أرشيفات التصنيف: عراقيات

المدينة التي تبتعد (6)

محلات لم تعد موجودة (2)

محل أسد ميرزا علي

على ذات طريقي ذات اليمين ذاك، وقبل أن أصل إلى (خان الحجي)، كان محل أسد ميرزا علي النجار في أول (عكد بيت مال الله)، وأسد هذا كان من أحب خلق الله لي في طفولتي، ما قابلني يوما إلا بالمودة والبشاشة، أذكر مرة أني فجأة قررت أنني أريد خشبة طويلة، فسرحت له دون تفكير، وقلت أريد خشبة طويلة، فناولني الخشبة دون أن يسألني لماذا وقال: يله روح للبيت، بكل بساطة، كان منزلهم في البراق يجاور منزلنا، نشترك معهم بجدار واحد، لكن بابهم كانت وسط البراق، وبابنا على الشارع، ولكي تصل لهم فانك ستدور دورة طويلة في العكود قبل أن تصل لهم، ولطالما ناولت جدتي أرغفة الخبز الحارة لأم أسد من ذلك الجدار الرفيع بيننا، ولطالما تحادثتا وهما تخبزان معا، كل واحدة في سطحها.

ولكن ذاكرتي عنه انثلمت حين غادر العراق في 1991 إلى (رفحاء) ومنها إلى الولايات المتحدة، ورغم أن أخوه تولى المحل بعده، لكنه بقي محل أسد، حتى بعد ان تركه أخوه بعد 2003، وأجرته أمه إلى السيد ناجح غيبي الخياط.

لم يعد أبو نمر من الولايات المتحدة إلا بعد 2003، عاد ليجلس على السور وكأنه لم يغب لسنين طوال، عاد وشكله لم يتغير ـ رغم أنه اكبر من أبي ـ هو هو، أبو نمر، جالس في موضعه على السور، كأن الدنيا لم تمر به، ولم يمر بها، لكم أحب هذا الرجل.

المرحوم كاظم حميدي

ألتفتُ هذه المرة إلى يساري، أخبُ حتى أصل إلى المحلات التي أخرجت من منزل لأحد أفراد أسرة (آل دوش) أول ركن (عـﮕد الجمالة)، يتوسطها محل المرحوم كاظم حميدي، صباغ الملابس المسن، الذي لم يكن يترك أحدا يمر دون أن يوقفه، يسأله من أين وإلى أين؟

كان رحمه الله أبيضا مشربا بحمرة تميزت بها بشرة أسرته (آل حميدي)، اصلع، له شارب ولحية وخطهما الشيب، ووجه مستدير بهي، يجلس في قعر محله المظلم، وقد أحاطت به صفائح الصبغ، وخلفه برميلان كبيران، وموقد تحت مرجل كبير، لم أشاهده يمارس مهنته سوى مرة يتيمة كان ينشر فيها على حبل مده على خربة آل حميّد قطع من القماش، صبغها باللون الأرجواني الفاقع، لون (القجرات).

تخبرني عمتي انه كان أول من تلقاها على السور يوم ولدتُ، وعادت بي إلى البيت، تبشر جدتي بأن وحيدها قد رزق ببكر ذكر، صاح من محله: (ها بت شيخ كاظم شجاه هادي؟)، فقالت: ولد، فأخذ يردد صارخا بصدق: مبارك، مبارك بقي يكررها حتى بعد أن غابت عمتي عن ناظريه، بقي صوته ينبعث من جوف المحل المظلم كأنه صوت سماوي يمطر على أذنها: مبارك مبارك.

صور من النجف

1. تفصيل من منزل كاظم صبي في طرف البراق، وكان زعيم الطرف، والرجل الذي وقف خلف ما يطلق عليه اسم (دستور البراق) سنة 1915، اعدمه الانجليز عام 1918

تفصيل من منزل كاظم صبي في طرف البراق

2. إعدادية النجف المركزية للبنين، تأسست عام 1925 (ثاني أو ثالث اعدادية في العراق)

اعدادية النجف اعدادية النجف

3. منزل عبد المحسن شلاش (1882 – 1948) التاجر والوزير في العهد الملكي العراقي

 

 

 

منزل الحاج عبد المحسن شلاش

 

4. مقبرة السياسي الكبير في العهد الملكي صالح جبر (1896-1957) على الشارع الرئيس الرابط بين النجف والكوفة (شارع الكوفة)

مقبرة صالح جبر

5. آخر سوباط في النجف، في طرف الحويش، الصور قبل الهدم التقطتها عام 2005، وبعد الهدم هذا العام، هن سوباطين، الأول من جهة الطمة، والثاني من جهة دور السادة آل الخرسان.

أ. من جهة آل الخرسان قبل الهدم

سوباط الحويش 2

بعد الهدم

سوباط الحويش img_5303

 

ب. من جهة الطمة

قبل الهدم

سوباط الحويش scan30002

بعد الهدم

سوباط الحويش img_5306 img_5311 img_5312 img_5313 img_5314

 

 

عبد الحسين حمد

 

(1)

أول عهدي بقراءة الشعر، وتتبع الشعراء، كنتُ أظن أنهم من طينة أخرى تختلف عن طينة البشر، وكنت اسأل نفسي: هل يأكلون ويشربون مثلنا؟ هل يتحدثون كما نتحدث؟ هل ينامون ويعملون؟ هل أن حياتهم تشبه حياتنا؟ هل يعرف أصدقائهم ذلك الحد الفاصل بينهم؟ حد عظيم قوامه الإبداع، الخلق من العدم، وابتكار المعنى، هل لهم أصدقاء أصلا؟ أما إذا كان الشاعر ذا مبدأ لا يتزحزح، ولا يرتزق بوحيه، فتلك حكاية أخرى، وبعد آخر من أسطورة قوامها الشعر والشعراء.

(2)

سمعت به أول مرة وأنا صغير، بداية التسعينات، كان وقتها أستاذاً في معهد إعداد المعلمين في النجف، وكان خالي الأصغر أحد طلابه، مرة كان خالي عندنا، يترنم بقصيدة تصف حال الجندي العراقي المسحوق في معسكرات التدريب، المنهوب، المقهور، أتذكر منها بيتا واحدا يقول:

ما بين أور والأثل …… يسطو على الصيد الجعل

شرح لي خالي معنى البيت، قال أن أور والأثل هما معسكران تدريب شهيران، أحدهما في الجنوب، والآخر في الشمال، والصيد هو الجندي، أما الجعل فهم العرفاء ونواب الضباط وأضرابهم، يحلبون الجندي الجائع حلب الشاة، ثم لا يفكون له وثاقاً، سألت خالي من القائل؟ فأجاب بفخر وابتهاج: عبد الحسين حمد.

(3)

لاحقا، بدأت اشتري أعداد مجلة (الكوثر) النجفية، المجلة التي احتضنت كتاب النجف وشعرائها في التسعينات، مجلة كانت تصدر بجهود استثنائية من رئيس تحريرها الشاعر المرحوم محمد عباس الدراجي، وفي الكوثر بدأ اسم عبد الحسين حمد يتردد عليَّ كثيراً، محررا لباب المجلة الأدبي، شارحاً لنهج البلاغة، ناقداً أدبيا عرفني للمرة الأولى أن للشعر روح باطنية، وأن للرموز معانٍ ومعان، كتب نقداً جميلا لقصيدة أنشودة المطر للسياب، فصدمت بما كان يريد الرجل قوله، ثم هو كما هو: شاعر عمودي فحل، لا ينتمي لغير العمود، ولا يذهب بعيداً عنه.

(4)

حدثني خالي بما كان يحدثهم به عن نفسه، عن حياته مع استاذه السيد مصطفى جمال الدين، وكيف أن الشاعر الفحل دفعه أيام كان طالباً صغيراً في كلية الفقه ليقرأ قصيدة أمام ضيف مصري كبير حل في النجف، واحتفت به جمعية الرابطة الأدبية، وكيف أن عبد الحسين حمد خاف من الموقف، وكيف أن السيد جمال الدين كان يريد أن يقول للضيف أنظر لطلابنا اليافعين كيف يبدعون، فكيف بشيوخنا الذين مرستهم الحياة ومرسوها، وكيف أن ظن السيد كان في محله، فطار الشاب بالمجلس شعرا، وأطار الضيف في سماوات من الأدب النجفي.

(4)

ثم جاءت اللحظة التي كان لابد أن أقابل فيها الرجل، الذي أدرجه خيالي في خانة الأساطير الشعرية، وأن أستكشف عن قرب طينة الشعراء التي طالما حيّرتني.

كانت إعدادية النجف ثالث أو ثاني إعدادية تأسست في العراق في العام (1925)، وكانت وقت دخلتُها معقلا لآخر جيل ذهبي من المربين، الذين جاعوا، وتألموا، وما بدلوا تبديلا في حرصهم على طلابهم، تحيط بهم الهيبة، وتسبق أسمائهم رهبة توارثناها عن الأجيال الأقدم من أهل النجف، الذين درسّهم هؤلاء الأفذاذ قبلنا، جيل من الذين مارسوا التدريس طويلا، وسافروا، وحضروا، وتقلبت بهم الأزمان وما قلبتهم، كان الطلبة أبناؤهم، والمدرسة بيتهم، ومنهم كان صاحبنا هذا.

دخلتها، وأستاذ اللغة العربية فيها هو عبد الحسين حمد بشحمه ولحمه، وكان الشاعر الغامض أول من سألت عنه من رفاقي الذين سبقوني إلى الإعدادية بعد أن تأخرت عنهم في المتوسطة، كنت ملهوفاً اسأل، من هو عبد الحسين حمد من بين هؤلاء الشيوخ المهيبين؟ فأشار صاحب منهم إلى رجل يخب بثبات نحو أحد صفوف السادس العلمي، رجل قصير لكنه ممتلئ خشن الجثة، كان يرتدي بذلة نيلية اللون غامقة، وتحتها قميص أسود بلا أزرار (تيشيرت)، ذي رقبة عالية تدفئ عنقه القوي والعليل معاً في برد النجف القارص، بيده سيجارة تبينت لاحقاً أنها رفيقته القديمة التي لا يصبر عنها ساعة من ليل أو نهار، رأس ضخم احتوى وجها حليقا أسمرا مشرب بحمرة خفية، عينان حادتان، تبدوان للناظر وكأن الشزر يتطاير منهما، لونهما أقرب إلى الزرقة، مسافة وسطى بين الزرقة والسواد، ارتسمت على فمه حركة وكأنه قرف من الدنيا وما فيها، وبدا على وجهه بالمجمل ما يعتلج بروحه من قلق واضطراب، هما مادة الشعر، وعنفوانه، صوت عميق يشعر سامعه وكأنه يقف على رأس بئر لا يدرك قعرها البصر، ينبعث صوته مركزاً، قوياً، ثابتاً، كأنه السيل الجارف يجلجل بالشعر.

(5)

عرفت لاحقاً أنه لا يدرس سوى صفوف السادس العلمي، وكانت هذه أول الصدمات، إذ أني قررت منذ البداية أن أختار الفرع الأدبي، وظننت أن السبل ستتقطع بيني وبين معرفة الشاعر الأسطورة، حتى دخل علينا الصف أستاذ اللغة العربية للرابع الإعدادي الأستاذ سعد عجيل، وبعد أن قرأتُ قصيدة زهير بن أبي سُلمى المقررة في المنهج قراءة من عاقر الشعر طويلاً، توجه لي المدرس الأسمر المهيب قائلا: هل تستطيع أن تكتب قصة قصيرة؟

فبهتُ ساعتها، كنت قد بدأت منذ سنتين بمحاولات كتابة القصة، بعد أن سبقتها بمحاولات لكتابة الشعر الشعبي أسفرت عن دفاتر كثيرة، ساعتها قلتُ لأستاذي أن نعم، وفي الدرس الثاني ناولته قصة كنتُ كتبتها عن فلسطين اسمها (عرسين في ليلة واحدة) فأخذها الرجل وسعى بها إلى عبد الحسين حمد، وعادت لي وقد تم تصحيحها لغويا لتصبح (عرسان في ليلة واحدة)، وبعد أشهر أحضر لي أستاذي سعد عجيل مجلة (الموقف التربوي) الصادرة عن مديرية تربية النجف، وفيها قصتي.

(6)

لاحقا، أخذت لعبد الحسين حمد قصة أخرى، وعدني بأن يقرأها وأن أمر عليه غدا لأعرف رأيه، قال لي حين لحقته في الممر عقب أحد دروسه بأنه قرأ القصة، وأن لغتي جميلة لكنني لا أعرف عناصر القص بعد، سألت عما يعنيه فقال لا يوجد تكثيف، يعني أن تعبر عن أوسع المعاني بأقل الكلمات، ولا يوجد فيها تنامي للحدث وصولا إلى العقدة والحل، ومع ذلك وعدني بأن يضعها في خطة النشر في مجلة الكوثر ولكن سيأخذ هذا وقتا طويلا لكثرة المادة المرسلة للنشر في مجلة شهرية لا داعم حكومي لها، تطبع بتبرعات المحبين.

وهو وليس غيره من جعلني اتوقف عن محاولاتي البائسة في نظم الشعر العمودي وقتها، اتذكر أن صاحبي المرحوم علي الغريفي كان قد جلب إلى المدرسة معمما من الذين عادوا إلى النجف مع الأحزاب، شقيق حزبي كبير، دعاه ليلقي محاضرة في المدرسة، وطلب مني علي أن اكتب قصيدة ترحيب، فكتبتها مغترا بنفسي، وأخذتها صحبة صديقي حسين حبل المتين إلى عبد الحسين حمد، ومنذ أول بيت قال لي لا تليق باستقبال ضيف فدعها يا ولدي وأنا سأعطيك قصيدة لتقرأها، وبعد أن انتقد تصريحاً إيرانيا معيناً وقتها تركناه، ومزقت تلك الخربشات التي لم يكن لدي نسخة سواها ورميتها في الطين، وكم فرحت لاحقاً لأنه منعني من أن اقرأ شعراً أمام ذلك المعتوه الوضيع الذي بانت طينته الرديئة هو وأخوته لاحقاً.

كان لا يجامل أحداً في الشعر، مرة أخطأ واحد من أساطين النجف، فقها، وشعرا، وأدباً، وبحثا أكاديمياً، حتى أنه يلقب بالمجتهد الأفندي، كان في مجلس عام يلقي محاضرة، فنسي عجز بيت، وتدارك الموقف ورتب العجز من عنده، فانفجر عبد الحسين حمد بوجهه في نصف المجلس، وهو ما كان يفعله مع الكثيرين غيره، وهذا كان ديدنه، الشعر حده المقدس، لا يجامل فيه أحداً.

(7)

شاهدته مرة يقف عند ساحة ثورة العشرين، ظهره للبناية التي كانت مقراً لمركز دراسات جامعة الكوفة عند الركن الجنوب الغربي من الساحة، كانت تظاهرة لم أعد أذكر سببها، يقف على كرسي، والناس تحيط به، يقرأ قصيدة تندد بأول طلائع التفجيرات في العراق، اتذكر أنه كان يهاجم بشار الأسد ببيت يقول صدره: (ويا صاحب العنق الممتد سارية) ويهاجم الخونة، واللصوص، والقتلة، وبدا أن الرجل لا يزال حريصا على أن يكون رافضاً للسائد، مثل أقرانه الشعراء العظام، وأنه ذات الرجل الذي رفض أن يمدح صدام، وذهب إلى أبعد من ذلك فقام في احتفال أجبره محافظ النجف قائد العوادي على أن يقرأ فيه شعرا عن العراق أيام حكم صدام فحرص أن يكتب قصيدة يندد بها بالموجودين ووصفهم بالمغول والطواغيت بشعر ملغز، ولما شرّح أحد شعراء السلطة للمحافظ ما يقول الرجل كادت رقبته أن تطير ثمنا لتلك القصيدة.

لاحقاً صدر الجزء الأول من ديوانه (وقد الجوى) عن مركز دراسات جامعة الكوفة ذاته.

(8)

الكلام يطول عن الرجل الذي ولد في النجف عام (1949) في طرف الحويش، لأسرة آل حمودي الكعبيين، وتخرج من كلية الفقه في النجف، وقضى حياته مدرسا في إعداديات النجف، الخورنق، ومعهد إعداد المعلمين، ومضى نظيفا كما دخل إلى الدنيا خالي الوفاض بالأمس، في اليوم التاسع عشر من أيلول (2016).

(9)

قال في الموت

وإنْ عَلِمْتُ بأنَ الموتَ مَنْقَلَةٌ

مِما يَزولُ إلى خُلْدٍ بهِ نَعِمُوا

لكنما حُرَقُ التَشْتيتِ مُحْزِنَةٌ

وإن فُرقَـــةَ مَنْ أحْبَبْتَهُ ألَــمُ

في كلِ حينٍ لنا خِلٌ نُفارِقُهُ

وكلِ حينٍ بنا الأَرزاءُ تَحْتَدِمُ

ما إِنْ نُسَرُ بجَمْعٍ وَهْوَ مُؤْتَلِفٌ

حتى نُفيقَ وما قد سَرَنا لَمَـــــمُ

 

اعدادية النجف

نوح وكمان

علي المعموري

لا يمكن لك أن تعرف طبيعة تلك الجلسة…

هل هي جلسة خاصة، أم هي في مكان عام؟

هنالك أصوات تعزز كونها جلسة خاصة، همهمات تتداخل مع صوت (أبو داود) ترد تحيته لهم، أو تثني عليه، موجوعة من الأعماق، وقد استفزها صوته الباكي، فتتأوه مع تموجات ترديده المفجوع، وابوذياته المتشربة بالألم السرمدي العراقي.

كما ان تحيته لهم، وحديثه لعازف الكمان لا يتفقان مع الانضباط المطلوب لشريط مسجل في الاستوديو، وابو داود منضبط، كل من يسمع لقاءاته يعرف ان الرجل ليس كبقية المغنين الريفيين، وانه قارئ جيد، ومتحدث لبق يسترسل بالكلام بطريقة الشيوخ، هناك لقاء له يتحدث فيه عن تاريخ ديرته العمارة، ويصر ان يسميها ميسان، ويسوق لك السنوات التي قامت بها مملكة كبيرة على تلك الأرض، ثم يحدثك لمَ سمي بالمنكوب، رغم ان لا نكبة أصابته ولا دهاه أمر، الصفة التي عززها نواحه الريفي المفجع على طول عمره.

ولكن الصوت الواضح، الصافي، يجعلك تظن ان التسجيل تم في استوديو، ولا مجال لأن تكون جلسة عامة، أو خاصة بذلك الصفاء، حتى وإن لم تسمع سوى كمنجة فالح حسن التي تنزف وجعا، يرافقها عزف خفيض على العود، يداعب الكمان، يهدل معه، كصديق يهون على صاحبه المصاب.

كيف هبطت السكينة على تلك المجموعة؟!

فلم تسمع سوى آهات خفيضة بين وهلة وأختها، بين آه مذبوحة يطلقها ابو داود بوجع عالي النبرة، كأنه يبكي، ينوح من اعماقه، يقول لك انه منكوب، وأن هناك جرحٌ غائر في أعماقه، يحترق تحت ركام سنواته، يؤلمه، مهما نفى عن نفسه التهمة….

ولكن مهلاً، هل يفترض بمغنٍ ريفي من أعماق وجع العراق ان يكون ذا تجربة شخصية ليكون صوته، وآهته بهذا الحزن، وإن تكون نبراته بهذه العتمة السوداء المتفجرة وجعاً؟

لا احسب ذلك، ان تلك الأصوات مشبعة بالحزن والوجع منذ أول لحظة قبل فيها الرافدان وجنة هذه الأرض.

ومنذ تلك الـ(آه) الأولى التي اطلقتها أول أم سال دم ولدها على هذه التربة النهمة للنجيع.

تبدأ المقطوعة بكمنجة فالح حسن، تبكي بين يديه، تحس انه ينزف روحه عبرها، وتبكي هي ألمه، يقول له ابو داود: (ها الله ها الله، اخذه سلس، سلس) فتنساب اوجاع الكمان بسلاسة، كأنها الفراتين يخبان، فيقول له ابو داود مرة أخرى، يستفز حسراته الدفينة: (شلون خويه فالح زودني؟…شلون؟)، الكمنجة تحادثه، تخبره بوجع أم تنظر إلى الباب، تنتظر حبيبها، يحمل بيده أنفس ما كان الابن يدخل به على امه ذلك الزمان، قطعة من قماش تتبختر بها بين الامهات، ثم تنكسر بحسرة، لأن الزمن الذي ناصبها العداء، لدغها كصل خبيث، وأوجعها بضيعة ولدها.

يقرأ أبو داود الابوذية، وهو يبكي، أي والله، يبكي وهو يردد (ابني ابني ابني…)، ان صوته يبكي رغما عنه، حتى وإن لم تسل دموعه، انه الحزن القديم، كالنجيع ينساب، تحدثك به كمنجة فالح حسن، وصوت سلمان المنكوب الغارق بالحسرة، وعود خفيف يتحدث بهدوء، يخفف عنهما كل هذا الوجع.

يقول ابو داود:

وصلي وصلي

يردف موضحا: أم تكول:

اصد للباب اكول ابني وصلي

حبيبي بيمنته جايب وصل لي

ما ادري الزمن ضدي وصلي

كرصني وضيع وليدي من ايديه

المطرب الريفي العراقي الراحل سلمان المنكوب

[الرسمة: لا أعرف الفنان]

المدينة التي تبتعد (4)

علي المعموري

تتمة صور غابت

3ـ حمام جاويد (حمام كله حسين)

كانت فجيعتي الليلة بالحمام أكبر من فجيعتي بتهديمه، كنت التقطت صورة عام 2003 من أعلى عمارة الحاج مسلم حميّد للجزء الجنوبي من طرف البراق المطل على شارع السور، وكنت أحسب أني قد التقطت ضمنها الحمام بقبته ذات القمة الزجاجية المدببة الملونة، لأكتشف ان الصورة لم تظهر الحمام، الذي هدمه أصحابه.

لا أعرف متى أنشئ بالضبط، لم أدون التاريخ المكتوب بالقاشاني أعلى بوابته الخشبية الواطئة، كانت هناك كتيبة من القاشاني كتبت فيها أبيات شعرية تؤرخ على الطريقة القديمة لسنة بناء الحمام، لا أذكر منها سوى الصدر الأول من البيت الأول حيث قال الشاعر (قد بنى جاويد حماماً) ولا اذكر الابيات ولا التاريخ، رغم انه هدم منذ سنتين فقط.

يقع الحمام بالضبط في أول ركن من العمارة الجديدة المحاذية لجنوب طرف البراق، في الركن المقابل لمنزل آل يعقوب غازي السلامي جيراننا الأعزاء في طرف البراق ويمتد حتى قُبيل آخر المربع السكني ويحتل ما يقرب من نصف المربع ذاك، وفي نهايته قبيل آخر الشارع هناك مسجد صغير ملحق بالحمام سُمي أيضا جامع جاويد، ولا أعرف جاويد هذا من يكون، فأرض الحمام ملك لآل الرفيعي، و(الحممجي) الأول له كان (كلة حسين كاشي) وورثه ولده موسى أبو رضا، الذي أدركته ولا يزال حيا اليوم وقد انهكه العمر والمرض.

للحمام قسمين، الأول هو الكبير للرجال، والثاني للنساء، وبجنب حمام النساء منزل ملحق بالحمام.

والناظر له من السور ستبدو له قبته الكبيرة التي تعلو القسم العمومي من حمام الرجال، كأنها خوذة مقاتل خرج توه من كتب التاريخ، كبيرة ذات نهاية مدببة من الزجاج الملون، زجاج نيلي وأحمر غامقين، وقربها قبة أصغر، بذات النهاية الزجاجية تعتلي حمام النساء.

في الركن الغربي للحمام محل شغله أموري ابن موسى (الحممجي) وكان  (يلف ماطورات) وبجنبه محل المرحوم السيد زين العابدين الأعرجي لبيع (الطرشي) بواجهته المميزة، إذ اعتلى (فنره) قوس زجاجي ملون زاهي، وحين وعيت على الدنيا كانت البراميل الزرقاء مرصوفة أمام المحل، يخلل فيها ولده الأصغر التربوي والرياضي المعروف السيد محمد حسن بقامته المديدة التي جعلته رأس فريق كرة السلة في النجف، ثم باب الحمام، وبجنبها محل لم أعد أذكر من شغله، ثم يليه محل كبير شغله (رسول) ابن موسى الحممجي يبيع فيه المواد الغذائية، ثم باب المنزل ذاك، وتنتهي حدود الحمام مع آخر محل أخرج من أرض الحمام، وهو فرن صمون المنتظر لأصحابه السادة البو العبرة سيد رضا واخوته.

أول اجتيازك الباب الخشبي المطلي بصبغ رصاصي نازلا درجة واحدة، ستقابلك باب خشبية نصف زجاجية تلج بعدها إلى قاعة الحمام، لتجد على يمينك (استعلامات) الحمام، يجلس أبو رضا مع مناشفه ووزراته (جمع وزرة)، ثم القاعة التي تعلوها قبة كبيرة، ويتوسطها حوض ماء، وعلى الجانبين دكتين للجلوس قبل وبعد الاستحمام، على يمينك أيضا ممر يمتد طويلا يضم الحمامات الخصوصية، وأمامك مباشرة القاعة الكبيرة، العمومية، التي دخلت لها مرة واحدة في طفولتي المبكرة مع أبي صحبة أخي الأصغر، ولا زلت أذكر البخار الذي يملأ القاعة والمزاح الثقيل الذي يتبادله أبي واصدقائه، وبينهم يجول (فاضل كنوشة) المدلك.

أتذكر أبي وهو يحمل كيسه، وقد لُفت فيه منشفته وملابسه، يخطو إلى الحمام بهمة حين يعود في إجازته من الجيش، وهو يخرج كأصحابه من الحمام وقد احمرت وجوههم من البخار والضحك والدارسين، يعبر الشارع وقد لف رأسه بمنشفته، وغطى أنفه عن البرد، يدلف إلى العكد، وقد تملك دفء الحمام عظامه حتى استغنى عن المدفأة، وأتذكر أصدقائه بذات الصورة، التي بدا وكأنهم أقاموا عهدا غير مكتوب على تكرارها فيما بينهم، طقوس العودة من الحرب أحياء، والاستعداد للإياب لنارها الضارية.

هدم الحمام التراثي الجميل، وضاعت أقواسه المتعانقة كأنها العشاق، بلونها الأصفر الذي يسر الناظرين، تحتضن في جوفها ضحكات الرجال الذي نفذوا من الحرب أحياء، وأصوات خافتة تتردد بوجل بين الصحب المتدثرين بالبخار، إنها أصوات الرجال الذين ابتلعتهم الحرب فعادوا لبيوت أمهاتهم بالتوابيت، ولامست مياه الفرات أجسادهم للمرة الأخيرة على دكة مغتسل الأموات، وليس في (حمام كلة حسين)، ضاعت رائحة الرطوبة الممتزجة بالتراب العراقي، صانعة ذلك النسيم الغريب، الذي تحبه وتألفه، رغم انه دلالة للتلف.

هدم الحمام وما بقيت في ذاكرتي عنه إلا اللمم.

[زودني الاستاذ المهندس الاستشاري تحسين عمارة بالأبيات التي أرخت للحمام وهي:

بنى جاويد حماما جديدا** غنيا شأنه عن كل مدح

يفوق على سواه بكل معنى** ويرفع قدره عن كل قبح

فلو نظرته بلقيس لأبدت** لساقيها وقالت ذاك صرحي

حديث طرزه للناس أرخ ** ( وأما ماؤه للغسل صحي )

[الصورة الرئيسة هي التي تحدثت عنها في التدوينة وتظهر امتداد شارع السور حتى جبل الحويش، بعدستي 2004]

حين كتبتُ هذه التدوينة تأسفت غاية الأسف لأني كنتُ أظن انه هدم دون أن التقط له صورة، ونشرت صورة تأسفت لأنني لم احرف زاوية الكاميرا قليلا ليظهر الحمام ضمنها، واليوم بالصدفة وأنا أبحث عن صورة قديمة اكتشفت أنني التقطت بالفعل صورة ظهر فيها الحمام، قباب الحمام وسطحه وواجهته كلها، وبقدر تألمي لهدم الحمام فإنني سعيد لأنني وجدت هذه الصورة.
تظهر القبة الجصية المخروطية ذات النهاية الزجاجية المدببة التي تعتلي القاعة العمومية في الحمام، وأمامها قبة قاعة المدخل ذات الشباكين الزجاجيين وباب الحمام محصورة بين يسار الصورة والسقيفة التي تظلل محل طرشي السيد زين العابدين الأعرجي، ثم أسواق النبأ ثم باب حمام النساء، ثم فرن صمون المنتظر (فرن السادة آل أبو العبرة) أما البيت الذي أخرج منه محل بواجهة زجاجية فقد هدم اليوم وبنيت مكانه عمارة شاهقة، في الفرع المجاور للحمام يبدو منزل الشيخ نصر الله الخلخالي، الذي سكنه ولده الدكتور المحسن الطيب محمد نصر الله، ثم منزل لآل شلاش وتظهر متوسطة النجف للبنات بشرفاتها الزرقاء وجنبها منزل عبد المحسن شلاش خلفها يبدو الطابق الأعلى من إعدادية النجف للبنات، أما المنزل الذي تتوسطه شجرة سدر خلف الحمام فقد هدم وبني محله فندق كبير عالي، كذلك يظهر منزل التاجر النجفي الكبير عيسى الخلف الذي تم هدمه أيضا، كما تظهر القبة الزرقاء التي تعتلي حسينية الحاج عبد الزهراء فخر الدين، الصورة التقطتها عام 2005 من عمارة الحاج مسلم حميد على السور في البراق، ولو وقفت اليوم ذات الموقف فلن تجد هذا المشهد مطلقا.

الصورة أدناه يظهر فيها الحمام

IMAG0001

المدينة التي تبتعد (3)

صور غابت

1ـ السبيل

لعله نُصب في موضعه مباشرة بعد هدم ما تبقى من الجهة الجنوبية لسور النجف، الممتدة في طرف البراق، بين الركن الشرقي الجنوبي، ومدخل شارع الرسول، بعد حوالي خمسين متر من مرقد (بنت الحسن) الذي هو على الأقوى مرقد (المحقق الكركي).

وعيت على الدنيا فكان منتصبا، أمام دكان المرحوم كاظم حميدي، صندوق خشبي أخضر اللون، تآكل صبغه رويدا، وتضعضعت جلسته، تدلت منه ثلاث أو أربع حنفيات، أول لعلهما اثنتين فقط، لا أذكر بالضبط، وتدلى منه قدح ماء سميك من (الستيل)، ربط بسلسلة اسوَّد لونها، ومن الخلف تسلل إلى جوفه انبوب مياه انبثق من الأرض.

كانت الألواح قد تباعدت فيما بينها، ولكن المياه كانت تجري من حنفياته دون كلل، وإن كانت أطرافه تنز قطرات مياه دائمة لكنها لم تكن تتناسب مع كونه خشبيا مضعضعا، لغز لم أفهمه إلا بعد وقت طويل، كيف يمكن لصندوق خشبي متآكل، تفلجت ألواحه كأسنان مهاة أوشكت أن (تحيل) كيف يمكن أن يكون سبيلا للمياه؟

نعم أراها جميلة كأنها أسنان مهاة أوشكت أن تحيل، انطباعي أنا!

كانت عمتي قد منعتني من الشرب منه، لأنه مشرب للغادي والرائح، ولأنه مورد (العربنجية) المرابطين هناك ونميرهم، منه يملئون (سطلات) المياه لحميرهم، ومنه يشربون، حتى جاء اليوم الذي قررت فيه أن أكون شجاعاً وأكسر المنع، فشربت من السبيل، ولم تكن المياه تختلف عن مياه المنزل، هي بذاتها.

كنت أمر قربه بوجل ، أهابه وأعجب به، واتسائل متحيرا، كيف تحتفظ هذه الألواح المفككة بالمياه السائلة داخلها، حيرة ما بعدها حيرة.

وأغرب ما علق بذاكرتي عن ذلك السبيل أنني طوال عمري لم أشاهد أحدا يضع الثلج فيه، إلا مرة واحدة، شاهدت من بعيد (خضير جلعوط) صديق أبي الحميم ومعه صديق آخر لا أتذكره اليوم، فتحا غطاء السبيل، وأخذا يكدسان قوالب الثلج في جوفه، ثم أحضرا بطانية ثقيلة، ولفا بها الثلج، لتزداد حيرتي، كيف يُلف الثلج بهذه القذارة ويفترض بنا أن نشربه، كنت متحيرا، فذهبت لأتساءل، لا إذكر أذا كان أبو حيدر (خضير جلعوط) هو من رفعني لأستكشف داخل السبيل أم رفيقه، بل أني لا أذكر إذا كنت قد رفعت غطائه مستكشفا بنفسي أم أن ابو حيدر هو من وضّح لي الأمور، لكن الحيرة تبددت ساعتها، واكتشفت أن نظام مياه السبيل الأسطوري ما هو إلا أنبوب حديدي طويل، التوى على نفسه مرارا وتكرارا، حتى غدا كجوف الإنسان، كأمعائه الملتفة على نفسها، تديم حياته ما بقيت نشطة الالتفاف، وأن الثلج المكدس فيها يعمل على تبريد الانابيب، والمياه تسري فيها، فتخرج مثلجة تبل عطش الشاربين.

بقي السبيل حتى نهاية التسعينات، ثم اقتلع من مكانه وابتنت البلدية مكان السور القديم محلات تجارية، وانثلم جزء حميم ودافئ من ذاكرة طفولتي.

2ـ أبو عماد المضمد.

لا أحسب أن أهل النجف وثقوا بطبيب ثقتهم بهذا المعاون الطبي القادم من نواحي النجف، لعله من أهل المشخاب.

كان محله حين وعيت على الدنيا يقع في شارع الصادق، قبيل (العـﮕد) المؤدي إلى (عـﮕد بيت المعمار)، كانت هناك شبه ساحة مربعة يشطرها شارع الصادق نصفين غير متساويين، يقع محل أبو عماد في الزاوية الغربية من النصف الجنوبي للساحة تلك، لم يكن يضع لافتة، بل كتب على زجاج محله أبو عماد المضمد فقط.

لا احسبني مبالغا إذا قلت أن ألوفا من الناس مرت من بين يديه، المجروح والمعلول، الطفل الصغير الذي يطهره ـ نافس بذلك غريمه (المطهرجي عباس كشكول) ــ كان أبو عماد أقرب إلى الأسطورة الطبية، يذهب إليه واحدهم بثقة تامة، ويصدر عنه أشد ثقة به، وقد زرقه إبرة، أو ناوله دواء، أو خاط له جرح غائر.

وبعد أن بنيت تلك الساحة وانتهى عهدها، انتقل إلى محل جديد خلف بناية (خان الشيلان) نهاية (عـﮕد السادة آل جريو)، وبقي فيه، متسلطنا على مشاعر الناس، اذكر ان مضمدا ماهرا جاوره، سمعته مرة يقول متذمرا من هذه الجيرة: (هذا الشايب قطع رزقنا) وبالفعل، فحتى بعد أن شاب ابو عماد، وترك العمل بيده، ووظف من يعمل عنه، بقيت الناس تذهب إلى أبو عماد ما غيره، حتى وفاته رحمه الله.

يتبع…

[الصورة، قمة ما تبقى من سور النجف في زاويته الشرقية الجنوبية]

 

رسالة من الموصل (2) الفئران

رسالة من داخل الموصل الأسيرة، كما وردتني (بتصرف):
حين سقطت آخر دولة للمسلمين في اسبانيا، وغادر آخر أمير من بنو الأحمر تلك الأراضي التي حكمها ذات يوم، وبدأت الملكة إيزابيلا وزوجها ـ كأي ملك منتصر يحمل الدين وزر سياسته ـ بفرض أوامر ترك الإسلام، ومنع الكلام بالعربية أو قراءة القرآن على المسلمين الذين تم إجبارهم على ترك دينهم بالقوة، في ذلك الحين الغابر؛ ابتكر المسلمون الذين صاروا يطلق عليهم (الموريسيكيون) أي المدجنون لغة خاصة بهم، كانوا يكتبون بها تعاليمهم، وينقلونها جيل عبر جيل، هذا هو حالنا في الموصل اليوم.
لعلكم تتفقون معي بأن أكثر الحيوانات قذارة من تلك التي تدخل منازلنا هو الفأر، حيوان طفيلي قذر، لا هو بالجميل فيدجن، ولا بالنظيف فيقتنى، ولا هو بالمسالم الذي لا ينشر أذانه حيث مر فيترك وشأنه كغيره من الضيوف التي تدب في نواحي البيت، وقد نترك لها الطعام في مساربها، رحمة ورأفة وأداء لواجب الضيافة، كلها تهون، إلا الفأر، القذر المؤذي القبيح.
بربكم، هل هناك مناسب وصف ينطبق على أولئك القذرين الذين أطبقوا بنتانتهم على مدينتي العطرة أكثر من كونهم فئراناً؟
وها نحن، مثل أي إنسان يقع تحت سيطرة السفاحين، صرنا نكنّي عنهم بالفئران، نسمهم بما هم عليه، وحين نجتمع، لكي يشد بعضنا أزر البعض على هذه الأيام العصيبة، نفكّر كيف سيطردون، كيف سيتم تطهير البيت العطر من هذه الوجوه القبيحة، نكني عنهم خشية أن يسمعونا.
بالأمس كنت في بيت أحد الأصدقاء، ولما طال الحديث عن تلك الفئران الغازية، هب ابن صديقي بوردات عمره الخمس وقال بصوته الذي لا يشبه إلا الموسيقى العراقية العذبة: أنا أعرف كيف أطرد الفئران، وإذ انتبهنا متعجبين للولد وسألناه كيف؟ ليفاجئنا بخطة هي أكثر عجبا من ثقته بنفسه، بما أخبرنا أننا نقف على هذه الأرض، وقد غرزت أقدامنا فيها عميقا، كجذور النخيل السامقة أبدا، قال الطفل: سأمسك المزمار وسأخرج أطوف في كل شوارع المدينة ويتبعوني حتى ارميهم في حفرة واحدة ونحرقهم للابد كي لا يعودوا لازعاجنا ابدا.

عن الفقدان وعبثية خيارات الموت

حسنا في أحيان كثيرة يبدو عريان السيد خلف محقا جدا وهو يقول

عمت عين الليالي وهجم بيت الموت

يتخطى الرعيع وياخذ الماجد

أنا اعرف ذلك بتجربة شخصية، وربما تعرفون بدوركم الكثير من النماذج والإثباتات لهذا البيت المرعب.

واحسب اننا نشعر بذلك الشعور في أحيان كثيرة عند فقدان من نحب، من يكون لهم موقع مؤثر في حياتنا، أصدقاء، وأساتذة، وأسرة، ولعل شعورنا الطاغي بالحزن، وألم الخسارة هو ما يجعلنا نتوجه بأبصارنا فورا الى الأشخاص الذين نشعر بالغضب تجاههم، ونراهم سلبيين، مؤذين، ليس لنا وحسب، ولكن لكل من يحيط بهم.

ولكننا نغفل في ذات الوقت أن لهؤلاء الأشخاص من يحبهم، ويراهم مثاليون، له معاييره ومعاذيره في ذلك، صديق أو فرد من أسرة.

ورغم أني اذهب إلى نسبية كل ما يتعلق بالانسان، سلوكا وعقيدة، وأنه ابن بيئته، ونتاج تنشئته، لكن رغم ذلك، ورغم أن الله اللطيف لا يزال يحيط بحفظه أغلب من أحبهم ويهمني أمرهم بشكل شخصي، رغم ذلك، لا زلت اتذكر قائمة من الأسماء التي عددتها حينما علمت بمرض صديقي الراحل علي الغريفي وودت لو يكون المرض قد اخترمهم دونه، وغضبت وشتمت تلك القائمة بعنف حينما أخبروني بوفاته بعد وقت قصير جداً.

لا أعرف إذا كنا نتألم لهؤلاء الراحلين ونتمنى أن تصيب المكاره آخرين – يستحقون الثرم في أحيان كثيرة – لا أعرف إذا كان شعورنا هذا نابع عن محبة أم عن أنانية، نابع من حزننا أم من أدراكنا لحاجتنا لوجود هؤلاء الأحبة في حياتنا، حياتنا التي ستبدو وكأنها مصابة بخلل عميق بدونهم، ولكن حتى هذه الانانية في هذه الحالة هي أنانية غير مستقبحة.

شقيقي الصغير، انت تعرف أن اخوك فاشل في مواساتك بصوته، وأنه يلجأ إلى الكتابة ليعبر عما يدور بداخله، ولأنها تجربتك الأولى بوشوك فقدان شخص قريب لروحك كصديق، كناصح، كأخ أكبر، ولأني رأيتك متأثر كما لم تكن من قبل، ولأنك لطالما أبديت مشاعر عميقة معقدة تجاه صاحبك الذي أصابه المرض الذي يقطع الرجاء، ويدور في هذه البلاد بجنون يخبط ذات اليمين وذات الشمال، متخيراً – كما نزعم ويزعم عريان السيد خلف – خير الرجال والنساء، لهذا كله اكتب لك خصيصا هذه الكلمات.

أن هذا الألم الشخصي، مرتبط بالتباس ذاتنا في إيجاد عذر منطقي يفسر لماذا يختار الموت أكثر الأشخاص نبلا في حياتنا ويعدو تاركا الآخرين الأكثر وضاعة وقبحا؟ لماذا يموت الذين هم الأكثر عطفا ورعاية لأسرهم وأحبتهم، ويظل الذين يشكل وجودهم سما لكل ما حولهم يمشون على طولهم، يتنفسون الهواء، ويشربون ويأكلون ويسرحون ويمرحون؟ لا أعرف حقا إجابة منطقية لهذا السؤال ولكني أعرف أن هناك أيضا آخرون نبلاء في حياتنا، وأن هناك الملايين من النبلاء الذين يحيون بصمت، ويسبغون الرحمة على من حولهم وإن لم نعرفهم، وإن لم يعرفهم عريان السيد خلف.

هناك ومضة قرأتها في التسعينات، لا تزال تطرق أذني منذ ذلك الوقت، تقول:

لا تـﮕلي الموت حاقد على الأنام

الموت صاحب ذوق أزيدنك علم

جرب بنفسك ومر آعله الورود

أحلى وردة تروح تـﮕطعها وتشم

أعرف ان الشاعر يحاول أن يعزي نفسه بهذه الكلام، وأن كلماته لا تضارع حقيقة عريان المرعبة، ولكننا في النهاية جميعا راحلون، وكل ما يبقى منا هو ذكرنا، وخير الميراث الذكرى العطرة، والسيرة النبيلة، وهو ما عليه صاحبك…

أخوك

[الرسمة للعراقي: ميثم راضي]

رسالة من داخل الموصل الأسيرة

وردني من داخل الموصل الأسيرة (بتصرف)
خرجت اليوم كخروجي كل صباح مثقل بعتمة القبيحين الذين استباحوا مدينتي العريقة، متوجس من النهار، ادعوا الله ان يجعله يتعدى على خير، وأن يدفع عني الاحتكاك بهؤلاء الخارجين من زوايا التاريخ الموحشة المتوحشة، على أمل بطلوع شمس العراق الحرة مرة أخرى ليجلو ضيائها وجه هذه المدينة التي غار بهاؤها في وجنتها الندية.
كنت اقترب إلى المحل وأنا أبث هواجسي لأعماق نفسي خشية من الهواء الملوث بآذانهم الكريهة، اسعى إلى دكاني لأقيم أود اسرتي، وإحساس غريب يدور في أعماقي لم أعرف كنهه.
وصلت قرب باب المحل وإذا به مفتوح وعهدي به البارحة مقفل على يدي، لاحظت وجود امرأة وأطفال تبع لها، تراجعت مبهوتا، وإذا بسحنة رجل منهم تقتحم بصري، بادرني بالسلام ـ ما أبعدهم عن السلام واهله ـ وقال (لقد هربنا ليلة امس من القصف في الجانب الايسر ولم اجد مكانا إلا هنا)، كانت لهجته مغاربية، سألته لأكسر التوتر الذي قد يبين شعوري أمام هذا القادم من مجاهل التاريخ وأقاصي الأرض قلت: من وين حضرتك؟
فرد، أنا تونسي، ثم استطرد كالمذنب الذي يهرب بنفسه عن تهمة قبيحة (جئت بنية وانا الان بنية اخرى) وعاد فجأة ليسألني (ماذا تتمنون لنا) بماذا اجيب هذا الذي لابد أن تكون يداه قد تلطخت بدماء أخوتي وهو يبحث عن جنة مزعومة، بمَ أجيبه وبداخلي غضب تجاهه يعلم الله مداه، سكتُ ولم انبس بكلمة، فأعاد عليَّ سؤاله المرعب، هنا وكلته لربه الكريم المنتقم من الظالمين وقلت ان يجزيكم الله على قدر نيتكم وفعلكم، فضحك بروح شريرة وقهقهة شيطانية مرددا (ليس اكثر من هذا ليس اكثر من هذا) كانت المرأة والاطفال قد ركبوا السيارة، فاستدار الشيطان وقال لي وهو يخطو نحو سيارته (لم يعد لنا مكان امن في هذه المدينة …حان وقت الرحيل) نعم أيها المعتدي، لقد آن وقت الرحيل، والله المنتقم لنا منكم، وهنا عرفت أصل ذلك الشعور الغريب في أعماقي، انه الأمل، المعزز بتاريخ هذه الأرض العصية على الغزاة منذ أن نزل فيها الانسان الأول، أنه أمل عراقي يحميه رب العراق.

عن كربلاء وأشياء أخرى

 

(1)

يذهب بعض علماء الاجتماع والعلماء النفسيين إلى أن السنوات العشر الأولى من عمر الانسان بالغة الخطورة، وأن جزءا كبيرا من اللاوعي يتكون خلالها، وأن تلك الرواسب الكامنة كالأسس في الأعماق، تظل الصفيحة الأساس التي تقوم عليها بقية ما يكونه الإنسان لاحقا من صفائح، يقيم عليها بناءه الروحي والفكري، وأنها كذلك تظل تطفو على طبقات التجارب والمعارف التي يراكمها خلال حياته الطويلة، لتعلن وجودها الحاد بمناسبة أو بدون مناسبة، لتوّضح لك كيف تكون هذا الانسان، ومن أين جاءت عقده، ومسالك معتقداته، أتذكر انني كنت أتذاكى وأصنع من نفسي خبيرا بالنفس فأقول: (الانسان هو لاوعيه).

(2)

كطفل نجفي، سيكون من اللازم أن تكون نقطة اتصالي الأولى بالنشاط الجمعي لسكان المدينة هي المجالس الحسينية، فكيف بي إذا كان جدي لأبي ـ الذي توفي قبل ولادتي بعقد ونصف ـ هو رجل دين، وخطيب حسيني، تتوسط صورته بالعمامة بيتنا القديم في طرف البراق، لتحتل جزءا مميزا من ذاكرتي، جنب صورة متخيلة عن مكتبته العتيدة التي بيعت قبل ان تمر اربعينيته، ليشتريها زميله الشهيد السيد جواد شبر، كل ذلك، يصطف جنب صور قديمة غير واضحة تماما بالنسبة لي، أرتدي خلالها (دشداشة) سوداء، و(عركجين) اسود مطرز بـ(البلك الذهبية) وقد كتبت والدتي بتلك الذهبيات على مقدمته (يا حسين).

(3)

لا أتذكر بالضبط أول مجلس عزاء حسيني (تعزية كما نسميها في النجف) حضرته، لا زلت مترددا بين المجلس الذي أقامه الخياط حمودي في سرداب العمارة التي كانت تضم محله وخياطين آخرين [للمكان قصة ترتبط بها الأسطورة بالحلم بالعقيدة، وذكرها سيكون إطالة لا داعِ لها]، أو انها كانت تعزية آل المعمار؟ في منزل زعيمهم القديم في البراق، ولكن ما اعرفه بتأكيد ان تعزية آل المعمار كانت تبدأ قبيل طلوع الشمس، يوزع فيها كبير الاسرة طعام الإفطار، ومنه، ينتقل الناس عبر العكود (الدرابين، الأزقة الضيقة) إلى تعزية بيت القرشي، يقيمها الشيخ باقر شريف القرشي في بيت أخيه الشيخ هادي ـ رحمهما الله ـ في طرف البراق، في عكد آل شايع، بيت مبهر، متعدد الطبقات، كان الدخول له في أيام ضيق منازلنا تلك حلما مبهرا، كان التنقل بين الحجرات التي تفتح كلها لاستيعاب الداخلين، في طبقاته متعدد وصولا إلى السطح في جو الحزن ذلك أشبه بالمغامرة، لا أذكر من كان خطيب آل المعمار، لكني لا زلت أتذكر المرحوم الشيخ صالح الدجيلي خطيب بيت القرشي، وكان يعقبه بالتناوب بين يوم وآخر اثنين من (الرواديد)، يقرأ كل واحد منهما (كعدية: شعر دون لطم، وأحيانا يغامر احدهم بقراءة لطمية) الأول هو الشاعر الطائر الصيت الحاج عبد الرسول محي الدين، ولا زلت أذكر انه قرأ قصيدة عن حبيب بن مظاهر، وأنه قرأ مرة قصيدته (من على التل تصيح) القصيدة التي تقرأ بطور قديم استثمره عباس جميل مرة في أحدى اغانيه وهي (جيت يهل الهوى)، والثاني هو الشيخ طاهر امين شلاش، الذي كان يسابق الرجل ليقرأ قبله، ثم يرسلني أبي إلى البيت عقب المجلس، ليذهب إلى بقية يومه، في الايام الاعتيادية إلى الحي الصناعي، وفي الجُمع إلى حيث لا أعرف، كما لا زلت لا أعرف أين يذهب، وكيف يفكر حتى اليوم، اتذكر مرة وحيدة صحبني فيها إلى تعزية في (عكد بيت الرشدي)، كان الخطيب هو صديق جدي وزميله، المرحوم الشيخ نعمة الساعدي، ولا زالت القصة التي قرأها حاضرة في ذهني، ربما لصوته العجيب الذي كان يقتحمك اقتحاما، وربما لأن أبي على غير عادته اصطحبني معه إلى احد امكنته، الأمر الذي مثل لي أمنية عزيزة، وربما لأني قرأت القصة في أحد دفاتر جدي القديمة التي كان يعد مجالسه فيها مسبقا.

ولكن تفاصيل التعازي الأكثر حضورا في بالي من تلك الطفولة هي التي اصطحبني إليها الرجل الأكثر تأثيرا في حياتي؛ جدي لأمي الحاج صاحب إعبيد الزهيري، اثنين منها على الأقل، الأول مجلس آل المرعشي في بيت الشهيد المرعشي الذي تحول إلى مدرسة الآن مقابل جبل الحويش، أتذكر حديثا دار عن المياه وطهارتها بين جدي وآخرين احدهم شريك جدي السابق، وصديقه، الحاج محمد الأيرواني، عقب انقضاء التعزية، وكنا على سطح الدار في الصيف.

الثاني هو مجلس الحاج محمد الأيرواني ـ نفسه ـ في بيته بالحي الاشتراكي، حيث شاهدت للمرة الأولى رادودي الأزلي، عبد الرضا البغدادي، وهو يقرأ القصيدة التي يحرص أبي على سماعها دوما (اطفال ونساوين)، كانت صحبة جدي، وفخامة البيت، وعبد الرضا، مزيج لا يمكن لي نسيانه أبدا.

كان لابد لي من ذكر هذه التفاصيل، قبل أن اعرّج على ذكر تفاصيل أسرية أخرى، تشد لاوعيي إلى كربلاء، سرديات تاريخية تعصف بروحي مهما كبلتها قيود عقلي.

(4)

كتبت قبل سنتين تقريبا بطلب من صديق تولى رئاسة تحرير مجلة نجفية مقالا عن كربلاء، كان عنوانه (كربلاء في الشخصية العراقية) تتبعت فيه باختصار شديد، وبعاطفية ملحوظة ما أراه آثارا لكربلاء الحسين في الشخصية العراقية، كتبت ان ما فشلت الدولة في صنعه من ولاء، وقدرة على التضحية لوطن حاضر في نفوس مواطنيه، قامت به تضحيات الحسين بكل رصيده الديني، وشجاعته العظيمة، ورفع بكربلاء تلك روح التضحية لدى العراقيين، وكتبت ان كربلاء الحسين كانت حاضرة في نفوس العراقيين بطرق مختلفة، باختلاف العراقيين ومواقعهم الاجتماعية: يخافون منها، يحزنون لها، وانها صبغت حياتهم بالحزن بالاضافة لميراث الحزن الطويل الذي رافق هذه الأرض، حزن يتوهج في لهجتهم، ومفرداتها الحزينة، وتراكيبها الممتلئة بالوجع، وكتبت في الأخير ان كربلاء كانت بالنسبة للكثير من العراقيين الفجيعة؛ والعزاء عن الفجيعة في ذات الوقت، ثنائية الفقد المقدس التي تصبّر المرء على فقده الشخصي.

(5)

كانت جدتي لأبي رحمها الله من النساء اللواتي فقدن الكثير من ابنائهن الذكور في طفولتهم، ثم تزوجت جدي بعد ان ولد له عدة ذكور من زوجته الأولى، وولدت لها اثنتين من الاناث قبل أن يطل عمي محمد علي بولادته، ليجبر خاطرها ووعورة عيشتها تلك، وسط الشرائك، ووسط أبناء أب يكبر أولهم أصغر أبناءها بخمسة وأربعين عام.

وفي السابعة عشرة من العمر، أوائل السبعينات، كان عمي محمد علي قد قرر ان يذهب مشيا إلى كربلاء في اربعينية الحسين، ولم يعد من زيارته، فقد غرق في أحد الآبار المنتشرة على طول الطريق.

هنا، تتناقل الأسرة حادثاً تتداخل فيه الأسطورة بالواقع، فبعد ان وصل الخبر إلى النجف، انفلت كل فرد من الاسرة يبحث عن الغريق في مكان، إلا أمه، ركبت سيارة إلى كربلاء، وأوقفت السائق في نصف الطريق، نزلت وتوجهت مباشرة ـ بقلبها الذي يحفظ الطريق، بعين القلب كما يقول النواب ـ إلى الخيمة التي سُجّي فيها ولدها الغريق، وضعت رأسه في حجرها، ثم انخرطت تتلو قصيدة عبد الأمير الفتلاوي في رثاء القاسم بن الحسن، القصيدة التي تبدو لي أنها كتبت لكل أم عراقية مفجوعة بولدها، وليس لرملة، وولدها القاسم وحسب:

آه يبني شكول عليك آه يبني

دولبني زماني بيك دولبني

كان عبد الرضا الرادود واقفا هناك، فانخرط يقرأ القصيدة، والزوار يلطمون حول الجسد الغافي في حضن أمه، الحلم الذي غرق قبل ان يتجلى، وحتى اليوم، لا تسمع عمتي هذه القصيدة، إلا ومزقها الأسى والبكاء، وهي تندب القاسم، متعزية به عن أخيها الغريق، الذي مات أبوه حرقة عليه بعد أشهر، بعد ان فقد أخٌ آخر له قبل مدة، وتعزى عنه بالحسين، وتلك قصة أخرى، لا تقل أسطورية عن هذه.

(6)

كان جدي يقرأ في مجلس من مجالسه في البصرة في شهر محرم، بينما دهس أحد سواق السيارات الدليم الذين ينقلون (الرقي/ البطيخ الأحمر) إلى النجف عمي عبد الزهرة وهو طفل صغير، ليقتله.

فوجئت الأسرة بالأب يدخل صباحا إلى البيت قاطعا سفرته، وما أن دخل حتى سأل: من الذي مات من أولادي؟ وبين تعجبهم من سؤاله، ومحاولتهم الالتفاف قبل اخباره، قال لهم، كنت نائما، وجاءني الحسين في المنام، أنهضني من غفوة، ناولني كأسا من شراب وهو يلح علي أن أشربه، ولما أدنيته إلى فمي كان مراً كالصبر، فلم أقوَ سوى على شرب نصفه، لقد منحني الحسين الصبر، فأخبروني عمن مات من أولادي.

ولكن المفارقة ان ابنه الذي مات على طريق الحسين، لم يجد له من عزاء، فذهب على أثره سريعا.

(7)

لماذا اكتب هذه الكلمات الآن؟

ربما لأني لا أجد ما افعله سوى هذا، ربما لأني أمر بأكثر أوقاتي ضعفا، وربما لأن اليوم كان موجعا جدا لي، لأمر يخصني، لا أعرف بالضبط ما يدعوني لكتابة هذه الأسطر، ولكن ما أعرفه أنني حتى اللحظة، لا أكف عن استحضار جرعات الأسى الهائلة التي تلقيتها في هذه الأرض، من تاريخها، وعقائدها، وتراثها، وكربلاء وسط ذلك كله ذروة الحدث، الحدث الذي يمنعني من كتابة أي شيء عنه، لأنني لن أكون محايدا مع كل هذا الميراث العاطفي والخزين الذي عززه اليساريون ـ ما غيرهم ـ في روحي تجاه شهداء كربلاء وآل علي، ولأني وما أن يمر أمامي جثمان شاب ملفوف بالعلم الأكثر قسوة، علم وطني، إلا وصرخ جاسم النويني في أعماقي بقصيدة عبد الحسين أبو شبع:

جسام يا ضنوتي

رايح

رايح من عيوني