أرشيفات الوسوم: العراق

حرب تلد أخرى… عدم الاستقرار السياسي والحروب العراقية المستمرة

 

علي عبد الهادي المعموري

لا يكاد المتتبع لتاريخ العراق السياسي الحديث منذ العام 1921 أن يضع يده على عقد ونصف من الاستقرار السياسي أو الهدوء من دون حرب داخلية أو خارجية يخوضها البلد، او دون مشاكل داخلية مدمرة، وفي الواقع، لو أردنا العودة إلى أزمان أبعد من تاريخ قيام الدولة الحديثة في العراق فلن نجد فرقا كبيرا، في كل الحقب، ولكننا في هذا المقال سوف نركز على الاضطرابات التي عاصرتها الدولة العراقية الحديثة، أو بعض منها بشكل أدق.

منذ البداية، كانت ولادة الدولة العراقية عسيرة، سُفك في سبيلها دم كثير، دفعته عشائر الفرات الأوسط ثمنا لوقوفها أول الأمر مع الدولة العثمانية ـ التي لم تنصف الفرات يوما ـ ثم لتحملهم أعباء القيام بثورة العشرين، الثورة التي أجبرت بريطانيا على أن تغير قرارها بوضع العراق تحت انتداب وإدارة بريطانية مباشرة، وترضخ لاختيار حكم وطني وضعت على رأسه فيصل بن الحسين، الذي بايعه شيوخ الفرات الأوسط ورجال الدين في النجف ملكا على العراق.

على الرغم من ذلك، لم تشهد سنوات حكم فيصل الأول أي استقرار أو هدوء سياسي، وكانت الصدامات المسلحة تنشب بين حين وآخر، بعمل بريطاني مرة لتقييد فيصل، أو بانتفاضة عشائرية تقف خلفها مطالب بعضها سياسي يستجيب لمطالب رجال الدين في النجف، في ظل امتلاك العشائر لسلاح يفوق ما تملكه الدولة بذاتها، وبعضها اقتصادي مصلحي بحت من قبل بعض كبار الملاكين والشيوخ، وبعضها قومي عرقي مثل انتفاضات الكرد ابتداءًا بحركة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي الذي قاد حراكا مسلحا ضد الحكومة في نيسان/ابريل 1924.

وفي الوقت الذي كان فيصل يحاول لملمة شتات العشائر، والتوفيق بين المصالح الوطنية والضغوط البريطانية، وينفي في سبيل نفاذ أمره الكثير من الشيوخ ورجال الدين الذين بايعوه في الحجاز ملكا، ويحاول طمأنة العراقيين لسياسته، قامت القبائل النجدية بالإغارة على جنوب العراق في كانون الاول/ ديسمبر 1924، ليدخل العراق في مناوشات متعددة استطاع فيصل فيها أن يحصل على إجماع لمساندته في محاربة القبائل النجدية المدفوعة من ابن سعود.

وفي أواخر أيام الملك فيصل الأول، نشبت مشكلة قوات الليفي وعناصرها من الاثورييين، القبائل المسيحية التي كانت تستوطن سلسلة جبال حكاري، وجلبها البريطانيون مشكلين قوات الليفي من بينها، وبعد قيام الحكم الوطني، رفض الاثوريين تسليم سلاحهم للدولة، الأمر الذي قاد إلى صدام مسلح كانت نتيجته مقتل عدد كبير من الاثوريين فيما سمي بمذبحة سميل، قبيل وفاة فيصل الأول وخلال رحلته العلاجية التي توفي خلالها في ايلول/ سبتمبر 1933 ـ تشير بعض المصادر إلى أن فيصلا توفي متأثر بنبأ ما حدث دون علمه، أبان تولي بكر صدقي لقيادة الجيش العراقي ـ لتسجل نقطة دموية كبيرة في تلك الحقبة المبكرة.

شهد عهد فيصل اضطرابات عشائرية مستمرة، وصدام بين القوات الحكومية والعشائر، بعض الاضطرابات كان احتجاجا على جمع الضرائب على الأرض، وبعضها كان سياسيا بحتا، خصوصا بعد الاضطرابات التي تنامت عقب المعاهدة العراقية البريطانية في حزيران 1930 حتى وصلت إلى إضراب في العديد من المدن العراقية وفي الفرات الأوسط خصوصا.

وبعد وفاة الملك فيصل الأول، ازداد الوضع تعقيدا، وقامت انتفاضات متعددة على الحكومة، مثل انتفاضة الشيخ خوام العبد العباس الفرهود، شيخ بني زريج في منطقة الرميثة، التي كانت استجابة لما طرحه المرجع الشيعي وقتها الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء من احتجاج على ما وجده سلوكا طائفيا لدى السلطة، وعدم إشراك جميع العراقيين في الحكم، الانتفاضة التي قمعت بطريقة دموية أسقطت الكثير من الضحايا عام 1935، وفي ايار/ مايو أعلنت الأحكام العرفية في الرميثة وسوق الشيوخ، وفي أيلول/ سبتمبر تمرد عشائر المدينة في البصرة، وفي تشرين الأول/ اكتوبر تمرد الايزيديين وأعلنت الأحكام العرفية في سنجار.

في العام التالي، وفي تشرين الاول/ نوفمبر من العام 1936، وقع واحد من أهم الأحداث في العراق، والذي سيؤثر على مجمل تاريخه اللاحق، التدخل الأول للجيش في السياسة، إذ قام الفريق بكر صدقي، رئيس أركان الجيش، وبالتشاور مع الملك الشاب غازي بن فيصل، بقيادة انقلاب استهدف إسقاط حكومة ياسين الهاشمي، التي قمعت الانتفاضات الفلاحية التي ذكرناها مسبقا بطريقة قاسية، ولم يتوقف الانقلاب عند إسقاط حكومة الهاشمي وجلب حكومة جديدة نالت ثقة الملك، بل وصل إلى قتل أول وزير دفاع عراقي، الفريق جعفر العسكري، الذي خدم في الجيش العثماني واثبت شجاعة فائقة، وكان من مؤسسي الجيش العراقي بعد قيام الدولة الحديثة عام 1921.

على أي حال، لم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ لم يتلبث بكر صدقي طويلا قبل أن يقتل بدوره في آب/ اغسطس 1937، وتنتهي الحكومة الانقلابية بمسار صدامي.

ثم شهد العراق مرة أخرى حركة مسلحة عنيفة، عرفت فيما بعد بحركة مايس 1941، او حركة العقداء الأربعة، التي أسقطت بدورها حكومة نوري السعيد وجاءت بحكومة انقلابية رأسها رشيد عالي الكيلاني، وخلعت الوصي على العرش الأمير عبد الإله من منصبه، ووضعت محله الشريف شرف، لتسقط بدورها على يد البريطانيين بعد صدامات عسكرية غير متكافئة مع قوات الجيش العراقي، أطيح بعدها بالكيلاني وحكومته في أيار/ مايو، وأعيد الأمير عبد الإله إلى منصبه، وبينما هرب الكيلاني خارج العراق ولم يعد إلى العراق حتى ستينات القرن الماضي، فإن العقداء الأربعة تم إعدامهم مع بعض المدنيين الآخرين المتعاونين معهم، مثل يونس السبعاوي.

خلال الأحداث تلك كلها، كان شمال العراق ـ حيث يقطن الكرد ـ يشهد اضطرابات مستمرة، والحملة العسكرية تلو الحملة، منذ قمع حركة الشيخ محمود الحفيد تباعا إلى سنوات متأخرة، حيث خاض الكرد صدامات مسلحة مع مختلف الحكومات المركزية سواء في الحقبة الملكية أو في الحقب الجمهورية بمختلفها بما يضيق المقال عن حصره، وإذ سبق ان ذكرنا تمرد الشيخ الحفيد، نذكر بعضا من التمردات الكردية اللاحقة، ففي تشرين الأول/ اكتوبر 1943 اعلن ملا مصطفى البارزاني تمرده من بارزان بعد عودته من ايران، واستمر تمرده الى تشرين الاول/ اكتوبر من العام 1945 يهزم ويهرب الى ايران، ثم يعود ويعلن تمرده مرة أخرى في ايار/ مايو 1947، ويظل بمناوشات متفرقة الى ما بعد الانقلاب عام 1958، فيجدد الحركة المسلحة عقب سلام مع الحكومة المركزية، ويعود للحرب في ايلول/ سبتمبر 1961، وتتجدد الاشتباكات في 4 آذار/ مارس 1965 وصولا الى تحقيقه تقدما مهما في أيار/ مايو 1966 وتستمر العمليات بالتصاعد حتى  آب/ اغسطس 1967، وصولا الى شن القوات الحكومية هجوما على مناطق سيطرة البارزاني في كانون الاول/ ديسمبر 1968.

ظلت حالة القلق هذه حتى التقاء صدام حسين ـ كان نائبا لرئيس الجمهورية وقتها ـ بالبارزاني في آذار/ مارس 1970 لتبدأ سلسلة مفاوضات قادت الى اعلان بيان 11 آذار/ مارس لحل المسألة الكردية، الذي بانت بوادر تعثره بقطع المفاوضات في تشرين الأول/ اكتوبر 1972، لتنهار اتفاقية الحكم الذاتي في آذار/ مارس 1974 ويندلع القتال مرة أخرى، حتى توقيع اتفاقية الجزائر بين ايران والعراق عام 1975 التي توقف على إثرها دعم شاه ايران للاكراد، فانهارت حركة البارزاني وأعلن ايقافها وانسحابه الى ايران، ثم اندلاع حرب العصابات في المناطق الكردية الجبلية الوعرة في ايار/ مارس 1976، دون ان يفوتنا ذكر وقوع معارك تشرين الاول/ اكتوبر 1991 بين القوات العراقية والكرد في اربيل والسليمانية وانسحاب القوات العراقية منها، ثم الصدام الكردي الكردي الذي قاد مسعود البارزاني الى ان يستنجد في آب/ اغسطس ببغداد لدعمه ضد حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال الطالباني.

في غضون ذلك كله، كانت المشاكل الداخلية والصدامات العنيفة مستمرة، محاولات انقلابية ناجحة واخرى فاشلة، واعتقالات، وعمليات اغتيال، وصولا إلى انقلاب صدام حسين على البكر، وتوليه منصب رئيس الجمهورية، وإعدام عدد من القيادين البعثيين عام 1979، ولم يتلبث طويلا حتى اندلعت حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران في ايلول/ سبتمبر 1980، لتستمر ثمانية اعوام، وما أن أعلن عن وقف اطلاق النار في 8/ 8/ 1988، حتى اجتاحت القوات العراقية الكويت في الثاني من آب/ اغسطس 1990، ليدخل العراق في مواجهة عسكرية مدمرة مع قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في كانون الثاني/ يناير 1991، التي قادت الى انسحاب كارثي مدمر للجيش العراقي من الكويت، وتندلع على أثره انتفاضة كبرى في آذار/ مارس ضد نظام صدام حسين خرجت خلالها 14 محافظة عراقية عن سيطرة بغداد.

ولم تتوقف تداعيات حرب الخليج الثانية على الحصار الاقتصادي المدمر، بل استمرت تفاعلاتها العسكرية، ففي ايلول/ سبتمبر 1996، أطلقت الولايات المتحدة الامريكية 44 صاروخ طراز كروز لتدمر مواقع القيادة في جنوب العراق، ثم تعود لتقود عملية ثعلب الصحراء في كانون الاول/ ديسمبر 1998 وهي اوسع عملية عسكرية تشنها الولايات المتحدة وبريطانيا منذ حرب الخليج الثانية عام 1991.

وكانت العاقبة الكبرى هي ما ترتب على توجيه الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش في 17 آذار/ مارس 2003، مهلة لصدام حسين بـ 48 ساعة للخروج من العراق قبل بدأ الحرب عقب اتهامه بتطوير اسلحة نووية، ودعم الارهاب، وفي 20 من الشهر ذاته بدأت حرب الخليج الثالثة لتعلن في نيسان/ ابريل 2003 احتلال بغداد واسقاط نظام صدام حسين.

ومنذ العام 2003، بدأت الحروب الداخلية بالتنامي، متخذة طابع طائفي، طرف تقوده الحكومة العراقية بدعم من الولايات المتحدة، وطرف تمثله تنظيمات مسلحة مختلفة، كان بعضها يركز على قتال القوات الامريكية فحسب، بينما مارس بعضها الآخر حرب طائفية معلنة، مثل تنظيم القاعدة، وراح ضحية تلك الحرب آلاف من الضحايا المدنيين الابرياء.

أخذت الامور تنفرج نسبيا بدايات العام 2009، مع استمرار الانفجارات الدموية الكبيرة دون توقف، وصولا الى كارثة انهيار الجيش العراقي في الموصل في حزيران 2014 ومدن أخرى، لتخسر الحكومة المركزية السيطرة على مساحة شاسعة من الاراضي تقارب ثلث مساحة العراق، وتدخل في حالة صدمة عسكرية لم ينقذها منها سوى اعلان المرجع الاعلى في النجف عن فتوى الجهاد الكفائي في 6/ 12/ 2014، التي طالب فيها المواطنين بالتطوع في القوات العراقية والدفاع عن وطنهم، فتتأسست بعدها فصائل عسكرية غير نظامية انضوت لاحقا في مؤسسة عرفت باسم الحشد الشعبي، ودخلت مع القوات النظامية في حرب مفتوحة مع تنظيم داعش (الدولة الاسلامية في العراق والشام)، حرب استمرت حتى اعلان التحرير عام 2016، بمشاركة واسعة من مختلف الأجهزة الامنية والعسكرية في العراق، وبدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، مكلفة العراق الكثير من الخسائر البشرية، وتخريب المدن والبنى التحتية، وظهور فواعل عسكريين جدد من الصعب ضبطهم مرة أخرى ضمن سلطان الدولة العراقية.

هنا، لنا ان نتسائل، ما هي السمة الأبرز التي هيمنت على الدولة العراقية الحديثة خلال عمرها الذي قارب القرن؟ والإجابة الوحيدة هي: الحرب، حرب مستمرة دون توقف، داخليا بين الحكومة ومناوئيها، خارجيا بين العراق وجيرانه، بين العراق وتنظيمات مسلحة عابرة للحدود، حروب اولدت مشاكل اجتماعية معقدة، وصراعات حزبية وإثنية طائفية، قادت بدورها الى أن تشعل حروبا أخرى، وتولد أزمات اكبر، وينمو على هامشها طفيليون استفادوا من اقتصاد الحرب، بالسمسرة، والرشاوى، وفرض الرأي السياسي، وغيرها من المشاكل.

الحرب، هي أم كل شيء في العراق، وعاقبة كل خلاف سياسي فيه، بسبب عدم الاتفاق على العقد الاجتماعي المؤسس للدولة، ولا ريب والحال هذه أن تستمر الحرب، ما دامت القوى السياسية العراقية الممثلة للإثنيات غير قادرة على أن تقدم من بين رجالها آباء مؤسسون يبنون الدولة، ويركزون دعائمها.

الصورة: دمار الجيش العراقي بعد الانسحاب من الكويت، طريق الموت.

د. مها عبد اللطيف الحديثي

(1)

كيف ترثي معلما؟ أو معلمة بالأحرى؟ كيف تصف مشاعرك تجاه شخص أغلق الموت عينيه، بعد أن فتح هو عينيك على الدنيا؟

(2)

في المرحلة الأولى من كلية العلوم السياسية، كان ذلك عام 2005، سألنا الطلاب الأقدم عن طبيعة كل قسم من أقسام الكلية، وبدأ احدهم بتبيان الأقسام، كانت لدينا أربعة أقسام، النظم السياسية والسياسات العامة، السياسة الدولية، الاستراتيجية، العلاقات الاقتصادية الدولية، عادة يفضل الطلاب قسمي العلاقات أو السياسة الدولية والاستراتيجية، لأسباب متعددة، أما أنا، وما أن شرح لي الزميل المذكور معنى الاجتماع السياسي الذي تتركز الدراسة حوله في قسم النظم السياسية والسياسات العامة، إلا واخترته دون تردد، دون نقاش، هذا هو شغفي في الحياة، أن افهم كيف يتصرف الانسان ككائن سياسي.

(3)

ماذا يفعل المعلم؟ حسنا، كما قال مصطفى جمال الدين يوما:

تأتيه أجساد فيصنع روحها

والطين لولاه الكثير الأوفر

(4)

في المرحلة الثانية لدراستي البكلوريوس، كانت السنوات الأكثر التهابا في بغداد، قتل مجاني، سيطرات وهمية، وكنت قد تقدمت بطلب تأجيل السنة الدراسية، ووافقت الجامعة على طلبي، ولكنني وبعد مضي أكثر من شهر ونصف على بدء الدراسة قررت إلغاء التأجيل والعودة لقاعات الدرس، فذهبت إلى الكلية بهذا الطلب، يومها، وفي ذروة ذلك الخبل الطائفي، رفض معاون العميد طلبي، وقال كلاماً مضمونه أنني اضحك على الحكومة، وحين كدت أن أيأس، ذهبتُ لها، وكانت رئيسة قسم النظم السياسية والسياسات العامة، قسمي، وأخبرتها بما قاله، سحبت نفسا من سيجارتها وقالت: مو بكيفه، طالب يريد يكمل دراسته يمنعه؟!! اللي يجي بهاي الظروف حتى يدرس متفضل اصلا، اكتب طلب، وكنت قد كتبتُ الطلب على ورقة هزيلة، فزجرتني وقالت: هي هاي ورقة؟! وناولتني ورقة بديلة كتبت بها طلب إلغاء تأجيلي، فأخذته وطارت به، وما هو إلا يوم وآخر، وإذا بها تأتي بموافقة إلغاء قرار مجلس الجامعة بتأجيلي، وتعيدني إلى الدراسة.

(5)

بعد كل تلك السنوات، لا يزال معاون العميد القديم يرفض طلب صداقتي على الفيسبوك، بينما أقف باكيا ناعيا للعظيمة التي كان أول احتكاكي بها أن لبت طلبي وهي دونه في الصلاحيات الادارية.

(6)

كانت المحطة الثانية مع بداية الفصل الدراسي الثاني، والدارسين في النهرين يعرفون أنها تعتمد نظام الفصول الدراسية، فندرس ثمانية مواد في الفصل الأول، وثمانية أخرى مختلفة عنها في الفصل الثاني، وفي الفصل الثاني، كانت محاضرة علم الاجتماع السياسي، وأستاذة المادة هي تلميذة أبو الاجتماع السياسي العربي، مؤسس قسم النظم السياسية في العراق، العلامة الدكتور صادق الأسود، وهي الأستاذة، الراحلة الكريمة.

ابتدأت اليوم الأول بفتح كتاب الدكتور الأسود (علم الاجتماع السياسي أسسه وأبعاده) ذهبت إلى الفهرس، وبدأت بتحديد المفردات التي سوف ندرسها من بين ما تضمنه هذا الكتاب الضخم، ثم انفتلت تدرس المواد محاضرة فمحاضرة، تقف بك على دقائق هذا العلم، تمنحك مفاتيحه، تفتح أبوابه المعقدة وتغوص بك وتغوص، تورد النظرية، ثم تنثني لشرح تطبيقاتها، وفي العراق خصوصا، ولا زال شرحها لتأثير الفراتين على مزاج العراق يدور في رأسي ليفتح لي الكثير من مغاليق هذا البلد وناسه، وفي غضون شرحها ذاك، تنفث دخان سيجارتها، واحدة تلو الأخرى، غاضبة من الخبل الذي يضرب بلدها، بلدها الذي تعشقه وتهيم به حبا، حتى يبلغ بها السخط أوجه، فتتوقف عن الكلام وتخرج، ثم تعود لتكمل المادة دون كلل أو وجل.

(7)

كانت حريصة، حريصة على كل شيء مثل استاذة مثالية تجد كل الطلبة أبنائها، وممتلكات الكلية ممتلكاتها، اذكر مرة أنني دخلت معها مكتبها بعد المحاضرة، أول ما دخلت، انتبهت أن المدفأة قد أحدثت حرقا في خزانة خشبية في المكتب، يبدو ان احدهم نسيها حين قطعت الكهرباء وخرج، فدخلت المنظفة دون أن تدري فأزاحتها وألصقتها بالخزانة، ليحدث ما حدث، بقيت تردد: لااااا مو خوش خبر مو خوش خبر، تأسفت كثيرا لتلف جزء سطحي من الخزانة، أشعلت سيجارة، ثم أضحكها أحد الطلبة بنكتة ما، وتهلل وجهها السمح لما قاله ابنها الطالب.

(9)

لم تكن تنادينا بغير: أبنائي.

(10)

في الماجستير، بدأت علاقة أخرى معها، مختلفة، وإن كانت بذات الانضباط، درستنا مادة المنهجية وشيء من التذكير بعلم الاجتماع السياسي، وكنتُ قد فهمت مزاجها وعرفت ما تريده، وصرت انصح طلبة المنافسة على الدراسات العليا بما يفترض أن يركزوا عليه حينما يقرأون كتاب الدكتور الأسود لأجل الامتحان التنافسي، على أي حال، كانت كما عهدتها، ممتلئة علما ومحبة بحزم، وكان السخط قد بارحها بدرجة كبيرة مع هدوء البلد، وعودة الحياة، يا الله لكم احببت أن اجلس أمامها كتلميذ استمع منها واتعلم.

(11)

دارت السنتين، وصارت عضوا في لجنة مناقشتي رسالتي، وفي تلك المناقشة، قالت لي من أول لحظة: هذه أطروحة دكتوراه وليست رسالة ماجستير، ولو بيدي لجعلتها منهجا دراسيا، وانصح كل الطلبة الجالسين في القاعة بقرائتها، وانفتلت تناقشني بمحبة وحزم، ومن بين أساتذتي الأجلاء الذين ناقشوني، كانت هي أكثر من ألححتُ بنقاشه، لسبب وحيد، كانت هي أكثر من أردت أن لا أبدو مخطئا أمامه، ألححتُ حتى قالت لي وهي تحضك بمحبة، وتنظر لي بفخر: كافي علي تعبتني، فصمتُّ.

(12)

كانت مهابة، لا يجرؤ أحد من طلبتها على الكلام بما يغضبها، بعضنا ـ طلبتها ـ نال الاستاذية، وبقي يخاف منها، يخاف بمحبة ومهابة.

(13)

حين عرفت أنني سأزور لندن، اتصلت بي وقالت إياك أن تأتي ولا أراك، واتفقنا، ولكن حظي السيئ، وقصر زيارتي منعتنا من اللقاء، فبقيت حسرة تعتصر قلبي لأنني لم أرَ وجهها السمح للمرة الأخيرة قبل أن تغادرنا إلى بارئها.

(14)

خلال سنوات عمرها، درست المئات، وأشرفت وناقشت المئات من أطاريح الدكتوراه، ورسائل الماجستير، فضلها في أعناق المئات من الطلبة الذين نهلوا العلم بين يديها، كانت أمينة على تراث أستاذها الدكتور صادق الأسود، مبدعة فيما تكتبه أو تدرسه، ولكن ما أتيه به فخرا هو آخر رسالة كتبتها لزميلي الدكتور حسن سعد، قالت له لا تنسى أن توصل سلامي لعلي المعموري والدكتور نصر العزيز، انت وعلي ونصر افتخر بكم رغم اعتزازي بالاخرين، انتم الأقرب لقلبي أبنائي الأحبة.

كانت هذه آخر كلماتها له، ولي، آخر ما كتبته: للأسف ما مكتوب نتشاوف.

اي والله دكتورة للأسف

 

 

 

العقل الشعري والعراقيين

علي عبد الهادي المعموري
حسنا، بداية لابد من أن أوضح شيئا مهما، أنا من الذين صرعهم الشعر، أنا عراقي ابن عراقي ابن عراقي، الشعر جزء من زادي ومما اتقوت به للمرور عبر هذه الحياة الملغومة آمنا، اقرضه احيانا مثل أي عراقي آخر دون أن ادعي جبروته، ولعلي أزعم بأنني من بين أكثر الناس تفهما وتقبلا لنرجسية الشعراء وتيههم وظن الكثير منهم بأنهم يمسكون حقيقة كل شيء، وفي الواقع، ومع الاقرار بنسبية الحقائق، فإنهم لا يعرفون سوى الصورة التي يريدونها عن الحقيقة، الصورة التي اصطنعها عقلهم الشعري، وتضخمت حتى ملئت ارواحهم وصيرت الكثيرين عدائيين في تسويق صورتهم عن الحقيقة، والدفاع عنها، وسلها في وجه الآخرين مثل منشار يعمل بالديزل.
لماذا يحدث هذا؟ إنه العقل الشعري، عقل بطبيعته عاطفي، حساس، يلتقط ما لا يدركه الاخرون، الخفي الذي لا ينال، ولكنه وهم في ذات الحين، العقل الشعري مندفع، متهور، اناني، تتملكه نشوة الانا الاعلى، هوس بالمحال، عقل يركز في الضيق ويعزب عن العام الأشمل المتشج مع كل شيء، عقل غير تحليلي، غير استقرائي، مكينة تعمل بالحدس، بالتخيل، بآلية من احتمال يُظن به الشمول وهو جزئي، منقطع، غير قادر على تجميع الاسباب والعودة بها الى المسببات، هو عقل فرداني، يطفو على الجمع ينظر له من عليائه ولا يجيد تحليله، لكنه يستطيع أن يبتدع له وصف يعجز العقل ويدهش الجنان، يطير بك ولا يحط، ولكنه هباء، مخدر فيما يبدو كفنجان من الكافايين.
هل لاحظت؟ أنا اتحدث عن العقل الشعري وليس عن الشعراء، قد تجده في شاعر، وقد تجده في ميكانيكي، أو طبيب، أو استاذ جامعي، العقل الشعري أبعد ما يكون عن العقلانية، لا يعرف الحد الوسط، هو ابن التهور، لهذا يكون الشعر عنصرا استثنائيا، جارفا، مبهرا، لكنه لا يبني ولا يصنع الحقيقة.
لا اذكر الان بالضبط من قال أن العقل العراقي عقل شعري، بعكس العقل المصري الذي هو عقل تحليلي، لهذا فشلنا في بناء الدولة، من يصنع الرأي العام لدينا شعراء، وكينونة الشعر أبعد ما تكون عن النظام، والتوازن، والمرونة، والنسبية، التي هي عماد عناصر الدولة، لهذا لم نجد طه حسين عراقي، ينقد بعمق، ويفند بتحليل، وجدنا شتامين، الحياة بالنسبة لهم أسود أو أبيض، وادعاء مطلق بامتلاك الحقيقة، الحقيقة المتخيلة.
حبايب الروح الشعراء، بعضكم هنا أعده من خاصة أهلي، ممن لا اصبر على زعلهم حتى أنني اتجنب الخوض أمامهم بالكثير مما اتبناه من آراء، لخوفي من مجرد زعلهم وتكدير خواطرهم، لكن، بعض رفاقكم لا يعدون ما قلته، ينفتلون في الطرقات يتعاملون مع كل شيء بشكل شخصي، يظنون أنهم يحملون مهمة إصلاح العالم وكشف زيفه لتقديمه على طبق الحقيقة المطلقة للعامة، كأنهم انصاف آلهة مكلفين بقيادة البشرية نحو خلاصها، يريدون الكتابة والحديث حول كل شيء، وكل ما يمر في طريقهم يبدو وكأنه موجه لهم، كل الاخرين مزيفين وهم التجلي للمضمر الاصيل، الاخرون على خطأ وهم الذين مخروا عباب كل صحيح مطلق، الاخرون تملكهم العفن وهم الاطهار، بنو آدم جبناء ناقصي الرجولة وهم بشجاعة الف عنترة وعزم ألف هرقل، اذا قال امرئ قولا وجدوه موجها نحوهم، فيهبون لطحنه كأن أُسد نفّرتهم من مراتعهم.
يظنون أنهم قادرين على فهم السياسة، والدين، والمجتمع، وكل ما بين سماء الله وارضه، لا يعرفون حدودهم وقدرتهم، وإلا بربك شخص قضى عمره يعارك حماسة البحتري، ومساجلات المتنبي، ونفاجة سعدي يوسف، واقتحامية النواب – سلام الله عليه – كيف يعرف الفرق بين النظام والمؤسسة؟ بين الدولة والسلطة، بين التنظيم والنظام والحكومة والنظام السياسي، مفهوم المثقف لديه ملتبس، كيف لمنظّر أدبي أن يفتي في السياسة، مثل هذا، لن يحاورك، لن يفهمك، لانه لا يريد ان يفهم او لان ادوات فهمه مختلفة، يريد فرضها عليك لا يتفق الشعر والنظام، أي نظام، الشعر ابن الفوران، ابن المسيل الجارف، الشاعر ابن الصدام، يريد أن يجرك إلى النزال لاجل النزال.
الذين تملكهم العقل الشعري لا يستطيع احدهم أن يحاورك بأدب دون استخراج الشتائم التاريخية من كيسه، دون عبارات جاهزة واتهامات مسلوقة الف مرة، يطلقها كبصقة في وجهك بغل، يشتم فكرتك حول التاريخ ويعيرك بها، على الرغم من أنه في الواقع ابن سردية تاريخية مضادة لا اكثر، لن يتمكن من كتابة شيء دون شتيمة وتخوين، هذا قالب جاهز يمكنك ان تضع فيه الكثير من ثوار الفيسبوك.

عمارة عراقية من بغداد

هذه التدوينة صورية، لبعض منشآت بغداد، بيوت وعمارات تجارية.

  1. خان مرجان، شيد سنة 760 هـ

بوابة الخان

تفصيل من احد شبابيك الخان

2. تفاصيل من شارع الرشيد

 

رفع المستأجر احد الأبواب الخشبية ووضع محله باب المنيوم قبيح، في الطابق الثاني

3. تفاصيل من الكاظمية منزل مبني عام 1944

منزل آخر

الشيخ والفلاح في العراق (1917-1958) مراجعة نقدية

علي عبد الهادي المعموري

هذا العنوان هو اطروحة د. حنا بطاطو للدكتوراه، ويعرف الباحثون بطاطو بعمله المهم (العراق) باجزاءه الثلاثة، كتاب تأسيسي لا يمكن للباحث في تاريخ العراق الحديث أن يتجاوزه.
أما اطروحته، فقد وردت أغلب معلوماتها في كتاب العراق، ولكنها تميزت عنه بالتركيز على تحليل موقع شيوخ العشائر اجتماعيا، من أين يكتسبون سلطتهم، وكيف سيطروا على الأراضي، واختلاف نوع سلطة الشيخ من إقليم إلى آخر في العراق.
الاطروحة تترجم للمرة الأولى، وصدرت عن دار سطور في العراق، ودار سومر في لوكسمبورغ بترجمة د. صادق عبد علي طريخم، وتقديم د. سلمان الهلالي.
ويُشكر للمترجم سعيه للحصول على الاطروحة، واستحصال حقوق ترجمتها، وبذله جهد شخصي كبير وعناء لا يُنكر في سبيل هذا المشروع، مما يوجب شكره على هذا.
ولكن، وعلى أي حال، ما ذكرناه لا يمنع الباحث من نقد الترجمة والكتاب، أمر سبق ان فعلته بنفسي مع ترجمة عفيف الرزاز لكتاب العراق، حيث دونت العديد من الاخطاء التي وقع الرزاز بها لأنه ليس عراقيا، وكذلك نقدت بعض استنتاجات المؤلف رحمه الله، مما وجدت فيه وهما او توجيه لبعض الأمور باتجاه لا يوافق فكرتها الأساس، لأن المؤلف وإن نبش عميقا في التاريخ الاجتماعي العراقي فإن بعض الأمور فاتته، فهو غير عراقي بالنهاية، كتبت ما كتبت، دون أن انتقص من ترجمة الرزاز واللغة المحكمة السبك التي جاءت بها، فالرزاز مترجم محترف متمكن من اللغتين.
على أي حال، الأمر لن يختلف مع ترجمة الشيخ والفلاح، إذ كتبت ملاحظاتي عليه، وأرجو أن يتسع صدر المترجم د. صادق، ومقدم الكتاب د. سلمان لما سأكتبه من نقد للكتاب.
فبالرغم من الفائدة الجليلة التي اسديت إلى الباحثين، لكن لكن الترجمة وطبع الكتاب لم يكونا على قدر الكتاب برأيي، ومن عدة نواحي.
فمن ناحية إخراج الكتاب، جاء حافل بالاخطاء الاملائية على طوله، عدم تمييز بين الألف المفتوحة والمكسورة وهمزة الوصل بطريقة لا تكاد تخلو صفحة منها، اخطاء في التنضيد ودمج بعض الكلمات مع بعض، وغيرها.
أما علامات الترقيم، فنادرا ما تجد فارزة في الكتاب، ووضعت بدلا عنها نقطة نهاية كل جملة داخل الفقرة الواحدة، كما في نهاية كل فقرة، الأمر الذي يربك القارئ، فالفارزة تؤدي وظيفة تختلف عن وظيفة النقطة، وتبديل مواضعهما يزري بالاخراج الفني للكتاب.
من ناحية أخرى، وبمقارنة لغة الترجمة بلغة الرزاز نكتشف بونا شاسعا بالسبك، وتكثيف المعنى ونقله ببلاغة، الترجمة ضعيفة السبك ولغتها غير جذابة.
بالمناسبة، صورة الغلاف بظني لمجموعة من الصابئة العراقيين، ولا اظنها تناسب محتوى الكتاب لو صدقت ذاكرتي بشأنها.
كذلك، فإن تصرف المؤلف وتقسيم الكتاب إلى مباحث لم يكن موفقا، المؤلف، ومقدم الكتاب د. سلمان الهلالي كلاهما اكاديميان، ومسألة تقسيم الدراسة إلى مباحث بهذه الطريقة لم تكن موفقة، فلا ترك المترجم الكتاب كما جاء في صورته الأصلية، ولا هو قسم الكتاب إلى فصول ومباحث كما هو متعارف عليه، وكما يطلبه كأكاديمي من طلابه، حتى جاء مبحث كامل بصفحة واحدة!
من جانب آخر، وفيما يخص التعليقات التي وضعها المترجم على الكتاب في الهوامش، فإن بعضها جاء موفقا بينما لم يوفق في بعضها الآخر، واستطرد أحيانا فأضاف هوامش لا ترتبط بالمتن، مثل ما ورد في الهامش 1 ص61، بل انه ذكر في الهامش ص99 ما ذكره المؤلف في المتن نفسه، أو في الهامش 2 ص38، والهامش 1 ص61، وفي مواضع أخرى، يشرح المؤلف في الهامش شيئا شرحه المؤلف بعد صفحات من الهامش، مثل شرحه لمصطلح السركال والسراكيل، ناهيك عن بعض الاحكام التي اطلقت دون مصدر، مثل الهامش رقم 1 ص140 والهامش رقم 3 ص141.
أما الحكم المطلق غير النسبي الذي تبناه المترجم في الهامش 3 ص183 حيث قال: (يقصد المثل الشعبي الدارج (اللي ياخذ امي اصيحله عمي) وهو دلالة على اللاأبالية والسلبية التي يتميز بها أغلبية الناس في المجتمع العراقي تجاه الاحداث والمواقف السياسية) وهذا العبارة من الخطاب السلبي الدائر الذي صرنا نسمعه ونقرأه يوميا على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، من هجوم وشيطنة للعراقيين دون تحليل للاحداث والاسباب، المترجم اطلق خطابه هذا متجاهلا التحليل العلمي القيم الذي قدمه المؤلف رحمه الله في الصفحة التالية (184) لما يصنعه الفقر من سلبية تجاه الشأن العام، دون حكم سلبي على أغلبية المجتمع، ولا أعرف كيف قاس الدكتور المترجم الفاضل هذه النسبة، حكم ناقض نفسه فيه حين كرر فكرة المؤلف في الهامش 2 ص184 حينما حلل دور العوامل الاجتماعية في تكوين السلوك الجمعي تجاه الاحداث، فأي الهامشين فعلا يتبناه المترجم؟
حقيقة، تمنيت لو لم يتورط المترجم بوضع تعليقات واستنتاجات شخصية من حضرته، خصوصا ان الكتاب موضع الترجمة ليس ضمن تخصصه العلمي، الأمر الذي قدم احكاما مربكة، مثل ما ذكر اعلاه.
على أي حال، وكما فعلت مع كتاب العراق، ادون ملاحظاتي مرقمة هنا:
1. ص40 اظن أن المقصود هم بنو خيكان في المجرة، وليس بنو خيكان والمجرة كما جاء في الكتاب، التي بدا ـ المجرة ـ وكأنها فخذ آخر من قبيلة بني مالك وليست مكانا يسكنه بنو خيكان.
2. ص50 ورد اسم (آل دودا) ولعل المقصود هو (آل الددة).
3. ص55، آل أبو التمن ليسوا سادة، وهو خطأ من المؤلف.
4. ص63 ورد خطأ في الهامش 1 وهو من تعليقات المترجم، اسم مؤلف كتاب اختراع العراق هو دوبي دوج وليس روبي.
5. ص58 كتب أن خوام العبد العباس هو شيخ بني زيرج، وهو خطأ، إذ انه شيخ بني زريج وليس الازيرج، وتكرر الخطأ مرة أخرى ص132 حين قال (خوام العبد العباس شيخ بني ازيرج).
6. هامش 3 ص73، ما ذكره المترجم عن الاثوريين وقوات الليفي غير دقيق، الآثوريون نزحوا إلى العراق من منطقة حكاري في جبال الاناضول أواخر العهد العثماني في العراق، وأسس البريطانيون من بينهم قوات الليفي عام 1914 وكان معهم الهنود، وفي 1915 صارت الليفي قوات آثورية خالصة، مليشيا تتبع البريطانيين لقمع المواطنين المحليين، واحتفظوا بسلاحهم ورفضوا تسليمه للحكومة حتى عام 1932 حين قمعهم بكر صدقي بعد سفر الملك فيصل الأول إلى سويسرا، عراقيتهم لا ترقى إلى عراقة الجماعات العراقية الأخرى ولا صله لهم فعلا بالاشوريين القدامى في العراق، ربما من الجيد قراءة الكتاب الذي ترجمه الدكتور مؤيد الونداوي عن الليفي، وما كتبه الاستاذ باسم فرات بهذا الشأن.
7. ص89 ورد خطأ في اسم الديوانية.
8. ص195 ورد اسم (الشاهنية) وهو خطأ إذ المقصود (الشحنية) وهم الحراس، فترجمت كما لفظت بالانجليزية.
9. ص108، وفيما يخص العريضة التي رفعها الشيوخ إلى الملك بشأن استعمال الملك فيصل للضباط الشريفيين السابقين في الادارات العامة والوزارات وما شابه من مواقع المسؤولية الحكومية، وكما ذكرها أيضا حنا بطاطو في كتاب العراق، ولكن الترجمة هنا جائت ملتبسة فلم يتبين المقصود إذ كتب ((ففي 1922 طالب 40 من الشيوخ المؤيدين لبريطانيا بعريضة إلى الملك وبإشارة واضحة إلى تعيين متصرفين من الموظفين القوميين من أنصار الشريف السابقين وتعيين رجال أعمال وزعيم قومي شهير هو جعفر ابو التمن كوزير للتجارة “بالاستماع إلى مشورتهم وأن يختار للحكومة من هو كريم المحتد والنسب لأنهم مصدر موارد البلاد ومصلحة الدولة تهمهم وتهم عشائرهم))، ماذا يفهم القارئ من هذه العبارة؟ إن الذي لم يقرأ كتاب العراق لحنا بطاطو سيلتبس عليه الأمر ويظن أن المقصود هو مطالبة الشيوخ بتعيين الضباط الشريفيين في هذه المناصب وليس الاعتراض على تعيينهم، كما أن الملاحظة بشأن أبو التمن أيضا غير دقيقة سواء وردت من المؤلف نفسه أم ان الترجمة الملتبسة أوحت بها، في كتابه العراق اثنى كثيرا على ابو التمن، وأوضح شعبيته الواسعة والاحترام الذي يحظى به بين العشائر ورجال الدين، وجهوده الوطنية والكلمة المسموعة له بما يجعل المطالبة بتنحيته عن منصبه أمر مستبعد، حقيقة لم أجد من يهاجم أبو التمن يوما سوى شخص من الفسابكة الدائرين في مواقع التواصل الاجتماعي ينحدر من أسرة قديمة غاشمة هاجمه لأنه لم يقم بالواجب مع زوجة المرحوم الفريق جعفر العسكري حينما كان وزيرا في حكومة حكمت سليمان أيام انقلاب بكر صدقي وطعن بنسبه دون دليل.
10. وهنا أيضا اشير إلى ملاحظة المؤلف نفسه حول الموضوع، من أن هذا الترفع الفيكتوري مما اوحى به ضابط بريطاني إلى الشيوخ فتلقفوه وتصرفوا بموجبه، حقيقة ان موضوعا الطبقية وكرم المحتد ورفعة النسب والاعتزاز بهما والترفع على اساسهما ليس بالجديد الطارئ على العراقيين والعرب، منذ القدم كان السادة لا يزوجون بناتهم لغير السادة، والخزاعل لم يكونوا يزوجون بناتهم لغير الخزاعل أو السادة، والطبقية موجودة دون التباس عند الدول الاسلامية، يعني ليس في الموضوع تأثيرات بريطانية كما ذهب المؤلف، وهو ما كرره أيضا لاحقا في كتابه العراق، وفي الأمر شيء من المبالغة في التأثير الكولونيالي لا أعرف كيف وقع المؤلف تحت تأثيرها.
11. ص118، ورد اسم مقاطعة (السيكال) والصحيح هو (الصيقل) أو (الصيـﮕـل)، كما ذكرت في عدة كتب، منها مباحث فراتية للمؤلف المرحوم السيد فيصل غازي الميالي.
12. ص123 سقط اسم علي جودت الأيوبي، فجاء هكذا (جودت الأيوبي)، وهو خطأ طباعي فيما يبدو.
13. في الهامش رقم 1 الذي وضعه المؤلف ص 128، كتب المؤلف هذا الهامش الذي انقله بالنص رغم طوله: (بعد الحرب العالمية الثانية ونتيجة لتداعيات الحرب الباردة (1945 – 1990) بين المعسكر الغربي والمعسكر الاشتراكي الشرقي هيمنت التوجهات الثورية واليسارية على المشهد الثقافي والسياسي للمجتمع العراقي، وأصبح هدف الانتلجنسيا العراقية هو تقويض النظام الملكي واسقاطه، وكان المحرك الاول لهذا التوجه هو تبنيها للتيارات الثورية والتأثر بخطابات جمال عبد الناصر والثورة المصرية) ولي أن أسأل الدكتور الهلالي، هل أنت مقتنع بهذا الكلام والحكم التاريخي الذي دلّس على الطريقة المعروفة عند أهل الحديث بين سنوات طويلة وتيارات متعددة بهذه الطريقة؟ ولي أن أسأل الاساتذة المختصين إذا كانوا مقتنعين بهذا التعليق الذي فضلا عن عدم الحاجة إليه في الكتاب فإنه ملتبس تماما.
الحرب الباردة بدأت كما ذكر المترجم فعلا عام 1945، بينما وقعت الثورة المصرية عام 1952، ولم يستلم عبد الناصر السلطة فعليا إلا بعد تنحية محمد نجيب عام 1954، فكيف أثر عبد الناصر على الخطابات الثورية منذ بداية الحرب الباردة ونهاية الحرب العالمية؟
وإذا كان الحال هكذا فلم أرهق حنا بطاطو نفسه في كتاب العراق بأجزائه الثلاثة الضخمة بتتبع جذور الفكر الاشتراكي وتاريخ الحزب الشيوعي في العراق منذ بداية القرن الماضي، ومراحل المد والجزر في حياة التيارات الثورية في العراق قبل ان يُقبل جمال عبد الناصر في الكلية العسكرية؟
هل فعلا كان هدف النخبة العراقية بكل تياراتها المختلفة هو تقويض النظام الملكي؟ كلهم بدون استثناء؟ على أي اساس يقدم أكاديمي مثل هذا التعميم؟ الحقيقة أن ولا حزب عراقي بما فيهم الحزب الشيوعي كان يفكر باسقاط النظام الملكي إلى وقت قريب من انقلاب 14 تموز في العراق كما يذكر د. عامر حسن فياض، وأن الأمر برمته كان مرتبط بهوس الضباط وتطلعهم إلى السلطة والإفادة منها وتعزيز مكانتهم التي حوصرت منذ حركة العقداء الأربعة الفاشلة بكل اخطائها.
تأثيرات جمال عبد الناصر الفعلية لم تبدأ إلا بعد انقلاب 14 تموز، والهامش باكمله ملتبس ويخلط بين عوامل كثيرة بطريقة خاطئة.
14. ص130، الهامش 2 من المترجم، ذكر بيت شعر للجواهري بطريقة خاطئة، والبيت ورد في قصيدته (عميد الدار) التي قيلت لتكريم الدكتور هاشم الوتري عميد الكلية الطبية العراقية، حيث أن البيت الصحيح كالتالي:
وبأن أروح ضحى وزيرا مثلما……….أصبحت عن أمر بليل نائبا
15. ذكر بتكرار اسم (الشهلاء) لوصف المقاطعة التي تخضع لآل الصيهود من شيوخ البو محمد، فمرة يذكرها الكحلاء، ومرة يقول الشهلاء، وبرر المترجم ذلك بأن المؤلف نفسه ذكرها باملائين مختلفين ـ في نقاش على صفحات الفيسبوك ـ ولكن لو كان المؤلف وقع في وهم فلا يمكن تكرار وهمه، خصوصا أن ناحية الكحلاء معروفة، الأمر تكرر مع قضاء المجر الكبير الذي ترجمه المؤلف باسم (المجر الأكبر) ص145، وكرر الاسم اكثر من مرة.
16. ص154 ورد اسم قبيلة الازيرج مكتوبا هكذا (الزيرج) وهو خطأ، والصحيح ما اثبت هنا، الازيرج.

أما مقدمة الكتاب، فبالرغم مما أجاد د. سلمان بذكره عن منهجية الكتاب وأهميته ومطالبه، لكنني اود ان اناقشه ببعض الأمور.
فلو تجاوزنا الحكم المطلق الذي كتبه الدكتور في أول كلامه بشأن المجتمع العراقي، وانتقلنا مباشرة إلى ما كتبه ص8 عن الوجود العربي في العراق، وأنه لم يستطع تغيير هوية المجتمع العراقي حتى الفتح الاسلامي الذي “استطاع تغيير الهوية الحضارية العراقية، والتحول نحو الثقافة العربية والديانة الاسلامية، من خلال السلطة السياسية والاستيطان العربي والهيمنة الاقتصادية” كما كتب بالنص، وهنا لي أن أسأل الدكتور الهلالي عن معالم تلك الهوية العراقية التي غيرها العرب الموجودين قبل الفتح أصلا، وبكثرة غالبة قادت إلى أن يسمي الفرس العراق بـ(تيازي) نقلا عن السريانية التي تصفه باسم (طيايي) نسبة إلى قبيلة طي العربية، وهي واحدة من قبائل كثيرة استوطنت العراق وهيمنت على جغرافيته وورد ذكرها في المدونات التاريخية منذ القرن الثالث الميلادي، كما فصل د. نصير الكعبي ذلك في كتابه الذي سبق لي أن عرضته، ما هي معالم تلك الهوية، وتمثلاتها التي انتزعت؟
كما أن من المهم الإشارة إلى أن (الخزاعل) لم يكونوا حلف عشائري ـ كتب الدكتور اتحاد، وهي كلمة غير متعارف عليها في العهود التي تقوم بين العشائر، ويقال لها أحلاف ـ نعم، كانت لهم احلاف معينة تتفعل أيام الحرب حين ترفع الراية، وتنتهي حين تنتهي الحرب، مثل حلف (چبشة) ـ بالجيم الفارسية ـ مع عدد من القبائل في الفرات الأوسط، أما الخزاعل بذاتهم فليسوا حلفا، بل قبيلة، ووصفهم بالحلف ص9 يناقض تعريف القبيلة الذي ساقه د. الهلالي ص8، ووصف الخزاعل بأنهم حلفا كرره المؤلف حنا بطاطو ص48 وهذا خطأ.
ص10، كان من المهم الاشارة إلى أن العثمانيين لم يطبقوا نظام الالتزام في الفرات الأوسط، وتم تطبيقه على الجنوب والمنتفك.
وبينما ذكر الدكتور الهلالي ص12 دور البريطانيين في انعاش العشائرية وتعزيز سلطة الشيوخ وفق رأي هنري دوبس مهملة رأي ستيفن همسلي لونكريك، فإنه عاد نهاية ص13 ليقلل من قيمة الدور البريطاني، فأي الحكمين نأخذ به؟
هذا أبرز ما استطعت تدوينه من ملاحظات على الكتاب وترجمته، أما الاخطاء الإملائية فأكثر من أن أحيط بها، ويستوجب مراجعة الكتاب من قبل مدقق لغوي قبل طبعه مرة ثانية.
ولا يفوتني أن اختم حديثي هنا بشكر المترجم لتصديه لهذا العمل الجليل، وما دونته ليس فيه أي دافع شخصي إذ لا توجد معرفة سابقة بيننا، ولولا أهمية الكتاب وجلالة قدره لما كتبت ما كتبت، وقد كتبت مثلها على كتاب العراق، ونوهت إلى تدخلات المترجم أيضا وما كتبته منشور في ذات هذه المدونة (اسى عراقي)، وكلي أمل أن يتسع صدر المترجم والمقدم لما كتبته، حرصا مني على الكتاب، وضرورة أن تتم مراجعة الطبعة الثانية لأهميته الفائقة، ولكي يكون مفيد للجميع، لأن الكتاب بصيغته الحالية قد يكون مفهوما بالنسبة للمتخصصين ولمن سبق له قراءة كتاب العراق لحنا بطاطو.

1/ 1/ 2019

مباحث فراتية في الجغرافية والتاريخ والآثار (الجزء الأول)

مباحث فراتية في الجغرافية والتاريخ والآثار (الجزء الأول)

تأليف السيد فيصل غازي الميالي

طبع هذا الكتاب في النجف عام 2009، بنسخ قليلة، وتفضل نجل المرحوم المؤلف بإعارتي نسخته الشخصية لأقرأه، وأخبرني أنه يعتزم إعادة طباعته مع الجزء الثاني سوية.

الكتاب مبهر، فالمؤلف عارف بالفرات الأوسط بشكل استثنائي، وهو إذ يحاكي يعقوب سركيس في كتابه مباحث عراقية، فإنه يتميز بدوره بوفرة كبيرة من المعلومات، مع تحليل مركز على بعض القضايا التاريخية والعشائرية والآثارية التي يتميز المؤلف بسعة اطلاعه عليها.

فقد أتاح له عمله في مديرية الإصلاح الزراعي وفي لجان تنفيذ قانون الإصلاح فضلا عن سكرتارية المجلس الزراعي للواء الديوانية لمدة طويلة أن يكون على اطلاع تام بالنزاعات العشائرية حول الأراضي وحدودها ومن يسكن فيها، فضلا عن تضلعه في التنقيبات الآثارية في الفرات الأوسط ومعرفته بمعالمه الآثارية.

والكنز الحقيقي في هذا الكتاب لا يكمن في إحالاته الكثيرة إلى الكتب المختصة، وإن كان له فضل كبير في تعريف القارئ بهذه المصادر التي صار بعضها نادر ومفقود، خصوصا المخطوط منها، ولكن فضله الكبير يتعلق بشكل أبرز بما دونه من معلومات شفاهية عن ألسنة المعمرين، وشيوخ العشائر، ومن شهد العديد من الوقائع التاريخية في العراق من بين كبار السن، فضلا عن تحليلاته المهمة حول بعض الأماكن الأثرية في الفرات الأوسط.

الكتاب كنز من المعلومات عن الفرات الأوسط، وفيه توضيح للعديد من الالتباسات والمغالطات التاريخية بشأن الرجال والأمكنة، وإني لألتمس اسرته الكريمة بالتعجيل بطبعه مرة ثانية مع الجزء الثاني من الكتاب، فالكتاب جدير بأن يكون بين يدي الباحثين في تاريخ الفرات، خصوصا في الحقب المضطربة من تاريخه.

تضمن الكتاب مجموعة من المباحث، يربط فيما بينها الفرات الأوسط، تاريخا وتراثا، وجاءت مباحثه في 27 مبحث، منها مبحث ضم فصلا من رحلة ج. فلانتان كيري، أحد أعضاء الحملة البابلية التي وجهتها جامعة بنسلفانيا عام 1895، تكفل المؤلف بترجمته على نفقته من الرحلة التي لم يتم ترجمتها، ومبحث آخر ضم تحقيق تاريخي مهم عن تل الزجرية وتل ابن الزجرية الأثريين وعلاقة الموقعين بابن زكرويه، فضلا عن توثيق مهم لعدد من انتفاضات الفرات الأوسط، وطبيعة سلوك الشيوخ خلالها، ومبحث في غاية الأهمية عن تحولات مجاري نهر الفرات وما تبعها من مشاكل وتغيرات ديمغرافية.

أكرر هنا رجائي من أسرته الكريمة بالتعجيل بإعادة طباعة الكتاب.

ملاحظات على الطبقات.. استدراكات وتصويبات على كتاب العراق للدكتور حنا بطاطو، ج2و3

 

هذه الملاحظات تكملة لما سبق لي نشره من ملاحظات وتصويبات على الجزء الأول من كتاب العراق لحنا بطاطو، وهنا أغطي الجزئين الثاني والثالث.

  1. 2/60: رغم ما ذكره المؤلف عن توقف هجوم الشيوعيين على الدين إلا أن ذلك قد اقتصر على الخطاب التنظيري الرسمي للحزب، وإلا فإن الواقع العملي يبين ان الشيوعيين كأفراد ظلوا على طوال الخط على احتكاك هجومي مع الدين والمتدينين.
  2. 2/70: (حسن عباس الكرباس) والصحيح هو (الكرباسي).
  3. 2/74: هامش رقم (21) تعريفه للمومن (أو المؤمن كما ذكره خطأ) بأنه رجل دين من النوع المتجول تعوزه الدقة كثيرا، ولعله يخلط بين الروزةخونية وبقية رجال الدين.
  4. 2/169 وقع غلط مطبعي في ذكر تاريخ قانون العمل فجاء في الكتاب بأنه (رقم 72 لسنة 1963) وهو خطأ إذ انه (رقم 72 لسنة 1936).
  5. 2/191: في سياق الحديث عن زيادة عديد القوات البريطانية في العراق في العام (1946) كتب: ((في أعقاب زيادة في وجود القوات البريطانية في شُعَيَّب)) وهو غلط من المترجم، إذ المقصود (قاعدة الشعيبة) في البصرة جنوب العراق.
  6. 2/188: ورد تعريف (سعد صالح) بأنه (حاكم سابق يتمتع باحترام شديد) وهنا يقع التباس فالمقصود من كلمة (حاكم) في اللهجة العراقية هو من يشغل منصب (قاضي) الذي كان يسمى قديما (حاكم) بالتناغم مع (محكمة) بينما كان سعد صالح متصرف لواء الحلة وهو ما عاد المؤلف للإشارة له في هامش (71) ص223، وهو من أسرة نجفية معروفة هم (آل جريو)، ويبدو ان هذا التصرف من التباسات المترجم.
  7. 2/193: ورد اسم الوزير (صادق البصام) محرفا إذ كتب في المتن وفي الهامش (البسّام) وهو غلط من المترجم كما يبدو.
  8. 2/195: وهو ينقل شهادة القيادي الشيوعي (زكي بسيم) الذي اعتقل عام 1947 مع (فهد= يوسف سلمان يوسف) سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ورد ان زكي قال في شهادته وبعد ان تم تعذيبه سمع المفتش (نائل الحاج عيسى) قال بعد ان سلمه للشرطي: (إلى قبر الشيخ معروف) وفي الهامش كتب معرفا: (اسم احد الأولياء المسلمين) وفي هذه الملاحظات غموض لا يوضح المقصود، إذ أن الشيخ (معروف الكرخي) هو من كبار المتصوفة، ومقبرته في بغداد تقع اليوم على شارع مطار المثنى خلف السكة العالمية للحديد، وقد كان أهل بغداد يدفنون أمواتهم حول قبره منذ زمن طويل، والمقصود من عبارة المحقق تلك أنه قال له خذه إلى الموت.
  9. 2/209: أثناء الحديث عن وثبة كانون (1948) وردت تعبير (الشرقاوية) وهو تعبير غير دقيق ولعله من اجتهادات المترجم إذ الصحيح هو (الشروﮔـية) بالكاف الفارسية.
  10. 2/286: ورد اسم (وادي حوران) خطأ إذ كتبه المترجم بالهاء فجعله (هوران)، كما ورد اسم مدينة (حديثة) عدة مرات معرّفاً بأل التعريف وهو خطأ إذ أن اسم المدينة عاطل من التعريف، حديثة فقط.
  11. 2/286: في تداعيات المسيرة التي انطلقت بعد اضراب محطة k3 ووصول المتظاهرين إلى (عرب المحمدي) ذكر أنهم استقبلوا المتظاهرين باطلاق عيارات نارية وغنّوا لهم (الهوسة)، والعبارة ملتبسة ولا تنقل المعنى، (الهوسة) هي مقطع شعري يكون شطره الأخير اهزوجة يتم أدائها جماعيا بصوت عالي وضرب على الارض بالاقدام، يعني (يهوسون) بالعامية العراقية، وهي تقال في المناسبات وللتعبير عن المشاعر…
  12. 2/291: ورد اسم منطقة (الاعظمية) في بغداد مصحفا (الأدهمية) رغم انه كتب صحيحا في الجدول المقابل للصفحة (جدول 17-1).
  13. 2/342 وفي مواضع أخرى: ورد اسم حسين احمد الرضي (سلام عادل) مصحفا فكتب (الراضي) وهو خطأ.
  14. 2/397، الهامش (2) وقع خطأ في اسم الوزير والتاجر النجفي المعروف (عبد المحسن شلاش) فكتب (عبد الحسين الشلاش) والصحيح عبد المحسن شلاش.
  15. 3/60، ورد اسم أحد اطراف (جمع طرف، وتعني محلة) النجف الأربعة مصحفا، فكتب (الحوايش) والصحيح (الحويش) وهو خطأ من المترجم كما يبدو.
  16. ذكر اسم عبد الهادي الجلبي بوصفه (تاجر الاعظمية) والواقع ان الجلبي من أهل الكاظمية وأملاكه وبساتينه في الكاظمية وجانب الكرخ وإن سكن في مرحلة ما في الأعظمية من جانب الرصافة في بغداد.
  17. 3/102، في الهامش على الجدول رقم 6-4 وفي الحديث عن جاسم العزاوي عضو اللجنة الاحتياط للضباط الأحرار، إشارة إلى تشيع جاسم العزاوي بالقول (يوجد عدد قليل من العزة تشيعوا ومنهم جاسم العزاوي… الخ) وهي معلومة لا تبدو دقيقة تماما إلا إذا كان الحديث عن انتقال البعض مذهبيا بصورة فردية، إذ أن واحدة من أكبر عشائر العزة وأقواها هم ألبو محمد، وهم شيعة.
  18. 3/ 121 ورد اسم المجلس الذي تشكل بعد 1958 ليقوم بمهام رئاسة الجمهورية بصيغة خاطئة، حيث ورد (مجلس الرئاسة) والصحيح (مجلس السيادة).
  19. 3/ 165 الهامش رقم (125) خطأ في اسم علم، حيث ورد اسم القيادي الشيوعي سالم عبيد النعمان مصحفا فجاء (سليم) ويبدو انه خطأ من المترجم، وتكرر الخطأ مرة ثانية في الهامش رقم (20) ص208.
  20. 3/318، وقع خطأ في اسم محمود شيت خطاب، فجاء مصحفا إلى (محمد).
  21. 3/413، وقع خطأ في اسم أحد أهوار العراق، فكتب (العموقه) والصحيح (الغموقة) وباللهجة العراقية الأدق (الغموﮔـة) بالكاف الفارسية.
  22. 3/422، وقع خطأ في التعريف بعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي الدكتور رحيم عجينة، فق وصفه بأنه عربي سني، والحقيقة أنه عربي شيعي، من مواليد النجف لأسرة نجفية تجارية معروفة تسكن طرف البراق، وقد صدرت مذكراته بعد وفاته عام 1995 في كتاب بعنوان (الاختيار المتجدد) عام 1998.

 

ملاحظات على الطبقات…ملاحظات وتعقيبات على فقرات من الجزء الأول من كتاب (العراق) لحنا بطاطو

 

كنت قد نشرت هذه الملاحظات في موقع فكر اونلاين المصري، ولأن الموقع قد توقف، أعيد نشرها هنا مرة ثانية

لقد صار من الراسخ والمتعارف عليه بين الباحثين في تاريخ العراق الحديث ان القراءة المعمقة في كتاب حنا بطاطو (العراق) بأجزائه ـ أو كتبه ـ الثلاث هي شرط لازم في أي دراسة عن العراق، سواء تناولت نواحيه الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية، لدقة وتثبت وعمق المؤلف، وللظروف الممتازة التي توفرت له وأعانته على انجاز كتابه هذا باللغة الانجليزية.

فقد اطلع الأكاديمي الفلسطيني الذي درس في جامعة هارفرد على أرشيف مديرية الأمن العامة في العراق، وهو أرشيف بدأ به البريطانيون منذ العام 1917 تقريبا، وهذا الامتياز لم يحصل عليه أي باحث من قبل، ومهد لأن يطالب الباحثون العراقيون بمساواتهم بحنا بطاطو والسماح لهم بالاطلاع على الارشيف هذا، ويذكر لي أحد كبار المثقفين العراقيين من المنتمين إلى الحركة الاشتراكية العربية ـ لم استأذنه بنشر اسمه ـ بأن الفرصة التي أتيحت لبطاطو وقف خلفها بعثي لبناني توسط له بحجة تنظيم وأرشفة تلك الوثائق المرصوصة في مديرية الأمن العراقية.

ولم يقف المؤلف عند هذا الحد، إذ عزز بحثه المعمق بمقابلات شخصية مهمة مع رموز العهد الملكي ممن امتلكوا خزينا مهما في ذاكرتهم فضلا عن وثائقهم الشخصية، والتقى في السجن بقياديين كبار في الحزب الشيوعي العراقي قبل نهاية الملكية عام 1958.

وكل هذا، بالإضافة إلى الروح العلمية المتجردة والنفس الطويل والصبر في تفحص المادة العلمية الأساس للبحث التي تظافرت بالمجمل في شخصية حنا بطاطو، بما أتاح أن يظهر كتابه بهذا العمق والأهمية.

وقد ولد حنا بطاطو في القدس عام 1926، هاجر إلى الولايات المتحدة عام النكبة (1948)، ونال الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفرد عام 1960، وصدرت دراسته الضخمة عن العراق التي نقدم هذه الملاحظات عليها عام (1978) باللغة الانجليزية، ورغم انه قدم دراسة أخرى عن سوريا مقاربة لدراسته عن العراق، إلا أن كتابه عن العراق يظل هو الأكثر أهمية في تاريخه الأكاديمي.

زاول حنا بطاطو التدريس في الجامعة الامريكية ببيروت حتى العام 1982، ثم انتقل إلى جامعة جورج تاون في الولايات المتحدة حتى تقاعده عام 1994، ثم توفي في ويستد – كونيكتوت عام 2000.

وقد غطى (الكتاب الأول) وكما كتب على غلافه (الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية) وفي هذه السطور سوف أقتصر على هذا الجزء من الكتاب وحسب.

بينما تناول الكتاب الثاني (الحزب الشيوعي) تأسيسا وجذورا وقادة وظروفا اجتماعية، ملاحظا بالتفصيل الطبيعة الشخصية لكل الشيوعيين الأوائل والظروف الاجتماعية التي احاطت بهما والتي أثرت سلبا أو إيجابا في نشاطهم، وفي الكتاب الثالث تناول (الشيوعيون والبعثيون والضباط الاحرار) مواصلا تتبعه للحزب الشيوعي العراقي وقادته في المراحل التالية ثم ظهور البعثيين والصدام مع الحزب الشيوعي.

وبالمجمل فإن هذا السفر العلمي المهم أوسع من أن يحاط به بمقال أو بدراسة مختصرة، وقراءته ضرورة لا غنى عنها للدارسين، وللمثقفين الراغبين بفهم طبيعة العراق الحديث وملابسات العمل السياسي فيه، وما آمله ان تكون هذه السطور محفزا لمن لم يطلع على الكتاب من قبل.

على ذلك كله، ورغم ان هناك شبه اجماع بين الباحثين على ان كتاب حنا بطاطو هو المرجع الأهم عن تاريخ العراق الاجتماعي الحديث إلا أنه لم يسلم من النقد، وبعض النقود التي وجهت له لم تكن محايدة تماما، ولم تظهر بمعزل عن تأثيرات الايديولوجيا على الاطلاق، سواء كانت ايديولوجيا قومية، أو يسارية، أو ميول طائفية هاجمت بعض ما ذكره عن الديمغرافيا العراقية، ولكنها بالمجمل، سواء كانت علمية محايدة، أو متحاملة، أوضحت ما لهذا الكتاب بأجزائه الثلاث من أهمية تستدعي هجوم السلطات السياسية في العراق عليه، ومنعه طوال فترة حكم حزب البعث في العراق، رغم ان ميول مترجمه ـ عفيف الرزاز ـ القومية البعثية كانت واضحة في الترجمة كما سأذكره لاحقا في ملاحظاتي على الكتاب([1]) حيث يذكر لي أحد المثقفين العراقيين اليساريين انه ومجموعة من المثقفين كانوا يتداولون نسخة بالرونيو من الكتاب في تسعينات القرن المنصرم وكأنها عبوة ناسفة!

عدا ذلك، وبرأيي الشخصي، فإن الكتاب والكاتب على عمقه وتثبته فاتته بعض الأمور، أو انه فهم بعضها بطريقة ليست بالغة الدقة، وهذا أمر لا يلام عليه، فهو ليس ابن البيئة العراقية بتعقيداتها العميقة التي تظهر حتى على مستوى اللهجة المحلية، وكناياتها المعقدة، مما قاده لإصدار بعض الملاحظات قد لا تكون بالضبط كما ذكرها هو.

وهنا أضع جملة من الملاحظات على الكتاب الأول من هذا السفر القيّم، على أمل أن أواصل وضع ملاحظات مثلها على الجزأين الآخرين من الكتاب، وهذه الملاحظات بعضها استدراك على الترجمة والنقل، وأصول الكلمات كما تلفظ سواء كانت عربية أو أعجمية، أعيدها لأصلها زيادة للدقة، أو أوضح بعض ما اختصر المؤلف ذكره، وأرى ان في توضيحه فائدة كبيرة، فضلا عن بعض الأوهام في الأسماء والمواقع، وغيرها من الملاحظات، كما ان هذه الملاحظات هي جزء من مجموعة أخرى أوسع، تعرضتُ ضمنها بالنقاش والتحليل للعديد من مباحث هذا الكتاب، أدخرها لوقت آخر، وأعترف بأني عمدت إلى حجب بعض الملاحظات التي قد يكون من المبكر نشرها لحساسيتها الشخصية.

على أي حال، أضعها بين أيديكم بأمل تعميم الفائدة، وطلبا للنقاش والرأي وتصحيح ما قد أكون مخطئا بشأنه أو توهمت فيه، وقد استطبت أن أسميها (ملاحظات على الطبقات) بكون الكتاب ينطلق بالأساس من المقاربة الطبقية لفهم المجتمع العراقي.

ملاحظة مهمة: من الضروري استحضار نسخة من الكتاب أثناء الاطلاع على هذه الملاحظات، وقد اعتمدت في أرقام الصفحات على الطبعة الصادرة عن دار القبس في الكويت (2003) وأصل هذه الطبعة هي الطبعة الأولى لمؤسسة الأبحاث العربية ببيروت (1990)، والاختصار الذي استخدمته هو (رقم الجزء/رقم الصفحة) ورجائي أن لا يبخل علي من سيقرأ هذه الملاحظات بالتصويب والتوضيح.

  1. 1/28 وفي سياق الحديث عن شرط (الكفاءة) في الزواج الذي ساهم في تقوية التراتب الاجتماعي، من المهم ملاحظة أن الشيعة الإمامية لا يفرضون شرط الكفاءة للزواج في مدونتهم الفقهية، ولكن ذلك لا يعني عدم ممارسته كسلوك اجتماعي من قبل الأفراد المنتمين لهذا المذهب.
  2. 1/38 وفي سياق الحديث عن (طرف البراق) في مدينة النجف، ودستور البراق عام 1915، تجدر الإشارة إلى أن التسمية المتداولة في النجف لما عبّر عنه المؤلف بـ(المحلة/الحي) هي (الطرف) نسبة إلى أن مركز النجف كان مرقد الإمام علي بن أبي طالب، والتجمعات السكانية المجاورة للمرقد سكنى هي أطراف لذلك المركز، وأطراف النجف الأربعة هي: (البراق، المشراق، الحويش، العمارة)، كما ان جزئي مدينة السماوة يسميان شعبياً بـ(الصوب الكبير والصوب الصغير) مشطوران بأحد افرع الفرات، كذلك هناك اشتباه باسم احد الاعلام في هامش ص39، إذ ورد اسم (كاظم صبي) زعيم طرف البراق مصحفاً فصار (كاظم صبحي)، وهو غلط بين.
  3. 1/59 في الهامش رقم (6) يبدو ان المؤلف أو المترجم توهم بين مدينتي الحي والرفاعي وهو يتحدث عن شيخ الطريقة الرفاعية السيد أحمد الرفاعي، فالحي قضاء، ومركزه مدينة الحي وتقع إداريا ضمن محافظة واسط وبالقرب منها يقع مرقد التابعي الكبير سعيد بن جبير الذي قتله الحجاج بن يوسف الثقفي، بينما تقع مدينة الرفاعي ضمن الحدود الإدارية لمحافظة ذي قار اليوم ـ جزء من إقليم (المنتفج) القديم ـ والرفاعي احد أقضية المحافظة، ومن الواضح نسبة المدينة إلى السيد احمد الرفاعي المدفون فيها، ولعل الاشتباه مرده إلى نهر (الغراف) الذي يمر بالمدينتين معاً.
  4. 1/62، هناك التباس في فهم أسباب حركة رجال الدين الشيعة خارج المدن الدينية التي يسكنوها للدراسة وهي النجف بالدرجة الأولى في العراق، والحقيقة إنهم كانوا يخرجون في الصيف هرباً من حر النجف إلى الأرياف أبان تعطل الدروس في ذلك الفصل، وهناك يمارسون بحكم وجودهم نشاط للتوعية الدينية وليس التبشير، وهذا النشاط قد يكون بالاساس مجرد مجالس عزاء للحسين بكل ما تحمله من شحن عاطفي ومحفز تجاه التشيع، كما يجب التأكيد على ان الكلمة الشعبية الأدق هي (موامنة) وليس كما ورد في متن الكتاب (المؤمنين)، وتحويلها إلى (مؤمنين) يبدو لي غير دقيق ولا يجعلها تؤدي ذات المعنى الشعبي المتداول لها.
  5. 1/65، يذكر ان (هزاع المحيميد) شيخ المعامرة في الحلة كان من المذهب السني، بينما كان مزارعيه وابناء عمومته من الشيعة، وهو صحيح، ولكن مما يذكر اليوم ان المشيخة العامة خرجت من بيت الهزاع إلى بيت الراشد وهؤلاء شيعة، ولا يمكن في الوقت الحاضر المرور بهذا التغير دون تتبع دلالته المتأثرة بالوضع العراقي.
  6. 1/77، وفي سياق الحديث عن أثر المياه والسقي وطرقه وتواجد الملاكين الكبار في أقاليم المياه، أضاف المترجم ما يلي: (وكان صغار الملاكين موجودين في معظمهم في مناطق كانت تزرع زراعة مكثفة منذ زمن طويل، مثل إقليم الدواليب المائية (النواعير، أو ((الكرد)) وتلفظ ((شرد)) في اللهجة العراقية ــ المترجم)، وهو غلط كبير، وكان بالإمكان ان يوضح المترجم لو كان يعرف اللفظ الصحيح وخشي على عمله من العجمة أن يقول (جرد) بالجيم الفارسية)، والحقيقة ان اللفظ الصحيح هو (ﭼرد)  بفتح الجيم الفارسية، وليس (شرد)، كما أن هناك فرق بين الـﭼرد والناعور، فالناعور يدور ذاتياً مع جريان مياه النهر، بينما يعمل الـﭼرد بجهد الحيوانات (الحمير أو البغال) وفي الغالب تنتشر النواعير على الفرات، والـﭼرود على دجلة وفي بغداد خصوصاً، ومنها جاءت تسمية منطقة الكرّادة المحرفة عن (الـﭼرادة) حيث ان الكرد=ﭼرد، ويبدو ان المترجم لا يرغب بأن يسمي الأشياء بمسمياتها لحساسية شخصية، فيبتكر اصطلاحات لا أصل لها على طول الكتاب، مثل ذكره في هامش ص110 من الجزء نفسه في سياق ذكر مرادفات (الحوشية) مرادف (رشاقَّة) فقال (قاف تلفظ كالجيم المصرية) وكأن للمصريين لغة قائمة بذاتها وليس لهجة عربية، بينما الأصوب لغويا ان يقول (كاف فارسية) بدلا من حساسيته التي كدرت عمله الجليل في ترجمة هذا السفر، و(رشاﮔـة) أتت من (الرشـﮓ) أي (الرشق) وهي من رشق السهام أو الرصاص، كذلك ما ذكره حول التسمية التي اطلقها البغداديون على المهاجرين إليها من العمارة والكوت 1/162، وغيرها.
  7. 1/84-85 آل ازيرج في الكوت (يقال لواحدهم الازيرجاوي) هم غير بنو زريج في الرميثة من أعمال المنتفج، لان بنو زريج من الظوالم، وهم غير الازيرجاويين، وشيوخ بني زريج هم آل عبد العباس وأشهرهم خوام العبد العباس.
  8. 1/95 في الهامش رقم (30) يوجد وهم بظني، ففي سياق الحديث عن مناطق نفوذ قبيلة (الخزاعل)، ورد ذكر كلمة (شبشة) ضمن تعداد القبائل الخاضعة للخزاعل والتي كانت تعمل في أراضيهم مثل الغزالات وآل شبل وخفاجة، وأتصور أن الأدق هو تبيان شيخ الخزاعل في حديثه لحدود منطقة نفوذهم التي تصل إلى (شبـﭼـة) وهي منطقة وليست عشيرة، حيث امتدت مضارب الغزالات وآل شبل وخفاجة حتى شبـﭼـة على الحدود مع السعودية اليوم.
  9. 1/98 من الجزء الأول وفي سياق الحديث عن حصة (المضيف) التي كانت تفرز من الأرض وتمنح للشيخ قبل ان تقوم الملكية الزراعية بعد (الطابو) و(اللزمة) و(التسوية)، وفي الهامش كُتب ـ ولعلها ملاحظة من المترجم ـ (وبشكل أدق، وبلهجة العشائر العراقية، كانت الكلمة ((تلفظ المظيف))) وهذا الملاحظة برأيي مجرد تقعر لغوي وتحميل للأمر بما لا يحمل ولا داعي لها.
  10. 1/109، في الهامش رقم (93) ومتنه، ورد ذكر فريق مزهر الفرعون أحد شيوخ آل فتلة وما ميزه بكونه ألف كتاباً، لم يذكر المؤلف الكتاب وهو كتاب (الحقائق الناصعة في ثورة العشرين) وقد ذكر لي أحد السادة العارفين بالفرات الأوسط ان الكتاب ليس من تأليف فريق المزهر الفرعون، لأنه كان أمياً وان هناك شخص آخر كتبه له وأعاد صياغة ما يمليه فريق المزهر من كلام جعل فيه الفضل الأكبر في ثورة العشرين لعشيرته ولآل فرعون، ولكن اطلعت على كتيب صغير اسمه (الغدير في جامعة النجف) صدر أوائل الخمسينات من القرن الماضي، جمع فيه مؤلفه (محمد حسن الصلوات) قصائد وكلمات ألقيت في احدى احتفاليات (عيد الغدير) في النجف، ومن بين تلك الكلمات كلمة لفريق مزهر الفرعون، والكلمة بليغة، مما يعني انه حتى في حالة كتابة شخص آخر لتلك الكلمة من أجل الشيخ فلابد انه يجيد القراءة بشكل جيد يتيح له ان يلقيها في تلك الاحتفالية.
  11. 1/142، مما يدلل أيضا على ممارسات عجيل الياور شيخ شمر ونشاطه في قطع الطرق والإغارة على القبائل الأخرى على طريقة عرب الجاهلية القدماء هو الشعر الذي قاله أحد أعمام عجيل الياور بحق ابن أخيه مادحاً له

اللي يبي شرب اللبن………ينزل على الياور عجيل

كل يوم ما خذله عرب…………يومي لشمر بالشليل

 

  1. 1/143ــ144، في سياق حديثه عن مذكرة رفعها بعض من شيوخ العشائر للاحتجاج على تعيين الملك فيصل الأول للضباط الشريفيون كمتصرفين وتعيين محمد جعفر ابو التمن وزيرا للتجارة، ذكر ان الشيوخ طالبوا بأن تكون عراقة المولد والنسب هي معيار اختيار المتولين للمناصب، وأشار إلى ان هذه (النزعة الفكتورية) قد لا تكون من صميم عقلية الزعماء العشائريين، وأنها توحي على الأقل بأن هناك مسئولين كانوا يصدرون لهم هذه الأفكار، وهو أمر لا اتفق معه، لأن مسألة التأكيد على العراقة والنسب البارز فيمن يتولى الرياسة ليست جديدة على العقل العربي والعراقي، بل لها حتى من النصوص الدينية في سياقها الزمني ما يعززها ويدفع تجاهها، حتى مسألة عدم تزويج سليلة الأشراف إلا لشريف سيد مثلها تدخل في هذا الباب.
  2. 1/167-169، حول (المُغارس والتعّاب)، يمكن القول ان الأمر برمته، وأنواع المغارسين لم يقتصر على من ذكرهم المؤلف، مثلا، كان جدي لأبي يمتلك نخيلا بطريقة المغارسة في مناطق العبودة جنوب النجف في أراضي آل زوين، وهو لم يبذل بها جهدا، بل حازها كأجور عن خطابته لدى المالكين في شهر محرم، فكان سنويا يُمنح مجموعة من النخيل يصله إيرادها بعد استيفاء أجور الفلاحين وما شابه، وظلت إيراداتها وجزء كبير من انتاجها من التمر يصلنا دون ان نعرف حتى مكانها بالضبط.
  3. 1/175، في الحالات التي يتم منح المرأة فيها كتعويض تسمى تلك الحالة (فصلية) لأن الفصل هو غرامة مترتبة على اختراق أحكام القانون العشائري (السانية)، بينما (الفصلية) هي تسمية خاصة بأحد أنواع تلك الغرامة أو (الفصل) وتتم عادة في الحالات التي يقوم فيها رجل بـ(نهب) امرأة من عشيرة أخرى، أي اختطافها والزواج بها أو مجرد الزنا بها، فيتم دفع امرأة أو أكثر كتعويض عن تلك المرأة المنهوبة.
  4. 1/184 في الهامش رقم (7) ما أشار له المؤلف من الصراع حول مستحق لقب (السيد/الشريف) بأنه تاريخيا قد تم توسيع تعبير بيت النبي محمد حتى شمل المنحدرين من عمه العباس، وفي الحقيقة فإن هذا يعد من أساسات الاختلاف بين السنة والشيعة، حيث يخصص الشيعة نطاق (آل البيت) بذرية الإمام علي من ابنته الزهراء، مستثنين حتى ابناءه الآخرين، بينما يحرص السنة على توسيعه ليضم زوجات النبي وأعمامه، خصوصا العباس بن عبد المطلب، وفي التوسيع أو التضييق جانب سياسي كبير كما لا يخفى.
  5. 1/186: حول الخمس، من المهم فهم أن تركيز المدونة الفقهية الشيعية على الخمس ليس قائما على مزاجيات فقهية وحسب، بل انه في الواقع مرتبط بدرجة اساس بكون المؤسسة الدينية الشيعية كانت على الدوام مستقلة أو معارضة للسلطة الحاكمة مما جعلها بدون موارد كافية للصرف على الطلبة وغيرهم ممن تقع مسئولية رعايتهم على عاتق الفقهاء الشيعة، هنا لجئوا إلى الخمس ورسّخوا وجوده كضريبة شرعية على الشيعة تدفع إلى الفقهاء حصرا، وهم من يقوموا بتوزيعها على مستحقيها حسب الآية القرآنية التي ذكرت الخمس موارده ومستحقيه، ولكن شرط أن يكون المستحقون على شعبتين، شعبة للسادة أو ذرية علي وفاطمة، وشعبة للعامة غير المنحدرين من علي، وما كان يدفعه بعض الناس للسادة غير المنضوين في الحوزة في العراق إنما كان بمزاجهم لا بحكم فقهي، إذ يتشدد فقهاء الشيعة على ضرورة أن يدفع الخمس للفقيه حصرا ولا يبرئ الذمة لمن يتصرف بخمس أمواله السنوي بمعرفته، إلا في حالات استثنائية معينة، مثل ما ذهب له المرجع الشيعي الأعلى في وقتنا الحاضر (السيد علي السيستاني) حيث انه منح الرخصة للعراقيين والأفغان بأن يعطوا خمس أموالهم لمستحقيه سادة وغير سادة وفق معرفتهم دون الرجوع إلى المرجع، وبعد سقوط نظام طالبان في افغانستان رفع الرخصة تلك عن الافغان، وأبقاها سارية على العراقيين، ومقصدي من هذا كله أن السادة (الطفيليين) بتعبير المؤلف في عراق القرن الماضي كانوا يأخذون الخمس من العشائر بمزاج العشائر نفسهم دون أن يكون ذلك برضا الفقيه الشيعي الأعلى.
  6. 1/191، في حديثه عن الأسر التي اغتنت من توليها (لسدانة) العتبات المقدسة، أي إدارتها، ذكر المؤلف الأسرة التي أسندت لها سدانة العتبة العلوية في العصر الحديث نهاية القرن التاسع عشر تقريبا، واسماهم (الرفاعيين) وهو التباس، إذ لا صلة لهم بالسيد احمد الرفاعي، بل الأدق هو القول (الرفيعيين) والنسبة هي الرفيعي، وآل الكليدار الرفيعي كان آخرهم هو حيدر الكليدار الذي قتل عام 2003، وكان والده قد قتل أيضا على يد عشيرة (البو عامر) في ستينات القرن الماضي خلال الصراع الذي كان دائرا بينهم وبين عشيرة (البو كلل) الذين كان الكليدار صهرا لهم، ولعله لبس من المترجم.
  7. 1/196، هناك غلط باسم الوالي علي رضا باشا اللاز، إذ ورد اسمه في الكتاب (علي راضي) ولعله خطأ مطبعي.
  8. 1/196، بشأن ما ذكره المؤلف عن أبي الثناء الآلوسي، ونفيه من بغداد عام 1902 (لمهاجمته المعتقدات الخرافية ولاتهامه بالتحريض على العصيان ضد السلطان) والواقع إن ما لم يذكره المؤلف ان الالوسي كان ميال للوهابيين إذا لم يكن وهابيا صرفاً، وهذا ما يفسر ما وصُف بـ (مهاجمته للمعتقدات الخرافية) بتعبير المؤلف نقلا عن الشيخ محمد بهجت الاثري ويشير البعض إلى انه لم يقتصر على الاعجاب بافكار ابن عبد الوهاب وتشدده الحنبلي عبر ابن تيمية، بل انه ذهب إلى إقامة صلات مع الوهابية وابن سعود، ومن المعروف ان الوهابيون كانوا على قطيعة شديدة مع العثمانيين، والاتصال بهم سيمثل بالتأكيد عصيانا على السلطان العثماني.
  9. 1/200، وفي الهامش (106) ورد اسم قضاء (المشخاب) جنوب النجف بلفظ خاطئ هو (مشكاب) ومن الواضح انه خطأ المترجم.
  10. 1/203، أسفل الصفحة وفي حديثه عن أدوار بعض رجال الدين، كتب (محمد الصدر، وهو “سيد ــ عالم” شيعي من سامراء) ثم في أول الصفحة الثانية (204) اوضح انه ورجال دين سنة آخرون (مارسوا نفوذهم على العامة في العاصمة ضد الانكليز) وهنا يتبين الالتباس، إذ إن أسرة آل الصدر ليسوا من سامراء أصلا، فهم لبنانيون في الأصل استوطنوا النجف والكاظمية، وحين انتقل المجتهد الشيعي الأكبر الميرزا الشيرازي إلى سامراء انتقل أيضا السيد حسن الصدر لاحقا إلى هناك، ونشأ أولاده فيها قبل عودتهم إلى الكاظمية في بغداد.
  11. 1/205، رغم أن المؤلف أشار إلى ما لعبته العوامل الدينية وقوتها (غير المشكوك بها) بتعبيره ودورها في التحريض ضد البريطانيين (الحكم الكافر)، إلا انه لم يفرد لها الكثير من الحديث لسبب غير مفهوم، وتوسع كثيرا في تبيان العوامل الأخرى المتعلقة بطبيعة كبار الملاكين وحرصهم على سلطاتهم وثرواتهم.
  12. 1/236 اثناء الحديث عن التيارين اللذين تقاسما الجيش العراقي قي الثلاثينات وقبل انقلاب بكر صدقي اللذان وصفهما المؤلف بـ(التيار العروبي الجامع) و(التيار الإقليمي) تدخل المترجم ايديولوجيا فكتب (أو بالأحرى “القطري” Particularisr ــ المترجم) وهي التسمية التي يصطلح علها البعثيون.
  13. 1/247، الهامش (11) وصف (الانكشارية) بأنهم مجرد (الجيش العثماني المحلي المحترف) فيه الكثير من الاختزال وعدم التوضيح لماهية الفرق الانكشارية وموقعها في التشكيلات العسكرية العثمانية.
  14. 1/262، تصرف المترجم باسم عشيرة (العـﮕـيليين) من (إعـﮕـيل) وجعلها (عقيل) وهو غلط.
  15. 1/267، أشار المؤلف إلى نشاط الاقتصاد البدوي، ولكنه لم يستطرد أو يشير إلى نماذج من مراكزه في العراق، رغم انه تحدث في ذات الفقرة عن النشاط التجاري المستند للمراكز الدينية الشيعية، حيث ان النجف كانت مركزا مهما للتجارة مع بدو الجزيرة العربية، وسكن أفراد من بعض أسرها المشتغلين بالتجارة في مدن نجد والحجاز مثل آل الحبوبي وغيرهم، أي انهم لم يقتصروا على التجارة وبيع الحبوب وشراء الجلود منهم حينما يردون إلى النجف، بل ذهبوا للسكن هناك أيضا.
  16. 1/268، أحسب انه كان الاجدر بالمترجم ان يستخدم التسمية المعروفة للسلطان العثماني سليمان، وهي سليمان القانوني، لا أن يعرب بالنص ما ورد في الكتاب، ليسميه (سليمان العظيم)، مما قد يسبب لبساً عند القارئ غير المطلع.
  17. 1/366 الهامش رقم (34) لا أعرف إذا كان التفسير الذي ورد في الهامش من المؤلف أم من المترجم لأنه من الواضح انه يفتقر للدقة وملتبس تماما، إذ ورد في المتن ان الملك جعل أمين الـﭼرﭼفـﭼـي يقسم على ((ولاية أمير المؤمنين)) بعدم إشاعة ما جرى بينهما، وجاء الهامش ليوضح هذا بالقول (أي توالي إمارة المؤمنين بعد علي) وهي عبارة ملتبسة تماما، حيث إن دلالة مفهوم (ولاية أمير المؤمنين) خطيرة جدا بالنسبة للشيعة، وهي أساس الاختلاف بينهم وبين السنة، ان المفهوم يتعلق بآخرتهم كما يتعلق بدنياهم، وهم لا يعترفون بإمارة المؤمنين لأحد سوى للإمام علي بن أبي طالب، ان الملك في هذه الحالة قد جعل الـﭼرﭼفـﭼـي يقسم بخلاصه الأخروي، بصميم عقيدته، بولاية (أمير المؤمنين) التي هي صلته بآخرته، وآصرته بأبناء مذهبه، وتقديمها بهذه الطريقة لا يوضح خطورتها التي جعلت فيصل يقسم على امين الـﭼرﭼفـﭼـي الذي شغب عليه في غيابه بهذا القسم الكبير.

 

هذه هي أهم الملاحظات التي وددت التعرض لها في الجزء الأول من كتاب العراق، وكلي أمل ان اواصل عملي في بقية الاجزاء، وأكرر أمنيتي بأن تكون هذه الملاحظات محفزاً لقراءة الكتاب لمن لم يقرأه من قبل.

 

 

على الرابط

 

http://www.fekr-online.com/article/%D8%AA%D8%B9%D9%82%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%281%29-%D9%85%D9%86-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%28%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%29-%D9%84%D8%AD%D9%86%D8%A7-%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D8%B7%D9%88

 

([1]) لا أعرف بالضبط ما إذا كانت له صلة بمنيف الرزاز (بعثي اردني/سوري) الذي كان ـ قبل اتهامه بالاشتراك بمؤامرة ضد صدام حسين ووضعه في الاقامة الجبرية حتى وفاته ـ يشغل الأمين العام المساعد للقيادة القومية لحزب البعث.

 

[الصورة: حنا بطاطو]

مشاهد ليلية

علي المعموري

تختلف مواعيد المشي عندي باختلاف الأماكن التي اتنقل بالمبيت فيها خلال الأسبوع، اليوم بتُ في المكان الذي أخرج فيه عادة بُعيد الغروب، اتمشى لحوالي كيلومترين، اتعشى، وأعود إلى سكني.

ومن دون خلق الله، يوقظ الحر كل حواسي، الأمر الذي يكون مضاعفا في حالة شخص شغوف باستطلاع ما حوله، من السلوك الانساني إلى النسق العمراني، تتحرك عيناي يمينا ويسارا، وتلتقط أذناي كل شاردة وواردة، أبحث عن التراتب البديع للكون من حولي، علَّ تلك الأشياء الجميلة تزيح عن روحي عناء اليوم العراقي المثقل بالغصص.

أراقب ابتسامة الأمهات في وجوه أطفالهن، والمناغاة الدافئة يتبادلنها بلغة لا يفهمها سواهم، انسجام العمال فيما بينهم، حركة الروافع وهي تأخذ مواد البناء إلى أعلى البنايات قيد التشييد، حديث الأشجار فيما بينها، وضوء الأعمدة الأصفر يهطل عليها في الليل فتبدو شاحبة مثل حسناء أصابتها الحمى، استدارة الأفرع حول بعضها في الأحياء القديمة، عناق الطابوق في البيوت العتيقة، البضائع المرصوفة على الأرفف في المحال التجارية، تجمع الجنود ورجال الشرطة قرب بعضهم ـ وهؤلاء أدرب نفسي على أن لا يلاحظونني وأنا التقط الصور يمينا وشمالا للبيوت والبنايات والسيارات والقطط التي تستريح على أبواب المنازل ـ وأشياء أخرى كثيرة.

وبين ليلة وأخرى يختلف الحال، مرة تظفر بالكثير من الجمال، ومرة تعود بأشياء بسيطة بالكاد تقيم أود ذاكرتك، أما الليلة فكانت رائعة، وعلى امتلائها بالكثير من الأشياء الجميلة، والناس الجميلين، فقد كان هناك مشهد فريد، شاهدته عرضيا، لم تتجاوز التقاطتي له أكثر من خمس ثواني هي أمد مروري الخاطف بالواقعة، كانت كافية لي، ومناسبة لكي لا أكون متلصصا مقتحما لخصوصيات الآخرين.

شابين ـ ولد وبنت ـ ربما متزوجان، ربما خطيبان، لا أعرف حقا، كان الشاب قد جلب سندويتشين، ناول البنت واحدا، وجلس جوارها يزدرد الثاني بنهم، ذاهلا عن كل ما حوله، أما البنت فكانت تمضغ لقيمة صغيرة، وقد أقبلت بكل جوارحها على ماكنة الفرم المجاورة لها، وهو يهرس الطعام هرسا، تنظر له وقد علت وجهها ابتسامة لم تدع عضلة في وجهها إلا داعبتها وحركتها، ابتسامة عميقة سعيدة متلهفة، تصبها على الشاب صبحا كالضياء، سعيدة تنظر له كما ينظر طفل إلى لوح شوكولاته، كما تنظر أم إلى طفلها الوحيد، وهو يحمل شهادة التفوق، مثل أرض تتهلف للشمس والماء، ابتسامة كأنها موسم حصاد العنبر، عبقة بالعطر والأمل، تنظر له بطريقة لا أعرف كيف أصفها، سعيدة بأنها حازت هذا الذي أقبل على طعامه كأنها نهاية العالم، سعيدة فعلا.

أنا بدوري ضحكت من القلب، ومشيت لخمسة كيلومترات.

[هامش: الاشياء الجميلة لابد أن تجربها أول مرة في بلدك]

لا أعرف الفنان الذي رسم الصورة المرفقة

عن “علي” وأشياء أخرى

(1)

كتبتُ مرة: (الأمم تصطنع رموزها اصطناعا، توجد لنفسها ما يملئ ذاتها عنفوانا ويمنحها الكبرياء اللازم للمقاومة والرفض والقدرة على المناجزة الطويلة عبر القرون، وتجاوز المفازات التاريخية بصمود واقتدار وتضحية تصنع الحياة، ولأكون أكثر تحديدا فليس كل من في التاريخ يمكن أن يكون رمزا، ولا يعني ان كل من اتخذه وعاظ السلاطين محورا لهرائهم وصنعوا حوله الهالات المزيفة يمكن ان يكون رمزا ينطبق عليه ما ذكرته، ولعل أول معالم الاستثنائية في شخص انسان ما هي أن يضطرب أبعد الناس عنه فكرا اعجابا أمام سيرته الاستنثنائية).

(2)

علاقة أي انسان بإنسان آخر، رمزا تاريخيا كان أم معاصرا، ترتبط بأمور كثيرة، بمواقف ترسخت عميقا في اللاوعي، بتأثيرات المكان والأسرة، وابن أبي طالب يمتلك معي كعراقي وشائج عديدة تشدني إليه شداً، روابط لا استطيع تجاوزها، صنعتها أمور كثيرة لعل أقل ما بينها الدين!

(3)

العارفون بعمارة النجف يعلمون ان المدينة القديمة تقوم على ثيمة معمارية يشكل مرقد الإمام مرتكزها الرئيس، “عـﮕود” تلتف مستديرة بين الأطراف الأربعة للنجف ـ طرف = محلة – كالسلاسل متقاطعة ما بينها، وكل “عـﮕد” يمتلك مخرج ومدخل لابد أن يقودك آخر الأمر إلى مرقد علي، يسير الإنسان بين جدران البيوت المتقاربة، وهواء “بادﮔيرات” السراديب الباردة يداعبك، بعيدا عن الهجير اللافح، “العـﮕود” تلتف على بعضها حتى تظن أنك في متاهة لن تخرج منها، ثم فجأة تجد نفسك في رحبة علي، كمن ينتقل من الأرض إلى السماء، وبالنسبة لطفل نجفي، فتلك اللحظات لا يمكن ان تنسى على الإطلاق، الباب الخشبي الضخم، الرخام البارد، الخدم بـ”كشايدهم” الحمراء “كشيدة=طربوش”، الأقفال الكبيرة، صوت “محمد عنوز” يرتفع من المأذنة، الأقواس المبطنة بالمرايا، السوباط الحاني، صوت الخادم وهو يصرخ حين يحين وقت إغلاق المرقد ـ حين كان يغلق منتصف الليل ـ ينادي منغما صوته الرخيم، والأقفال في يده: يا الله، يمدها مداً، ومنذ ذلك اليوم البعيد قبل ربع قرن، حتى اليوم، لم أسمع (يا الله) بجمال تلك التي سمعتها من ذلك الرجل، بكشيدته الحمراء، وقماشها الأسود الملتف حول فمها، ببدنه الضخم، ووجهه الأبيض وشواربه الخفيفة، يمسك عضادة الباب مرددا جملته مرارا وتكرارا، يستصرخ المحبين ان يذهبوا إلى بيوتهم، كمن ينفر سربا من الحمام عن مأمنه، لاحقا عرفت أن السادة من آل (القابجي) ينفردون بلف تلك القماشة السوداء على “كشايدهم”.

(4)

دعك من الأمور التي تخبرك أمك بها عن علي، دعك من علي الأسطوري، دعك مما تناثر في بطن “بحار الأنوار” من أخبار تجعل من علي كائن غيبي أقرب إلى المستحيل، دعك من هذا كله، واسمع تجربتي، أكثر من ربطني بعلي اثنان، المرحوم الدكتور أحمد الوائلي، الذي يفقد سيطرته على نفسه حين يصل إلى ذكر علي، ثم يبدأ بضرب المنبر مرارا وتكرارا وهو يترنم باسمه، هذا في طفولتي، قبل اكتشاف القراءة وسحرها، الوائلي سلمني إلى من أجد أنهم أفضل من كتب عن علي: اليساريون بمختلف اصنافهم، قرأت هؤلاء بالتوازي مع تنامي حس الميل للعدالة الاجتماعية عندي، مع قراءتي للأدب العربي الساخط، مع الحزن الذي يهيمن على كتابات مصطفى لطفي المنفلوطي وبكائه على الجياع، ميل فطري إلى الفقراء تملكني، رغم أنني قضيت طفولة سعيدة لم يوجعني الحصار الذي ضرب العراق خلالها ـ تسعينات القرن الماضي ـ لم يصب أسرتي ما أصاب الآخرين على الأقل، ولم نحتج إلى بيع أثاث بيتنا، رغم ذلك كله، كنت لا أرى غير علي متجسد في صورة الفقراء، بحسراتهم الممتدة على طول العراق، الذي ما مر عام وليس فيه جوع كما قال السياب مرة.

(5)

قرأت علي الثائر، المبدئي، المتوجع للجياع حد البكاء، قرأته عند عبد الرحمن الشرقاوي، عند عبد الفتاح عبد المقصود، عند علي الوردي، عند شخص لم ينتمي سوى إلى مذهبه الشخصي مثل عباس محمود العقاد، عند الوائلي، هؤلاء وأضرابهم انتقلوا بي من علي الملكوتي الذي يصدح به الشعراء إلى علي الانسان الاستثنائي، علي الذي اختار أن يعود إلى جذوره العراقية، منتقلا من الحجاز إلى السواد، ليفتتح تاريخا طويلا من الثورات والبطولات الفردية، صانعا عنفوان أمة، متخذا من الفلاحين جنودا بوجه تجار قريش، رافضا أي حل وسط يزري بما آمن به، وما سار في سبيله حتى النهاية المدوية.

(6)

عند هذه النقطة وجدت ـ بعد سنوات ـ أن علياً المبدئي، الرافض لأنصاف الحلول، العصي على أن يقبل تسوية تؤلف بين ما يراه حقا وما يراه باطلا، وقدرته على أن يتحمل خياره الذي يعرف أنه خيار خاسر، ليسير به إلى آخر الخط، وتمكنه ـ بمختلف الأزمنة ـ من صنع أشخاص يتقبلون خيار الخسارة المزمن ذاك، وهم راضين عن انفسهم تمام الرضا، رغم أن علي يستطيع أن يسلك الطرق الأخرى، ولكن ما كان ليكون علي لو اتخذ تلك الطرق، عند تلك اللحظة عرفت أن علي، الذي يرفض أنصاف الحلول، والتسويات التي تمزج الحق بالباطل، هو اقرب إلى مزاج العراقيين غير القادرين على التسوية، غير القادرين على تقبل الحلول الوسطى، وإن اختلفوا عنه بمعيار الحق والباطل، وإن كانت عدم قدرتهم على التسوية تلك مزاجاً صنعته الأرض كما صنعه الرجال الرافضين لأنصاف الحلول مثل علي وبنوه، وهو ما جعل العراقيين المسلمين يذكرونه أكثر من ذكرهم ابن عمه النبي ومربيه، لهذا ارتبط علي في ذاكرتي بالعراق، وارتبط العراق بعلي.

(7)

أذهلتني قدرته الكبيرة على أن يكون قطب رحا لا يجرؤ على نكران فضله إلا موتور فارغ عاجز عن الإتيان على دليل بمزاعمه ضد علي، حتى أن الشعبي، وهو ممن اختلفوا عن خط علي تماما قال فيه يوما ما مضمونه أن اعدائه وظفوا أهل الحديث ضده، واستكروا ـ كما تستكرى البهيمة ـ الشعراء يمدحون آبائهم ويزرون بعلي، وآخر الأمر، وعند انجلاء العجاج، بدا وكأن الشعراء بمدحهم لأجداد أولئك كانوا يمدحون جيفة، وكأنهم إذ شتموا علياً كانوا يأخذون بضبعه إلى السماء! وخلال الألف ونصف الألف التي تلت إيابه إلى خالقه، بقي مناجزا، صامدا على تقلب الدهور، يحتل في القلوب مكانا لا يماثله فيه أحد، أذهلني أنه يتيح لي أن أحبه، دون أن أبغض أحد، أو اشتم أحد بحجة حبي لعلي.

(8)

كتب د. علي الوردي مرة أن ما من أمة اختلفت في رجل من رجالها كما اختلف المسلمون في علي، ولكنني اختلف مع الحكيم الوردي، وأظن أنهم اختلفوا عليه أكثر مما اختلفوا فيه، كل فريق أراد أن يحوز علي إلى خندقه، تقاتلوا على علي منذ وفاته إلى اليوم، كلٌ يرى أنه أولى بعلي وأحق من غيره به، ولكنه كان نسيج وحده، يحرك التاريخ رغم اختلاف الحدثان وتقلب الدهور، شاء من شاء وأبى من أبى.

(9)

كتبتُ مرة نصا أردته أن يكون قصيدة عنه، قلت في مطلعه:

“غريبون عنك

نغلف أرواحنا بالجليد

ونزعم أنا صنيع يديك”

ولا أزال.

فجر 17/6/2017

21رمضان 1438

[الصورة بعدستي: مرقد الإمام كما كان يبدو من بناية قرب منزلي، ولم يعد هذا المشهد متاحا]