arablog.org

مشاهدات ليلية 4

في شارع مزدحم بالاطباء والصيدليات ومحال التجهيزات الطبية، حيث تكون مضطرا لشراء حاجتك مهما كان وجه البائع أو البائعة متجهما، في مثل هذا الشارع تكون بعض المحلات استثنائية.

في شارعي هذا، هناك محل للتجهيزات الطبية، حين أمر به مساءً لا أجد فيه سوى فتاة عشرينية بمفردها، ليست شديدة الجمال، وجه طبيعي يشعرك بالألفة دون أن يؤذيك ببهائه، في الغالب تنتهي جولتي الليلية حين تقفل الفتاة المحل، بمفردها، تنقل المواد من باب المحل إلى الداخل بهمة، كراسٍ متحركة، كراسٍ طبية، عكازات بأربع أرجل، وما شابه من هذه الادوات المصفوفة أمام المحل، تنقلها بحسب ثقلها، اثنين اثنين، أو فرادى.

الفتاة تهش لكل داخل إلى دكانها، تنصحه بهذه الشيء أو ذاك بمرح ونكتة، مخلية مسؤوليتها عن خياراته برقة وخفة، وحين يقر قرار الشاري على أمر معين تلفه وتناوله له مع تمنياتها بالصحة والعافية.

وبصفتي شخص كثير السفر، ولكوني شخص يقضي جل يومه في حالتين اثنتين: منكب على كتاب، أو متسمر أمام شاشة حاسوب، فإن عنقي تكون دائما عرضة لآلام خاطفة بين مدة وأخرى، مع تهديد مستمر بسوفان الفقرات العنقية، فإنني وتحرزا للمستقبل، وفي محاولة تأجيل قدر السوفان هذا، قد اشتريت منها عدة مرات ما يسلتزم مثل هذه العنق، مخدة لدعم العنق أثناء السفر، ورقبة اسفنجية تدعم العنق حين الحاجة أمام كتاب أو حاسوب، وفي كل مرة اشتري منها هذه الأشياء تنصحني بود وجذل وحياء، فأشتري البضاعة وأخرج وكأنني اشتريت كيلو بقلاوة من الخاصكي وليس شيء منذر بالمرض.

هامش: بعد أن أنهيت الجولة، ودخلت لأشتري الصمون من أجل افطاري، في مدخل الفرن سابقتني قمرة صغيرة دون الخامسة من العمر، بذيل حصان يتمايل مع مشيتها السريعة، يتلوى مع نسمات هذه الليلة الجميلة، وحين وصلنا إلى منضدة البائع وأقبل علينا أراد أن يمنحني حاجتي قبلها، ساعتها، ومثل أي شخص ضعيف أمام هذه المخلوقات الجميلة قلت له: مشّي الحلوة أولاً، فرمقتني بنصف ابتسامة، من نصف وجه، من نصف التفاتة، ثم أخذت كيس الصمون وخبّت مسرعة كما دخلت.

هامش ثاني: في الطريق أيضا بنايتان قيد الانجاز، ومثل أي مشروع بناء عراقي محترم فقد احتلت مواد البناء الرصيف وحولته إلى هباء منثور من التراب وبقايا قطع المرمر والطابوق، ويوميا أجد عمّال البناية وقد جمّعوا ما تبقى من أخشاب قالب صب الكونكريت التالفة، وأوقدوا النار لكي يشوون طعام عشائهم، سمك أو دجاج، بسعادة بالغة، ساعتها يتبخر غضبي على صاحب البناية، بسبب السعادة الصغيرة التي تلفُ قلوب هؤلاء الفقراء وهم يعدون عشائهم.

#مشاهدات_ليلية

عكادة ⃰   العراق وعكادة صيدا… ما يبنيه الطين وما يشيده الحجر

الذي يزور صيدا في الجنوب اللبناني لابد له من أن يزور صيدا القديمة، المبنية على طراز المدن الشرقية العتيقة، أقواس وأزقة ضيقة نسميها في النجف (عكود، مفردها عكد، بالكاف الفارسية) أو كما يقول العراقيون الآخرون (درابين، مفردها دربونة) ـ وإن كان العم الاستاذ ذياب آل غلام يقول أن الدربونة هي التي تكون بمدخل ومخرج واحد، أما العكد فيكون له مدخل ومخرج ـ أقواس تعتلي الطرقات من تلك التي نسميها (سوباط)، جدران متقاربة تشعرك بألفة المكان وحميميته.

ولكن صيدا القديمة هذه مبنية بالحجر، وهو أهم ما يميزها عن البناء العراقي، الذي قامت حضارته منذ ولدت على الطين، بناء ومعيشة.

وبتقديري فإن الفرق الأساس بين الحضارات الطينية ـ لو صح التعبير ـ وغيرها هو تلك العلاقة التي لا تنفك بين الانسان والطين، فتُحوِج الطين للإنسان، والإنسان للطين، بعكس الحجر.

ومنذ لحظتها الأولى، قامت حضارة العراق على الزراعة، وارتبطت بالفراتين وطينهما، حتى غدت حياة العراقيين مترادفة مع الطين وجودا ومعيشة.

ابتنى العراقيون بيوتهم منه، فهو بارد في الصيف، حار في الشتاء، في الطين يزرعون، ومنه يستخرجون ما يغسلون به اجسادهم (طين خاوه)، ومن الطين المفخور شيدوا قصورهم وجنائنهم المعلقة ومراقدهم المقدسة، يعجنون الطين بأرواحهم، كأنهم يصلون، يحرقونه في نارهم الأزلية، ثم يرصونه على بعض، ليتركوا لنا تلك العمائر المتفردة، الممتلئة بالذكريات والقداسة، حتى تكاد تسمع صدى تضرعهم وصلواتهم تتردد بين اللبنات التي تتعانق لتشيد هذا الصروح المشبعة بالروحانية.

ولأن الطين صنو الانسان فقد احتاج ليدوم كبناء مشيد إلى الإنسان، وكل بيت أو قصر أو عمارة عظيمة مبنية من الطين تتهدم حين يهجرها الإنسان، لهذا بادت الكثير من منجزاتنا المعمارية في العراق، بسبب هجران البشر لها وتعرضها لعوامل الزمن والطبيعة، تضائلت ثم توارت رويدا منسحبة إلى عتمة الخراب مثل أم فقدت وحيدها، كأن للطين روح وللبيت قلب.

أما العمارة المشيدة من الحجر فهي تنبيك أنها لا تحتاج إلى الانسان، وأن الانسان عابر في حياتها، ولا قيمة له بقي أم هاجر، والعمارة المبنية من الحجر تبين أيضا نمط المعيشة والحضارة التي قامت على اكتافها، فحضارات بلاد الشام ولبنان منها كانت تجارية بالأغلب، واعتمدوا في أغلب معيشتهم على النقل التجاري والزراعة الديمية والأشجار المثمرة المعمرة ـ كتبت مرة عن اختلاف عادات الأكل وفق أنماط الزراعة ـ مما أفقد البُنى الحجرية ذلك الرابط الخفي الذي تشعر بيه حين تمشي في آثار الحضارات الطينية، في المشيدات الحجرية تبهرك الضخامة، ومتانة البنيان، وصموده المتطاول مع الزمن، ولكنك لا تكاد تشعر بأنه حيٌ.

ومن شدة علاقة الطين بالانسان، وطواعيته له، ولد نمط العمارة العراقي الاستثنائي الذي طالما تغنيت به ونشرت صوره، تلك السقوف التي رصفت بشغف حتى كأنها سجادة صانع فنان، ترفع نظرك إلى السقوف والقباب لتشاهد منظرا بديعا لم يحوج السكان إلى أن يطلوا الجدران بالأصباغ لتكون جميلة، لبنات تتعانق مثل المحبين لتنتج اشكالا هندسية وورد وقلوب تحوم فوق الرؤوس كأنها ملائكة تحرس أنفاس الساكنين في البيت.

هامش: كتب احدهم على جدار منسي: [أحب هذه البلاد حتى في خرابها الأخير]، أحب هذا الطين مهما كان موجعا وموحشا.

هامش آخر: أحب لبنان حبا متفردا، أمس واليوم وغدا، وحتى آخر أيامي.

⃰ العكادة: هو الاسم الذي يطلقه العراقيون على السقوف المشيدة بالطابوق أو الحجر، على رصفها وبنائها وريازتها، وهي مشتقد من العقد، من عقد الأشياء ببعضها، مثل عقد الحبال.

 

 

 

مشاهدات ليلية (2)

 

أمام عيادة أحد الأطباء، كانت تقف سيارة تاكسي صفراء اللون لم انتبه إلى طرازها، من الخارج، وعلى باب الراكب الأمامي كان هناك رجل جاوز الثلاثين، ضخم الجثة، يرتدي [تيشيرت] أخضر اللون غامق، وبنطلون جينز رصاصي، شاب أسمر حاد الملامح، شعره خفيف، أسند ظهره إلى سيارته، وشبك ذراعيه على صدره بضجر، خلفه مباشرة، وعلى سقف السيارة، أجلس طفلته الجميلة، فتاة قمحية ربما تكون في الرابعة من العمر، ترتدي قميص زهري بلا أكمام وجينز قصير بدا وكأنه خيط لها من بقية قماش بنطلون والدها، كانت تجلس على سقف السيارة، وتدلي ساقاها على كتفي أبيها وصولا إلى صدره، وتعتنق رأسه بكلتا ذراعيها الغضتين، ومالت برأسها على أذنه اليمنى تحدثه.

كان الضيق يسيطر على الأب، لعل لديه مريض ينتظره، لعله قلق على مريضه، وجهه منكمش تماما بضيق بالغ، وفي ذات الوقت كان مضطرا أن يجيب على أسئلة ابنته، ويسايرها في حديثها المتدفق الرقراق دون أن ينتبه فعلا لما تصبه في أذنه من نغم، لا أعرف ما الذي سألته عنه، ولكني سمعتها تقول له منحنية عليه تمزج سؤالها بالقبل: هذا زين؟ فأجابها بنعم، فأطلقت ضحكة رنانة مرقت إلى الشارع المقابل ملعلعة بالبهجة، فأجبرته على أن يضحك بطريقة ملئت وجهه وروحه، بفرحة تساوي بهجتها الطفولية العارمة لإجابته البليدة على سؤالها الساذج، وأنا شاركته هذه الضحكة الساذجة بالتأكيد بكل بلاهة!

تذكرت عندها البهجة التي ارتسمت على وجه صديقي، الذي كان يراقبني أزيح شرائح الزيتون عن قطع البيتزا قبل أن آكلها، فملئت البهجة وجهه الجميل، وانطلق يحدثني عن حب طفلته الصغرى للزيتون، وكيف أن علب الزيتون التي يجلبها إلى البيت لا تصمد سويعات معها، وكيف أنها تبدأ أكل قطع البيتزا من الناحية التي توجد فيها شرائح الزيتون، كان يحدثني وفرحة عميقة ترتسم على كل وجهه، وبدنه، سعيد بعادات ابنته الغذائية.

سرت مبتعدا عن الأب وابنته، متذكر لصاحبي، وفكرت في نفسي، لولا بناتهم، لفقد ثلاثة أرباع العراقيين عقولهم بسبب الكرب الذي يواجهونه يومياً.

#مشاهدات_ليلية

 

مشاهد ليلية

علي المعموري

تختلف مواعيد المشي عندي باختلاف الأماكن التي اتنقل بالمبيت فيها خلال الأسبوع، اليوم بتُ في المكان الذي أخرج فيه عادة بُعيد الغروب، اتمشى لحوالي كيلومترين، اتعشى، وأعود إلى سكني.

ومن دون خلق الله، يوقظ الحر كل حواسي، الأمر الذي يكون مضاعفا في حالة شخص شغوف باستطلاع ما حوله، من السلوك الانساني إلى النسق العمراني، تتحرك عيناي يمينا ويسارا، وتلتقط أذناي كل شاردة وواردة، أبحث عن التراتب البديع للكون من حولي، علَّ تلك الأشياء الجميلة تزيح عن روحي عناء اليوم العراقي المثقل بالغصص.

أراقب ابتسامة الأمهات في وجوه أطفالهن، والمناغاة الدافئة يتبادلنها بلغة لا يفهمها سواهم، انسجام العمال فيما بينهم، حركة الروافع وهي تأخذ مواد البناء إلى أعلى البنايات قيد التشييد، حديث الأشجار فيما بينها، وضوء الأعمدة الأصفر يهطل عليها في الليل فتبدو شاحبة مثل حسناء أصابتها الحمى، استدارة الأفرع حول بعضها في الأحياء القديمة، عناق الطابوق في البيوت العتيقة، البضائع المرصوفة على الأرفف في المحال التجارية، تجمع الجنود ورجال الشرطة قرب بعضهم ـ وهؤلاء أدرب نفسي على أن لا يلاحظونني وأنا التقط الصور يمينا وشمالا للبيوت والبنايات والسيارات والقطط التي تستريح على أبواب المنازل ـ وأشياء أخرى كثيرة.

وبين ليلة وأخرى يختلف الحال، مرة تظفر بالكثير من الجمال، ومرة تعود بأشياء بسيطة بالكاد تقيم أود ذاكرتك، أما الليلة فكانت رائعة، وعلى امتلائها بالكثير من الأشياء الجميلة، والناس الجميلين، فقد كان هناك مشهد فريد، شاهدته عرضيا، لم تتجاوز التقاطتي له أكثر من خمس ثواني هي أمد مروري الخاطف بالواقعة، كانت كافية لي، ومناسبة لكي لا أكون متلصصا مقتحما لخصوصيات الآخرين.

شابين ـ ولد وبنت ـ ربما متزوجان، ربما خطيبان، لا أعرف حقا، كان الشاب قد جلب سندويتشين، ناول البنت واحدا، وجلس جوارها يزدرد الثاني بنهم، ذاهلا عن كل ما حوله، أما البنت فكانت تمضغ لقيمة صغيرة، وقد أقبلت بكل جوارحها على ماكنة الفرم المجاورة لها، وهو يهرس الطعام هرسا، تنظر له وقد علت وجهها ابتسامة لم تدع عضلة في وجهها إلا داعبتها وحركتها، ابتسامة عميقة سعيدة متلهفة، تصبها على الشاب صبحا كالضياء، سعيدة تنظر له كما ينظر طفل إلى لوح شوكولاته، كما تنظر أم إلى طفلها الوحيد، وهو يحمل شهادة التفوق، مثل أرض تتهلف للشمس والماء، ابتسامة كأنها موسم حصاد العنبر، عبقة بالعطر والأمل، تنظر له بطريقة لا أعرف كيف أصفها، سعيدة بأنها حازت هذا الذي أقبل على طعامه كأنها نهاية العالم، سعيدة فعلا.

أنا بدوري ضحكت من القلب، ومشيت لخمسة كيلومترات.

[هامش: الاشياء الجميلة لابد أن تجربها أول مرة في بلدك]

لا أعرف الفنان الذي رسم الصورة المرفقة

عن “علي” وأشياء أخرى

(1)

كتبتُ مرة: (الأمم تصطنع رموزها اصطناعا، توجد لنفسها ما يملئ ذاتها عنفوانا ويمنحها الكبرياء اللازم للمقاومة والرفض والقدرة على المناجزة الطويلة عبر القرون، وتجاوز المفازات التاريخية بصمود واقتدار وتضحية تصنع الحياة، ولأكون أكثر تحديدا فليس كل من في التاريخ يمكن أن يكون رمزا، ولا يعني ان كل من اتخذه وعاظ السلاطين محورا لهرائهم وصنعوا حوله الهالات المزيفة يمكن ان يكون رمزا ينطبق عليه ما ذكرته، ولعل أول معالم الاستثنائية في شخص انسان ما هي أن يضطرب أبعد الناس عنه فكرا اعجابا أمام سيرته الاستنثنائية).

(2)

علاقة أي انسان بإنسان آخر، رمزا تاريخيا كان أم معاصرا، ترتبط بأمور كثيرة، بمواقف ترسخت عميقا في اللاوعي، بتأثيرات المكان والأسرة، وابن أبي طالب يمتلك معي كعراقي وشائج عديدة تشدني إليه شداً، روابط لا استطيع تجاوزها، صنعتها أمور كثيرة لعل أقل ما بينها الدين!

(3)

العارفون بعمارة النجف يعلمون ان المدينة القديمة تقوم على ثيمة معمارية يشكل مرقد الإمام مرتكزها الرئيس، “عـﮕود” تلتف مستديرة بين الأطراف الأربعة للنجف ـ طرف = محلة – كالسلاسل متقاطعة ما بينها، وكل “عـﮕد” يمتلك مخرج ومدخل لابد أن يقودك آخر الأمر إلى مرقد علي، يسير الإنسان بين جدران البيوت المتقاربة، وهواء “بادﮔيرات” السراديب الباردة يداعبك، بعيدا عن الهجير اللافح، “العـﮕود” تلتف على بعضها حتى تظن أنك في متاهة لن تخرج منها، ثم فجأة تجد نفسك في رحبة علي، كمن ينتقل من الأرض إلى السماء، وبالنسبة لطفل نجفي، فتلك اللحظات لا يمكن ان تنسى على الإطلاق، الباب الخشبي الضخم، الرخام البارد، الخدم بـ”كشايدهم” الحمراء “كشيدة=طربوش”، الأقفال الكبيرة، صوت “محمد عنوز” يرتفع من المأذنة، الأقواس المبطنة بالمرايا، السوباط الحاني، صوت الخادم وهو يصرخ حين يحين وقت إغلاق المرقد ـ حين كان يغلق منتصف الليل ـ ينادي منغما صوته الرخيم، والأقفال في يده: يا الله، يمدها مداً، ومنذ ذلك اليوم البعيد قبل ربع قرن، حتى اليوم، لم أسمع (يا الله) بجمال تلك التي سمعتها من ذلك الرجل، بكشيدته الحمراء، وقماشها الأسود الملتف حول فمها، ببدنه الضخم، ووجهه الأبيض وشواربه الخفيفة، يمسك عضادة الباب مرددا جملته مرارا وتكرارا، يستصرخ المحبين ان يذهبوا إلى بيوتهم، كمن ينفر سربا من الحمام عن مأمنه، لاحقا عرفت أن السادة من آل (القابجي) ينفردون بلف تلك القماشة السوداء على “كشايدهم”.

(4)

دعك من الأمور التي تخبرك أمك بها عن علي، دعك من علي الأسطوري، دعك مما تناثر في بطن “بحار الأنوار” من أخبار تجعل من علي كائن غيبي أقرب إلى المستحيل، دعك من هذا كله، واسمع تجربتي، أكثر من ربطني بعلي اثنان، المرحوم الدكتور أحمد الوائلي، الذي يفقد سيطرته على نفسه حين يصل إلى ذكر علي، ثم يبدأ بضرب المنبر مرارا وتكرارا وهو يترنم باسمه، هذا في طفولتي، قبل اكتشاف القراءة وسحرها، الوائلي سلمني إلى من أجد أنهم أفضل من كتب عن علي: اليساريون بمختلف اصنافهم، قرأت هؤلاء بالتوازي مع تنامي حس الميل للعدالة الاجتماعية عندي، مع قراءتي للأدب العربي الساخط، مع الحزن الذي يهيمن على كتابات مصطفى لطفي المنفلوطي وبكائه على الجياع، ميل فطري إلى الفقراء تملكني، رغم أنني قضيت طفولة سعيدة لم يوجعني الحصار الذي ضرب العراق خلالها ـ تسعينات القرن الماضي ـ لم يصب أسرتي ما أصاب الآخرين على الأقل، ولم نحتج إلى بيع أثاث بيتنا، رغم ذلك كله، كنت لا أرى غير علي متجسد في صورة الفقراء، بحسراتهم الممتدة على طول العراق، الذي ما مر عام وليس فيه جوع كما قال السياب مرة.

(5)

قرأت علي الثائر، المبدئي، المتوجع للجياع حد البكاء، قرأته عند عبد الرحمن الشرقاوي، عند عبد الفتاح عبد المقصود، عند علي الوردي، عند شخص لم ينتمي سوى إلى مذهبه الشخصي مثل عباس محمود العقاد، عند الوائلي، هؤلاء وأضرابهم انتقلوا بي من علي الملكوتي الذي يصدح به الشعراء إلى علي الانسان الاستثنائي، علي الذي اختار أن يعود إلى جذوره العراقية، منتقلا من الحجاز إلى السواد، ليفتتح تاريخا طويلا من الثورات والبطولات الفردية، صانعا عنفوان أمة، متخذا من الفلاحين جنودا بوجه تجار قريش، رافضا أي حل وسط يزري بما آمن به، وما سار في سبيله حتى النهاية المدوية.

(6)

عند هذه النقطة وجدت ـ بعد سنوات ـ أن علياً المبدئي، الرافض لأنصاف الحلول، العصي على أن يقبل تسوية تؤلف بين ما يراه حقا وما يراه باطلا، وقدرته على أن يتحمل خياره الذي يعرف أنه خيار خاسر، ليسير به إلى آخر الخط، وتمكنه ـ بمختلف الأزمنة ـ من صنع أشخاص يتقبلون خيار الخسارة المزمن ذاك، وهم راضين عن انفسهم تمام الرضا، رغم أن علي يستطيع أن يسلك الطرق الأخرى، ولكن ما كان ليكون علي لو اتخذ تلك الطرق، عند تلك اللحظة عرفت أن علي، الذي يرفض أنصاف الحلول، والتسويات التي تمزج الحق بالباطل، هو اقرب إلى مزاج العراقيين غير القادرين على التسوية، غير القادرين على تقبل الحلول الوسطى، وإن اختلفوا عنه بمعيار الحق والباطل، وإن كانت عدم قدرتهم على التسوية تلك مزاجاً صنعته الأرض كما صنعه الرجال الرافضين لأنصاف الحلول مثل علي وبنوه، وهو ما جعل العراقيين المسلمين يذكرونه أكثر من ذكرهم ابن عمه النبي ومربيه، لهذا ارتبط علي في ذاكرتي بالعراق، وارتبط العراق بعلي.

(7)

أذهلتني قدرته الكبيرة على أن يكون قطب رحا لا يجرؤ على نكران فضله إلا موتور فارغ عاجز عن الإتيان على دليل بمزاعمه ضد علي، حتى أن الشعبي، وهو ممن اختلفوا عن خط علي تماما قال فيه يوما ما مضمونه أن اعدائه وظفوا أهل الحديث ضده، واستكروا ـ كما تستكرى البهيمة ـ الشعراء يمدحون آبائهم ويزرون بعلي، وآخر الأمر، وعند انجلاء العجاج، بدا وكأن الشعراء بمدحهم لأجداد أولئك كانوا يمدحون جيفة، وكأنهم إذ شتموا علياً كانوا يأخذون بضبعه إلى السماء! وخلال الألف ونصف الألف التي تلت إيابه إلى خالقه، بقي مناجزا، صامدا على تقلب الدهور، يحتل في القلوب مكانا لا يماثله فيه أحد، أذهلني أنه يتيح لي أن أحبه، دون أن أبغض أحد، أو اشتم أحد بحجة حبي لعلي.

(8)

كتب د. علي الوردي مرة أن ما من أمة اختلفت في رجل من رجالها كما اختلف المسلمون في علي، ولكنني اختلف مع الحكيم الوردي، وأظن أنهم اختلفوا عليه أكثر مما اختلفوا فيه، كل فريق أراد أن يحوز علي إلى خندقه، تقاتلوا على علي منذ وفاته إلى اليوم، كلٌ يرى أنه أولى بعلي وأحق من غيره به، ولكنه كان نسيج وحده، يحرك التاريخ رغم اختلاف الحدثان وتقلب الدهور، شاء من شاء وأبى من أبى.

(9)

كتبتُ مرة نصا أردته أن يكون قصيدة عنه، قلت في مطلعه:

“غريبون عنك

نغلف أرواحنا بالجليد

ونزعم أنا صنيع يديك”

ولا أزال.

فجر 17/6/2017

21رمضان 1438

[الصورة بعدستي: مرقد الإمام كما كان يبدو من بناية قرب منزلي، ولم يعد هذا المشهد متاحا]

 

 

هل كان الأمر يستحق هذا الثمن الباهظ؟

ثم أقف عند حافة الروح، اقلب الصور واحدة تلو أخرى، تصطف بتناسق على قبور جديدة، تناسق تاق له نازلوها حين ذرعت أقدامهم هذه الأرض، كانت كل خطوة تندك على خد هذا الثرى مثل سنبلة حديثة الولادة، كفسيلة تخطو مبتعدة عن أمها لتغدو نخلة شامخة، لكن الليالي والتجار غرسن تلك القامات الشوامخ في الأرض عميقا دون أن يكون للغرس وعد بالحياة.

كيف بعثرتهم هذه الأرض؟ ثم ابتلعتهم الواحد تلو الآخر؟ ضربت بالفوضى حياتهم، اخترمَ مهجهم أن لا نظام لحياة أهلهم، ولا وعد بالمستقبل.

تتابعت رقدتهم بترتيب كان ليكفيهم لو لم يخرجوا من دنياهم بسواه.

ثم أسأل نفسي، هل كان الأمر يستحق هذا الثمن الباهظ، وهل لي أن أثمن شيئا لا أملك ثمنه؟

ثم ألتفت كرة أخرى، أتصفح الصور، وجه تلو وجه، عين تلو عين، ثم أرفع رأسي قليلا، تقبّل روحي وجوه الأمهات، تراقب قلوبهن وهي تطالع الصور، وفي المدى الواصل بين عيونهن وشواهد قبور أبنائهن تمتد أيامٌ كانت مرجوة، ترفل بزوجات الأبناء المناكفات، والأطفال، والملابس التي تفوح منها رائحة الكد والاجتهاد، بيوت اتخذت البهجة مطارق لأبوابها، يملئ حجراتها عبير العنبر ونسيم السمك المزقوف الذي لم يجد من يأكله، والخبز الحار الذي بقي وحيدا على موائد فارغة هجرها الفرح.

أي فرح يلم بمائدة لا تجد من تسد جوعه؟

ثم أسأل وجهي المحدق في المرآة، وعيناي تطيلان النظر في لحيتي المهملة: ألا تخجل من نفسك؟ كيف لك أن تخرج وتعود وتنام وتأكل وتسافر وتضحك وتعمل وتكتب؟ كيف لك أن تقنع نفسك بأن تتهرب من عملك، وتجلس باحثا عن صورة جميلة لعلك تكتب عنها بعض الكلمات المنمقة، حتى يقول لك محبوك: عاشت يدك؟ فتطالعك صورة هذه الأم، وقد وخط شيب الأرض طرف عبائتها، تخب على كرسي مدولب قاصدة شهيد كربلاء في اربعينيته، تطلب منه العزاء، هي صامتة، ولكن كل ما حولها يقول لك: هل كان الأمر يستحق هذا الثمن الباهظ؟

 

مكابدات سعيد

هذه القطعة كتبت بنية أن تكون نصا بديلا عن النص الأدبي الذي اختير كمثال لدرس (اسم المفعول) في كتاب قواعد اللغة العربية للصف الرابع الاعدادي حين كنتُ في تلك المرحلة ـ عام 2003- كتبته بطلب من أستاذي، أستاذ مادة اللغة العربية، الأستاذ سعد عجيل الرجل الذي نشر لي أول نص في حياتي وكانت قصة عن فلسطين نشرت في مجلة الموقف التربوي التي كانت تصدر عن مديرية تربية النجف قبل العام 2003 ـ اذكر ان النص القديم كان عن مشعول الصفحة صدام، ولما حدث ما حدث وأُهملت النصوص القديمة طلب مني أن اكتب نصا بديلا ـ بعد ان أحسن الظن بي ووجد أن لدي ميولا أدبية ـ على أي حال، كتبت النص، ولم أقدمه له حياء، وها أنا بعد كل هذه السنوات أضعه بين يديه، محبة ووفاء، مع اعتذاري عن الأخطاء النحوية التي في النص.

مكابدات سعيد

ظل سعيد ضاحكاً طوال الأربعين سنة الأولى من عمره، مواجه متاعب الحياة ووعورة العيش بنفس هادئة وثغر منطلق، يعينه على ذلك ضحكات خمس أطفال وأمهم، وكان يعود متعباً منهك القوى إلى الدار، ولكنه وما أن يدخل يسمع تلك الضحكات البريئة، والاستقبال الحار، حتى ينسى كل ما مر به منذ أن ابتدأ عمله في الصباح الباكر.

ولكن معارفه فوجئوا به منقلب الحال وقد أصبح لا يُرى إلا ذاهلا، صامتاً مكفهر الوجه، والذين يعرفونه عن كثب يتعجبون أكثر، إذ أنهم يرونه منخلع الفؤاد محزون النفس، فيتساءلون: ما الذي دهى هذا الرجل؟ المفروض أن يفرح في هذه الفترة أكثر من الفترة السابقة أولاده كبروا وفتحوا بيوتاً ورفعوا رأسه، فماذا أصابه؟

بالتأكيد لم يعرف الناس ماذا أصاب الرجل، الخائض حياة كالتي خاضها سعيد وحده يعرف ماذا حصل، لقد تفرق أولاده عنه، وماتت أمهم، وأخذ كل واحد من الأولاد زوجته وخرج، وبقي سعيد وحده يقاسي آلام وحدته ذاكراً ضحكات زهوره الخمسة.

الناس تتسائل، ماذا أصاب سعيد؟ وسعيد المبعثر الفؤاد منشغل بمحاولة لملمة أجزائه.

2003

[كتبت النص بدون عنوان، والعنوان الذي وضعته هو ابن اليوم وليس من صلب النص القديم]

موت الام

أتدري ماذا أحسب موت الأم انه أن يموت الأمل في روحك، ان تفقد تلك الطمأنينة الازلية، في انك ومهما اخطأت فستجد من يبرر لك خطأك بمهارة يعجز عنها افلاطون، وتتكسر همة ارسطو دونها. ان تعرف أنك مهما شرَّقت وغربت، وسكرت وصحوت، وآمنت وكفرت، فإن هناك قلبا لا يرى فيك سوى القديس، ويحلم بالحسنى التي ستصير إليها، إن لم يكن لشيء، فلمجرد ذلك الحب الذي ينبض باسمك مع كل نأمة. قلب إذا نظر لوجهك شعر بالأمس واليوم والغد، بما كان وبما سيكون، قلب يرى فيك كل شيء، ولا يرى معك شيء، يراك كما لا يرى الخلق، ويسمعك كما لا يسمع الخلق، ويحس بك كما لا يحس الخلق، قلب وصفه القديس، النواب: ابيض عيونك حليبي واسود عيونك الليل اللي عد مهدك بجيته يبني طش العمى بعيني وجيتك بعين الدرب أدبي عالدرب المشيته ان تفقد نفسك بكل الطرق الممكنة، أهون من أن تفقد أمك.

النجف، مسرد بيبلوغرافي يسير

لمن يرغب بالقراءة عن النجف، ماضيها وتكوينها وتراثها، الدين والحياة والسياسة فيها، اقترح عليكم المصادر التالية:
1. ماضي النجف وحاضرها، للشيخ جعفر باقر محبوبة، صدر بثلاثة أجزاء أول طبعة، وتوفي المؤلف قبل أن يظهر الجزئان الرابع والخامس، ومطلع هذا العام قامت العتبة العلوية بطباعة الجزئين الأخيرين بطباعة فاخرة، كتاب مهم جدا عن أسر النجف، لأن مؤلفه ثقة ثبت شديد التحرز في النقل
2. تاريخ النجف الاجتماعي (1932-1968) و تاريخ النجف السياسي (1921-1941) وكلا الكتابين للدكتور عبد الستار شنين الجنابي وصدرا عام 2012 عن مكتبة الذاكرة ببغداد.
3. انساب العشائر العربية في النجف الاشرف، ناجي وداعة الشريس، كتاب قديم في أنساب الأسر النجفية ومهنهم، توجد نسخة الكترونية منه على مدونة الدكتور نبراس الكاظمي (امارة وتجارة).
4. النسيج الحضري للنجف، عوامل النشأة والتغير، للدكتور ماجد الخطيب.
5. أرض النجف التاريخ والتراث الجيولوجي والثروات الطبيعية، الدكتور موسى جعفر العطية.
6. النجف في ربع قرن، محمد علي كمال الدين، اعاد نشره وحققه د. كامل سلمان الجبوري.
7. مؤلفات د. كامل سلمان الجبوري وتحقيقاته للكتب القديمة وهي كثيرة جدا.
8. فصول من تاريخ النجف، عبد الرحيم محمد علي، جزئين.
9. المفضل في تاريخ النجف للدكتور حسن الحكيم، أظنه وصل إلى الثلاثين جزءا ولا يزال مستمرا بإصداره.
10. العمامة والأفندي، د. فالح عبد الجبار.
11. بعض من فصول كتاب حنا بطاطو.
12. د. علي الوردي.
13. ديارات الكوفة لمحمد سعيد الطريحي، ولديه عدد من المؤلفات والبحوث الأخرى عن النجف والكثير منها منثور في أعداد مجلته (الموسم)
14. كتابات د. عبد الإله الصائغ.
15. كتابات العم الأستاذ ذياب مهدي آل غلام، ولديه بالإضافة لمقالاته كتاب (مقهى عبد ننه) وهو سرد جميل لتاريخ مقهى الشيوعيين في النجف ورواده.
16. معاجم الشعراء، ومنها معجم (شعراء الغري) للشيخ علي الخاقاني.
17. هكذا عرفتهم، جعفر الخليلي.
18. ثورة النجف، عبد الرزاق الحسني.
19. النجف الذاكرة والمدينة، زهير الجزائري.
20. مذكرات الدكتور حكمت شبر، صدرت باسم الهروب والمواجهة.
21. حاضرة النجف الأشرف د. عبد الهادي الحكيم.
22. اعداد مجلة الأرشيف.
23. العدد المزودج 15-16 من مجلة مدارك.
24. نجفيات، علي محمد علي دخيل.
25. ماض لا يمضي للسيد هاني فحص.
26. هناك كتاب ل(طالب علي الشرقي) اظن اسمه النجف عادات وتقاليد، بحثت عنه وسط اكداس كتبي ولكنه تاه وسط الفوضى.
27. الكتب التي تؤرخ لعمارات العتبة العلوية، ومنها كتاب د. الفرطوسي (تاريخ عمارة المرقد العلوي).
28. تاريخ النجف حتى نهاية العصر العباسي للدكتور محمد جواد نور الدين فخر الدين.
29. النجف، تاريخ وتطور المدينة المقدسة، مجموعة من الباحثين صادر عن اليونسكو،.
30. النجف مدينة الحكمة، أيضا صدر عن اليونسكو.
31. النجف الأشرف في العهد العثماني الأخير والاحتلال البريطاني والانتفاضات الشعبية وأهم الأسر العلمية النجفية ومجالسهم، د. ناهدة حسين الأسدي.
وغيرها الكثير.

الخسارة الأقل كلفة

أكره كرة القدم لأسباب شخصية تماما، ولكني في أحيان كثيرة اجد نفسي وسط جمهورها الغاضب دون رغبة مني.
قبل ايام ذهبت مع صديقي “الريالي” الذي اراد مشاهدة مباراة ريال مدريد، توجهنا إلى مقهى شعبي في الكرادة – ارخيته – افضل الجلوس فيه عادة لأشرب الشاي وأشياء أخرى، بعيدا عن مقاهي المثقفين القريبة منه، لأنه يختلف عن تلك المقاهي بنوعية زبائنه.
أغلب رواد هذا المقهى من الكتاكيت، أو من صغار الكسبة، ينفتلون أول الليل إلى المقهى الذي يديره شاب اسمه مهند، ذاع صيته مرة على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب مهارته في العزف على اقداح الشاي – للأحبة العرب، نسمي قدح الشاي العراقي الصغير: استكان، وهو قدح لا تجدوه إلا في العراق -، المكان شعبي تماما غير متكلف، ومهند يخدمك كأنك صديق شخصي، يدور بعينيه على زبائنه، يحفظ التفضيلات الشخصية لكل واحد منهم، مثل داعيكم الذي يكره السكر في الشاي، ينادي: باشا، ﭽـاي مو؟ أجيبه نعم، فينادي عماله: واحد بدون شكر للباشا، فأغنم منه الشاي الممتاز، ولقب الباشوية علاوة على البيعة! – بالمناسبة، كتب صديقي ايتش هومو الفراتي مرة مقالا عن مهند – .
على أي حال، أعود إلى مباراة الريال إياها، جلسنا أنا وصديقي متكئين عند الزاوية التي تقع أقصى يمين الداخل للجزء الداخلي من مقهى مهند – حيث انه سقف المساحة الواقعة أمام مقهاه –، تكدست أمامنا الكراسي، وشيئا فشيئا بدأت تتقارب، تلتصق ببعضها كقصب ينمو عشوائيا، مفسحة المجال لكرسي آخر وزبون آخر يتسمر أمام الشاشة الفضية، حتى ازدحم مثل قطار هندي، تخيل محل مربع بمساحة 5X5 تقريبا، تكدس فيه أكثر من اربعون شخص، تربعت جنبهم الاراكيل، ينفثون الدخان “بحسرة مفارگ” كما يغني ياس خضر، فبدا المقهى كحمام شعبي تكاثفت فيه الأبخرة والقهقهات والشتائم، وعجزت ساحبات الهواء عن مجاراة هذا الدخان المتكاثف، حتى ضاق الدخان بالدخان، يتعالى من أجواف شباب لا يتجاوز أكبرهم الثامنة عشرة، وكنت وصاحبي بينهم بعمر جدودهم.
في الكرسي الذي على يمين صاحبي جلس شاب في الثامنة عشرة – باعتباره تخرج لتوه من السادس الاعدادي – ومعه شقيقه الأصغر سنا، التفت الأخ الأكبر محدثا شاب آخر يجلس إلى يساري، أخبره أنه قدم أوراقه إلى الكلية العسكرية، ولكن الطبيب رفضه في الفحص الطبي.
رد عليه جاري: يمعود، تروح لكلية ما بيها بنات، وفوﮔـاها عريف جاسم مـﮕـابلك يوميا، وراها تروح للجبهة ويكتلوك داعش، شلك بهاي اللغوة.
فرد عليه الشاب: احسن مما أروح اصير طبيب واعالج واحد والله ياخذ أمانته ويكتلني ابن عم عريف جاسم لو ياخذ مني فصل يبيعني الأكو والماكو.
رد عليه الشاب: ومنو ﮔـال اريد اروح لكلية الطب؟
فتعجب الأول وتسائل: يعني قابل وين غير هذني الاثنين – العسكرية والطبية – أكو تعيين؟
رد عليه الشاب: اروح تحليلات مرضية.
ثم انبلجت الشاشة الفضية عن هجمة خطرة، فنسى الاثنان حديثهما، وتسمرت البواصر على المستطيل الأخضر، تتابع أقدام اللاعبين الذي أنفقت الملايين من الدولارات لتجميعهم في فريق واحد، استثمار طويل الأمد، تقف خلفه طوابير من الوظائف التي تعتاش على هذه الساحرة المتدحرجة بين الأقدام، بينما قبع شباب بعمر الورد هنا، يفكرون بطريقة يموتون فيها بطريقة اقل خسارة، وحسب.

موقع آخر في Arablog