arablog.org

وداع…وزيارة

– ها يمه، شو مغبش؟
– رايح لكربلاء.
– زيارة لو تسيارة؟
– لا والله تسيارة، صديقي راح يسافر لمدة طويلة واريد اودعه.
– متروح تزور؟
– ما اتصور، ما الحك.
– لا يمه ميخالف، روح زور، وسلمي على ابا عبد الله، كله أمي تسلم عليك، تكول اكو امهات عيونهن عالباب، منتظرات اولادهن، هن لا يعرفن داعش، ولا يعرفن الجيش، ولا يدرن بالحشد الشعبي، يعرفن عدهن ولد، عمت عيونهن الى أن صاروا زلم، وتالي شالو سلاح، وقسم راحو ويه داعش وقسم راحو ويه الجيش، الامهات شعليهن بالسالفة، الامهات يريدن ولد يلم كُبرتهن، هسا اتغوبرو وراحوا ويه داعش، ضحكوا عليهم، الكترين يصيحون ويدعون بالدين، وأولادهن كلشي ميعرفون، بس الامهات هم كلشي متعرف، بس يعرفن شكد تعبن، وشكد صبرن، جابن عمارهن أمل وحسرة، على كل صوت بالليل يفزن خاف الولد كعد، كله لابو السجاد لَتردهم ليهن مكطعين، ولا مجرمين، ولا خاشين بخطية العالم، خوش يمه، وكل لاخو زينب العباس هم نفس الشي، خوش يمه، كله هالله هالله بالامهات، والله العراقيات خطيه، خوش يمه؟
– الله كريم.
ووجدت متسعا اذهب به الى الشهيدين، وكلي كلام يتململ بين قلبي وشفتي، وما أن وصلت، ومع أول تابوت مكلل بالورود، تتقدمه صورة كل ما فيها يتلألأ، البسمة على الوجه، النجمة على الكتف الذي تجاوز العشرين بقليل، نسيت كل الكلام، صليت، انتظرت كثيرا ان افوه بكلمة، لا شيء، في الأخير، وأنا أهم بالمغادرة قلت لهما:
– أغاتي أنتما، مثل ما كالت أمي.

همسات أخ أواخر الليل

علي المعموري

هذا الفضاء الالكتروني، عرفني على أشخاص اعتز للغاية بمعرفتهم، أفكارهم تملئني احتراما لهم، وفرحا بالصدف التي قادتني إليهم.

احد هؤلاء الرائعين، ممن أتوقف لقراءة كلماته بإمعان، واحترم آراءه بعمق، فوجئت وأنا اتابع حوارا دار بينه وبين شخص آخر بأن هذا الرائع مفجوع، ففهمت ان قلبا بهذه السعة، وأفقا بهذا الاتساع لابد ان ينطوي على فجيعة.

له، وللمفجوعين بأخوتهم، وللذين يمسكون قلوبهم كل لحظة وجلا على أحبتهم، اكتب هذا النص في

هذه الساعات المـتأخرة من الليل وكلي تضرع إلى الجليل ان يحفظ اسرنا من الخبل الطائفي، وان يرحم ضحايانا الابرياء:

همسات أخ أواخر الليل

منذ أول اللحظات التي ميّزت فيها أنك أخي، شعرتُ أنك فعلت نفس الشيء.

منذ ذلك الاكتشاف، الذي تشابكت فيه الدهشة بالروعة بالسعادة كتشابك أصابع الرضيع بأصابع أمه، منذ تلك اللحظة، كنت أخاف عليك قدر ما تخاف علي.

أفرح لك كما تفرح لي.

يجمعنا قلب واحد، يجد فينا ماضيه، وحاضره، ومستقبله.

قلب يطوي الليل واختلاجاته مزيج عجيب من الغرائب، عامر بالحب، يتلظى قلقا من أجلنا، ويمتلأ أملا بنا، يختصر القادم بالآتي بمجرد تناهي وقع خطونا له، هل تحس به وأنت في نأيك الآن؟

هل تشعر بقلب أمك؟

هل تسمع ما يدور بقلبي أنا يا ابن أم؟

هل تذكر حينما كنا نبكي بلوعة ونحن نسمع الوائلي يقرأ من شعره، وصوته يتماسك بصعوبة عن البكاء:

 

يا ثغر الرضعت وياه……….الخوه من ثدايا امي

 

هل تذكر كيف كنا نقرأ على ضوء الفانوس آخر الليالي الباردة أمل دنقل وهو يتسائل:

أعين الغريب كعينا أخيك؟

هل تذكر؟

هل تذكر كل ضحكة خلفها صوتك في قلبي، هل تذكر أول الأسرار التي تشاركناها، أول المخاوف التي لفت روحينا بمخالبها، أول الأفراح التي طوقت عيوننا بجيدها الوضيء؟

العتمة نوافذ، تُطلُ فيها عليَّ بكل الصور التي اتخذْتَها، والصور التي لم يُتح لك قاتليك أن تكونها.

الأبواب ضياء يمتد حيث شاء الله له، وأنت فيه الشعاع الأكثر ألقاً.

أقول لك: مشتاق أنا، مشتاق بقدر رحمة الله، التي لولاها لما وقفت ساعة على أقدامي عقب رحيلك.

أقول لك: ان الدروب عامرة بروحك، لا أستوحش الطرق التي مررتَ بها، ولا التي عاجلتك المنون، فلم تخطر بقامتكَ الشماء على كتفها، أخطوها أنا عنك، وأتخيل فيها عنك أحداث وأحداث، واحتفظ بالذكريات عذبة في قلبي، كأنك عشتها، وكأن همسك يملأها حياةً وبهجة.

أقول لك: إن رحيلك لم يحولني إلى كتلة من الغضب، أقيء رغبة بالانتقام، إن رحيلك جعلني أشعر بمرارة الفقد، وقرّبني إلى الحقيقة.

كم هو أمر محزن أن يكون ثمن الحقيقة باهظا هكذا، أن يكون للسلام درب تملأه الذكريات المفجعة، وبكاء المفجوعين.

إن رحيلك، كما حضورك، ملأ قلبي بالحب، جعل أذني صماء عن أصوات القتلة، لا تسمع إلا همس الأرواح النقية كروحك، ينساب عذبا إلى أذني كالموسيقي التي انطوت عليها ضحكتك، أغلقَ كل درب ضيِّق على صوتي، وفَتح أمامي درب الانسانية على اتساعه.

أودعك قلبي، واستودعك ذاكرتي، كُلي حروف تتركب ولا تأتي بغيرك، لا تصنع غير اسمك، ولا يقودني اسمك لغير الغفران، والمودة، والتسامح، لن أسمح لهم بأن ينتصروا بخبلهم الطائفي عليَّ، فيملئون قلبي بالكره، وهو عامر بك، ممتلئ بحبك، كيف له أن يتسع للكره، وقد فضتَ به حباً؟

أقول لك، والناس على موعد مع ربهم إلى عيد، أقول لك، كل عام وأنت في قلبي نبع لا يغيض زاخره، تمدني بالعزم، وتشد ازري بالمودة، لا تأخذ مني غير الحب، ولا تعطيني غير الحب.

 

المدينة التي تبتعد

علي المعموري

الحلقة الأولى

(1)

هذه المدينة التي يتناقص ما يربطك بها من أشياء كل يوم، المدينة التي شاخت، كأبوك الذي دهمه الوهن فجأة، وصارت الأشياء القديمة تذكرك بقوته، العتلات الصماء الحديدية التي كانت اذرعه تلوح بها كالريشة ذات يوم، وإذا به يجرجر اقدامه مثقل الخطى، كالمدينة التي كانت ذات يوم كل شيء، رغم انها عاشت في شظف وحاجة لكل شيء، اما اليوم، فهي عامرة بكل ما يخطر على بالك، إلا ذاتها.

(2)

اتذكرُ عندما كان العالم يقتصر بدرجة كبيرة على (السور) أو بقاياه بالأصح، في (طرف البراق) المحلة النجفية التي استوطنتها اسرتي منذ اربعمائة عام، العالم الذي اذا اتسع فلن يتجاوز منزل جدي، في حي السواق، ومنازل اعمامي في الجديدة، وكلها تتمركز حول المحور الذي ارتبط وجود النجف به، مرقد الامام علي بن أبي طالب عليه السلام، وظلت بأحيائها القليلة متمركزة على ذاتها، ذاتٌ تشكلت من خليط عجيب، عروبية شديدة بسبب الطابع البدوي لابناء بيوتاتها المنحدرة من العشائر العربية القوية، مدنية قائمة على الدين والتجارة، مغموسة بالتكبر على ابناء المدن الأخرى، واهل الريف ومن ناظرهم، حتى لهجتها تميزت عن باقي لهجات هذه الارض، لهجة قوية المخارج، غليظة، كغلظة أهلها الذين يشربون مياه الآبار، ويتنفسون الغبار المتناثر على طول يومهم، قساة كأرضهم، دون ان ننسى مجالس اللغة العربية فيها وما تركته من تراكيب ومفردات فصيحة في الدارجة النجفية حتى على ألسن المكارين.

(2)

حينما بدأت أقرأ، وأعي ما حولي، واتشرب الثقافة الدينية للمدينة القديمة، كانت صورتها تتسع في روحي لتشمل العالم كله، بما تمتلكه من رصيد روحي وديني، جعلها العاصمة التي تهوى إليها نفوس أتباع إحدى الفرق الاسلامية الكبيرة، فيقصدونها طلبا للعلم، ثم يستوطنها من ينبغ من بينهم، أما البقية فينتشرون في بقاع الارض، وتظل بأزقتها الملتوية حول مرقد الامام حلما أزليا يداعبهم في كل سانحة، ولعب الجدل الفلسفي، والديني فيها دورا في اسباغ تلك الصبغة العالمية، وإن ظل الآخر مبهما لا يُرى إلا عبر الكتب.

ولم يقف الامر عند هذا الحد، رغبة الأحياء فيها، بل تعداه إلى الرغبة في الحصول على السلام في تلك البقعة التي ارتبط اسم واديها بهذا الحلم، السلام، فكانت وادي السلام، حتى قال ابنها علي الشرقي:

فصادرات بلدتي عمائم…….وواردات بلدتي جنائز

(3)

اتجول اليوم على أديم تلك الأزقة التي فرشت بالمقرنص، ولمّا تزل الاتربة تضمخ خدها الأسيل (خد العذراء هو من الاسماء العديدة التي تطلق عليها)، ولكنه ليس كذاك التراب الذي كنت اركض فوقه حافيا، أهم بضرب الكرة الرخيصة، فيصطدم اصبعي بالارض، ليختلط الدم بالتراب بالهدف الضائع، انه اليوم تراب غريب على روحي، اتلفت في الوجوه فلا أميزها، وتضيع لهجتي بين اللهجات الكثيرة، واللغات المتناثرة التي تشتبك على الالسن.

وتتعدد مستويات الضياع…

بين أخوتك الذين يأخذهم العمل منك رويدا رويدا رغم أنهم يسكنون معك في ذات البيت، ويشاركوك ذات الغرفة، بين أصدقائك الذين سافروا، أو الباقين، الذين تمنعهم زوجاتهم من التأخر، او الأكل خارج المنزل، الذين يُلزمهم نشاط اطفالهم على الإياب مبكرا إلى المنازل.

بين ذلك كله، تتزايد غربتك كل يوم، وتُضيِّق عليك الوحدة المساحات التي اتخذتها لنفسك رُحبا منذ كنت.

حتى تلك الفُسح المتخيلة التي تنبع أحلامك منها، تتسلل لها الافكار السيئة، تشيد فيها عشوائيات تناظر تلك التي ملأت مدينتك، وأخذت شكلا اكثر تطورا بعد ان أخذ الوحوش ــ ملاك البساتين ــ بقطع عماتك من النخيل، وبيع مهاجعهن الأزلية التي ارتبط اسم العراق بها منذ ان كان، أرض السواد، التي لم يعد يسودها للناظر البعيد سوى الخراب، والدولة المشغولة بالسلب.

الحدود التي يكذبونها


علي المعموري
بيني وبينك يقف سوء فهم كبير، درب أراده المؤمنون معبرا لخلاصهم، ولكنهم لم يدركوا كنهه الحقيقي، انكفأوا عليه دون معرفة، وأقاموه سدا بيني وبينك، فسحقوا روحينا به كالرحى.
ما هو الدين؟
ما هي المذاهب؟
الا تريد كلها الله؟
أليس الله محبة؟ فلماذا يريدون لتلك السبل ان تكون بغضا؟ كيف يقود البغض إلى المحبة؟!
هم يزدادون تيها، وأزداد ألما، لا أرى نفسي في مسار لا ينتهي إليك، ولا ارغب في سعادة لا تكونين كنهها، لا أريد صخرة اسند ذاتي عليها إذا لم تكن من حنانك، المياه لا تبل الغليل، والزاد لا يقيم الأود، والهواء لا يشفي من الاختناق، كل المعاني فارغة بدونك، والغرف مظلمة تبحث عن ضياءك.
اقف هنا، منتظرا بلا كلل، اطاول الليل بالهم، تمر ساعاته على روحي كالدهور، طيفك يحوم على رأسي، يضحك، ولا أحس بذلك الدبيب الذي كان يسري في عروقي حين تتلقف روحي ضحكتك وأنت أمامي، لم أكن اسمع صوتك بأذني، كانت كلماتك تعصف بقلبي، احسها، كما يحس الطفل بكلمات أمه قبل أن يفهم الكلام.
يمر الليل بي، اسائل كل صوت عابر في الطريق عنك، تذكرني الهمسات الشفيفة التي تهوم كل حين بك، تمنعني من الانهيار.
اقلب بصري في السماء، اتلمس أول خيوط الفجر، الضوء العذب كوجهك، الرقيق كخطوتك، الذي يحمل الأمل في مقدمه الوئيد كالأيام التي يشع فيها حضورك.
تذكرني بك العصافير التي تهب مع أول لمسة ضوء رفيقة تمر على وجنة الدنيا، منذرة بالحياة.
مع أول الاصوات التي تنبعث معها الحياة، مع أول الخطى التي تسعى إلى طلب الرزق في الأزقة التي تدور تدور، لا تبدأ إلا منك، ولا تنتهي إلا إليك.
أطل برأسي منهكا على نافذة الدنيا، اتصفح الوجوه بحثا عن وجهك النائي، وكل جوارحي سمع يتلمس صوتك بين الأصوات، حروفك الرحيمة بين القسوة البشعة التي تحيطني، كالسوار الذي طوق معصمك ذات يوم، وطوقت استدارته روحي، وقطعت علي كل السبل التي لا تؤدي إليك، انت، التي لم تعد طرقي تقودني إلى احد سواك.
يا أنت..
أخلو إلى قلمي فلا يحدثني عن غيرك، الأوراق لا تريد على جبهتها عنوانا يخلو منك، والكلمات لا تتركب بمعنى سواك.
أدور على محورك، النهار رتيب لا يذكرني إلا بالوطن الذي رأيته فيك، ورأيتك فيه، ثم يسلمني إلى الليل متوجعا، وتستمر حلقة الألم.
اخبريهم انني سأنتظرك، وانك ستنتظريني…
أخبريهم أنني لن أكون إلا على ما يقودني لك، لا أرى دينا لا تكونيه، ولا إيمانا لا يتجسد عبرك، اتوقف عندك، ولا أعدوك، اجد فيك حريتي، وأتلمس إيماني فكرة ففكرة، حسرة فحسرة، نغمة فنغمة، تتابع الكلمات، وأنت بينها تتكررين.
أخبريهم ان الحدود التي اصطنعوها واهنة أمام صبري، وأن الأطياف التي تصطف على طول ليلي، على طول الحدود، على مقدار حبات الرمل المصطفة حسرات ــ يسمونها مسافات ــ تفصل جسدي عن مكانك، ولكن روحي تهيم حولك، تتيه بليلك، تتقاطع الطرقات وتشتبك ولا تصل روحي لسوى طريقك.
أخبريهم انني انتظر، كالضال، اقف هنا واهمس لفؤادي الكسير:
لعل الله يهديني بك…..

Django Unchained 2012

علي المعموري

لا انفك أتحير من سبب متابعتي لأفلام كوينتن ترانتينو، المشحونة بمشاهد القتل المبالغ فيها، دماء تتناثر، انفجارات استثنائية، وقتلى بدون حساب منذ أول مشاهد الفيلم حتى نهايته، بأعنف الطرق الممكنة.

هذا الفيلم خير دليل على ذلك، منذ افتتاحيته بمشاهد المستعبدين السود، عراة، وهم يرفلون في السلاسل، وقد تهرأت أقدامهم الحافية من السير، بين أراضي صخرية وعرة، وأخرى زراعية ينتثر الشوك على أديمها، بين ثلج لاسع، وحر لافح، كأنهم يسيرون منذ الأزل، مسيرة الإنسانية بين السيد والمسود، مشاهد تتنقل فيها الكاميرا من جانب آخر إلى آخر طوال عرض الأسماء المشتركة في صناعة الفيلم، بطباعة الكلمات بذات الطريقة القديمة الأثيرة إلى نفس كوينتن.

ثم لم يستطع الصبر أكثر من ذلك، لتبدأ سلسلة القتلى من الدقيقة السابعة للفيلم.

تدور قصة الفيلم حول جانغو، المستعبد الذي فُرّق بينه وبين زوجته، بعد ان اكتشف السيد الأبيض زواجهما، وبيع كل منهما إلى سيد مختلف، وبدا الأمر كما لو أن جانغو قد استسلم فعلا لما حدث له، قبل ان يدخل على خط حياته طبيب أسنان ألماني ترك المهنة ليتحول إلى صياد جوائز، يأتي خصيصا للبحث عن جانغو الذي يعرف ثلاثة هاربين من العدالة، هم نفس الذين نكلوا به وبزوجته قبل بيعهما، ولأن د. شولتز يريد قتلهم، فإنه يحتاج جانغو ليدله عليهم، صدفة متوقعة في أفلام ترانتينو أن تلتقي رغبة شخصين متناقضين في قتل شخص آخر.

وشخصية الطبيب شولتز في حد ذاتها بالغة الغرابة، فهو ألماني يبغض العنصرية، ورغم عدم رحمته في قتل المطلوبين دون إنذار، إلا انه يتمتع بحس بالغ الشفقة تجاه أوضاع العبيد، ويبغض مستعبديهم البيض، فوق ذلك فإن من وجوه الغرابة أيضاً انه وبعد أن أردى أحد الأبيضين اللذان بدأ الفيلم بهما وهما يقودان نصف دزينة من المستعبدين، وشل حركة الثاني، في مشهد عنيف تتسم به ثيمة ترانتينو الإخراجية، فانه يدفع لهذا الأخير ثمن جانغو، وحصان أخيه الميت، وملابسه التي أمر جانغو بسلبها، ثم يدفع بقية السود إلى قتل سيدهم المشلول تحت حصانه القتيل، بطريقة مستفزة جدا، وهنا لاحظت خطأ فنيا، وهو ان د. شولتز وبعد أن اخذ مفتاح القيود من الرجل المشلول وفتح قيد جانغو رماه على الأرض، وبعد أن قتله وعاد إلى المستعبدين ليخيرهم بين حمل سيدهم المكسور لأميال كثيرة للتداوي، أو تحرير أنفسهم ثم قتل الأبيض، والهرب إلى أبعد مكان، فانه استخرج المفتاح من جيبه الصداري، رغم انه رماه ولم يحمله في البداية.

والأمر الآخر الأكثر أهمية أن هؤلاء المقيدين لم يفكروا بفك قيدهم ثم قتل السيد، بل زحفوا بقيودهم وأردوه بطلقة تناثر معها دماغه كالنافورة ــ ثيمة أخرى لترانتينو ــ كأنه تأكيد على ان البشر يفضلون الانتقام قبل أي شيء أخر حتى لو كانت الحرية!

يرحل جانغو بعدها صحبة الطبيب، يدخلون بلدة، ليقتل الطبيب مأمورها، الذي تبين انه هارب من العدالة ومطلوب حي أو ميت.

بالنسبة لي فان الغريب في شخصية جانغو، رغم ان شخصيات أفلام ترانتينو بالغة الغرابة بالمجمل، انه تحول فجأة من شخص متقبل لمصيره البائس كمستعبد، إلى سفاح عنيد يشارك د. شولتز عمله، بل ويقلل من طاعته له، رغم انه منحه حريته، ونسبة من أرباح العمل إذا شاركه، شرط أن يظل معه حتى يجدان الأخوة الثلاثة أولئك، أمر غير ممكن استيعاب حدوثه بمثل تلك السرعة.

من الأمور الغريبة الأخرى، هو أن الشخص الذي قتل في الدقيقة (7.30) عاد نفس الممثل الذي أدى دوره في شخصية أخرى  في الفيلم، حارس كالفن داندي الذي يقتل د. شولتز قبل نهاية الفيلم.

وكالعادة، فان كوينتن نفسه يظهر في الفيلم بدور شخصية حمقاء، يخدعه جانغو بسهولة، ثم يطلق عليه الرصاص تماما في حقيبة الديناميت التي يحملها، لينفجر دون ان يبقى منه شيء.

ومن الأمور التي يكررها ترانتينو في أفلامه هو ان يضع في السياق حادثة تجعل المشاهد يبني استنتاجات معينة، بينما هي موضوعة لخداعه، ليستنتج غير ما سيحدث، أو ان يقدم ممثلا معروفا في مشهد، وتتوقع ان يكون له دور في الأحداث، وإذا به لا يعود للظهور مطلقا، وهذا ما فعله في فيلمنا هذا، اذ أقحم الممثلة المعروفة (آمبر تامبلين Amber Tamblyn) في مشهد من ثواني، تبتسم بطريقة موحية وهي تراقب دخول د. شولتز وجانغو إلى البلدة، وجانغو راكب حصان، الأمر الذي كان ممنوعا وقتها، واثار ذهول مواطني البلدة، فظهرت تامبلين في مشهد من ثواني، بابتسامة جميلة موحية، شخصيا توقعت انها كممثلة معروفة سيكون لها دور، وإذا بها تختفي بعد تلك الثواني الوجيزة الدافئة المفعمة بالترقب والابتسامة.

كما يقدم ترانتينو ــ بالمقابل لشخصية د. شولتز ــ شخصية العبد ستيفن، النموذج الانتهازي، الذي صار اشد وطأة على العبيد من سيده الأبيض نفسه.

الفيلم يحمل بصمات ترانتينو التي يمكن أن يميزها أي شخص يتابع أفلامه، ابتداء من طريقة كتابة الأسماء، والحوارات الرنانة المنمقة بين الأشخاص كأنهم في مسرحية، ونوع الموسيقى التصويرية الثقيلة، إلى طريقة تنقل الكاميرا على الوجوه لالتقاط انفعالات الأبطال، والجمهور المحيط بالحدث، بسرعة خاطفة تقتنص المشاعر المختلفة، فضلاً عن المبالغة في مشاهد القتل، وانفجار الاشلاء، وعدد القتلى، ومنظر الدماء المتناثرة على الجدران والأشخاص.

اتصور ان الفيلم يقدم تناقضاً شفافاً، فالدكتور شولتز الماني يكره العبودية ويمقتها، ويعمل على مساعدة جانغو على استعادة زوجته، رغم سمعة الالمان المتسمة بالعنصرية كما هو دارج، على جانب آخر ينتفض العبد الاسود ستيفن حينما يرى جانغو على فرس ويعاند سيده كالفن داندي لانه سمح له بذلك، ويرفض ان يساير سيده في السماح له بالمبيت في البيت الكبير، كأن ترنتينو يريد القول ان مسألة الظلم وطغيان الاستعباد لا تتعلق باللون، بل تتعلق بالنفس البشرية ذاتها، وبما تنطوي عليه من سفالات وحب إيذاء الآخرين اذا تمكنت من ذلك.

 imdb 

 

r & Writer: Quentin Tarantino

Cast:

Jamie Foxx = Django

Christoph Walt = Dr. King Schultz

Leonardo DiCaprio = Calvin Candie

Kerry Washington = Broomhilda von Shaft

Samuel L. Jackson = Stephen

 

The Adjustment Bureau

علي المعموري

هذا الفيلم من الأفلام التي تجمع الحديث عن كل شيء في حبكة واحدة محكمة، تختلط فيها الرسالة السياسية بالغيبيات، بالعلاقات الإنسانية، الدراما البحتة بالأكشن، مع مسحة خفيفة من كوميديا إنسانية نعيشها يوميا، يتناول مسألة الاختيار الحر، أو الجبر والتخيير على اختلاف توجهها، مع لمحة من فلسفة القوة للمرحوم نيتشة، ناهيك عن الجو الساحر الذي تحيطك به موسيقى الرائع (Thomas Newman).

فيلم لا يقوم على الثنائية التقليدية من الخير والشر وإن تعرض لها، هنا لا يوجد شرير من الأساس، توجد قوة عليا تتحكم بمصائر الناس، في دوران موارب حول (الإله) لا يقول لك الفيلم انه يعنيه، ولكنه يمنحك كل الأسباب التي تعتقد من أجلها انه يعنيه، يقول تومسون (تيرانس ستامب) لديفيد نوريس (مات ديمون) إننا كنا حاضرين منذ بدأتم بتكوين الحضارة، أيام الرومان، أعطيناكم الإرادة الحرة، فمنحتمونا خمسة قرون من الجهل والظلام، وهكذا يستمر في سرد مراحل تاريخية “تدخلوا” خلالها في حياة الإنسان بوصفهم قوة عليا، وخربها الإنسان، ثم قرروا أن لا يتركوا الأمر بيد الإنسان، الإرادة الحرة فكرة سيئة حينما تمنح لهذا النوع من البشر، “هم” الآن يحرصون على ان يتدخلوا في حياة مجموعة معينة من البشر الذين يؤثرون في الآخرين، وعبر زرع الافكار في رؤوسهم، وتهيئة الصُدف المقصودة لإحداث انعطافات مهمة في حياتهم، وهم بدورهم سيقودون القطيع خلفهم.

من هذه “الصُدف” المعدة مسبقا، تبدأ الحركة في الفيلم، في واحد من أجمل مشاهد الفيلم، وأكثرها إبداعا في الفنية الصورية، وأداء، ديفيد نوريس، المرشح اللامع لعضوية مجلس الشيوخ الامريكي، الذي هزم بشدة، يقف في حمام الرجال مناجيا نفسه قبل خطاب إعلانه هزيمته، يظن انه بمفرده، يتحدث بصوت عال، ليكتشف بعد لأي انه ليس وحيدا، هناك شفق يؤذن بالحياة يختبئ في حمام الرجال، إليس (اميلي بلانت) الساحرة التي اقتحمت حفل زواج في الفندق نفسه، وسمعته، زرعها “هم” في الطريق، لتمنحه إلهاما لخطابه المهم، تخرجه به عن التقليدية، ينتهي الحوار بقبلة شغوفة، ونوريس يجري وراء الفتاة في الممر، حائرا، مأخوذا، للطيف الذي هز كيانه بعمق، وغيره إلى الأبد، ثم يظهر إلى الجمهور أمام الكاميرا بحركة زوم آوت توحي للمشاهد بأنه بطل المشهد وليس نوريس وحسب، ويلقي خطاب خسارة غير تقليدي يمهد أمامه الطريق إلى الترشح مرة ثانية.

الصدفة الثانية، وهي صدفة بالفعل هذه المرة، هي حينما يذهب إلى عمله الجديد صباحا، والرجل المكلف به ــ سمه ملاكا أو أي شيء آخر ــ تأخذه غفوة من الإرهاق، فيتأخر عن سكب القهوة على قميصه وتأخيره، يصعد نوريس إلى الباص، ليشاهد الفتاة الحلم غافية في الباص، يجلس قربها منبهرا، وتصحو على مقدمه، ثم شرارة تضطرم.

لاحقا يكشتف نوريس انه ليس بمفرده، ان هناك من يعمل على أن يملي عليه إرادته، يخبره تومسن لاحقا عن “الارادة الحرة” المزعومة للبشر، انها تتعلق بمعجون الاسنان الذي يستخدمه، بالسرير الذي ينام عليه، أما مصائر الأمم، فهي مُسَّيرة، ولا تترك لنزوات البشر وسيرهم المتخبط، يخبره ان بقاءه مع (إليس) هو خارج المخطط، ان تلك الفتاة ستملأ الفراغ الذي في داخله، بما يوقف طموحه إلى الزعامة، هنا تطفو الرسالة السياسية التي تتحدث عن “الدور الامريكي” وواجب الرجل الامريكي تجاه الإنسانية، يخبره “أنهم” يريدون له ان يفوز بدورتين في مجلس الشيوخ، وبعدها يريدون له ان يذهب إلى البيت الأبيض، “باستطاعتك تغيير العالم” الا تفهم، الرجل الأمريكي، الذي يدافع عن حريات الآخرين، الرئيس الامريكي الذي يقاتل في سبيل الإنسانية، هو نفسه يعمل بتأييد من الرب، إذا شئت، من القوى الغيبية كائنا ما تكون، يذكرنا بأعتى افكار المحافظين الجديد من بوش الابن وكوندوليزا رايس ورفاقهم في النضال!

فضلا عن ذلك، سنجد الفيلم يدور حول “الطريقة الامريكية في الحياة” فإن روح المخاطرة الامريكية، السعي وراء المجهول، اتخاذ خيار المخاطرة بأمل الافضل، كلها تبدو في الفيلم، إليس تركض يدها بيد ديفيد من باب إلى باب، في مشاهد مبهرة وجميلة، توحي بالتنقل من حال إلى حال، الانبهار من المجهول، ثم اتخاذ الخيار الاصعب المنطوي على المخاطرة، الثيمة التي يسوق لها كصفة أمريكية لازمة، الامر الذي تمجده القوى العليا، الغيبية، مثنية على الاختيار الصعب، وسياق الثقة والتضحية من أجل الحب الذي تأتي فيه خلال المشهد قبل الختامي، لدرجة إلهام “المدير” لأن يغير خططه.

في الواقع يكون الفيلم أكثر صراحة في هذا الطرح، في العبارات الختامية، يقول “الملاك” ــ الاسود بالمناسبة، ضمن اللازمة الاثيرة في الافلام الامريكية في أن يكون للرجل الابيض تابع أسود، صديق، ملاك حارس، سمه ما شئت، يمثل جانب الغيبيات، الغيبيات التي تجاوزها الرجل الأبيض “المتحضر” الذي يؤمن بالمنطق، بالدلالة التي تمثلها الغيبيات بالتخلف وفق هذا الطرح، ويأتي الاسود ليعيد له توازنه الروحي اللازم، الذي لا يسلبه منطقه، ولكن يمنحه شيئا من الروحانيات ــ يقول هاري (انثوني ماكي) بعد أن يؤكد ان اغلب الناس يسيرون وفق الخطط التي “نضعها لهم” ولكن كل مدة يأتي اشخاص يتجاوزون العقبات، اشخاص يفهمون أن: (الارادة الحرة هي نعمة لن تعرف كيف تستخدمها حتى تقاتل من أجلها، اعتقد أن هذه هي خطة المدير الحقيقية، أنه يوما ما نحن لن نقوم بكتابة الخطة، أنتم من سيفعل)، كل هذا يذكرني بالتلاعب الذي قام به صلاح عبد الصبور في قصيدته (الملك لك) التي عارض فيها قصيدة توماس إليوت، التي بناها على فقرة من الصلاة الانجيلية (لأن لك الملك) اما صلاح عبد الصبور، فقد جعل الملك للإنسان على الأرض، منحيا المشهد الغيبي عن الصورة، وهنا في هذا الفيلم يدور المشهد بطريقة ماكرة جدا، تُبقي على “المسيطر” الذي يملك كل شيء على مقامه، ولكنها تجعله يتجه إلى منح “الخاضعين” القدرة، القدرة على ان يكونوا هم المسيطرون على حياتهم، بإرادته بطبيعة الحال.

ولكن إلا يمكن أيضا ان ننطلق من الآية الكريمة (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) ضمن نفس السياق؟

لا أريد أن استطرد في هذا كثيرا…..

على أي حال الفيلم لا يخلو من الاستناد على الكثير من الافكار، بينها الدينية بشكل أكيد.

وينبغي أن أشير أيضا إلى المشاهد الخلابة، والمواقف غير المتوقعة في الفيلم، التي لا يمكن تجاوزها دون شعور بالاثارة، بالسعادة البالغة، بالجمال، كمشهد وقوف ديفيد نوريس وحيدا في اللوبي بداية الفيلم، تنتقل الكاميرا من يمين الصورة حتى تقف في المنتصف، مركزة على ديفيد الواقف، مركز الحدث هو بلا شك، الممر طويل، تزداد الإضاءة كلما زاد العمق، لتنتهي بشباك طويل يعتلي الضوء قمته، كأنها إشارة إلى الأمل، إلى الانتقال من العتمة إلى الضوء تدريجيا كمرحلة قادمة.

مشهد الحمام وحواره مع إليس وهربها، مشاهد التنقل بين الأبواب من قبل ممثلي القوى الغيبية، تنقل ديفيد نفسه مع إليس بعد أن اعطاه هاري قبعة الانتقال، الصدفة المبهرة التي جمعت ديفيد بإليس في الباص، مواظبته على ركوب نفس الباص لثلاث سنوات لكي يجدها بعد أخذ الغيبيون رقمها منه، ثم لقاءه بها، سعيه إلى لقاءها رغم العقبات التي وضعت في طريقه، وغيرها من المشاهد المبهرة، فيلم جميل، ممتع، محفز.

 

The Adjustment Bureau(2011)

Director: George Nolfi

Writers: George Nolfi (screenplay), Philip K. Dick (short story “Adjustment Team”)

Matt Damon . Emily Blunt . Michael Kelly. Anthony Mackie .John Slattery.Terence Stamp

للمزيد عن الفيلم انظر: Imdb

آمرلي… الفجر الذي ننتظر نهاراته

آمرلي

علي المعموري

هل تسمعين تلك الهمسات التي تدب في كل شيء حولنا، تتحرك كالدماء في العروق؟

هل تشمين تلك العطور الغامضة التي تداعب الأرواح بلمسة شفافة كل لحظة؟ عذبة كالمياه بعد (الصيهود)، كالفرات يتمشى منذ آلاف من السنين، شامخاً، يحمل الحياة في عزف لا يكل ولا يفتر.

هل تبصرين ذلك الضوء، ذلك الضوء الذي يبدد العتمة رويدا، كما تغسل دجلة الغبار عن وجه بغداد؟ هل تحسين بنضارته؟ هل تمتلئ روحك من النسمات التي تعانقه وهو يتسلل في الأمشاج وئيداً؟ كالعافية تسري في جسد المريض، يفيق من إغماءته، وتصب عيناه في قلبه صور الأحبة المحيطين به، عيون رفعت إلى السماء أكف تدعوا، أفئدة تتضرع، تريد لنفوسها أن تصير دواءً، أن تصير كل شيء لهذا الذي يمثل لها كل شيء.

إنها أنت، ما غيرك.

إنه الرصاص الذي يلعلع حواليك، تقفين شامخة أزلية كالنخيل.

إنها نساءك التي تملأ المشاجب بالأحبة، وترص الذادة في المتاريس، كأنهن لم ينجبن، ولم يربين إلا لهذه اللحظة التي تتوج بالموت، الموت بكرامة.

إنها رجالك الذين يأبون التزحزح عن مواطئ الأقدام، حتى الجريح الذي يئس من النجاة، يجعل من نفسه قنبلة توقف البرابرة الهمج القادمين من مجاهل التاريخ.

إنها أطفالك الذين لبسوا الرجولة مبكرا، وألفوا البنادق قبل الألعاب، الذين فهموا ضرورة أن يجوعوا، وأن يعطشوا، وأن يفترشوا التراب الصاهد أسرة وثيرة، الذين تذوقوا لذة الكرامة مبكراً.

إنها الخيل التي تحمحم في المعركة، زمجرة الأسود التي تقتحم، الأعاصير التي لا تعرف السدود أمامها حيلة.

إنها الليالي التي كانت عتمتها أهون عليك من الضياء الذي يبصرك بالوجوه الكريهة التي تحيط بك، كل فجر مرَّ بك دون ندى، كل صباح لم تكن الحياة فيه أول ما يطرق أبوابك الساهدة، لم تكن العصافير تعلن مقدم الرزق، ولا الحمائم تهدل للسلام، كانت لعلعة الحرب تصطخب، البارود الذي تسيدت رائحته العفنة المشهد، تمتزج بصيدك الليلي من دماء الهمج، تنتظر الصيد القادم في النهار.

تقفين 83 يوما، كل يوم بسنة، الهمج يحيطون بك، يريدون كسرك، وأنت كالطود لا تتزحزحين عن مواضعك، الرصاصات تقل كل يوم، وأنت لا تزدادين إلا نصرا.

إنني أسمع، وأشم، وأحس.

كأن روحي أتون يلتهب لهفة عليك، يترقبك مع كل ما يخفق نحوي من جوف الليل، أقف ولست بالواقف، وأركض لا كما تركضين، أراك في كل الصور، تنعكس فيك كل الوجوه المحاصرة في مدن العراق.

ثلاثة أشهر والعار يصفعني كل لحظة، أحس بالعراق الذي تبدد، المياه التي تهشم إناؤها وتبخرت الحياة منها.

النجيع الذي يزمجر على أرض ما عرفته، يوما لم يسل فيه على خدها، النجيع الذي يعصف من تخوم الموصل، يخط بمسيره كل الحواضر، والقرى، والبيوت التي في طريقه، يضرب الأنبار، ويوجع ديالى، حتى يصل بغداد ليشوه وجهها النضر، ويجتث صدرها الناهد الذي طالما غنى له (جمال الدين).

ثلاثة أشهر، أجلس قرب المدخنين، أتطفل على نيكوتين المواجع الذي يحلق حول رؤوسهم، والشاي المر، والشتائم التي لا تدع أحدا في طريقها إلا وشجت “يافوخه”.

ثم جئت متألقة، وإذا بي لا أقدر على دموعي، تهرب من مقلتي دون إذن، إنها أنت، أنت الأمل الذي فتح روحي من جديد.

وها أنا أنتظر المدن القادمة، أنتظر لنواعير حديثة أن تهدل بالعراق وحده، أترقبها وقد لطمت البرابرة لطمة أخيرة تختم بها ما كالته لهم خلال الحصار، أنتظر الضلوعية، أن تهب من الأرض ضلوعا تحمي العراق، العلم التي تقف علما لا ينكس.

وبعد؟

أنتظر كل النهارات التي لا تقود إلا إلى الموصل…. الموصل التي إن لم تعد سريعا فلن يسد الثلم الذي أحدثته في كرامتنا شيء.

هل رأيت؟

إنها أنت التي قلت للعراقيين مرة أخرى: ارفعوا الرؤوس، انظروا إلى الأمل الذي يصب كالفجر من السماء، لملموا كرامتكم، فهي أغلى ما تملكون.

كل الطرق، كلها كانت تؤدي إليك، وأنت لا تؤدين إلا إلى الموصل.

أما أنت أيتها الحدباء، فلا تؤدين إلا إلى نفسك، على أمل أيتها البضة.

[الصيهود: هو الأسم الذي يطلق على موسم انخفاض مناسيب دجلة والفرات، بما يعني انقطاع الحياة، ويقابله اسم الخنياب ابان ارتفاع مناسيبها أول الربيع]

في التكاره والتسامح

علي المعموري

في التكاره والتسامح

اوراق في النقد الذاتي

دعما لهمام طه

(1)

أرجو أن تُقرأ هذه السلسلة بمبدأ من حسن النية المطلقة، لا من مبدأ التأويل إلى السيئ، وإذا ما وجد الأحبة الذين سيرهقون أنفسهم بقراءتها أي عبارة أسئت سبكها فأوحت بسوء القصد، ارجوهم أن لا يفسروها إلا بحسن النية، وأن يستفهمون مني عنها، لعلي ادفع عن نفسي ظن السوء، ومثلهم من طلب الحق، ومثلي من أناط الباطل عن نفسه.

كتب الأستاذ همام طه على صفحته منشورا وجهه لـ”أخيه الشيعي”، يحثه على ممارسة النقد الذاتي كما يفعل هو كسني، وأن يتخذ من هذا النقد السني للسنة العراقيين سببا للتسامح، وبناء وطن قائم على التسامح، لا أن يتخذ النقد حجة للتبكيت، ولأني لا أريد لصوته ان يذهب هدرا، قررت أن اكتب في عونه، رغم أني أكره الخوض في موضوع التسنن والتشيع، لأنني لا أرى في همام ــ كما كتبت على صفحته ــ ما لا أراه في نفسي، وهو أني لا اعتبر نفسي في خانة التشيع الإقصائي كما لا اعد هماما في خانة التسنن الإقصائي، وهما السائدان اليوم، وبموازين طائفيو الفرقتين، لا اكون شيعيا كما لا يكون هو سنيا.

ولأني من جانب آخر لا أميل إلى تحميل العقائد مسؤولية اخطاء المعتقدين، وافصل بين الأفكار، وبين التطرف في تطبيقها، ولأني اسير مع المرحوم هوبس في سوء ظنه بالانسان، وأميل إلى انه يقترف ما يقع في هواه ما أن تسنح له الفرصة، دون أن يفكر بغيره، وفي سبيل ذلك سوف يستثمر كل ما يمكن له استثماره من عقائد، وأفكار ليبرر لنفسه جرائمه، وهو إذا لم يجمعه بالآخرين مذهب، فسيجمعه عرق، وإذا خلصت الجوامع الباعثة على التعنصر أمامه، فسيتعنصر كبار الأنوف لأمثالهم، وقصار القامة لنظرائهم، وبالتالي، فإن الذين بطشوا بالشيعة في السابق لم يبطشوا بهم لأنهم مؤمنين بكفرهم، والذين بطشوا بالسنة لاحقا لم يفعلوا ذلك لأنهم يؤمنون بكفرهم، وتساوت ردة فعلهم بمطامعهم في مطلق الاحوال، والنتيجة أن العقائد صارت عناوين للباطل بعد أن أفرغت من محتواها، وخلال حكم الطرفين وجد من الطرف الآخر شريحة كبيرة من النفعيين واللصوص تعمل مع الحاكم “المغاير” وتسهل له سوق رهطها، والوحيد الذي تضرر من آثار التحارب هم الفقراء الذين لا حول لهم ولا قوة.

ولأن الموضوع الذي طرحه أ. همام يتحرك بدرجة كبيرة ضمن أطر مذهبية، وجدت من الضروري أن احدد موقفي من التمذهب.

حقيقة الأمر لست راغبا في خوض الموضوع الذي اريد خوضه، أو أن اتحدث من منصة انتماء مذهبي معين، لأني لا أعد نفسي حقا مذهبيا بطريقة تقليدية، كشخص ولد في عائلة شيعية، في النجف خصوصا، لا أريد حقا أن أؤطر نفسي بإطار لا اجدني تماما ضمن العنوان الذي يسوق له المتعصبون، بل أسير فيه بأطر أخرى أكثر رحابة، بقيت حبيسة النقاش الحوزوي والجدل الديني في النجف ذاتها.

ولأني حقيقة أجد في الانتماء المذهبي، أو الديني حتى مسألة شخصية، بالغة الخصوصية، تتعلق بي وبخالقي، لا أكون ضمنها مسئولا عن إيمان أحد من الخلق، ولا أسمح لأحد أن يحاول فرض رأيه علي، لهذا احتفظ بعقيدتي لنفسي، ولا أناقش فيها على الملأ، سوى بعضا من الذين هم قريبين من فكري، بحثا عن المعرفة، ضمن الشك والتفكر.

ولأني صرت إلى الإيمان بأن مسألة الخلاف الرئيسة بين الطائفتين لم تعد تتعلق بواقعنا الحاضر، وأن تطاحننا حولها لن يغير من وقائع التاريخ شيئا، وأنها تتعلق بدرجة كبيرة بالآخرة، بالسبيل الذي يريد المرء أن يسلكه للنجاة، وما دام الأمر كذلك، وما دمت قد وجدت في نهج معين سبيل اتذرع به أمام خالقي، ولا تُغير عقيدتي فيه من وقائع تاريخيته شيئا، ولن تؤثر في عقائد الآخرين، ما دمت كذلك، فلن أجعل منه أطارا لعلاقتي بالآخر، خصوصا أن من يتشيع الرهط ــ الذين أنا منهم ــ له قد قال بوضوح: (أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)، وما دام الإمام قد وضع هذا الإطار العريض للعلاقة بالآخر، فلم أجعل نفسي رهنا للموروث المقدس من كتب ومرويات؟ الموروث الذي تخلصت من عقدة الأخذ منه دون نقاش، وكُسرت رهبتي الدينية التي غُذيت بها صبيا أدرج في مساجد النجف تجاهه، بعد ان ساق الله إلى طريقي كتابات واحد من أساطين التحقيق في حوزة النجف، ممن لا يجدون في أنفسهم خشية من اقتحام المسلمات وتفحصها عن كثب، في إطار من قبول الآخر مهما اختلف معه، وهو السيد محمد مهدي الخرسان.

أما الأحكام الفقهية، فهي مجرد ضوابط وقوانين، وجد الكثير منها ضمن مبدأ التراكم عبر القرون، وتطور تجارب الفقهاء واجتهاداتهم المختلفة في تفسير النصوص، اتساهل في الكثير منها، وألتزم بالكثير الآخر، التزم خصوصا بما يحزن تركي له قلب أمي، ولا أجاهرها بكثير من مخالفاتي، حرصا على أن تدعو لي دعاء المؤمن، وليس دعاء من تريد له الهداية، فذلك أجدى لروحي وراحتي النفسية من غيره، عدا أني التزم بقطع منها كجزء من منظومة الأفكار الدينية التي اتساوق معها، أو التي لمست فائدتها الاجتماعية بالفعل.

وما دمت قد أوضحت هذا، فليفهم الجميع، ان هذه الكلمات ليست خذلانا لمذهب، أو إعزازا لمذهب آخر، هذه الكلمات هي نقد، كلمات أريد بها الحق، منطلقا فيها باتجاه رغبة واحدة، أن نوقف الخبل الذي ينزف أبناء وطننا في سبيله.

[نظرا لطول الموضوع، سوف يكون هذا الحديث على حلقات، وهذه المقدمة هي أولى الحلقات تلك، التي أعدكم أن تكون أقصر]

سبايكر

علي المعموري

سبايكر

التي لا أريد الحديث عنها

التي بقيت أُكابر حتى قبل أيام وارفض تصديق ان ما جرى فيها قد جرى

واحاول ان اقتنع بزعم من قال انه فيديو مفبرك

ولكن دموع الأمهات أصدق انباءا من الكتب

الحرق التي تتلوى على وجوههن

الحسرات التي تقول كل شيء

الليالي الموحشات التي تمر عليهن، وطيوف الغائبين تنعب في جوانب البيت، تظهر في المرايا، تنبثق في الطعام، تنعكس في المياه.

الغربان التي تصفق اجنحتها المشئومة في أفئدتهن

الاسئلة المغمسة بالمواجع، العيون التي لا تعرف الهجوع، وغارت الدموع في منابعها، الوسائد التي لا تهنأ على فراش، والفراش الذي لا يضم جسدا.

سبايكر

الكوابيس التي لا استطيع ان اتخلص منها

اللعنات التي تطارد السياسيين

والطائفيين

والسفلة

وتجار الفضائيات

العار الذي يضمخ بريق الرتب العالية التي خذلتهم

والسياسيين الذين تاجروا بهم

والسياسيين الذين يلعنونهم

السياسيين الذي ينظرون بعين واحدة

ويسمعون بأذن واحدة

ويعبدون ربهم على حرف

الاوغاد الذين يقولون دم بدم

والأنذال الذين يختلف لون الدم في آماقهم من ضفة إلى أخرى

الصم الذين لا يسمعون النواح، ويغنون “يمه نتلتني العكربة”

الليالي التي تمر علي وأنا أبكي من الشمال إلى الجنوب، أبكي الأحبة الذين حصروا في الموصل

اتحرق للتمدن الذي استباحه التوافه في أم الربيعين.

سنجار التي تقطعت أكبادها في جبل الموت، يترقبون الهلاك مع كل نأمة يرسلها الليل البهيم، يلفها عطش وجوع.

أبكي لدموع “جبارة” واسرته التي تتساقط ثمراتها عن جذعه شهيدا فشهيدا، الغار يكلل رأسه، والحسرة تملأ خافقه.

أبكي لآمرلي، التي تشجر قلوبها في البنادق، وتترس بالمهج، ولا تعد نفسها بغير الشهادة، ترى الموت ولا تشعر بالحياة، تستعذبه كما تستعذب الماء في حصارها.

حديثة التي تأبى ان تركع، تقف منيعة كنواعيرها، دائبة النشيج.

أما الفلوجة التي لا اعرف ما يجري فيها، فتلك حكاية أخرى، لكن ما أفهمه ان هناك أبرياء ينالهم تناوش السلاح وهم لا ناقة لهم ولا جمل.

كربلاء التي تمتد إلى النجف لاجئين، غصات تتراصف على بعضها، وجوه حيارى تتكدس في أماكن الزائرين، قلوب تشخب اسئلة، تجفل مع كل خطوة تضرب على الطريق، عيون تترقب القادمين، لعل بشرى بالعودة تلوح. نازحون من الأنبار يحتمون بحمى الشهيد، شهيد الإصلاح والحياة الكريمة، تتلوى الخوافق تحت الضلوع، يتطلعون إلى فجر يحزمون فيه ارواحهم إلى قراهم.

من تلعفر، تتالى صفوفهم، الحيرة زادهم، والدهشة نميرهم، والناس التي تفتح قلوبها، وصناديقها لهم، ترفدهم بالزاد والدواء قبل أسرهم.

الذين هربوا شمالا، والبنادق التي احتموا بها تمنع عنهم الدواء، وتضيق عليهم سبل الغذاء التي يجمعها لهم نبلاء ملأت قلوبهم لهفة للعدل.

سبايكر

التي تلم كل شيء فيها

ولا شيء منها اليوم

المقابر التي لن تجدها الامهات في الاعياد

لا شيء

عدم وحسب

[اللوحة للفنان العراقي مؤيد محسن]

في الدولة والعقيدة في العراق

كتب أحد اصدقائي على صفحته في الفيسبوك حول الركن الذي تتخذه العقيدة في الفوضى العراقية، حول العقائديين الذين يَقتلون، والذين يُقتلون، كلاهما على أساس من أطر عقائدية، تجعل من الموت في سبيل العقيدة، او القتل من أجلها غاية الحياة، حتى غدا “الموت العقائدي” بتعبيره سيد المشهد في العراق، وتسائل عما إذا كان السبب يكمن في العملية السياسية نفسها التي أخذت الطابع العقائدي، لينتهي إلى القول ــ نصا عنه ــ : ((حين تربط كل شيء بالهوية المذهبية، ليموت الجميع من أجل العقيدة والدين والمذهب والملّة؟!.

تقوم معادلة القتل العقائدي على “مجاهد” يقتل من أجل العقيدة، و”شهيد” يموت في سبيل العقيدة أيضاً .. كلاهما شرط للقتل العقائدي. )).

أنا انظر للموضوع من جانب آخر، حيث ان حساب الامر بمنظور علم الاجتماع السياسي سيكون اكثر اتساعا من الحسبة العددية الاقتصادية، وضمن هذا أدلي بوجهة نظري على عجالة شديدة:

فلنتجاوز مسألة الايمان الفردي، والتنشئة على الاعتقادات المختلفة بتفاصيلها، وسرديات كل دين وعقيدة ضمنه، مما يُستخدم في ترسيخ الوعي بالعقيدة في الفكر الفردي، وصولا إلى الوعي الجمعي، وما تطبعه الممارسات تلك في اللاوعي، مما يستعصي استئصاله، او التحرك خارجه، فهذا عنوان يطول فيه الحديث.

سوف انطلق من ملاحظة اكثر خصوصية.

ملاحظة نجد ضمن بؤرتها أن مسألة العقيدة، والذوبان فيها، والتضحية من أجلها، اعمق من مجرد التفكير بالعالم الآخر، بما تقود له الشهادة من تكريم أخروي، أنها تتعلق بدرجة أكبر بالدولة، بحاجة الانسان لهذا الكيان الجامع الذي يوفر له الامن.

الآن ما علاقة الدولة بالعقيدة؟

في حالتنا كمسلمين، الدولة تمتزج بالعقيدة الدينية، حسنا الامر ليس بدعا، إذا اردنا ان نفهم الامر بمنطق اللادينيين من العلماء، سنجد ان الدولة ابتكرت الدين، او ان الدين ابتكرها، او انهما ابتكرا نفسيهما معا، الدولة توفر التنظيم، الحماية، وما يحتاجه من قيم، واجبات وحقوق، لنصل إلى فكرة: (الامن الوطني) بعنوان ازعم انه اشمل، استقيته من رؤية قدمها استاذنا د. الرمضاني، وأسست عليها فكرة رسالتي للماجستير، من جانب آخر يغطي الدين الجانب الروحي للفرد، ويوظفه في تمكين السلطة، كان الكاهن رديف الملك، صانعه وصناعته، وتعمقت الفكرة بإسباغ صفة ابن الرب على الملك، وأخذ الدين يفسر “للمواطنين” ــ لنتسامح باستخدام مفردة “مواطنين” ــ الامور غير المفهومة، الكوارث التي عجز الملك عن صدها، والغيبيات التي لم يستطع تبيينها.

أما وقد جاءت الديانات السماوية، ولنعبر مباشرة إلى الاسلام، ففي الرأيين الرئيسين ضمنه سنجد ان النبي الذي هو رسول الله إلى عباده، وحجته عليهم، أمره من أمر الله، يمتلك بيده السلطتين التشريعية والتنفيذية، الدولة برمتها تمر عبره، يشكلها وفق الوحي، وبديهي هنا ما يعنيه هذا من امتزاج بين فكرة الدولة، والعقيدة في بوتقة من القدسية يمتزج فيها الغيبي بالمادي، المتعالي بالمحايث.

أما الخليفة، أو الإمام على سواء عند المذهبين، فهو خليفة ذلك النبي، ذي الصلاحيات غير المحدودة، إذا كان الشيعة يجعلونه معصوما عن الخطأ، فالسنة يجعلونه غير قابل للمسائلة، والامران يصبان في ذات المصب، الانسان الذي يملك الصلاحيات كلها، تمر الدولة عبره، وتتجسد فيه، عبر أطر عقائدية دينية لاهوتية.

وخلال القرون التي تطاحن المسلمون فيها على مذاهبهم وعقيدتهم، كانوا بطريقة أو بأخرى يتطاحنون على الدولة، الدولة التي تتبنى مذهبا معينا، سنية أو شيعية، عربية او غير عربية، وتبدأ بقمع الآخر المذهبي، مما يولد نكوصه إلى ذاته البديلة عن  الدولة القمعية وهي: المذهب، الامر ينطبق على ملوك بني أمية، وبني العباس، والبويهيين والسلاجقة والمغول والصفويين والعثمانيين وكل من خلق الله من عباده ممن مر بجيوشه على ارض العراق، بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال.

الان نصل إلى العراق الحديث.

حينما فطن الملك المؤسس فيصل الاول رحمه الله إلى ان العراق عبارة عن خليط غير متجانس، لا يملك مؤهلات دولة يراد لها ان تكون موحدة، حينما فطن لذلك كان يضع يده، وأيدينا على أساس المشكلة، غياب الدولة، عبر غياب ما تقوم عليه.

وطوال فترة حكمه حاول ان يُحل الدولة محل الهويات الفرعية، التي كانت على الدوام ملجأ للجماعات المنضوية تحتها بسبب سلوك النظم السياسية غير العادلة، وتمرأي الدولة عبرها، وانحسارها لصالح النظم السياسية عكس ما يجب ان يكون عليه الحال، وانتهى مشروعه صبيحة 14 تموز 1958 لندخل بعصر جديد انحسرت فيه المدنية، وتشخصت الدولة في شخص القائد.

لا انكر هنا ان عبد الكريم قاسم كان غير مصنف مذهبيا، ولكنه فتح الباب لهذا الخراب، وبعده تعمقت المسألة الطائفية، وولد نظام ما بعد 2003 مدا معاكسا لما زُرع خلال تلك السنين، وجاء ببطش مثل التغذية الراجعة لمدخلات الخراب التي سبقت، ليسبغ على نظام ما بعد 1958 حتى 2003 هوية شكلت الطائفية ركنا اساسا فيها، وليؤسس نظام ما بعد 2003 شكلا آخر من الطائفية، وإن لم يربح أي من الطرفين منه.

خلال ذلك كله، كانت الدولة عبارة عن فكرة فضفاضة، تتشكل وفقا للنظام السياسي الذي يمتلك الدبابة ومبنى الاذاعة، وكانت الهويات الفرعية القائمة على العقيدة بديلا للدولة القائمة على المواطنة، حتى الشيوعيين العراقيين الذين لم يؤمنوا بدين وتلقفوا الالحاد كفكرة مبهرة، كانوا عقائديين، كانوا يضحون في سبيل الشعب دون امل بالآخرة، هذا أكيد، ولكن أين هو هذا الشعب؟ ما هي ملامحه، كان الشيوعيين يضحون بأرواحهم من أجل فكرة متخيلة، لم تكن الدولة جزءا منها، لأن الدولة لم تكن يوما بعيدا عن العقيدة ومستقلة عنها، كانت الدولة جزءا من العقيدة، وليست اطارا يحتوي العقائد المختلفة، واستطيع ان اذهب ابعد من ذلك وأقول انهم ــ الشيوعيين العراقيين ــ لم يتخلصوا من أساسيات العقيدة التي غُرست في لا وعيهم، واستطيع ان اضرب لك الكثير من الشواهد، ولكني سأطيل أكثر مما اطلت فعلا.

ببساطة شديدة، حينما نقول “عقيدة” في العراق، يجب أن ندرك أنها كل شيء، وبفقدانها يفقد المُعْتَقِدُ كل شيء له قيمة في حياته، لأنه نشأ وليس له غير عقيدته، أما الدولة فلا وجود لها.

ولأن العقيدة الموجودة عندنا تقوم على نصوص تُمجد في الغالب الآخرة على الدنيا، مع تعمد غريب من قبل رجال الدين لعدم إبراز النصوص التي تمجد الحياة، وتحث عليها قدر ما تلح على الآخرة، والاقتصار على الاولى، وعلى إعلاء قيم التضحية، وبعض تلك النصوص يمتلك خاصية المرونة، وامكانية لي النص بما يلغي الآخر، ووجود من يبتكر من النصوص ما يبيح فصد الدم في سبيل العقيدة، دم المتماثل ذاته، فضلا عن دم الآخر، وهتك عرضه، والنتيجة ما نراه اليوم في العراق، وما دامت الدولة منحازة لهذا النوع من العقيدة، وما دمنا نحن، الذين ننحاز إلى زاوية من “العقيدة” لا تبيح الدم، ما دمنا عاجزين، أقلية، فلا حل قريب.

لعلي استطردت كثيرا ولم أقترب إلا قليلا؟

[الصورة لنصب الشهيد في بغداد، للفنان العراقي الراحل اسماعيل فتاح الترك]

 

موقع آخر في Arablog