أرشيفات التصنيف: عراقيات

بلا عنوان

لو بعث الكليم، فإن جولة واحدة في أي شارع تكثر فيه عيادات الاطباء في العراق كافية لأن تدفعه لتكرار فعلته القديمة، لقتل دون تردد، ولرفع صوته بالاحتجاج الصاخب كعادته، فصاحبه العبد الصالح يتجول هنا ملوحا بعصا حكمة غامضة، حتى هو لا يعرف معناها، يطيح بالفقراء ذات القتال وذات المرض، عصاه تقتل وتهدم وتبني وتخرق، دون أن يستطيع تقديم عذر دقيق، فلا  المساكين عادوا يمتلكون سفينتهم، ولا عاد الملك يهتم بالسفن، والأبناء الصالحين يقتلون أو يهاجرون أو يلتقمهم البحر خلال المحاولة، الجدران تتهدم ولا كنوز تحتها، بل تبدت عن قبور قديمة رطبة محملة بأعباء التاريخ، ولا يبقى بيد الامهات سوى أبناء سيئين وذكريات موجعة، يجلسن في عيادات الاطباء بمفردهن، يحسبن قبور الأبناء في وادي السلام، وما تبقى من نقود “الدفنة*” التي تتناقص كلما أخذهن الخبب إلى الطبيب، يحدقن في فراغ يمتد إلى مضاجع الأحبة، ويتمتمن بلغة خفيضة فقرات من “زيارة وارث” ويهمسن: خذ حتى ترضى.

بلا نحو بلا وجع راس

* لغير العراقيين، ” الدفنة” هي النقود التي تجمعها العراقية لتجهيزها للدفن حين تغادر هذه الأرض الموجعة لترقد جنب أحبتها.

 

 

عن النجف والنجوم وبغداد وأشياء أخرى

علي عبد الهادي المعموري

(1)

كانت تُحب النجوم، ولما تَعَسَّرَ أن تنام تحتها، رسمت على سقف غرفتها نجوما ملونة، مثل أحلامها، مثل العصافير التي ترقص في روحها الرقيقة، ثم نامت مبتسمة.

(2)

بعد منتصف التسعينات بقليل، وقبل أن تغزونا المولدات بصوتها الكريه الذي يمزق هدوء الليل، ذلك الوقت، كانت سماء النجف ليلا هي أجمل ما شاهدته عيناي، وما تذوقته روحي، كنتُ أنام في ليالي الصيف الصاخدة على السطح العالي⃰ ، مستلقٍ على ظهري، الكهرباء مقطوعة فلا يوجد تلوث ضوئي، وفوق رأسي، على وسع بصري الغض، تمتد السماء، كأنها عروس من الزنج عليها قلائد من جمان كما قال المعري ذات يوم، ومع الضوء الفضي الهاطل على روحي، كنت اتحسس همهمات النائمين على السطوح، وأنفاسهم، تمتزج بنسيم الصحراء العليل، يهب من غرب المدينة، ليلتقي بنسيم الكوفة وشطها ونخلها القادمين من الشرق، يتعانقان، يمران بين (التشاريف)⃰  ⃰ ، ينحدران إلى مركز المدينة، إلى القبة الذهبية ومنائرها، يحمل النسيم قبلات يرسلها النائمين على السطوح قبيل أن يستسلموا لسلطان النوب، مهداة إلى صاحب الشباك الفضي، تهمس تضرعاتهم، احلامهم، مخاوفهم، مشتملة نجوى العاشقين، ومحبة الأمهات، ومناغاة الأطفال، ثم ينحدر هذا المزيج الرطب بالحياة إلى وادي السلام، يخبر الراقدين بحب أهلهم، بما ذكروهم فيه على العشاء، عن صورهم المعلقة في صدور الحجرات، والمصاحف التي تفتح لكي تتلو ما تيسر عن أرواحهم يوميا، وأنا، أحدق في السماء، في هذا البهاء المتلألئ، استمع خلسة إلى راديو أبي، النائم على سريره المفرد بعيدا عني في السطح الواطئ، ينبعث منه صوت من الـbbc يتحدث عن العراق بوجل، وأبي، بكل سنوات حروبه، يتقلب مستسلم لوجع العراق، بمفرده.

(3)

الفتاة التي كانت تظن أنها سيئة الحظ، غاب عن فكرها أنها قد تكون تعويذة حظ شخص آخر، يعول أن تكون راحته الكبيرة بعد كل ذلك الضنى.

(4)

في طفولتي، كنتُ مثل طفل أي أسرة نجفية فخورة، تربيت على أن أحب مديني بتطرف، كنتُ استمع إلى النكات التي تُسَخِّفُ رقة بغداد، ونعومة أهلها، وخفة الـ(لعد) والـ(هياته)، والـ(دا)، رغم أن لي عمة قريبةٌ قريبة إلى القلب تسكن بغداد، ولها أبناء أحبةٌ أحبة من البغادةِ البغادة، لا أعرف كيف وافقت بالضبط بين هذا الحب لأهلي ــ بيت عمتي في بغداد ــ وبين مشاعري الخشنة تجاه العاصمة، العاصمة التي بدت على الدوام عاصمة الآخر، وليست عاصمتي، العاصمة التي كان أبي يستخرج بدلته السفاري البنية اللون الغامقة (الجوزية كما نقول) حين يريد الذهاب إليها، لم أفهم أبدا ضرورة أن يترك أبي الفخور بلبسه النجفي [دشداشته] وسترته حين يريد الذهاب إلى المدينة الملتبسة هذه، كنت لا أحبها في داخلي دون سبب مفهوم، نمطٌ درجت عليه مع الأميين الذي كنت اسمع منهم نبرة السخرية من المدينة السحرية، ولم يخطر ببالي للحظة واحدة أن الأيام ستدور وأنني سأفدُ إلى بغداد لا زائرا بيت كعمتي مثل كل مرة، ولكن كطالب جامعي، في واحدة من أكثر سنواتها اضطرابا، حينما سال دم أبنائها الأبرياء في الشوارع بالجملة، قبلها، كنت لا أرى في غير مدن الله كلها جمالا إلا في مدينتي، ولا رجالا إلا في رجالها، أما نساء النجف فكانت مثل أشيائها الأخرى السرية، أمر بالغ الالتباس، مبهم، يجب أن يظل سراً لا يباح بشأنه.

(5)

صعودا من النجف إلى بغداد، ونزولا منها إلى النجف، تختلط الأصوات والصور والروائح في الطريق، مزيج دافئ في الشتاء، بارد في الصيف، مثل سراديب مدينتي، صوت محرك السيارة، رائحة المخمل المغسول، هذر السائق و(العبرية)، ما يتسرب من عبق طبيخ أمهات طلبة الأقسام الداخلية المعبأ في الحقائب، الصوت الذي تسكبه سماعات الأذن في رأسي، والآخر المتسلل من راديو السيارة، الابتسامة البلهاء التي تعلو وجوه الشباب وهم يتلقون رسائل شخصية من أحبتهم على أجهزة الهاتف المحمول، الشتائم العابرة، صوت عناق سعف النخيل ينهمر على روحي من خلال النوافذ نصف المفتوحة، رائحة الطريق التي تتسرب إلى الفؤاد عبر أنفي وسمعي وبصري وكل مسامة في جسدي، رائحة العراق الندية، صوت المطر يضرب سقف السيارة، وصوت فتاة جميلة تخاف القطط، وتحب أغلى حيوان في الدنيا، أصوات كعوب بنات بغداد العالية، تقتحم حياتك اقتحاماً، صور تتداعى إلى الذاكرة عن احتكاك أوراق الكتب ببعضها في سوق الحويش، وشارع المتنبي، لقطات من طرف البراق، والكاظمية، والجادرية، والكرادة، والحرية، وبيوتٌ من الخشب، وأصدقاء هم مكسبي الذي لولا بغداد لما عرفتهم، ولكانت لحياتي صورةٌ أخرى، لن تكون بلذة حياتي اليوم.

(6)

اكتشفتُ أن لبغداد جمالا ترفا، يختلف عن جمال مدينتي، وعرفت قيمة وخفة الـ(لعد) والـ(هياته)، والـ(دا) التي تتراقص كالموسيقى على ألسنة البغداديات، لتصنع في الروح خواطر (ما لي عرف بيهن ﮔبل) كما يقول مظفر النواب، تطيحني بضربة واحدة قاضية مفاجئة لا تبقي ولا تذر، وإن لهذه الأزقة رائحة تشبه رائحة البيت، وإن لأهلها قلوبا تشبه الأمهات، وأن تاريخها الملتبس أجمل ما فيها، وأنني أحب أن أتدفأ بذكرياتها كحبي لدفئ ذاكرة النجف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

⃰  في بيتنا القديم في طرف البراق في النجف، كان لدينا سطحان، سطح على الجزء القديم من بيتنا، عمره قارب الأربعمائة عام، بطابق واحد، لهذا كنا نسميه (السطح الناصي = الواطئ) وآخر على الغرفة التي تعلو المطبخ، وكلاهما حديثا البناء، منتصف الثمانينات تقريبا، ولأن السطح كان للغرفة العلوية فهو عالي، فنسميه (السطح العالي).

⃰  ⃰  [التِشْارِيف] جمع [تِشْرِيفة]، جدران الأسطح كما نسميها في النجف، ويطلق عليها في بغداد أحيانا اسم (التيغة).

[الصورة: رسم للصقر، أحب الطيور إلى قلبي، تلقيته كهدية، وأحببت أن أضعه مع هذه التدوينة]

العراق الذي ينتصر

حسنا، يبدو أنني لن استطيع أن أكتب ما يرضيني فعلا، لهذا قررت أن أكتب على أي حال، أن اترك لنفسي الحديث دون رقيب أو ضابطة.

سأحدثكم عني منذ حزيران 2014.

ببساطة، لم ألتذ بلذيذ، أو أطرب لمطرب، أو أهنأ بعذب منذ تلك اللحظة.

كنت أضحك، ثم فجأة أشعر بعصرة تقبض انفاسي، ويضيق لها صدري.

كانت مشاعري مزيج من الغضب العارم، والحزن العارم، والغبن العارم، ولكن الأكثر ألما والأكثر إزهاقا للروح كان الشعور بالإذلال، إذلال من يرى 7000 عام تسحق بالأقدام، إذلال لعنفوان لم يهدأ للحظة على هذه الأرض، كبرياء كانت على الدوام تياهة بالحق والباطل، ثم ديست بإقدام مجموعة من القاذورات في سيارات بيك آب.

ثم أتدرون ما هو الأكثر وجعا؟

حسنا، أنها اعراضنا، نعم اقولها مثل أي عراقي بدون رتوش التثاقف وادعائاته، اعراضنا من الأيزيديات والتركمانيات والشبك وغيرهم الذين أخذتهن داعش بحكم ديني صار من التاريخ ومن العار والمعيب الحديث عنه وإفراد باب له في المدونات الفقهية، يااااااااااااااااااااااااااااااااااه يا حسرتي عليهن.

كنت أقف طويلا أمام المرآة، وأشعر بأنني جزء من هذا العار، ارفع كفي، وأرسلها إلى المرآة، [غمة] لنا، لعجزنا، لتقاعسنا، لهذه الكرامة المهدورة، وصرخات نسائنا.

كنت أخجل أن أعرب عن إعجابي بشيء، او فرحي لشيء.

خجل حتى قرارة الروح.

ثم انبثقوا من الأرض، كالحياة، يهدرون، جاءوا من النواحي المهملة، من بيوت الصفيح، من البراري القاحلة، يركضون إلى الموت بلهفة العاشق، يا بويييييييييييييييييييه على تلك اللحظات، وأنا اراهم يصعدون إلى السيارات بالجملة، لا سلاح، ولا تدريب، ولا دروع، عراة الصدور، كرامتهم تضطرم في صدورهم.

وشيئا فشيئا، استعادوا لنا كرامتنا التي أهدرت، ومعها استعدنا الجيش المسروق، وأراضينا المغتصبة، ومدننا العبقة بالتاريخ والدفء.

أيها الأحبة، أقبل أقدامكم جميعا، أقبل تلك الوجوه الكريمة التي لوحتها الشمس، والشفاه التي شققها البرد، أقبل أياديكم التي نافحت عني، واقعدتني في داري مطمئن هانئ آمن، أقبل التراب الذي داسته بساطيلكم، لأن جبهاكم الغر أعلى مني همة وأرفع هامة، جباهكم لا يقبلها البشر، تقبلها الملائكة في عليائها، أنتم خبزنا ومائنا، كرامتنا وحميتنا، انتم سراج بيوتنا، وأبواب طمأنينتنا، أنتم الأدعية في أفواه أمهاتنا، والأحراز في صرر جداتنا.

أمهاتكم، أيتامكم وأراملكم، وصوركم المعلقة في البيوت، قناديل تخبرنا بحجم الدين الذي لكم في اعناقنا.

مرة أخرى، اثبتم أن طينة هذه الأرض غير طينة  البشر، وأن عنفوانها مخصوص بها مقدر على مقاسها.

ومرة أخرى، ملأتم هذه الأرض همة وبسالة، ورقصّتم بأقدامكم قلبها العامر بالحزن.

تبا لكل من سبب هذا البلاء، تبا لكل من خذلنا وخذّلنا، تبا لهم وشاهت الوجوه.

لأول مرة منذ تلك السنوات أشعر بطعم الفرحة في كل مساحة من جسدي.

لشهدائنا، لأبطالنا الذي خرجوا منها مصابين، لمن خاضها وخرج منها بروح جبارة، وجسد يتذكر طعم كل حبة رمل لامسها، لكم جميعا، معقودة أرواحنا نذر، لدين لن نستطيع الوفاء به.

العراق ينتصر

العراق لا يموت

نحن ضاربون في هذه الأرض عمقا، كلما عصرتنا النوائب ازددنا شدة وصلابة وقدرة على البقاء.

السلام عليكم، السلام على شاهدكم وغائبكم، السلام على كبيركم وصغيركم، السلام على همتكم، السلام على صدقكم، السلام على أمهاتكم، وحليبهن الطاهر، السلام على البيوت، على الشوارع، على ضفاف الفراتين، السلام على كل شبر خطوتم عليه، السلام عليكم إذ تهجمون، وإذ تهدرون، وإذ تهجعون، وإذ تضحكون، وإذ يبكي بعضكم بعضا، السلام على أسِّرتكم حين ترقدون، السلام على قبوركم، سلام أزلي سرمدي لا أول له ولا آخر، ورحمة الله وبركاته.

مشاهدات ليلية 4

في شارع مزدحم بالاطباء والصيدليات ومحال التجهيزات الطبية، حيث تكون مضطرا لشراء حاجتك مهما كان وجه البائع أو البائعة متجهما، في مثل هذا الشارع تكون بعض المحلات استثنائية.

في شارعي هذا، هناك محل للتجهيزات الطبية، حين أمر به مساءً لا أجد فيه سوى فتاة عشرينية بمفردها، ليست شديدة الجمال، وجه طبيعي يشعرك بالألفة دون أن يؤذيك ببهائه، في الغالب تنتهي جولتي الليلية حين تقفل الفتاة المحل، بمفردها، تنقل المواد من باب المحل إلى الداخل بهمة، كراسٍ متحركة، كراسٍ طبية، عكازات بأربع أرجل، وما شابه من هذه الادوات المصفوفة أمام المحل، تنقلها بحسب ثقلها، اثنين اثنين، أو فرادى.

الفتاة تهش لكل داخل إلى دكانها، تنصحه بهذه الشيء أو ذاك بمرح ونكتة، مخلية مسؤوليتها عن خياراته برقة وخفة، وحين يقر قرار الشاري على أمر معين تلفه وتناوله له مع تمنياتها بالصحة والعافية.

وبصفتي شخص كثير السفر، ولكوني شخص يقضي جل يومه في حالتين اثنتين: منكب على كتاب، أو متسمر أمام شاشة حاسوب، فإن عنقي تكون دائما عرضة لآلام خاطفة بين مدة وأخرى، مع تهديد مستمر بسوفان الفقرات العنقية، فإنني وتحرزا للمستقبل، وفي محاولة تأجيل قدر السوفان هذا، قد اشتريت منها عدة مرات ما يسلتزم مثل هذه العنق، مخدة لدعم العنق أثناء السفر، ورقبة اسفنجية تدعم العنق حين الحاجة أمام كتاب أو حاسوب، وفي كل مرة اشتري منها هذه الأشياء تنصحني بود وجذل وحياء، فأشتري البضاعة وأخرج وكأنني اشتريت كيلو بقلاوة من الخاصكي وليس شيء منذر بالمرض.

هامش: بعد أن أنهيت الجولة، ودخلت لأشتري الصمون من أجل افطاري، في مدخل الفرن سابقتني قمرة صغيرة دون الخامسة من العمر، بذيل حصان يتمايل مع مشيتها السريعة، يتلوى مع نسمات هذه الليلة الجميلة، وحين وصلنا إلى منضدة البائع وأقبل علينا أراد أن يمنحني حاجتي قبلها، ساعتها، ومثل أي شخص ضعيف أمام هذه المخلوقات الجميلة قلت له: مشّي الحلوة أولاً، فرمقتني بنصف ابتسامة، من نصف وجه، من نصف التفاتة، ثم أخذت كيس الصمون وخبّت مسرعة كما دخلت.

هامش ثاني: في الطريق أيضا بنايتان قيد الانجاز، ومثل أي مشروع بناء عراقي محترم فقد احتلت مواد البناء الرصيف وحولته إلى هباء منثور من التراب وبقايا قطع المرمر والطابوق، ويوميا أجد عمّال البناية وقد جمّعوا ما تبقى من أخشاب قالب صب الكونكريت التالفة، وأوقدوا النار لكي يشوون طعام عشائهم، سمك أو دجاج، بسعادة بالغة، ساعتها يتبخر غضبي على صاحب البناية، بسبب السعادة الصغيرة التي تلفُ قلوب هؤلاء الفقراء وهم يعدون عشائهم.

#مشاهدات_ليلية

مشاهدات ليلية (2)

 

أمام عيادة أحد الأطباء، كانت تقف سيارة تاكسي صفراء اللون لم انتبه إلى طرازها، من الخارج، وعلى باب الراكب الأمامي كان هناك رجل جاوز الثلاثين، ضخم الجثة، يرتدي [تيشيرت] أخضر اللون غامق، وبنطلون جينز رصاصي، شاب أسمر حاد الملامح، شعره خفيف، أسند ظهره إلى سيارته، وشبك ذراعيه على صدره بضجر، خلفه مباشرة، وعلى سقف السيارة، أجلس طفلته الجميلة، فتاة قمحية ربما تكون في الرابعة من العمر، ترتدي قميص زهري بلا أكمام وجينز قصير بدا وكأنه خيط لها من بقية قماش بنطلون والدها، كانت تجلس على سقف السيارة، وتدلي ساقاها على كتفي أبيها وصولا إلى صدره، وتعتنق رأسه بكلتا ذراعيها الغضتين، ومالت برأسها على أذنه اليمنى تحدثه.

كان الضيق يسيطر على الأب، لعل لديه مريض ينتظره، لعله قلق على مريضه، وجهه منكمش تماما بضيق بالغ، وفي ذات الوقت كان مضطرا أن يجيب على أسئلة ابنته، ويسايرها في حديثها المتدفق الرقراق دون أن ينتبه فعلا لما تصبه في أذنه من نغم، لا أعرف ما الذي سألته عنه، ولكني سمعتها تقول له منحنية عليه تمزج سؤالها بالقبل: هذا زين؟ فأجابها بنعم، فأطلقت ضحكة رنانة مرقت إلى الشارع المقابل ملعلعة بالبهجة، فأجبرته على أن يضحك بطريقة ملئت وجهه وروحه، بفرحة تساوي بهجتها الطفولية العارمة لإجابته البليدة على سؤالها الساذج، وأنا شاركته هذه الضحكة الساذجة بالتأكيد بكل بلاهة!

تذكرت عندها البهجة التي ارتسمت على وجه صديقي، الذي كان يراقبني أزيح شرائح الزيتون عن قطع البيتزا قبل أن آكلها، فملئت البهجة وجهه الجميل، وانطلق يحدثني عن حب طفلته الصغرى للزيتون، وكيف أن علب الزيتون التي يجلبها إلى البيت لا تصمد سويعات معها، وكيف أنها تبدأ أكل قطع البيتزا من الناحية التي توجد فيها شرائح الزيتون، كان يحدثني وفرحة عميقة ترتسم على كل وجهه، وبدنه، سعيد بعادات ابنته الغذائية.

سرت مبتعدا عن الأب وابنته، متذكر لصاحبي، وفكرت في نفسي، لولا بناتهم، لفقد ثلاثة أرباع العراقيين عقولهم بسبب الكرب الذي يواجهونه يومياً.

#مشاهدات_ليلية

 

مشاهد ليلية

علي المعموري

تختلف مواعيد المشي عندي باختلاف الأماكن التي اتنقل بالمبيت فيها خلال الأسبوع، اليوم بتُ في المكان الذي أخرج فيه عادة بُعيد الغروب، اتمشى لحوالي كيلومترين، اتعشى، وأعود إلى سكني.

ومن دون خلق الله، يوقظ الحر كل حواسي، الأمر الذي يكون مضاعفا في حالة شخص شغوف باستطلاع ما حوله، من السلوك الانساني إلى النسق العمراني، تتحرك عيناي يمينا ويسارا، وتلتقط أذناي كل شاردة وواردة، أبحث عن التراتب البديع للكون من حولي، علَّ تلك الأشياء الجميلة تزيح عن روحي عناء اليوم العراقي المثقل بالغصص.

أراقب ابتسامة الأمهات في وجوه أطفالهن، والمناغاة الدافئة يتبادلنها بلغة لا يفهمها سواهم، انسجام العمال فيما بينهم، حركة الروافع وهي تأخذ مواد البناء إلى أعلى البنايات قيد التشييد، حديث الأشجار فيما بينها، وضوء الأعمدة الأصفر يهطل عليها في الليل فتبدو شاحبة مثل حسناء أصابتها الحمى، استدارة الأفرع حول بعضها في الأحياء القديمة، عناق الطابوق في البيوت العتيقة، البضائع المرصوفة على الأرفف في المحال التجارية، تجمع الجنود ورجال الشرطة قرب بعضهم ـ وهؤلاء أدرب نفسي على أن لا يلاحظونني وأنا التقط الصور يمينا وشمالا للبيوت والبنايات والسيارات والقطط التي تستريح على أبواب المنازل ـ وأشياء أخرى كثيرة.

وبين ليلة وأخرى يختلف الحال، مرة تظفر بالكثير من الجمال، ومرة تعود بأشياء بسيطة بالكاد تقيم أود ذاكرتك، أما الليلة فكانت رائعة، وعلى امتلائها بالكثير من الأشياء الجميلة، والناس الجميلين، فقد كان هناك مشهد فريد، شاهدته عرضيا، لم تتجاوز التقاطتي له أكثر من خمس ثواني هي أمد مروري الخاطف بالواقعة، كانت كافية لي، ومناسبة لكي لا أكون متلصصا مقتحما لخصوصيات الآخرين.

شابين ـ ولد وبنت ـ ربما متزوجان، ربما خطيبان، لا أعرف حقا، كان الشاب قد جلب سندويتشين، ناول البنت واحدا، وجلس جوارها يزدرد الثاني بنهم، ذاهلا عن كل ما حوله، أما البنت فكانت تمضغ لقيمة صغيرة، وقد أقبلت بكل جوارحها على ماكنة الفرم المجاورة لها، وهو يهرس الطعام هرسا، تنظر له وقد علت وجهها ابتسامة لم تدع عضلة في وجهها إلا داعبتها وحركتها، ابتسامة عميقة سعيدة متلهفة، تصبها على الشاب صبحا كالضياء، سعيدة تنظر له كما ينظر طفل إلى لوح شوكولاته، كما تنظر أم إلى طفلها الوحيد، وهو يحمل شهادة التفوق، مثل أرض تتهلف للشمس والماء، ابتسامة كأنها موسم حصاد العنبر، عبقة بالعطر والأمل، تنظر له بطريقة لا أعرف كيف أصفها، سعيدة بأنها حازت هذا الذي أقبل على طعامه كأنها نهاية العالم، سعيدة فعلا.

أنا بدوري ضحكت من القلب، ومشيت لخمسة كيلومترات.

[هامش: الاشياء الجميلة لابد أن تجربها أول مرة في بلدك]

لا أعرف الفنان الذي رسم الصورة المرفقة

هل كان الأمر يستحق هذا الثمن الباهظ؟

ثم أقف عند حافة الروح، اقلب الصور واحدة تلو أخرى، تصطف بتناسق على قبور جديدة، تناسق تاق له نازلوها حين ذرعت أقدامهم هذه الأرض، كانت كل خطوة تندك على خد هذا الثرى مثل سنبلة حديثة الولادة، كفسيلة تخطو مبتعدة عن أمها لتغدو نخلة شامخة، لكن الليالي والتجار غرسن تلك القامات الشوامخ في الأرض عميقا دون أن يكون للغرس وعد بالحياة.

كيف بعثرتهم هذه الأرض؟ ثم ابتلعتهم الواحد تلو الآخر؟ ضربت بالفوضى حياتهم، اخترمَ مهجهم أن لا نظام لحياة أهلهم، ولا وعد بالمستقبل.

تتابعت رقدتهم بترتيب كان ليكفيهم لو لم يخرجوا من دنياهم بسواه.

ثم أسأل نفسي، هل كان الأمر يستحق هذا الثمن الباهظ، وهل لي أن أثمن شيئا لا أملك ثمنه؟

ثم ألتفت كرة أخرى، أتصفح الصور، وجه تلو وجه، عين تلو عين، ثم أرفع رأسي قليلا، تقبّل روحي وجوه الأمهات، تراقب قلوبهن وهي تطالع الصور، وفي المدى الواصل بين عيونهن وشواهد قبور أبنائهن تمتد أيامٌ كانت مرجوة، ترفل بزوجات الأبناء المناكفات، والأطفال، والملابس التي تفوح منها رائحة الكد والاجتهاد، بيوت اتخذت البهجة مطارق لأبوابها، يملئ حجراتها عبير العنبر ونسيم السمك المزقوف الذي لم يجد من يأكله، والخبز الحار الذي بقي وحيدا على موائد فارغة هجرها الفرح.

أي فرح يلم بمائدة لا تجد من تسد جوعه؟

ثم أسأل وجهي المحدق في المرآة، وعيناي تطيلان النظر في لحيتي المهملة: ألا تخجل من نفسك؟ كيف لك أن تخرج وتعود وتنام وتأكل وتسافر وتضحك وتعمل وتكتب؟ كيف لك أن تقنع نفسك بأن تتهرب من عملك، وتجلس باحثا عن صورة جميلة لعلك تكتب عنها بعض الكلمات المنمقة، حتى يقول لك محبوك: عاشت يدك؟ فتطالعك صورة هذه الأم، وقد وخط شيب الأرض طرف عبائتها، تخب على كرسي مدولب قاصدة شهيد كربلاء في اربعينيته، تطلب منه العزاء، هي صامتة، ولكن كل ما حولها يقول لك: هل كان الأمر يستحق هذا الثمن الباهظ؟

 

الخسارة الأقل كلفة

أكره كرة القدم لأسباب شخصية تماما، ولكني في أحيان كثيرة اجد نفسي وسط جمهورها الغاضب دون رغبة مني.
قبل ايام ذهبت مع صديقي “الريالي” الذي اراد مشاهدة مباراة ريال مدريد، توجهنا إلى مقهى شعبي في الكرادة – ارخيته – افضل الجلوس فيه عادة لأشرب الشاي وأشياء أخرى، بعيدا عن مقاهي المثقفين القريبة منه، لأنه يختلف عن تلك المقاهي بنوعية زبائنه.
أغلب رواد هذا المقهى من الكتاكيت، أو من صغار الكسبة، ينفتلون أول الليل إلى المقهى الذي يديره شاب اسمه مهند، ذاع صيته مرة على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب مهارته في العزف على اقداح الشاي – للأحبة العرب، نسمي قدح الشاي العراقي الصغير: استكان، وهو قدح لا تجدوه إلا في العراق -، المكان شعبي تماما غير متكلف، ومهند يخدمك كأنك صديق شخصي، يدور بعينيه على زبائنه، يحفظ التفضيلات الشخصية لكل واحد منهم، مثل داعيكم الذي يكره السكر في الشاي، ينادي: باشا، ﭽـاي مو؟ أجيبه نعم، فينادي عماله: واحد بدون شكر للباشا، فأغنم منه الشاي الممتاز، ولقب الباشوية علاوة على البيعة! – بالمناسبة، كتب صديقي ايتش هومو الفراتي مرة مقالا عن مهند – .
على أي حال، أعود إلى مباراة الريال إياها، جلسنا أنا وصديقي متكئين عند الزاوية التي تقع أقصى يمين الداخل للجزء الداخلي من مقهى مهند – حيث انه سقف المساحة الواقعة أمام مقهاه –، تكدست أمامنا الكراسي، وشيئا فشيئا بدأت تتقارب، تلتصق ببعضها كقصب ينمو عشوائيا، مفسحة المجال لكرسي آخر وزبون آخر يتسمر أمام الشاشة الفضية، حتى ازدحم مثل قطار هندي، تخيل محل مربع بمساحة 5X5 تقريبا، تكدس فيه أكثر من اربعون شخص، تربعت جنبهم الاراكيل، ينفثون الدخان “بحسرة مفارگ” كما يغني ياس خضر، فبدا المقهى كحمام شعبي تكاثفت فيه الأبخرة والقهقهات والشتائم، وعجزت ساحبات الهواء عن مجاراة هذا الدخان المتكاثف، حتى ضاق الدخان بالدخان، يتعالى من أجواف شباب لا يتجاوز أكبرهم الثامنة عشرة، وكنت وصاحبي بينهم بعمر جدودهم.
في الكرسي الذي على يمين صاحبي جلس شاب في الثامنة عشرة – باعتباره تخرج لتوه من السادس الاعدادي – ومعه شقيقه الأصغر سنا، التفت الأخ الأكبر محدثا شاب آخر يجلس إلى يساري، أخبره أنه قدم أوراقه إلى الكلية العسكرية، ولكن الطبيب رفضه في الفحص الطبي.
رد عليه جاري: يمعود، تروح لكلية ما بيها بنات، وفوﮔـاها عريف جاسم مـﮕـابلك يوميا، وراها تروح للجبهة ويكتلوك داعش، شلك بهاي اللغوة.
فرد عليه الشاب: احسن مما أروح اصير طبيب واعالج واحد والله ياخذ أمانته ويكتلني ابن عم عريف جاسم لو ياخذ مني فصل يبيعني الأكو والماكو.
رد عليه الشاب: ومنو ﮔـال اريد اروح لكلية الطب؟
فتعجب الأول وتسائل: يعني قابل وين غير هذني الاثنين – العسكرية والطبية – أكو تعيين؟
رد عليه الشاب: اروح تحليلات مرضية.
ثم انبلجت الشاشة الفضية عن هجمة خطرة، فنسى الاثنان حديثهما، وتسمرت البواصر على المستطيل الأخضر، تتابع أقدام اللاعبين الذي أنفقت الملايين من الدولارات لتجميعهم في فريق واحد، استثمار طويل الأمد، تقف خلفه طوابير من الوظائف التي تعتاش على هذه الساحرة المتدحرجة بين الأقدام، بينما قبع شباب بعمر الورد هنا، يفكرون بطريقة يموتون فيها بطريقة اقل خسارة، وحسب.

مشهد بغدادي من الألم العراقي

ركبت من الباب الشرقي الى الكرادة، صعدت سيارات الكرادة داخل (الكوستر)، كنت اجلس في المقعد الأخير، وفي المقعد الذي جنب الباب مباشرة كان يجلس شاب بهي الطلعة، دفع الشاب (الكروة) ولم يكن لدى السائق فكة ليعيد له الباقي، بعد قليل صعدت طفلة صغيرة قرب تمثال السعدون، جلست خلف الشاب وناولته الأجرة، بمقدار يسد الباقي له عند السائق، عندها نادى الشاب ذي الهندام الحسن ان الباقي قد وصله.
كانت الطفلة بحدود السادسة، نحيلة جدا، ترتدي قطعتي ملابس رياضيتين بائستين اختلط لونهن الاصفر بصفرة وجهها، وتلف شعرها بقطعة قماش شفافة، تحمل كيسا من البلاستك لم اتبين محتواه، وبيدها علبة عصير رخيصة، شكلها بدا كأطفال الشوارع الذين يقفون في التقاطعات يستجدون او يبيعون سلعا تافهة، كان البؤس يلفها تماما.
حين وصلت السيارة الى ساحة الفردوس، وقرب فندق فلسطين شاهدت طفلة تطابق الفتاة تماما، تقف في الساحة وبيدها علبة من العلكة،تبيع منها للمارة، وما ان شاهدت الفتاة في السيارة حتى ابتسمت لها ورفعت يدها بالتحية، هما رفيقتان إذن، وظني كان في محله.
في ذات اللحظة انتبهتُ ان الشاب الجالس قرب باب السيارة قد لاحظ ما حدثت بين الفتاتين، وبطريقة آلية دس يده في جيبه وأخرج الخمسمئة دينار التي اعطتها الفتاة له، ومد يده للخلف دون أن يدير وجهه حتى، بطريقة خفيفة لا يريد معها ان يشاهده احد، او تشاهده الفتاة، مد يده معيدا للطفلة نقودها، اخذت البنت النقود دون تردد، ثم نزلت مباشرة، لا أعرف إذا كانت قد خافت من هذا الذي ناولها النقود ففرت سريعا، او انها ظنت انه يرد الباقي لمن في الخلف وليس لها وقررت ان تسرقهن، او انها ببساطة قررت أن تلتحق بصديقتها الواقفة في التقاطع، تبيع احلامها في المدينة العجوز.

الباب الشرقي والكرادة، من مناطق بغداد القديمة يقع كلاهما في جانب الرصافة، وفي الباب الشرقي يقع نصب الحرية الذي شيده جواد سليم واطلق اسم ساحة التحرير نسبة له

المدينة التي تبتعد (6)

محلات لم تعد موجودة (2)

محل أسد ميرزا علي

على ذات طريقي ذات اليمين ذاك، وقبل أن أصل إلى (خان الحجي)، كان محل أسد ميرزا علي النجار في أول (عكد بيت مال الله)، وأسد هذا كان من أحب خلق الله لي في طفولتي، ما قابلني يوما إلا بالمودة والبشاشة، أذكر مرة أني فجأة قررت أنني أريد خشبة طويلة، فسرحت له دون تفكير، وقلت أريد خشبة طويلة، فناولني الخشبة دون أن يسألني لماذا وقال: يله روح للبيت، بكل بساطة، كان منزلهم في البراق يجاور منزلنا، نشترك معهم بجدار واحد، لكن بابهم كانت وسط البراق، وبابنا على الشارع، ولكي تصل لهم فانك ستدور دورة طويلة في العكود قبل أن تصل لهم، ولطالما ناولت جدتي أرغفة الخبز الحارة لأم أسد من ذلك الجدار الرفيع بيننا، ولطالما تحادثتا وهما تخبزان معا، كل واحدة في سطحها.

ولكن ذاكرتي عنه انثلمت حين غادر العراق في 1991 إلى (رفحاء) ومنها إلى الولايات المتحدة، ورغم أن أخوه تولى المحل بعده، لكنه بقي محل أسد، حتى بعد ان تركه أخوه بعد 2003، وأجرته أمه إلى السيد ناجح غيبي الخياط.

لم يعد أبو نمر من الولايات المتحدة إلا بعد 2003، عاد ليجلس على السور وكأنه لم يغب لسنين طوال، عاد وشكله لم يتغير ـ رغم أنه اكبر من أبي ـ هو هو، أبو نمر، جالس في موضعه على السور، كأن الدنيا لم تمر به، ولم يمر بها، لكم أحب هذا الرجل.

المرحوم كاظم حميدي

ألتفتُ هذه المرة إلى يساري، أخبُ حتى أصل إلى المحلات التي أخرجت من منزل لأحد أفراد أسرة (آل دوش) أول ركن (عـﮕد الجمالة)، يتوسطها محل المرحوم كاظم حميدي، صباغ الملابس المسن، الذي لم يكن يترك أحدا يمر دون أن يوقفه، يسأله من أين وإلى أين؟

كان رحمه الله أبيضا مشربا بحمرة تميزت بها بشرة أسرته (آل حميدي)، اصلع، له شارب ولحية وخطهما الشيب، ووجه مستدير بهي، يجلس في قعر محله المظلم، وقد أحاطت به صفائح الصبغ، وخلفه برميلان كبيران، وموقد تحت مرجل كبير، لم أشاهده يمارس مهنته سوى مرة يتيمة كان ينشر فيها على حبل مده على خربة آل حميّد قطع من القماش، صبغها باللون الأرجواني الفاقع، لون (القجرات).

تخبرني عمتي انه كان أول من تلقاها على السور يوم ولدتُ، وعادت بي إلى البيت، تبشر جدتي بأن وحيدها قد رزق ببكر ذكر، صاح من محله: (ها بت شيخ كاظم شجاه هادي؟)، فقالت: ولد، فأخذ يردد صارخا بصدق: مبارك، مبارك بقي يكررها حتى بعد أن غابت عمتي عن ناظريه، بقي صوته ينبعث من جوف المحل المظلم كأنه صوت سماوي يمطر على أذنها: مبارك مبارك.