل الاسماء، المركز الاجتماعي، العمر، المهنة، الجنس، وغيرها، فضلا عن الاختلاف في مستوى الكفاءة والتقدير الناجم عن ذلك، نقلا عن: اليكس ميكشيللي، الهوية، ترجمة د. علي وطفة، (دمشق: دار الوسيم للخدمات الطباعية، 1993)، ص18ــ20.

لو قاربنا اللغة من منظور الهوية الذي ذكرناه باختصار عن اليكس ميكشيللي في البوست السابق – اضغط الهاشتاك أدناه للاطلاع – فسنجد أن اللغة تشكل خيطا رابطاً بين كل عناصر الهوية تقريبا بمستوياتها التي ذكرها ميشكيللي، سنجد اللغة حاضرة في العناصر التاريخية، وفي العناصر الثقافية القيمية فضلا عن العناصر النفسية الاجتماعية.

وإن لظهورها المتكرر هذا مستويين أيضا، الأول مستوى ذاتي فردي، والثاني مستوى جمعي.

على المستوى الفردي، يقول علماء النفس والاجتماع أن بقاء الإنسان خلال العشرة سنين أو 13 عام الأولى من عمره في مكان واحد وفي مجتمع واحد سوف تطبع لا وعيه بطريقة عميقة ستجعل عناصر ذلك المكان من تاريخ وقيم ومعايير للحياة وحتى مناخ المكان هي المشكّل الأكبر لردود فعله العاطفية، ولنضرب مثالا على ذلك، اسأل أي مغترب قديم تنطبق عليه هذه الملاحظة – ملاحظة العقد الأول من العمر – اسأله عن اللغة التي يشاهد بها أحلامه سيقول لك انها اللغة التي تعلمها من أمه لا غيرها، كذلك فإن كل من غادر بيت طفولته القديم الذي قضى فيه شطر حياته الاول والأكثر سعادة من ناحية كون الطفولة مرحلة عدم الالتزام ومرحلة انحسار الهموم الانسانية، ستجد أنه وبالرغم من بعد الزمن وطول المدة التي غادر فيها مسكنه الأول ستجده أنه لا يشاهد نفسه في أحلامه إلا في بيته القديم، وأكثر بروز للاوعي الانسان يكون في الأحلام.

وبهذه الكيفية تشغل اللغة الموقع المركزي في حياة الفرد بمعزل عن محيطه، وهي وسيلته الاولى للتعبير عن علاقته بالأشياء، عن الحب والكره، سبيله إلى الفهم وعدم الفهم، وهي لا تتشكل بمعزل عن ذات العواطف هذه، بل هي وليدتها، يتلقف الإنسان لغته من أول الكائنات التي تغمره بالحب مع اللغة وهي الأم، حتى تغدو أكثر من مجرد وسيلة للتعبير، بل تأخذ ركناً مهماً في ذاته وفي طريقة علاقته بالآخرين، تغدو اللغة انعكاسا للطريقة التي تمت تربيته بها، يقلد الطفل نبرة أبيه ولهجته وطريقة كلامه، تصير معيار التعبير عن شخصيته، عن ثقته بنفسه، عن انتصاراته وهزائمه الفردية، يعبر عن نفسه بها بطريقة ميكانيكة لا تحتاج إرهاقا في استحضار المعنى، لأن المعنى جزء من كيانه، من كينونته ومن شخصيته، وهي – اللغة – صلته بحضارته وبنظرائه في المجتمع وشركائه في الحياة، شرطه عليهم وشرطهم عليه، يفهمهم بها ويفهموه بها، وهو المستوى الثاني للغة، المستوى الجمعي للغة، الذي سأتطرق له في تدوينة أخرى.

هيثم حميِّد… ثلم في الذاكرة

 

علي المعموري

يبدو وكأن الموت يصر أن يذكرنا ـ وبطرق عدة ـ أنه يختطف حين يهجم واسطة العقد ـ أو عين القلادة بالتعبير العراقي الدارج ـ وها هو يضرب قريبٌ للروح فجأة، بعد أن عجز عنه قبل عشرين، عاد له مرة ثانية ليختطفه بمرض أشد من الأول، كأنه يريد أن يبين رغبته الشديدة في اختطافه بالمرض لا بسواه.

عرفته أول مرة منتصف التسعينات، رغم أن أسرته بيت حميد (تلفظ هكذا إحْمَيِّد، دون تفخيم للميم كما يتبادر للذهن) الخزاعيين قد جاورت أسرتي ـ بيت مظلوم المعامرة ـ في طرف البراق في النجف منذ القدم، لكن والده  المرحوم كاظم حميد ـ الذي امتهن الخياطة على عكس بقية أسرته ـ كان قد انتقل في وقت مبكر سبق ولادتي إلى حي الصحة قرب الأسواق المركزية على شارع الكوفة العام.

منتصف التسعينات، كان هيثم قد تجاوز الثلاثين قليلا، ورغم أنه قد أجرى في شبابه الباكر عملية غسيل كلوي خطرة كانت آثار الأنابيب التي امتدت من أجلها عبر جسده واضحة، ثلاثة ثقوب غائرة في خاصرته، كأنها طعنات رمح تخترق جلده الأسمر، تلفت النظر له قبل أي شيء لمن يدخل إلى مشغله، ليجده منكبا على التصميم، في حرارة لاهبة والكهرباء مقطوع تجبره على أن يخلع ملابسه.

في تلك السنين، انتقل هيثم بمعمله الصغير إلى منزل فارغ يملكه جارنا المرحوم أبو رشيد غانم حمد الجمالي في (عكدنا) في طرف البراق، عاد هيثم إلى مهنة أسرته مخالفا مهنة أبيه، بعد أن درس التصميم في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، وانفتل ليؤسس عملا ناجحا في سنوات الحصار التي أغلقت حدود العراق، وأجبرت العراقيين على أن يرتبوا معايشهم وحاجاتهم بأي طريقة، كان معملا لصناعة الأحذية والأخفاف النسائية من الجلد، يصمم هيثم بضاعته بنفسه ويشحنها إلى بغداد، كان معمل صغير، نموذج للمشاريع الأسرية، يقوم أخوه الأكبر أبو دعاء ـ المعلم المثابر ـ بخياطة ما يحتاج إلى الخياطة بالماكنة الكهربائية في مشروع أخوه في الغرفة العلوية للمنزل، بينما يكبس عباس أخوه الثاني ما يقوم هيثم بتصميمه وتفصيله من رولات الجلد الكبيرة المسندة جنبه، وفي الصيف يعاونه أبناء شقيقاته، ثم عمل أخي الأصغر معهم لفترة قصيرة.

شخصية هيثم مختلفة عن بقية ابناء جيله من أسرته الكريمة، لأنه أكمل تعليمه في بغداد، فتغير مزاجه، وتبدلت طباعه، وصار أكثر حركية من غيره، كان أصغر أخوته جميعا، ولكنه كان لولبهم، دراسته في كلية الفنون الجميلة جعلته مرهفا، يتتبع من الموسيقى أجملها رغم التزامه الديني الذي فاق بقية أسرته، يقرأ بشغف، وكنتُ أنا، الطفل الذي جاوز العاشرة، اقضي جزء من الوقت في معمله الصغير، اساجله فيما أقرأه بمجلة العربي، سألني مرة من هو الموسيقي المفضل لديك فقلت له بيتهوفن، كنت وقتها لم أسمع أي موسيقى لبيتهوفن، ولكني قرأت عنه في العربي كثيرا، قال لي أنه يفضل ياني، ولم أكن سمعت لهذا الأشعث أيضا، ولم أتصور أنني بعد عشرين عام على تلك الواقعة سيعود بيتهوفن ليغدو الموسيقي المفضل عندي، كأنني على موعد معه، ومع هيثم الشاب البهي، الضاحك أبدا، ذي الشعر الأشيب على عادة أسرته التي تشيب رؤوس رجالها مبكراً.

آخر مرة تكلمت فيها معه كانت قبل ثلاث سنوات، كنت لم أقبل في كليتي لدراسة الماجستير بعد أو أني كنت قبلت لتوي، التقيته في فاتحة ـ مجلس عزاء ـ لوالدة أحد الأصدقاء، سألني إذا ما كنت قد بدأت بممارسة التحليل السياسي وهو يعني في الصحف والتلفزيون، قلت له انني أبعد الناس عن الرغبة في التلفزيون ووسائل الإعلام، فقال لي لا، انا اعرف انك مؤهل نفسيا ومعرفيا لهذا، وانتظر على أحر من الجمر أن أراك تبدأ بهذا العمل، انت ممتاز وأريد أن أفرح برؤيتك في مثل هذا العمل، وافترقنا، رأيته مرة ثانية قبل سنة تقريبا في مسجد جامعة النجف الدينية، كان منهمك في الصلاة، ولم أكن وحدي، حاولت انتظاره لأكلمه قليلا ولكن أصدقائي كانوا يريدون المغادرة، وبدا أنه منهمك بخشوع في صلاته ولن ينتهي قريبا.

وقبل شهرين تقريبا، جائني طلب صداقة في الفيسبوك، دخلت وإذا به هيثم القريب للقلب، الذي أصغى لي كما لم يصغ لأحد سواي، وكما لم يكن أي أحد آخر دونه في الثقافة وحسن الخلق ليصغي لطفل مثلي، وفرحت لأنني تواصلت مع محاوري القديم، كما لم أفرح بلقاء بأي لقاء فيسبوكي بواحد ممن عرفتهم في طفولتي في طرف البراق، وحده هيثم كان استثنائيا.

يا لحسرتي عليك أيها المرتحل عليلا، يا لحزني عليك، وعلى أسرتك، على أخوتك الذين وقفوا في الفاتحة مذهولين وكأنهم فقدوا عماد خيمتهم لا أخاهم الأصغر.

فاتحتك مكتظة بأهل النجف، وجوههم مثل وجوه أهلك، بانت عليها الخسارة، وشباب أسرتك اعتصرتهم الحسرة واتشحوا بالسواد.

أي كلمات نقولها في رثاء من نحب؟ وأي عاطفة يمكن أن تسد الثلم الذي أحدثه فراقهم في الذاكرة؟

كل الكلام لا قيمة له أمام رهبة الموت.

 

المدينة التي تبتعد (5)

4ـ محلات لم تعد موجودة

أولا: نوري البصراوي

حتى وقت متأخر من طفولتي، لم يكن يُسمح لي بأن أذهب لشراء ما يحبه الاطفال من مأكل كالبسكويت وما شابه إلا من محل نوري البصراوي، مُنع علي أبو عمار، الذي كنت أسمع باسمه ولا أراه، ومُنع عليَّ ماجد الدباغ الذي يقع محله على امتداد محل نوري في الشارع نفسه، وغيرهم.

أما نوري فهو ليس من أهل البصرة، بل من أسرة آل البصراوي النجفية، كان محله في غرفة أفردت من منزل اسرته الكبير الفسيح في الشارع المقابل (لعكدنا) من الجديدة الأولى، أمام منزل السيد محمد حسين شبر، الذي قام ولده الدكتور سامي ببناء عمارة محله، وأوكل أمرها إلى صديقه الحميم، عمي صاحب رحمه الله.

احتلت واجهة المحل منصة مبنية من الطابوق، أو مشيدة من الحديد، لم أعد أذكر، ارتفاعها حوالي ثلاثة أرباع المتر، أضاف لها نوري حاجز مشبك، يتيح لزبائنه أن يشاهدوا البضاعة، يسألون عن أسعارها، ثم يومئون لما يريدون فيدفعون لنوري بيد، ويأخذون بضاعتهم بالأخرى، في عمق المحل استقرت مجمدة كبيرة، وبين بضاعة المحل (الحصارية) استقر نوري بوجهه ناصع البياض، وشعره الأشقر، وعيناه الزرقاوان، هادئ كظهرية حارة.

بقي نوري رابضا في مكانه حتى سنوات قليلة ثم انتقل إلى عمارة السيد سامي شبر، بعد أن باعت الأسرة منزلها الكبير ليتحول إلى فندق.

ثانيا: خان حجي زهير

حين اخرج من (عـﮕدنا) وبامتداد ذات اليمين، بعد حوالي مائتي أو ثلاثمائة متر، أول مدخل عـﮕد آل الطريحي، كان يربض خان الحاج زهير ناجي، صديق أبي القريب، كان معملا لتشريح وتصفية الخشب، خان كبير فسيح، له باب خشبية بيضاء ضخمة، تسرح فيه أنواع الدواجن على عادة النجارين، ووسط كل هذا، كان (حجي زهير) بعضلاته المفتولة، وشعره الأبيض، وشاربه الأسود المبروم، صوته يعلو على كل صوت، صوت شجي عذب يطلقه فجأة بأبوذية، أو بموال زهيري، أقول (شلونك حجي) فيرد (هلا حبيبي)، تحيته لي ولأخوتي التي لم تتغير حتى هذا اليوم، أتذكر مرة أن الخان كان مغلق لمناسبة ما، وكان الحجي وأبي وصحبهم داخله، يعدون وليمة ما في تلك المناسبة المجهولة، لا أعرف ماذا كانوا يطبخون، ولعلها (زردة) لأن (الحجي)، أو  ـ نائبه الأول الذي نسيته؟ ـ كان يناولني كل حين (لوزة) مقشرة، تلك الذكرى أعذب ما أذكره من ذلك الخان، ومن صاحبه القريب إلى الروح.

 

نوح وكمان

علي المعموري

لا يمكن لك أن تعرف طبيعة تلك الجلسة…

هل هي جلسة خاصة، أم هي في مكان عام؟

هنالك أصوات تعزز كونها جلسة خاصة، همهمات تتداخل مع صوت (أبو داود) ترد تحيته لهم، أو تثني عليه، موجوعة من الأعماق، وقد استفزها صوته الباكي، فتتأوه مع تموجات ترديده المفجوع، وابوذياته المتشربة بالألم السرمدي العراقي.

كما ان تحيته لهم، وحديثه لعازف الكمان لا يتفقان مع الانضباط المطلوب لشريط مسجل في الاستوديو، وابو داود منضبط، كل من يسمع لقاءاته يعرف ان الرجل ليس كبقية المغنين الريفيين، وانه قارئ جيد، ومتحدث لبق يسترسل بالكلام بطريقة الشيوخ، هناك لقاء له يتحدث فيه عن تاريخ ديرته العمارة، ويصر ان يسميها ميسان، ويسوق لك السنوات التي قامت بها مملكة كبيرة على تلك الأرض، ثم يحدثك لمَ سمي بالمنكوب، رغم ان لا نكبة أصابته ولا دهاه أمر، الصفة التي عززها نواحه الريفي المفجع على طول عمره.

ولكن الصوت الواضح، الصافي، يجعلك تظن ان التسجيل تم في استوديو، ولا مجال لأن تكون جلسة عامة، أو خاصة بذلك الصفاء، حتى وإن لم تسمع سوى كمنجة فالح حسن التي تنزف وجعا، يرافقها عزف خفيض على العود، يداعب الكمان، يهدل معه، كصديق يهون على صاحبه المصاب.

كيف هبطت السكينة على تلك المجموعة؟!

فلم تسمع سوى آهات خفيضة بين وهلة وأختها، بين آه مذبوحة يطلقها ابو داود بوجع عالي النبرة، كأنه يبكي، ينوح من اعماقه، يقول لك انه منكوب، وأن هناك جرحٌ غائر في أعماقه، يحترق تحت ركام سنواته، يؤلمه، مهما نفى عن نفسه التهمة….

ولكن مهلاً، هل يفترض بمغنٍ ريفي من أعماق وجع العراق ان يكون ذا تجربة شخصية ليكون صوته، وآهته بهذا الحزن، وإن تكون نبراته بهذه العتمة السوداء المتفجرة وجعاً؟

لا احسب ذلك، ان تلك الأصوات مشبعة بالحزن والوجع منذ أول لحظة قبل فيها الرافدان وجنة هذه الأرض.

ومنذ تلك الـ(آه) الأولى التي اطلقتها أول أم سال دم ولدها على هذه التربة النهمة للنجيع.

تبدأ المقطوعة بكمنجة فالح حسن، تبكي بين يديه، تحس انه ينزف روحه عبرها، وتبكي هي ألمه، يقول له ابو داود: (ها الله ها الله، اخذه سلس، سلس) فتنساب اوجاع الكمان بسلاسة، كأنها الفراتين يخبان، فيقول له ابو داود مرة أخرى، يستفز حسراته الدفينة: (شلون خويه فالح زودني؟…شلون؟)، الكمنجة تحادثه، تخبره بوجع أم تنظر إلى الباب، تنتظر حبيبها، يحمل بيده أنفس ما كان الابن يدخل به على امه ذلك الزمان، قطعة من قماش تتبختر بها بين الامهات، ثم تنكسر بحسرة، لأن الزمن الذي ناصبها العداء، لدغها كصل خبيث، وأوجعها بضيعة ولدها.

يقرأ أبو داود الابوذية، وهو يبكي، أي والله، يبكي وهو يردد (ابني ابني ابني…)، ان صوته يبكي رغما عنه، حتى وإن لم تسل دموعه، انه الحزن القديم، كالنجيع ينساب، تحدثك به كمنجة فالح حسن، وصوت سلمان المنكوب الغارق بالحسرة، وعود خفيف يتحدث بهدوء، يخفف عنهما كل هذا الوجع.

يقول ابو داود:

وصلي وصلي

يردف موضحا: أم تكول:

اصد للباب اكول ابني وصلي

حبيبي بيمنته جايب وصل لي

ما ادري الزمن ضدي وصلي

كرصني وضيع وليدي من ايديه

المطرب الريفي العراقي الراحل سلمان المنكوب

[الرسمة: لا أعرف الفنان]

موقع آخر في Arablog