أرشيفات التصنيف: عراقيات

مشاهدات ليلية 4

في شارع مزدحم بالاطباء والصيدليات ومحال التجهيزات الطبية، حيث تكون مضطرا لشراء حاجتك مهما كان وجه البائع أو البائعة متجهما، في مثل هذا الشارع تكون بعض المحلات استثنائية.

في شارعي هذا، هناك محل للتجهيزات الطبية، حين أمر به مساءً لا أجد فيه سوى فتاة عشرينية بمفردها، ليست شديدة الجمال، وجه طبيعي يشعرك بالألفة دون أن يؤذيك ببهائه، في الغالب تنتهي جولتي الليلية حين تقفل الفتاة المحل، بمفردها، تنقل المواد من باب المحل إلى الداخل بهمة، كراسٍ متحركة، كراسٍ طبية، عكازات بأربع أرجل، وما شابه من هذه الادوات المصفوفة أمام المحل، تنقلها بحسب ثقلها، اثنين اثنين، أو فرادى.

الفتاة تهش لكل داخل إلى دكانها، تنصحه بهذه الشيء أو ذاك بمرح ونكتة، مخلية مسؤوليتها عن خياراته برقة وخفة، وحين يقر قرار الشاري على أمر معين تلفه وتناوله له مع تمنياتها بالصحة والعافية.

وبصفتي شخص كثير السفر، ولكوني شخص يقضي جل يومه في حالتين اثنتين: منكب على كتاب، أو متسمر أمام شاشة حاسوب، فإن عنقي تكون دائما عرضة لآلام خاطفة بين مدة وأخرى، مع تهديد مستمر بسوفان الفقرات العنقية، فإنني وتحرزا للمستقبل، وفي محاولة تأجيل قدر السوفان هذا، قد اشتريت منها عدة مرات ما يسلتزم مثل هذه العنق، مخدة لدعم العنق أثناء السفر، ورقبة اسفنجية تدعم العنق حين الحاجة أمام كتاب أو حاسوب، وفي كل مرة اشتري منها هذه الأشياء تنصحني بود وجذل وحياء، فأشتري البضاعة وأخرج وكأنني اشتريت كيلو بقلاوة من الخاصكي وليس شيء منذر بالمرض.

هامش: بعد أن أنهيت الجولة، ودخلت لأشتري الصمون من أجل افطاري، في مدخل الفرن سابقتني قمرة صغيرة دون الخامسة من العمر، بذيل حصان يتمايل مع مشيتها السريعة، يتلوى مع نسمات هذه الليلة الجميلة، وحين وصلنا إلى منضدة البائع وأقبل علينا أراد أن يمنحني حاجتي قبلها، ساعتها، ومثل أي شخص ضعيف أمام هذه المخلوقات الجميلة قلت له: مشّي الحلوة أولاً، فرمقتني بنصف ابتسامة، من نصف وجه، من نصف التفاتة، ثم أخذت كيس الصمون وخبّت مسرعة كما دخلت.

هامش ثاني: في الطريق أيضا بنايتان قيد الانجاز، ومثل أي مشروع بناء عراقي محترم فقد احتلت مواد البناء الرصيف وحولته إلى هباء منثور من التراب وبقايا قطع المرمر والطابوق، ويوميا أجد عمّال البناية وقد جمّعوا ما تبقى من أخشاب قالب صب الكونكريت التالفة، وأوقدوا النار لكي يشوون طعام عشائهم، سمك أو دجاج، بسعادة بالغة، ساعتها يتبخر غضبي على صاحب البناية، بسبب السعادة الصغيرة التي تلفُ قلوب هؤلاء الفقراء وهم يعدون عشائهم.

#مشاهدات_ليلية

مشاهدات ليلية (2)

 

أمام عيادة أحد الأطباء، كانت تقف سيارة تاكسي صفراء اللون لم انتبه إلى طرازها، من الخارج، وعلى باب الراكب الأمامي كان هناك رجل جاوز الثلاثين، ضخم الجثة، يرتدي [تيشيرت] أخضر اللون غامق، وبنطلون جينز رصاصي، شاب أسمر حاد الملامح، شعره خفيف، أسند ظهره إلى سيارته، وشبك ذراعيه على صدره بضجر، خلفه مباشرة، وعلى سقف السيارة، أجلس طفلته الجميلة، فتاة قمحية ربما تكون في الرابعة من العمر، ترتدي قميص زهري بلا أكمام وجينز قصير بدا وكأنه خيط لها من بقية قماش بنطلون والدها، كانت تجلس على سقف السيارة، وتدلي ساقاها على كتفي أبيها وصولا إلى صدره، وتعتنق رأسه بكلتا ذراعيها الغضتين، ومالت برأسها على أذنه اليمنى تحدثه.

كان الضيق يسيطر على الأب، لعل لديه مريض ينتظره، لعله قلق على مريضه، وجهه منكمش تماما بضيق بالغ، وفي ذات الوقت كان مضطرا أن يجيب على أسئلة ابنته، ويسايرها في حديثها المتدفق الرقراق دون أن ينتبه فعلا لما تصبه في أذنه من نغم، لا أعرف ما الذي سألته عنه، ولكني سمعتها تقول له منحنية عليه تمزج سؤالها بالقبل: هذا زين؟ فأجابها بنعم، فأطلقت ضحكة رنانة مرقت إلى الشارع المقابل ملعلعة بالبهجة، فأجبرته على أن يضحك بطريقة ملئت وجهه وروحه، بفرحة تساوي بهجتها الطفولية العارمة لإجابته البليدة على سؤالها الساذج، وأنا شاركته هذه الضحكة الساذجة بالتأكيد بكل بلاهة!

تذكرت عندها البهجة التي ارتسمت على وجه صديقي، الذي كان يراقبني أزيح شرائح الزيتون عن قطع البيتزا قبل أن آكلها، فملئت البهجة وجهه الجميل، وانطلق يحدثني عن حب طفلته الصغرى للزيتون، وكيف أن علب الزيتون التي يجلبها إلى البيت لا تصمد سويعات معها، وكيف أنها تبدأ أكل قطع البيتزا من الناحية التي توجد فيها شرائح الزيتون، كان يحدثني وفرحة عميقة ترتسم على كل وجهه، وبدنه، سعيد بعادات ابنته الغذائية.

سرت مبتعدا عن الأب وابنته، متذكر لصاحبي، وفكرت في نفسي، لولا بناتهم، لفقد ثلاثة أرباع العراقيين عقولهم بسبب الكرب الذي يواجهونه يومياً.

#مشاهدات_ليلية

 

مشاهد ليلية

علي المعموري

تختلف مواعيد المشي عندي باختلاف الأماكن التي اتنقل بالمبيت فيها خلال الأسبوع، اليوم بتُ في المكان الذي أخرج فيه عادة بُعيد الغروب، اتمشى لحوالي كيلومترين، اتعشى، وأعود إلى سكني.

ومن دون خلق الله، يوقظ الحر كل حواسي، الأمر الذي يكون مضاعفا في حالة شخص شغوف باستطلاع ما حوله، من السلوك الانساني إلى النسق العمراني، تتحرك عيناي يمينا ويسارا، وتلتقط أذناي كل شاردة وواردة، أبحث عن التراتب البديع للكون من حولي، علَّ تلك الأشياء الجميلة تزيح عن روحي عناء اليوم العراقي المثقل بالغصص.

أراقب ابتسامة الأمهات في وجوه أطفالهن، والمناغاة الدافئة يتبادلنها بلغة لا يفهمها سواهم، انسجام العمال فيما بينهم، حركة الروافع وهي تأخذ مواد البناء إلى أعلى البنايات قيد التشييد، حديث الأشجار فيما بينها، وضوء الأعمدة الأصفر يهطل عليها في الليل فتبدو شاحبة مثل حسناء أصابتها الحمى، استدارة الأفرع حول بعضها في الأحياء القديمة، عناق الطابوق في البيوت العتيقة، البضائع المرصوفة على الأرفف في المحال التجارية، تجمع الجنود ورجال الشرطة قرب بعضهم ـ وهؤلاء أدرب نفسي على أن لا يلاحظونني وأنا التقط الصور يمينا وشمالا للبيوت والبنايات والسيارات والقطط التي تستريح على أبواب المنازل ـ وأشياء أخرى كثيرة.

وبين ليلة وأخرى يختلف الحال، مرة تظفر بالكثير من الجمال، ومرة تعود بأشياء بسيطة بالكاد تقيم أود ذاكرتك، أما الليلة فكانت رائعة، وعلى امتلائها بالكثير من الأشياء الجميلة، والناس الجميلين، فقد كان هناك مشهد فريد، شاهدته عرضيا، لم تتجاوز التقاطتي له أكثر من خمس ثواني هي أمد مروري الخاطف بالواقعة، كانت كافية لي، ومناسبة لكي لا أكون متلصصا مقتحما لخصوصيات الآخرين.

شابين ـ ولد وبنت ـ ربما متزوجان، ربما خطيبان، لا أعرف حقا، كان الشاب قد جلب سندويتشين، ناول البنت واحدا، وجلس جوارها يزدرد الثاني بنهم، ذاهلا عن كل ما حوله، أما البنت فكانت تمضغ لقيمة صغيرة، وقد أقبلت بكل جوارحها على ماكنة الفرم المجاورة لها، وهو يهرس الطعام هرسا، تنظر له وقد علت وجهها ابتسامة لم تدع عضلة في وجهها إلا داعبتها وحركتها، ابتسامة عميقة سعيدة متلهفة، تصبها على الشاب صبحا كالضياء، سعيدة تنظر له كما ينظر طفل إلى لوح شوكولاته، كما تنظر أم إلى طفلها الوحيد، وهو يحمل شهادة التفوق، مثل أرض تتهلف للشمس والماء، ابتسامة كأنها موسم حصاد العنبر، عبقة بالعطر والأمل، تنظر له بطريقة لا أعرف كيف أصفها، سعيدة بأنها حازت هذا الذي أقبل على طعامه كأنها نهاية العالم، سعيدة فعلا.

أنا بدوري ضحكت من القلب، ومشيت لخمسة كيلومترات.

[هامش: الاشياء الجميلة لابد أن تجربها أول مرة في بلدك]

لا أعرف الفنان الذي رسم الصورة المرفقة

هل كان الأمر يستحق هذا الثمن الباهظ؟

ثم أقف عند حافة الروح، اقلب الصور واحدة تلو أخرى، تصطف بتناسق على قبور جديدة، تناسق تاق له نازلوها حين ذرعت أقدامهم هذه الأرض، كانت كل خطوة تندك على خد هذا الثرى مثل سنبلة حديثة الولادة، كفسيلة تخطو مبتعدة عن أمها لتغدو نخلة شامخة، لكن الليالي والتجار غرسن تلك القامات الشوامخ في الأرض عميقا دون أن يكون للغرس وعد بالحياة.

كيف بعثرتهم هذه الأرض؟ ثم ابتلعتهم الواحد تلو الآخر؟ ضربت بالفوضى حياتهم، اخترمَ مهجهم أن لا نظام لحياة أهلهم، ولا وعد بالمستقبل.

تتابعت رقدتهم بترتيب كان ليكفيهم لو لم يخرجوا من دنياهم بسواه.

ثم أسأل نفسي، هل كان الأمر يستحق هذا الثمن الباهظ، وهل لي أن أثمن شيئا لا أملك ثمنه؟

ثم ألتفت كرة أخرى، أتصفح الصور، وجه تلو وجه، عين تلو عين، ثم أرفع رأسي قليلا، تقبّل روحي وجوه الأمهات، تراقب قلوبهن وهي تطالع الصور، وفي المدى الواصل بين عيونهن وشواهد قبور أبنائهن تمتد أيامٌ كانت مرجوة، ترفل بزوجات الأبناء المناكفات، والأطفال، والملابس التي تفوح منها رائحة الكد والاجتهاد، بيوت اتخذت البهجة مطارق لأبوابها، يملئ حجراتها عبير العنبر ونسيم السمك المزقوف الذي لم يجد من يأكله، والخبز الحار الذي بقي وحيدا على موائد فارغة هجرها الفرح.

أي فرح يلم بمائدة لا تجد من تسد جوعه؟

ثم أسأل وجهي المحدق في المرآة، وعيناي تطيلان النظر في لحيتي المهملة: ألا تخجل من نفسك؟ كيف لك أن تخرج وتعود وتنام وتأكل وتسافر وتضحك وتعمل وتكتب؟ كيف لك أن تقنع نفسك بأن تتهرب من عملك، وتجلس باحثا عن صورة جميلة لعلك تكتب عنها بعض الكلمات المنمقة، حتى يقول لك محبوك: عاشت يدك؟ فتطالعك صورة هذه الأم، وقد وخط شيب الأرض طرف عبائتها، تخب على كرسي مدولب قاصدة شهيد كربلاء في اربعينيته، تطلب منه العزاء، هي صامتة، ولكن كل ما حولها يقول لك: هل كان الأمر يستحق هذا الثمن الباهظ؟

 

الخسارة الأقل كلفة

أكره كرة القدم لأسباب شخصية تماما، ولكني في أحيان كثيرة اجد نفسي وسط جمهورها الغاضب دون رغبة مني.
قبل ايام ذهبت مع صديقي “الريالي” الذي اراد مشاهدة مباراة ريال مدريد، توجهنا إلى مقهى شعبي في الكرادة – ارخيته – افضل الجلوس فيه عادة لأشرب الشاي وأشياء أخرى، بعيدا عن مقاهي المثقفين القريبة منه، لأنه يختلف عن تلك المقاهي بنوعية زبائنه.
أغلب رواد هذا المقهى من الكتاكيت، أو من صغار الكسبة، ينفتلون أول الليل إلى المقهى الذي يديره شاب اسمه مهند، ذاع صيته مرة على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب مهارته في العزف على اقداح الشاي – للأحبة العرب، نسمي قدح الشاي العراقي الصغير: استكان، وهو قدح لا تجدوه إلا في العراق -، المكان شعبي تماما غير متكلف، ومهند يخدمك كأنك صديق شخصي، يدور بعينيه على زبائنه، يحفظ التفضيلات الشخصية لكل واحد منهم، مثل داعيكم الذي يكره السكر في الشاي، ينادي: باشا، ﭽـاي مو؟ أجيبه نعم، فينادي عماله: واحد بدون شكر للباشا، فأغنم منه الشاي الممتاز، ولقب الباشوية علاوة على البيعة! – بالمناسبة، كتب صديقي ايتش هومو الفراتي مرة مقالا عن مهند – .
على أي حال، أعود إلى مباراة الريال إياها، جلسنا أنا وصديقي متكئين عند الزاوية التي تقع أقصى يمين الداخل للجزء الداخلي من مقهى مهند – حيث انه سقف المساحة الواقعة أمام مقهاه –، تكدست أمامنا الكراسي، وشيئا فشيئا بدأت تتقارب، تلتصق ببعضها كقصب ينمو عشوائيا، مفسحة المجال لكرسي آخر وزبون آخر يتسمر أمام الشاشة الفضية، حتى ازدحم مثل قطار هندي، تخيل محل مربع بمساحة 5X5 تقريبا، تكدس فيه أكثر من اربعون شخص، تربعت جنبهم الاراكيل، ينفثون الدخان “بحسرة مفارگ” كما يغني ياس خضر، فبدا المقهى كحمام شعبي تكاثفت فيه الأبخرة والقهقهات والشتائم، وعجزت ساحبات الهواء عن مجاراة هذا الدخان المتكاثف، حتى ضاق الدخان بالدخان، يتعالى من أجواف شباب لا يتجاوز أكبرهم الثامنة عشرة، وكنت وصاحبي بينهم بعمر جدودهم.
في الكرسي الذي على يمين صاحبي جلس شاب في الثامنة عشرة – باعتباره تخرج لتوه من السادس الاعدادي – ومعه شقيقه الأصغر سنا، التفت الأخ الأكبر محدثا شاب آخر يجلس إلى يساري، أخبره أنه قدم أوراقه إلى الكلية العسكرية، ولكن الطبيب رفضه في الفحص الطبي.
رد عليه جاري: يمعود، تروح لكلية ما بيها بنات، وفوﮔـاها عريف جاسم مـﮕـابلك يوميا، وراها تروح للجبهة ويكتلوك داعش، شلك بهاي اللغوة.
فرد عليه الشاب: احسن مما أروح اصير طبيب واعالج واحد والله ياخذ أمانته ويكتلني ابن عم عريف جاسم لو ياخذ مني فصل يبيعني الأكو والماكو.
رد عليه الشاب: ومنو ﮔـال اريد اروح لكلية الطب؟
فتعجب الأول وتسائل: يعني قابل وين غير هذني الاثنين – العسكرية والطبية – أكو تعيين؟
رد عليه الشاب: اروح تحليلات مرضية.
ثم انبلجت الشاشة الفضية عن هجمة خطرة، فنسى الاثنان حديثهما، وتسمرت البواصر على المستطيل الأخضر، تتابع أقدام اللاعبين الذي أنفقت الملايين من الدولارات لتجميعهم في فريق واحد، استثمار طويل الأمد، تقف خلفه طوابير من الوظائف التي تعتاش على هذه الساحرة المتدحرجة بين الأقدام، بينما قبع شباب بعمر الورد هنا، يفكرون بطريقة يموتون فيها بطريقة اقل خسارة، وحسب.

مشهد بغدادي من الألم العراقي

ركبت من الباب الشرقي الى الكرادة، صعدت سيارات الكرادة داخل (الكوستر)، كنت اجلس في المقعد الأخير، وفي المقعد الذي جنب الباب مباشرة كان يجلس شاب بهي الطلعة، دفع الشاب (الكروة) ولم يكن لدى السائق فكة ليعيد له الباقي، بعد قليل صعدت طفلة صغيرة قرب تمثال السعدون، جلست خلف الشاب وناولته الأجرة، بمقدار يسد الباقي له عند السائق، عندها نادى الشاب ذي الهندام الحسن ان الباقي قد وصله.
كانت الطفلة بحدود السادسة، نحيلة جدا، ترتدي قطعتي ملابس رياضيتين بائستين اختلط لونهن الاصفر بصفرة وجهها، وتلف شعرها بقطعة قماش شفافة، تحمل كيسا من البلاستك لم اتبين محتواه، وبيدها علبة عصير رخيصة، شكلها بدا كأطفال الشوارع الذين يقفون في التقاطعات يستجدون او يبيعون سلعا تافهة، كان البؤس يلفها تماما.
حين وصلت السيارة الى ساحة الفردوس، وقرب فندق فلسطين شاهدت طفلة تطابق الفتاة تماما، تقف في الساحة وبيدها علبة من العلكة،تبيع منها للمارة، وما ان شاهدت الفتاة في السيارة حتى ابتسمت لها ورفعت يدها بالتحية، هما رفيقتان إذن، وظني كان في محله.
في ذات اللحظة انتبهتُ ان الشاب الجالس قرب باب السيارة قد لاحظ ما حدثت بين الفتاتين، وبطريقة آلية دس يده في جيبه وأخرج الخمسمئة دينار التي اعطتها الفتاة له، ومد يده للخلف دون أن يدير وجهه حتى، بطريقة خفيفة لا يريد معها ان يشاهده احد، او تشاهده الفتاة، مد يده معيدا للطفلة نقودها، اخذت البنت النقود دون تردد، ثم نزلت مباشرة، لا أعرف إذا كانت قد خافت من هذا الذي ناولها النقود ففرت سريعا، او انها ظنت انه يرد الباقي لمن في الخلف وليس لها وقررت ان تسرقهن، او انها ببساطة قررت أن تلتحق بصديقتها الواقفة في التقاطع، تبيع احلامها في المدينة العجوز.

الباب الشرقي والكرادة، من مناطق بغداد القديمة يقع كلاهما في جانب الرصافة، وفي الباب الشرقي يقع نصب الحرية الذي شيده جواد سليم واطلق اسم ساحة التحرير نسبة له

المدينة التي تبتعد (6)

محلات لم تعد موجودة (2)

محل أسد ميرزا علي

على ذات طريقي ذات اليمين ذاك، وقبل أن أصل إلى (خان الحجي)، كان محل أسد ميرزا علي النجار في أول (عكد بيت مال الله)، وأسد هذا كان من أحب خلق الله لي في طفولتي، ما قابلني يوما إلا بالمودة والبشاشة، أذكر مرة أني فجأة قررت أنني أريد خشبة طويلة، فسرحت له دون تفكير، وقلت أريد خشبة طويلة، فناولني الخشبة دون أن يسألني لماذا وقال: يله روح للبيت، بكل بساطة، كان منزلهم في البراق يجاور منزلنا، نشترك معهم بجدار واحد، لكن بابهم كانت وسط البراق، وبابنا على الشارع، ولكي تصل لهم فانك ستدور دورة طويلة في العكود قبل أن تصل لهم، ولطالما ناولت جدتي أرغفة الخبز الحارة لأم أسد من ذلك الجدار الرفيع بيننا، ولطالما تحادثتا وهما تخبزان معا، كل واحدة في سطحها.

ولكن ذاكرتي عنه انثلمت حين غادر العراق في 1991 إلى (رفحاء) ومنها إلى الولايات المتحدة، ورغم أن أخوه تولى المحل بعده، لكنه بقي محل أسد، حتى بعد ان تركه أخوه بعد 2003، وأجرته أمه إلى السيد ناجح غيبي الخياط.

لم يعد أبو نمر من الولايات المتحدة إلا بعد 2003، عاد ليجلس على السور وكأنه لم يغب لسنين طوال، عاد وشكله لم يتغير ـ رغم أنه اكبر من أبي ـ هو هو، أبو نمر، جالس في موضعه على السور، كأن الدنيا لم تمر به، ولم يمر بها، لكم أحب هذا الرجل.

المرحوم كاظم حميدي

ألتفتُ هذه المرة إلى يساري، أخبُ حتى أصل إلى المحلات التي أخرجت من منزل لأحد أفراد أسرة (آل دوش) أول ركن (عـﮕد الجمالة)، يتوسطها محل المرحوم كاظم حميدي، صباغ الملابس المسن، الذي لم يكن يترك أحدا يمر دون أن يوقفه، يسأله من أين وإلى أين؟

كان رحمه الله أبيضا مشربا بحمرة تميزت بها بشرة أسرته (آل حميدي)، اصلع، له شارب ولحية وخطهما الشيب، ووجه مستدير بهي، يجلس في قعر محله المظلم، وقد أحاطت به صفائح الصبغ، وخلفه برميلان كبيران، وموقد تحت مرجل كبير، لم أشاهده يمارس مهنته سوى مرة يتيمة كان ينشر فيها على حبل مده على خربة آل حميّد قطع من القماش، صبغها باللون الأرجواني الفاقع، لون (القجرات).

تخبرني عمتي انه كان أول من تلقاها على السور يوم ولدتُ، وعادت بي إلى البيت، تبشر جدتي بأن وحيدها قد رزق ببكر ذكر، صاح من محله: (ها بت شيخ كاظم شجاه هادي؟)، فقالت: ولد، فأخذ يردد صارخا بصدق: مبارك، مبارك بقي يكررها حتى بعد أن غابت عمتي عن ناظريه، بقي صوته ينبعث من جوف المحل المظلم كأنه صوت سماوي يمطر على أذنها: مبارك مبارك.

صور من النجف

1. تفصيل من منزل كاظم صبي في طرف البراق، وكان زعيم الطرف، والرجل الذي وقف خلف ما يطلق عليه اسم (دستور البراق) سنة 1915، اعدمه الانجليز عام 1918

تفصيل من منزل كاظم صبي في طرف البراق

2. إعدادية النجف المركزية للبنين، تأسست عام 1925 (ثاني أو ثالث اعدادية في العراق)

اعدادية النجف اعدادية النجف

3. منزل عبد المحسن شلاش (1882 – 1948) التاجر والوزير في العهد الملكي العراقي

 

 

 

منزل الحاج عبد المحسن شلاش

 

4. مقبرة السياسي الكبير في العهد الملكي صالح جبر (1896-1957) على الشارع الرئيس الرابط بين النجف والكوفة (شارع الكوفة)

مقبرة صالح جبر

5. آخر سوباط في النجف، في طرف الحويش، الصور قبل الهدم التقطتها عام 2005، وبعد الهدم هذا العام، هن سوباطين، الأول من جهة الطمة، والثاني من جهة دور السادة آل الخرسان.

أ. من جهة آل الخرسان قبل الهدم

سوباط الحويش 2

بعد الهدم

سوباط الحويش img_5303

 

ب. من جهة الطمة

قبل الهدم

سوباط الحويش scan30002

بعد الهدم

سوباط الحويش img_5306 img_5311 img_5312 img_5313 img_5314

 

 

عبد الحسين حمد

 

(1)

أول عهدي بقراءة الشعر، وتتبع الشعراء، كنتُ أظن أنهم من طينة أخرى تختلف عن طينة البشر، وكنت اسأل نفسي: هل يأكلون ويشربون مثلنا؟ هل يتحدثون كما نتحدث؟ هل ينامون ويعملون؟ هل أن حياتهم تشبه حياتنا؟ هل يعرف أصدقائهم ذلك الحد الفاصل بينهم؟ حد عظيم قوامه الإبداع، الخلق من العدم، وابتكار المعنى، هل لهم أصدقاء أصلا؟ أما إذا كان الشاعر ذا مبدأ لا يتزحزح، ولا يرتزق بوحيه، فتلك حكاية أخرى، وبعد آخر من أسطورة قوامها الشعر والشعراء.

(2)

سمعت به أول مرة وأنا صغير، بداية التسعينات، كان وقتها أستاذاً في معهد إعداد المعلمين في النجف، وكان خالي الأصغر أحد طلابه، مرة كان خالي عندنا، يترنم بقصيدة تصف حال الجندي العراقي المسحوق في معسكرات التدريب، المنهوب، المقهور، أتذكر منها بيتا واحدا يقول:

ما بين أور والأثل …… يسطو على الصيد الجعل

شرح لي خالي معنى البيت، قال أن أور والأثل هما معسكران تدريب شهيران، أحدهما في الجنوب، والآخر في الشمال، والصيد هو الجندي، أما الجعل فهم العرفاء ونواب الضباط وأضرابهم، يحلبون الجندي الجائع حلب الشاة، ثم لا يفكون له وثاقاً، سألت خالي من القائل؟ فأجاب بفخر وابتهاج: عبد الحسين حمد.

(3)

لاحقا، بدأت اشتري أعداد مجلة (الكوثر) النجفية، المجلة التي احتضنت كتاب النجف وشعرائها في التسعينات، مجلة كانت تصدر بجهود استثنائية من رئيس تحريرها الشاعر المرحوم محمد عباس الدراجي، وفي الكوثر بدأ اسم عبد الحسين حمد يتردد عليَّ كثيراً، محررا لباب المجلة الأدبي، شارحاً لنهج البلاغة، ناقداً أدبيا عرفني للمرة الأولى أن للشعر روح باطنية، وأن للرموز معانٍ ومعان، كتب نقداً جميلا لقصيدة أنشودة المطر للسياب، فصدمت بما كان يريد الرجل قوله، ثم هو كما هو: شاعر عمودي فحل، لا ينتمي لغير العمود، ولا يذهب بعيداً عنه.

(4)

حدثني خالي بما كان يحدثهم به عن نفسه، عن حياته مع استاذه السيد مصطفى جمال الدين، وكيف أن الشاعر الفحل دفعه أيام كان طالباً صغيراً في كلية الفقه ليقرأ قصيدة أمام ضيف مصري كبير حل في النجف، واحتفت به جمعية الرابطة الأدبية، وكيف أن عبد الحسين حمد خاف من الموقف، وكيف أن السيد جمال الدين كان يريد أن يقول للضيف أنظر لطلابنا اليافعين كيف يبدعون، فكيف بشيوخنا الذين مرستهم الحياة ومرسوها، وكيف أن ظن السيد كان في محله، فطار الشاب بالمجلس شعرا، وأطار الضيف في سماوات من الأدب النجفي.

(4)

ثم جاءت اللحظة التي كان لابد أن أقابل فيها الرجل، الذي أدرجه خيالي في خانة الأساطير الشعرية، وأن أستكشف عن قرب طينة الشعراء التي طالما حيّرتني.

كانت إعدادية النجف ثالث أو ثاني إعدادية تأسست في العراق في العام (1925)، وكانت وقت دخلتُها معقلا لآخر جيل ذهبي من المربين، الذين جاعوا، وتألموا، وما بدلوا تبديلا في حرصهم على طلابهم، تحيط بهم الهيبة، وتسبق أسمائهم رهبة توارثناها عن الأجيال الأقدم من أهل النجف، الذين درسّهم هؤلاء الأفذاذ قبلنا، جيل من الذين مارسوا التدريس طويلا، وسافروا، وحضروا، وتقلبت بهم الأزمان وما قلبتهم، كان الطلبة أبناؤهم، والمدرسة بيتهم، ومنهم كان صاحبنا هذا.

دخلتها، وأستاذ اللغة العربية فيها هو عبد الحسين حمد بشحمه ولحمه، وكان الشاعر الغامض أول من سألت عنه من رفاقي الذين سبقوني إلى الإعدادية بعد أن تأخرت عنهم في المتوسطة، كنت ملهوفاً اسأل، من هو عبد الحسين حمد من بين هؤلاء الشيوخ المهيبين؟ فأشار صاحب منهم إلى رجل يخب بثبات نحو أحد صفوف السادس العلمي، رجل قصير لكنه ممتلئ خشن الجثة، كان يرتدي بذلة نيلية اللون غامقة، وتحتها قميص أسود بلا أزرار (تيشيرت)، ذي رقبة عالية تدفئ عنقه القوي والعليل معاً في برد النجف القارص، بيده سيجارة تبينت لاحقاً أنها رفيقته القديمة التي لا يصبر عنها ساعة من ليل أو نهار، رأس ضخم احتوى وجها حليقا أسمرا مشرب بحمرة خفية، عينان حادتان، تبدوان للناظر وكأن الشزر يتطاير منهما، لونهما أقرب إلى الزرقة، مسافة وسطى بين الزرقة والسواد، ارتسمت على فمه حركة وكأنه قرف من الدنيا وما فيها، وبدا على وجهه بالمجمل ما يعتلج بروحه من قلق واضطراب، هما مادة الشعر، وعنفوانه، صوت عميق يشعر سامعه وكأنه يقف على رأس بئر لا يدرك قعرها البصر، ينبعث صوته مركزاً، قوياً، ثابتاً، كأنه السيل الجارف يجلجل بالشعر.

(5)

عرفت لاحقاً أنه لا يدرس سوى صفوف السادس العلمي، وكانت هذه أول الصدمات، إذ أني قررت منذ البداية أن أختار الفرع الأدبي، وظننت أن السبل ستتقطع بيني وبين معرفة الشاعر الأسطورة، حتى دخل علينا الصف أستاذ اللغة العربية للرابع الإعدادي الأستاذ سعد عجيل، وبعد أن قرأتُ قصيدة زهير بن أبي سُلمى المقررة في المنهج قراءة من عاقر الشعر طويلاً، توجه لي المدرس الأسمر المهيب قائلا: هل تستطيع أن تكتب قصة قصيرة؟

فبهتُ ساعتها، كنت قد بدأت منذ سنتين بمحاولات كتابة القصة، بعد أن سبقتها بمحاولات لكتابة الشعر الشعبي أسفرت عن دفاتر كثيرة، ساعتها قلتُ لأستاذي أن نعم، وفي الدرس الثاني ناولته قصة كنتُ كتبتها عن فلسطين اسمها (عرسين في ليلة واحدة) فأخذها الرجل وسعى بها إلى عبد الحسين حمد، وعادت لي وقد تم تصحيحها لغويا لتصبح (عرسان في ليلة واحدة)، وبعد أشهر أحضر لي أستاذي سعد عجيل مجلة (الموقف التربوي) الصادرة عن مديرية تربية النجف، وفيها قصتي.

(6)

لاحقا، أخذت لعبد الحسين حمد قصة أخرى، وعدني بأن يقرأها وأن أمر عليه غدا لأعرف رأيه، قال لي حين لحقته في الممر عقب أحد دروسه بأنه قرأ القصة، وأن لغتي جميلة لكنني لا أعرف عناصر القص بعد، سألت عما يعنيه فقال لا يوجد تكثيف، يعني أن تعبر عن أوسع المعاني بأقل الكلمات، ولا يوجد فيها تنامي للحدث وصولا إلى العقدة والحل، ومع ذلك وعدني بأن يضعها في خطة النشر في مجلة الكوثر ولكن سيأخذ هذا وقتا طويلا لكثرة المادة المرسلة للنشر في مجلة شهرية لا داعم حكومي لها، تطبع بتبرعات المحبين.

وهو وليس غيره من جعلني اتوقف عن محاولاتي البائسة في نظم الشعر العمودي وقتها، اتذكر أن صاحبي المرحوم علي الغريفي كان قد جلب إلى المدرسة معمما من الذين عادوا إلى النجف مع الأحزاب، شقيق حزبي كبير، دعاه ليلقي محاضرة في المدرسة، وطلب مني علي أن اكتب قصيدة ترحيب، فكتبتها مغترا بنفسي، وأخذتها صحبة صديقي حسين حبل المتين إلى عبد الحسين حمد، ومنذ أول بيت قال لي لا تليق باستقبال ضيف فدعها يا ولدي وأنا سأعطيك قصيدة لتقرأها، وبعد أن انتقد تصريحاً إيرانيا معيناً وقتها تركناه، ومزقت تلك الخربشات التي لم يكن لدي نسخة سواها ورميتها في الطين، وكم فرحت لاحقاً لأنه منعني من أن اقرأ شعراً أمام ذلك المعتوه الوضيع الذي بانت طينته الرديئة هو وأخوته لاحقاً.

كان لا يجامل أحداً في الشعر، مرة أخطأ واحد من أساطين النجف، فقها، وشعرا، وأدباً، وبحثا أكاديمياً، حتى أنه يلقب بالمجتهد الأفندي، كان في مجلس عام يلقي محاضرة، فنسي عجز بيت، وتدارك الموقف ورتب العجز من عنده، فانفجر عبد الحسين حمد بوجهه في نصف المجلس، وهو ما كان يفعله مع الكثيرين غيره، وهذا كان ديدنه، الشعر حده المقدس، لا يجامل فيه أحداً.

(7)

شاهدته مرة يقف عند ساحة ثورة العشرين، ظهره للبناية التي كانت مقراً لمركز دراسات جامعة الكوفة عند الركن الجنوب الغربي من الساحة، كانت تظاهرة لم أعد أذكر سببها، يقف على كرسي، والناس تحيط به، يقرأ قصيدة تندد بأول طلائع التفجيرات في العراق، اتذكر أنه كان يهاجم بشار الأسد ببيت يقول صدره: (ويا صاحب العنق الممتد سارية) ويهاجم الخونة، واللصوص، والقتلة، وبدا أن الرجل لا يزال حريصا على أن يكون رافضاً للسائد، مثل أقرانه الشعراء العظام، وأنه ذات الرجل الذي رفض أن يمدح صدام، وذهب إلى أبعد من ذلك فقام في احتفال أجبره محافظ النجف قائد العوادي على أن يقرأ فيه شعرا عن العراق أيام حكم صدام فحرص أن يكتب قصيدة يندد بها بالموجودين ووصفهم بالمغول والطواغيت بشعر ملغز، ولما شرّح أحد شعراء السلطة للمحافظ ما يقول الرجل كادت رقبته أن تطير ثمنا لتلك القصيدة.

لاحقاً صدر الجزء الأول من ديوانه (وقد الجوى) عن مركز دراسات جامعة الكوفة ذاته.

(8)

الكلام يطول عن الرجل الذي ولد في النجف عام (1949) في طرف الحويش، لأسرة آل حمودي الكعبيين، وتخرج من كلية الفقه في النجف، وقضى حياته مدرسا في إعداديات النجف، الخورنق، ومعهد إعداد المعلمين، ومضى نظيفا كما دخل إلى الدنيا خالي الوفاض بالأمس، في اليوم التاسع عشر من أيلول (2016).

(9)

قال في الموت

وإنْ عَلِمْتُ بأنَ الموتَ مَنْقَلَةٌ

مِما يَزولُ إلى خُلْدٍ بهِ نَعِمُوا

لكنما حُرَقُ التَشْتيتِ مُحْزِنَةٌ

وإن فُرقَـــةَ مَنْ أحْبَبْتَهُ ألَــمُ

في كلِ حينٍ لنا خِلٌ نُفارِقُهُ

وكلِ حينٍ بنا الأَرزاءُ تَحْتَدِمُ

ما إِنْ نُسَرُ بجَمْعٍ وَهْوَ مُؤْتَلِفٌ

حتى نُفيقَ وما قد سَرَنا لَمَـــــمُ

 

اعدادية النجف

نوح وكمان

علي المعموري

لا يمكن لك أن تعرف طبيعة تلك الجلسة…

هل هي جلسة خاصة، أم هي في مكان عام؟

هنالك أصوات تعزز كونها جلسة خاصة، همهمات تتداخل مع صوت (أبو داود) ترد تحيته لهم، أو تثني عليه، موجوعة من الأعماق، وقد استفزها صوته الباكي، فتتأوه مع تموجات ترديده المفجوع، وابوذياته المتشربة بالألم السرمدي العراقي.

كما ان تحيته لهم، وحديثه لعازف الكمان لا يتفقان مع الانضباط المطلوب لشريط مسجل في الاستوديو، وابو داود منضبط، كل من يسمع لقاءاته يعرف ان الرجل ليس كبقية المغنين الريفيين، وانه قارئ جيد، ومتحدث لبق يسترسل بالكلام بطريقة الشيوخ، هناك لقاء له يتحدث فيه عن تاريخ ديرته العمارة، ويصر ان يسميها ميسان، ويسوق لك السنوات التي قامت بها مملكة كبيرة على تلك الأرض، ثم يحدثك لمَ سمي بالمنكوب، رغم ان لا نكبة أصابته ولا دهاه أمر، الصفة التي عززها نواحه الريفي المفجع على طول عمره.

ولكن الصوت الواضح، الصافي، يجعلك تظن ان التسجيل تم في استوديو، ولا مجال لأن تكون جلسة عامة، أو خاصة بذلك الصفاء، حتى وإن لم تسمع سوى كمنجة فالح حسن التي تنزف وجعا، يرافقها عزف خفيض على العود، يداعب الكمان، يهدل معه، كصديق يهون على صاحبه المصاب.

كيف هبطت السكينة على تلك المجموعة؟!

فلم تسمع سوى آهات خفيضة بين وهلة وأختها، بين آه مذبوحة يطلقها ابو داود بوجع عالي النبرة، كأنه يبكي، ينوح من اعماقه، يقول لك انه منكوب، وأن هناك جرحٌ غائر في أعماقه، يحترق تحت ركام سنواته، يؤلمه، مهما نفى عن نفسه التهمة….

ولكن مهلاً، هل يفترض بمغنٍ ريفي من أعماق وجع العراق ان يكون ذا تجربة شخصية ليكون صوته، وآهته بهذا الحزن، وإن تكون نبراته بهذه العتمة السوداء المتفجرة وجعاً؟

لا احسب ذلك، ان تلك الأصوات مشبعة بالحزن والوجع منذ أول لحظة قبل فيها الرافدان وجنة هذه الأرض.

ومنذ تلك الـ(آه) الأولى التي اطلقتها أول أم سال دم ولدها على هذه التربة النهمة للنجيع.

تبدأ المقطوعة بكمنجة فالح حسن، تبكي بين يديه، تحس انه ينزف روحه عبرها، وتبكي هي ألمه، يقول له ابو داود: (ها الله ها الله، اخذه سلس، سلس) فتنساب اوجاع الكمان بسلاسة، كأنها الفراتين يخبان، فيقول له ابو داود مرة أخرى، يستفز حسراته الدفينة: (شلون خويه فالح زودني؟…شلون؟)، الكمنجة تحادثه، تخبره بوجع أم تنظر إلى الباب، تنتظر حبيبها، يحمل بيده أنفس ما كان الابن يدخل به على امه ذلك الزمان، قطعة من قماش تتبختر بها بين الامهات، ثم تنكسر بحسرة، لأن الزمن الذي ناصبها العداء، لدغها كصل خبيث، وأوجعها بضيعة ولدها.

يقرأ أبو داود الابوذية، وهو يبكي، أي والله، يبكي وهو يردد (ابني ابني ابني…)، ان صوته يبكي رغما عنه، حتى وإن لم تسل دموعه، انه الحزن القديم، كالنجيع ينساب، تحدثك به كمنجة فالح حسن، وصوت سلمان المنكوب الغارق بالحسرة، وعود خفيف يتحدث بهدوء، يخفف عنهما كل هذا الوجع.

يقول ابو داود:

وصلي وصلي

يردف موضحا: أم تكول:

اصد للباب اكول ابني وصلي

حبيبي بيمنته جايب وصل لي

ما ادري الزمن ضدي وصلي

كرصني وضيع وليدي من ايديه

المطرب الريفي العراقي الراحل سلمان المنكوب

[الرسمة: لا أعرف الفنان]