أرشيفات الوسوم: عراقيون

مشاهد ليلية

علي المعموري

تختلف مواعيد المشي عندي باختلاف الأماكن التي اتنقل بالمبيت فيها خلال الأسبوع، اليوم بتُ في المكان الذي أخرج فيه عادة بُعيد الغروب، اتمشى لحوالي كيلومترين، اتعشى، وأعود إلى سكني.

ومن دون خلق الله، يوقظ الحر كل حواسي، الأمر الذي يكون مضاعفا في حالة شخص شغوف باستطلاع ما حوله، من السلوك الانساني إلى النسق العمراني، تتحرك عيناي يمينا ويسارا، وتلتقط أذناي كل شاردة وواردة، أبحث عن التراتب البديع للكون من حولي، علَّ تلك الأشياء الجميلة تزيح عن روحي عناء اليوم العراقي المثقل بالغصص.

أراقب ابتسامة الأمهات في وجوه أطفالهن، والمناغاة الدافئة يتبادلنها بلغة لا يفهمها سواهم، انسجام العمال فيما بينهم، حركة الروافع وهي تأخذ مواد البناء إلى أعلى البنايات قيد التشييد، حديث الأشجار فيما بينها، وضوء الأعمدة الأصفر يهطل عليها في الليل فتبدو شاحبة مثل حسناء أصابتها الحمى، استدارة الأفرع حول بعضها في الأحياء القديمة، عناق الطابوق في البيوت العتيقة، البضائع المرصوفة على الأرفف في المحال التجارية، تجمع الجنود ورجال الشرطة قرب بعضهم ـ وهؤلاء أدرب نفسي على أن لا يلاحظونني وأنا التقط الصور يمينا وشمالا للبيوت والبنايات والسيارات والقطط التي تستريح على أبواب المنازل ـ وأشياء أخرى كثيرة.

وبين ليلة وأخرى يختلف الحال، مرة تظفر بالكثير من الجمال، ومرة تعود بأشياء بسيطة بالكاد تقيم أود ذاكرتك، أما الليلة فكانت رائعة، وعلى امتلائها بالكثير من الأشياء الجميلة، والناس الجميلين، فقد كان هناك مشهد فريد، شاهدته عرضيا، لم تتجاوز التقاطتي له أكثر من خمس ثواني هي أمد مروري الخاطف بالواقعة، كانت كافية لي، ومناسبة لكي لا أكون متلصصا مقتحما لخصوصيات الآخرين.

شابين ـ ولد وبنت ـ ربما متزوجان، ربما خطيبان، لا أعرف حقا، كان الشاب قد جلب سندويتشين، ناول البنت واحدا، وجلس جوارها يزدرد الثاني بنهم، ذاهلا عن كل ما حوله، أما البنت فكانت تمضغ لقيمة صغيرة، وقد أقبلت بكل جوارحها على ماكنة الفرم المجاورة لها، وهو يهرس الطعام هرسا، تنظر له وقد علت وجهها ابتسامة لم تدع عضلة في وجهها إلا داعبتها وحركتها، ابتسامة عميقة سعيدة متلهفة، تصبها على الشاب صبحا كالضياء، سعيدة تنظر له كما ينظر طفل إلى لوح شوكولاته، كما تنظر أم إلى طفلها الوحيد، وهو يحمل شهادة التفوق، مثل أرض تتهلف للشمس والماء، ابتسامة كأنها موسم حصاد العنبر، عبقة بالعطر والأمل، تنظر له بطريقة لا أعرف كيف أصفها، سعيدة بأنها حازت هذا الذي أقبل على طعامه كأنها نهاية العالم، سعيدة فعلا.

أنا بدوري ضحكت من القلب، ومشيت لخمسة كيلومترات.

[هامش: الاشياء الجميلة لابد أن تجربها أول مرة في بلدك]

لا أعرف الفنان الذي رسم الصورة المرفقة

المدينة التي تبتعد (6)

محلات لم تعد موجودة (2)

محل أسد ميرزا علي

على ذات طريقي ذات اليمين ذاك، وقبل أن أصل إلى (خان الحجي)، كان محل أسد ميرزا علي النجار في أول (عكد بيت مال الله)، وأسد هذا كان من أحب خلق الله لي في طفولتي، ما قابلني يوما إلا بالمودة والبشاشة، أذكر مرة أني فجأة قررت أنني أريد خشبة طويلة، فسرحت له دون تفكير، وقلت أريد خشبة طويلة، فناولني الخشبة دون أن يسألني لماذا وقال: يله روح للبيت، بكل بساطة، كان منزلهم في البراق يجاور منزلنا، نشترك معهم بجدار واحد، لكن بابهم كانت وسط البراق، وبابنا على الشارع، ولكي تصل لهم فانك ستدور دورة طويلة في العكود قبل أن تصل لهم، ولطالما ناولت جدتي أرغفة الخبز الحارة لأم أسد من ذلك الجدار الرفيع بيننا، ولطالما تحادثتا وهما تخبزان معا، كل واحدة في سطحها.

ولكن ذاكرتي عنه انثلمت حين غادر العراق في 1991 إلى (رفحاء) ومنها إلى الولايات المتحدة، ورغم أن أخوه تولى المحل بعده، لكنه بقي محل أسد، حتى بعد ان تركه أخوه بعد 2003، وأجرته أمه إلى السيد ناجح غيبي الخياط.

لم يعد أبو نمر من الولايات المتحدة إلا بعد 2003، عاد ليجلس على السور وكأنه لم يغب لسنين طوال، عاد وشكله لم يتغير ـ رغم أنه اكبر من أبي ـ هو هو، أبو نمر، جالس في موضعه على السور، كأن الدنيا لم تمر به، ولم يمر بها، لكم أحب هذا الرجل.

المرحوم كاظم حميدي

ألتفتُ هذه المرة إلى يساري، أخبُ حتى أصل إلى المحلات التي أخرجت من منزل لأحد أفراد أسرة (آل دوش) أول ركن (عـﮕد الجمالة)، يتوسطها محل المرحوم كاظم حميدي، صباغ الملابس المسن، الذي لم يكن يترك أحدا يمر دون أن يوقفه، يسأله من أين وإلى أين؟

كان رحمه الله أبيضا مشربا بحمرة تميزت بها بشرة أسرته (آل حميدي)، اصلع، له شارب ولحية وخطهما الشيب، ووجه مستدير بهي، يجلس في قعر محله المظلم، وقد أحاطت به صفائح الصبغ، وخلفه برميلان كبيران، وموقد تحت مرجل كبير، لم أشاهده يمارس مهنته سوى مرة يتيمة كان ينشر فيها على حبل مده على خربة آل حميّد قطع من القماش، صبغها باللون الأرجواني الفاقع، لون (القجرات).

تخبرني عمتي انه كان أول من تلقاها على السور يوم ولدتُ، وعادت بي إلى البيت، تبشر جدتي بأن وحيدها قد رزق ببكر ذكر، صاح من محله: (ها بت شيخ كاظم شجاه هادي؟)، فقالت: ولد، فأخذ يردد صارخا بصدق: مبارك، مبارك بقي يكررها حتى بعد أن غابت عمتي عن ناظريه، بقي صوته ينبعث من جوف المحل المظلم كأنه صوت سماوي يمطر على أذنها: مبارك مبارك.

مرتضى كزار

انتبه! أنت أمام حزمة من المواهب، روائي، رسام، مخرج سينمائي، عدا كونه مهندس نفط، توحدت في شخص واحد!

كنتُ محظوظا أنه أضافني لصفحته على الفيسبوك، وحين دخلتها وجدت عوالم متوزعة على مستويات عدة، تمتد، وتتقاطع، تلتقي أبدا، وتفترق على وعد بلقاء.

حسنا، للأسف لم أقرأ أي من رواياته، رغم أن احدها يسرد تاريخ مدينتي، ويتلمس عوالمها وتأثيراتها في العراق، وهي رواية السيد أصغر أكبر، التي بحثت عنها في مكتبات النجف ولم أجدها، ولم أبحث عن نسخة الكترونية لأنني أعرف أنني سأتكاسل عن قراءتها، لارتباطي الأزلي بالورق، ولأنني لم أقرأ رواية منذ عشرة سنوات، ولكي أقرأ هذه الراوية فلابد أن أمسكها بيدي، وأن أشم رائحة الحبر من ثناياها، تنساب رويدا مع تاريخ المدينة التي ارتبطتُ بها بكل الطرق الممكنة، من عشق مسقط الرأس ومنبت الأسرة منذ قرون، وصولا إلى مداخل الفهم التي منحها لي التخصص، المرتبط كثيرا بتاريخ المدينة ذات الطابع المركزي بالنسبة للحدث العراقي، والملتبس في الكثير من الأحيان.

ولكن ما يكتبه مرتضى كزار باستمرار على صفحته كافٍ لكي يحفزني للكتابة عنه، لأن من يرد مائه سيجد نفسه هذه المرة أمام ظاهرة فكرية يندر ان تجدها في جيلنا الثمانيني، وهي أن لا تكون منتم لفصيل، وأن لا تعيب على أحد انتمائه مهما اختلفت معه في ذات الوقت، ومهما انتقدت سردياته التاريخية، مادامت تلك السرديات لا تُسلُ سيفا عليك، ولا تحاصرك بمطلقاتها كي تسلب وجودك المستقل.

كتب مرتضى كزار مرة:

(و هل مشكلتنا مع الحقائق أصلا؟، أم مع أهل الحقائق و ملوك الحقيقة و ابن أخت الحقيقة و ابن أم الحق و خالات الحقيقي و عماته!؟.
المشكلة مع المضاف لا مع المضاف إليه.
الذي يقتل الحقيقة هم قرابتها و جيرانها عادة. سوء خلقهم و فشلهم في الحوار و تعصبهم و عماهم عن رؤية الآخر.
لا أحد يهتم بالحقيقة قدر اهتمامه بقربه منها و انتسابه لها، فيصبح دفاعه عنها دفاعاً عن وجوده و عرضه!، و هكذا يتشابه جميع ابناء الحقائق و اعمامهم و عشائرهم مع عشائر الحقائق الأخرى. و تختلف الحقيقة عنهم).

وبهذه القاعدة المكثفة، يقول لك ذو المواهب المتعددة: انا مستعد لأن اتعايش معك، ما دمت لا تضيق علي حريتي، كما لا أضيّق عليك مساحتك، انا لن اشتم معتقداتك، ولن أسفه اختيارك لها، حتى لو كانت تلك المعتقدات ذاتها سفيهة، لا أجد مشكلة في اختياراتك، ما دمت لا تشهرها مدفعا بوجهي.

ولا يقف عند هذا الحد، فكل واحد من مقالاته، أو منشوراته القصيرة يشكل مساحة شاسعة للنقاش والأخذ والرد والتجاذب، حزم من الضوء تستوجب ان تقف عندها، وأن تسترعي انتباهك طويلا، زوايا حادة تستوجب حذرك من المرور سريعا، كلمات مكثفة تستحضر التاريخ والرواية والفن والفلسفة، تتيح لك أن تختلف مع الكاتب، ولكن لا تسمح لك أن تعاديه، لأنه يصدمك بتأويله العميق، بأدلته وحفرياته الاجتماعية والفكرية، انه يعلن موقفه بصراحة، وبصراحة صادمة في الكثير منها، ولكنها صراحة موقف قائم على الشك، على أمكانية التأويل، باب مفتوح لفهم جديد في زمن آخر، في مستقبل قادم، يختلف معك بشدة، لكنه ــ مرة أخرى ــ لا يتيح لهذا الاختلاف أن يستوجب عدائك، لأن الذين يفهمون لا يعادون، والذين يؤولون مواقفهم، وقناعاتهم باتجاه مرتكز واحد هو الانسان، حياته وكرامته، هؤلاء القوم لا يمكن أن يعادوا أسلوبا آخر للتأويل تجاه ذات الهدف مهما كانت أدواته، وسردياته مختلفة معه، وهو ــ مرتضى ــ سيتفهم موقفك بدوره، ستراه متابعا يقول لك بمصطلحات الفيسبوك انه يحترم رأيك، انه يحترم فكرتك، حتى وإن اختلف معك بشأنها.

ويرسم مرتضى كزار لوحات، وكاريكاتيرات تصيبك بالرهبة والخشوع، تحرضك على التأويل، انه يمارس صنعة الروائي بالألوان هذه المرة، رموزه اللونية مكثفة، تحتمل تأويلات كثيرة، وتنفتح على مساحة شاسعة من التفسيرات والفهم، انه يجبرك على أن تستحضر كل ما قرأته، وتحاول أن تربط بين تلك الرموز، وبين ما تعرفه، ولن تصل إلى قرارة فكرته التي طرزها بالألوان في أغلب الأحيان.

وليست الفكرة العميقة وحدها ما يبهرك، بل أسلوبها الفني، حتى أنه يمنحك كاريكاتيرات بصيغة فيديو، يبين لك أصل الفكرة، هناك واحد من تلك المبهرات التي يأتي بها، يقدم تفسيرا لسلوك القطيع في الفيسبوك ـ وما أكثره ـ تشاهد في أوله رجلا يعزف على ناي، ولكنه ليس نايا كما ألفته أنت وعرفته، انه حرف (f) وقد استلقى، واستطال حتى غدا كالناي، ثم يستحضر تلك القصة العالمية عن العازف الذي يقود الناس خلفه بعزفه على نايه، ولكن التابعين هذه المرة هم خرفان، قطيع يسير مخدرا لا يعرف ما يفعله قائده، يسير خلفه وحسب.

وكما لم أقرأ له رواية ـ للأسف ـ فلم أشاهد أيا من أفلامه، في ظل عتمة النشاط السينمائي لدينا، وبعدي عن بغداد، التي أحسب ان مشاهدة فيلمه فيها ممكنة، على هذا، لا أستطيع أن أقول كلمة فيها، ولكن الجوائز التي حازتها أعماله تخبرك أي مخرج قدير هو، يكتب ويخرج الفيلم، يراعيه من أول تشكله كفكرة، حتى تجليه عملاً مبهرا، كصانع محترف يعامل انتاجه كأنه ابنه.

تجربة مرتضى كزار لا يمكن حصرها بسطور، ولست مؤهلا للإحاطة بها، ولكني أقول: سعيد أنني عرفتك.

الجمعة 22/ 1/ 2016

[الصورة: مرتضى كزار]