arablog.org

التاريخ وخطورة تلفزته

ربما يكون تحويل الأحداث التاريخية إلى مادة سينمائية او تلفزيونية ــ والدينية منها بالخصوص ــ من أكثر الأمور خطورة.

فالتاريخ بحد ذاته أمر غير متفق عليه، ولعلكم تتذكرون العبارة الشهيرة (التاريخ يكتبه المنتصرون)، أو ما قيل من ان التاريخ ما هو إلا وجهات نظر، تكتب في ظروف معينة، وتخضع لضغوطها الزمنية بدرجة كبيرة، الأمر الذي اختزله مصطفى جمال الدين بالقول مخاطبا بغداد:

وحذار أن تثقي برأي مؤرخ……….للسيف لا لضميره ما يسطر

أما إذا كنا بمواجهة وقائع مقدسة، يتخذ منها الجمهور سواتر، ويعتمدها كنقاط تماس مع الآخر، تعتمد علاقته بالمختلف عليها، ففي هذه الحالة فإن الأمر سيغدو أكثر خطورة.

وتأخذ هذه المشكلة بعدا أكثر حساسية في مجتمع مصاب بعوَز معرفي، ويتلقف دينه من الفضائيات، والشيوخ ذوي المهارة الكلامية، مجتمع يأخذ ما يخبره له مسلسل (يوسف) أو (المختار)، أو (هارون الرشيد)، او (سليمان القانوني) أخذ المسلمات، لا يناقش فيها، ولا يسمح بالنقاش، وكل هذه المسلسلات تخضع لرؤية سياسية، وتستند إلى وقائع تاريخية تم اختيارها بعناية، لتؤدي هدفا معيناً.

فضلا عن ذلك، فإن نقص الوقائع التفصيلية، والأحداث التي يتطلبها العمل الدرامي، وتحتاجها القصة الأدبية لكي تكون مؤثرة، وتحدث الفعل المطلوب، هذا النقص سيتطلب ابتكار أحداث، وتخيّل وقائع، في سياق تاريخ مقدس، الأمر الذي لن يكون سوى تزويرا في النهاية، وتزداد قباحته ضمن المجتمع المتلقف لكل ما يشاهد كما سبق القول.

وفي الواقع، فالمشكلة ليست وليدة اليوم، ويمكن لك ان تجدها ــ مثلا ــ في الأعمال الأدبية التي اتخذت من التاريخ ثيمة روائية لها، فروايات جرجي زيدان عن التاريخ الاسلامي، التي احوجته متطلبات الرواية إلى حشوها بالاشخاص المتخيلين، الذين لعبوا ـ في تلك الروايات ــ دورا في التاريخ الإسلامي بالغ الخطورة، وهم في واقع الحال لم يوجدوا إلا في خيال جرجي زيدان وحسب، الأمر الذي صُدمت به بعد أن كُلفت شغفا برواياته في يفاعتي، لأكتشف لاحقا انها عبارة عن تدليس تاريخي كبير لا أكثر.

ومشكلة النصوص التاريخية؛ وضرورة نقلها بأمانة وحياد واجهها المرحوم مصطفى العقاد وهو يعد لفيلم الرسالة، فالقصة مقدسة، والوقائع محسوبة، ودقيقة، ولا يمكن له أن يأتي بحدث يفيد تصاعد السياق الدرامي من جيبه، فضلا عن حساسيتها، وضرورة أن تكون مرضية لجميع وجهات نظر الفرق الإسلامية، الأمر الذي نجح فيه ــ رحمه الله ــ إلى حد بعيد، حتى انه ذكر ان انتوني كوين وهو يقرأ السيناريو طلب ان يتم تغيير بعض الوقائع، لتكون أكثر درامية، فقال له لا يمكن مستحيل، وهدد كوين بالانسحاب، فقال له انسحب، ليتراجع الرجل ويؤدي الدور إزاء هذا الإصرار.

ثم عاد وأقر بأن الأمر اختلف في فيلم عمر المختار، حيث امتلك مساحة لإيجاد نسق درامي قصصي قد لا يتفق مع الحدث التاريخي تماما، متذرعا بأن قداسة الموضوع في فيلم الرسالة تطلبت تنحية الثيمة الدرامية، الأمر الذي اختلف في قصة عمر المختار، بوصفها نصا غير مقدس.

أما اليوم، حقيقة لا أجد في أي انتاج تاريخي ديني نزاهة العقاد، كل الاعمال التي تنتج في العالم الإسلامي العربي والغير عربي منه، كلها تنطوي على رسالة سياسية، وتضم وقائع غير حقيقية ــ بكثرة مؤذية ــ لغرض حشو السياق الزمني بالأحداث، على حساب الحقيقة، والتاريخ والصدق، ولا تفعل شيئا سوى صب المزيد من الزيت على نار التوتر الذي يهز المسلمين، وتزيد تموضعهم، وتعمق الخنادق بينهم.

إن هذه الأعمال التاريخية التي تتناول التاريخ الديني، او شبه الديني أعمال توازي بخطورتها المشاكل التنموية التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية، وهي كلها تسهم في ضعضعة المنظومة الفكرية التي تستند لها الدولة ــ المهترأة أصلا ــ فالخطأ المعرفي يعمق الجهل، والجهل ينطوي بذاته وكينونته على كل الأسباب الموجبة لانهيار الدول، ومجتمعاتها المؤسسة معها.

 

الناس موتى وأهل العلم أحياء

علي المعموري

عندما تكون ماشيا بهمة في الباب الشرقي، قادما من ساحة الطيران، وهواء آب الحار يلفح وجهك بعنف، متجاوزا السيارات المجنونة بصعوبة بالغة، تريد ان تلحق بموعد يتعلق بشأن دراستك، ثم يستوقفك فجأة شرطي من الذين يرابطون هناك فليس لك إلا أن تحوقل، وتسأل الله ان يدفع عنك.

تلك الساعة لا تعرف انك مقبل على تجربة، وعلى تعلم أمر مهم في حياتك، ولتتذكر بأنه رب ناقل علم لك وهو ليس بعالم.

أوقفني الرجل بأدب بالغ وهو يحدق بالاوراق التي أحملها، سألني: “أنت مخلص كلية” أجبته بنعم، وانا ضجر تماما، وقلق في الوقت ذاته، سأل مرة أخرى: “هل يمكن ان ترشدني إلى كلية أو معهد يقبلني، حتى لو أهلي، انا خريج اعدادية صناعة وما أدري وين اروح” أجبته بأنني لا أعرف حقا أين يمكن ان يذهب بشهادته هذه، يمكن ان تقبله كلية إسلامية، فأجابني بأنه يريد ان يذهب إلى كلية إسلامية، وليست مشكلة. وهنا قال لي بأنني ما دمت خريجا جامعيا فانه سيقرأ لي شعرا حول العلم، استعمت بضجر بالغ لما قرأه وهي هذه الابيات:

الناس موتى وأهل العلم أحياء                والناس مرضى وهم فيها أطباء

والناس أرض وأهل العلم فوقهم              مثل السماء وما في النور ظلماء

وزمرة العلم رأس الخلق كلهم                وسائر الناس في التمثال أعضاء

بالرغم من الحكمة التي حملتها الابيات، وحبي للشعر والحكمة، لكنني لم اتفاعل مع الرجل الذي بدا أنه لا يريد ان يعتقني، سألني ما إذا كنت أريد ان أكمل دراستي للماجستير بعد تخرجي، اخبرته انني طالب ماجستير آملا أن ينتهي الأمر، ولكن ما حدث بعدها هو ما صعقني حقا، الآن انا اقف على الرصيف العالي، بينما يقف الرجل دوني على الأرض، مد يده ليصافحني فصافحته ببرود، وإذا به، ودون أن استوعب الموقف يسحب يدي ويقبلها، ويقول: هذه للعلم الذي تحمله!

يا الله لم اتمالك نفسي عن تقبيل الرجل على بيريته الساخنة، ووجهه الذي لوحته الشمس، في موقفه الخطر ذاك، وهو يقبل يد الضعيف؛ طالب العلم الصغير هذا اكراما للعلم، في بلد صار المتعلم يحتقر من يراهم دونه في التخصص العلمي، متصورا أنه هو وحده الذي ملك ناصية الشرف بتخصصه، متناسيا انه لبنة في بناء، في بلد صار نواب الشعب فيه ينظرون بتعالي إلى العلماء، ويبخسون حقوقهم وحقوق المدرسين والمعلمين، في بلد يوقف فيه اصغر منتسب أمني عميد كلية، ليهينه، ويمسح بكرامته الأرض، وإذا بهذا الرجل يلملم خيبتي، ويمنحني أملا بأن هذه الأرض لا يمكن ان تخلو ممن كرّم الله فطرته فصار يدرك قيمة الاشياء، وليذكرني بأمور كنت قد بدأت أطوي عنها بصيرتي على أثر الضربات الموجعة التي تلقتها، أعاد لي الرجل ثقتي بالعلم، وبالعراقي الأصيل الذي يمكن لك أن تجده هنا وهناك في ضل هذا الخراب الاجتماعي الذي نعيشه، وليخبرني بأن أهل الفضل يمكن أن يوجدوا في أكثر المواقف قسوة، وأشدها وطأة.

سيدي النبيل، اقبل يداك القابضتين على السلاح، وروحك التائقة للعلم، نعالك يسمو على هامات الكثير ممن يعلونك رتبة، ممن تآكلت أرواحهم من الظلام، وتبلدت بصائرهم من القسوة، نعالك يسمو على كل القتلة من اليمين إلى اليسار ممن يدعون حب الوطن، ويسمو على الذين باعوا علمهم وطلبوا به الدنيا.

اخوتي واساتذتي الكرام، ارجو منكم ان تساعدوني في معرفة المعاهد والكليات التي يمكن أن تقبل هذا الرجل النبيل على مقاعدها الدراسية، أهلية كانت أم حكومية فهو أجدر بالعلم من آلاف الفاشلين الذي يتقافزون كالقردة في دور العلم، ساعدوني لأكرم هذا الرجل الذي ذكرني مجددا بقيمة العلم، الرجل الذي يتغنى وهو واقف تحت الشمس، وسط السيارات الزاعقة التي لا يعرف أيها سينفجر، دون أن يأبه يترنم قائلا:

الناس موتى وأهل العلم أحياء.

السبت 17 /8 / 2013

هل نحن في زمن الإصلاح الراديكالي؟

علي المعموري

لن أتكلم عن الأطفال الذين قضوا نحبهم من البرد، والأمهات اللواتي يتمنين ان يشققن ضلوعهن لضم أطفالهن عن البرد المتوحش المستأسد في خيام النازحين، لن أتكلم، لأنني أعرف أن أي كلام يقال هو محض هراء، لن يدفأ هؤلاء الذين يدفعون ثمن 1400 عام من التاريخ الملغوم، أي كلام يصدر من شخص ينعم بالدفء والأمان سيكون مجردا من أي معنى.

ولن أتكلم عن مقتل صحفيي شارلي ايبيدو، لن انكر الواقعة مثلما انتشرت فيديويات مربكة وصادمة تبين انها واقعة مفبركة، ولن اصدق بها، لن اشجبها، وأتباكى عليها، ليس بسبب ما ذكر، بل لأنني كعراقي أرى أخوتي يوميا يقتلون بسبب آرائهم ومعتقداتهم؛ ولن أشجبها إكراما لأحمد الربيعي الذي لم يجد له صريخا، ولن أشجبها لأن سبايكر، وألبو نمر، والصقلاوية، وغيرها العشرات من المجازر لم توقظ الضمير الأوربي نصف الأصم، ولم تستفز عدالته العوراء، ولم تستفز حكام العرب الأوغاد الذين تصدروا تظاهرة باريس.

ولن انتحب متباكيا مهاجما قيام النظام السعودي بجلد رائف بدوي، الذي أحترم موقفه، وشجاعته، لأنني أؤمن أن هناك ضريبة يجب ان يدفعها صاحب أي رأي، قد تكون رقبته أحيانا وليس ظهره المجلود، ولأن جرائم الأنظمة العربية لم تقف عند رائف، ولأنني لا أعرف الكثير عن الرجل، وما يكتبه، إذا كان ثمة موقف أتخذه، فلن يكون سوى تقديس حرية الرأي والكرامة الأنسانية، حرية الرأي المسؤول، البناء، القائم على المعرفة، وليس الارتجال العاطفي، الرأي الذي يحترم الآخر المخالف له، يحاوره، ولا يهاجمه.

ولكني اكتب هذه الكلمات خصيصا لأنني قرأت كلمات كتبتها أعلامية عراقية معروفة، وشاعرة من مدرسة سوزان برنار هي صابرين كاظم، تتسائل فيها ــ محقة ــ عن  الأصوات الشيعية التي ارتفعت تندد بالنظام السعودي الذي يجلد رائف، ماذا كانت لتفعل لو أن ناشطا تعرض لشخصية من الشخصيات الإسلامية التي تقدسها الشيعة، ماذا كان ليكون موقفهم، وكانت أكثر صراحة حينما تسائلت ماذا سيحدث لمن تناول (مقدسا أثني عشريا).

قبل كل شيء ارجوا معرفة أنني لا اقصد بما سأقوله شخصا بعينه، خصوصا صابرين كاظم، انا هنا اتحدث عن فكر سائد، وأسلوب صار شائعا، منحته مواقع التواصل الاجتماعي زخما كبيرا، أنا هنا أحاور، ولست في موضع الهجوم، ولعل صابرين كاظم كانت تتكلم باحترافية لا تضعها ضمن تيار الشتّامين على الاطلاق، في هذا المنشور خصوصا.

ما أريد أن اناقشه هو التالي: ولماذا يتناول ناشط يريد الإصلاح والتنوير مقدسا جمعيا؟

هل نحن في زمان الإصلاح الثوري؟

هل نحن مهيئون لتغيير فكري راديكالي؟

نحن في زمان التطرف.

نحن في زمان التموضع على الذوات الفرعية.

وأي كلمة، أو دعوة، أو رسالة تريد تغيير قناعات تقوم بدرجة كبيرة على أسس عاطفية ستولد ميتة.

ولي أن أتسائل:

هل من الضروري حقا لمن يريد توحيد مجتمع متنوع، ويمر بأزمة وجود (مكوناتية)، هل من الضروري له أن يهاجم مراكز دفاع هؤلاء، أم يعمل على أخراجهم من خنادقهم طوعا؟

نحن في زمن التسويات، وليس الحلول الجذرية.

نحن بحاجة الآن لأن نفهم ضرورة التعايش مع الآخر، تقبله، احترام حدوده، وبناء الثقة معه.

ان دعاة الليبرالية الجدد لا يختلفون في تعصبهم، وتموضعهم الايديولوجي عن المتعصبين الشيعة والسنة، كل واحد منهم يريد أن يلغي الذات الأخرى، ويحل ذاته محلها، الأمر الذي لن ينتقل من طور الحلم إلى الواقع يوما، 1400 عام من الجدل الفقهي والكلامي الذي ندفع ثمنه يوميا يقف شاهدا على ذلك، لم ينتقل أحد من مذهبه إلى المذهب الآخر كنتيجة لهذا الجدل، كل الانتقالات كانت تقف خلفها مواقف وتجارب شخصية، مكنت في مرحلة ما للانتقال الفجائي إلى الضفة الأخرى، أما الذي انتقل من الإيمان إلى الإلحاد مباشرة فقد مرّ بنفس التجربة، بطريقة مختلفة شخصها المفكر العظيم هادي العلوي كما نقلتها أكثر من مرّة هنا، والنتيجة ان أغلب المنتقلين هؤلاء صاروا ملكيين أكثر من الملك، احترفوا الشتيمة، والتبكيت، والهجوم على الآخر، والأمثلة كثيرة.

ماذا تريدون منا؟

وإلى أين تسيرون بنا؟

الجدل، والشتيمة، والتسفيه، والأسماء المستعارة، والمغالطات، كل هذه الأمور لن تنفع، ولن تصلح، ولن تطفئ نارا زيتها يتجدد بلا توقف، بل إن مواقفكم لن تزيد في النار إلا اضطراما.

دعوا الشيعي على شيعيته

والسني على سنيته

والمسيحي على مسيحيته

والصابئي على صبوته.

وعلموهم كيف يتعايشون معا

وكيف يحترمون بعضهم، ويكرمون الآخر عبر إكرام مقدساته، واحترام معتقداته.

ان دعواتكم الانقلابية الحادة لن تمنح الذين يشعرون بالتهديد أمنا، ولن تنتقل بهم من الخنادق إلى العالم الفسيح الرحب.

انتم لم تفهموا يوما ديالكتيك هذا الشعب، جمعيكم، اسلاميون وعلمانيون، قوميون وأمميون، مسلمون وملحدون، كلكم أردتم أن تلبسوا جسما اجتماعيا متخم ثوب لا يلائم مقاسه للأسف، والنتيجة هي ما نحصده اليوم.

أريد أن اقول المزيد، ولكني أطلت بما يكفي

تدوينة مسافرة

عادة ما افرح كثيرا بصحبة كبار السن اثناء السفر، لأنني أُمني نفسي ساعتها بالاستماع الى تجارب غنية وآراء استخدمها في قياس آليات تشكل الرأي عند العراقيين، او على الاقل استمع الى حكايات أوسع رصيدي التراثي عبرها، اما اذا اجتمعت التجربة والعلم معا فتلك الغنيمة الكبرى.
ولكن الامور لا تكون كذلك دائما، اليوم جلس جنبي “شايب” صحبة زوجته، جعلني احس انه بسذاجة طفل تمت تربيته في زجاجة، وانه لم يعش اي تجربة ولم ير شيئا في حياته، وخلال الرحلة اقتصر نشاطه إما على التذمر بسذاجة حتى من جباية النقل، او مشاركة زوجته بازدراد اطعمة متنوعة من حقيبة الزوجة، الحقيبة التي بدا انها كالحقائب السحرية التي تمتد الى اعماق سحيقة، عامرة بالاكل و”النمنمات”
في النهاية استسلمت “للهدفون” وشغلت تسجيلي لعزف الاوركسترا العراقية للسمفونية الاولى لمالر يوم الجمعة الماضي.

عن التنمية وتوابعها ومستلزماتها!

وأنت تقلب في صفحة الفيسبوك، يسأل سائل (بطران كلش) ماذا ستفعل لو صرت رئيس وزراء؟
هنا تذكرت الحكاية التي سمعتها عن المرحوم غني عجيمي (آل عجيمي عائلة عربية نجفية، وتلفظ بألف موصولة: آعجيمي).
فقد روي انه كان جالسا مع أبناء طرفه (العمارة) في ديوان الحاج عطية ابو كلل رحمه الله، في ليلة باردة، وكان (حجي آعطية) قد وضع لهم شوالا من التبغ الفل، وتل من أوراق لف السجائر أيام لا فلتر ولا هم يحزنون، قبل زمان (المزبّن).
وبين لهيب الجمرات في (المنقلة) وتشابك دخان السجائر (المثعولة) يصل الى سقف الغرفة ليهرب من كوة فيها لا يلوي على شيء، وبين خبر جاد، وضحكة عابرة، بين وقار الشيوخ ولهفة الشباب، رمى الحاج عطية سؤاله الى غني، الشيخ الثمانيني، الذي قضى عمره حمالا، وحتى موته كان أشهر من حمل المشعل في النجف، عاري إلا من سروال، تتطاير النيران العالقة بالخرق المحترقة على جسده كرذاذ الماء وهو ثابت يدور بالمشعل و(يردس)، وتذهب الاسطورة الى ان تلك النيران المنهمرة كالمطر في الميازيب لم تكن تحرق شعر جسده العاري الأشيب.
سأله (حجي آعطية) بصوته المجلجل:
ــ يغني….. إذا تصير ملك شتسوي؟
فرد غني بسرعة فائقة، مختصرا الأصل في احتياجات كل فقير، وفّر له (عطية) ــ الذي مثّل النظام السياسي حينها ــ التبغ والقهوة، وترك له أبوه دارا يسكنها واطفاله، فلم يحتج سوى قوة يستعين بها على العمل، والقوة تحتاج ما لخصه غني عجيمي بالقول سريعا:
ــ أكثر الطبيخ والتاﭼـينة.

بيروت….الجمال المنكسر والبهاء المتواري

علي المعموري

كانت بيروت في زيارتي الأولى لها قبل سنوات محض جمال باذخ، قد تعكره بعض المشاهد المحزنة لحدة الفارق بين الغنى والفقر، أولها ما يصدعك من نافذة الطائرة وأنت ترى منطقة الاوزاعي ــ نسبة للفقيه الكبير رحمه الله ــ وبيوت الصفيح فيها، وخلفها ناطحات السحاب.

العراقيون؛ يبحثون في مشافيها الباهظة عن أمل بالعلاج لعللهم المترعة بالخيبات.

وقد تجد متسولا هنا وهناك.

وقد تزعجك اقتحامية الغجر وهم يعرضون بضائعهم المادية والمعنوية ــ بعد عرض ….. عرضت علي امرأة غجرية أن “تأخذلي خيرة” أي والله خيرة، لي، أنا القادم من النجف! ــ رغم كل ذلك، فإن عينك لن تخطأ الكاذب من الصادق، وقلبك لن يبتعد عن الجمال الذي يحيطك حيث التفت، بشرا وحجرا ونبات.

كانت سوريا وقتها لا تزال دولة آمنة ــ لا تدخلوني بقضية الدكتاتورية رحمة لأمواتكم، فهذا موضوع لا حكم لي بشأنه اليوم ــ، وإنك إن وجدت سورياً في بيروت فهو عامل يكد بشرف لتحصيل قوته، أو… ولكن من غير ذلك الاضطرار الكريه الذي صار البشر إليه اليوم.

زيارتي الأخيرة كانت عبارة عن ألم يضطرم كالرصاص على النار، تتقلب عيناي الموجوعتان على الأطفال السوريين ووجوههم البهية يركضون خلف المارة في الحمرا، الفتيات المؤتلقات حسنا والعجائز المنهكات، يحملن علب اللبان البائسة يتسقطن رحمة المارة بكرامتهن الجريحة.

أحاول أن انتشي بالجمال الذي اتذكره عن بيروت ولا أستطيع، فقبح الفقر، وقبح التهجير، وقبح الانسانية التي تجردت من الرحمة يحاصرني أنّى التفت، أنّى سمعت كلمة خليجية تدعي الترف ولا تستطيعه، أنّى سمعت نبرة متخمة بالدولار تقف خلف الخراب هذا، من عرب وغير عرب، اقلب نظراتي في الوجوه المتوجعة، فلا أرى غير العراق، بنوه “المتهجولين” ومراياهم السورية!

#الأثمان_الباهضة

[الصورة المرفقة بعدستي من سوق مدينة جبيل القديم، شتاء 2013]

الذين يستنزفون الروح

(عجبت لمن لا يجد في بيته الطعام كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه)

أبي ذر الغفاري

هذه الدمعة الغالية

الدمعة التي تحاولين حبسها عن ان تديف بضاعتك البائسة بالأسى فيجفل المشتري عنها

أو لعلك تخشين ان يشعر الغريب الذي يشتري منك بحجم الحزن الذي يعتصر فؤادك المضنى فتصيبينه بحرقة تجدين ان لا ذنب له فيها، وأنه لا يجب أن يشعر بكل الوجع الذي يعصف بروحك

انا اعرف ان اكثر الدائرين على هذا الرصيف الذي اتخذتيه دكة لأساك هم من الكاذبين

ولكن هذه اللوعة التي تعتصر كيانك لا يجيد تصنعها إلا ممثل بارع من بلاد رعاة البقر الغلاظ

وان هذه الحسرة التي تكاد تغطي ما حولك تنبع من قلب ثلمه العراق

العراق الذي يضطر المفجوعين إلى السؤال

والكذابين إلى السؤال

والممثلين البارعين إلى وأد مواهبهم في الاستجداء

عساها بحظكم وبختكم:

ـ القائمون على بيت مال الله، الذي يتبعثر ذات اليمين وذات الخبب

ـ السرّاق القائمون على موارد النجيع الأسود المشئوم الذي ينزفه العراق منذ أزل من المواجع، فيقطع الفيافي والبحار، ليدفأ ذوي البشرة الثلجية، وتزداد ثرواتهم المتوحشة وحشية، وقلوبهم السوداء جلادة، وضمائرهم الميتة خسة، ولا يقبض الجياع منه سوى الألم.

ـ المتخمون بالمال الحرام، الذين ينثرون أوراق الاستعباد الخضراء على الاجساد المعروضة للبيع، وتشح نفوسهم المريضة عن بطون الجياع، وتصاب أعينهم بالقتامة، ويحشو وقر الباطل آذانهم المشوهة.

بغداد، أيتها الجميلة، أيتها الكسيرة:

لا زلت تفقدين كل شيء، وتبدلين كل عاداتك، وتتركين سجاياك القديمة، إلا حرصك على ان يتوجع المتوجعون فيك إلى غاية المدى، وينعم المترفون فيك غاية الترف، لتصرين على ان تكوني صورة العراق المُسرف بالشحة، المُسرف بالندى كما يقول الجواهري، رحم الله الوائلي، كأني أسمع صوته المثقل بالحزن العراقي الأبدي يقول:

 

بغداد يومك لا يزال كأمسه…………..صور على طرفي نقيض تجمع

يطغى النعيم بجانب وبجانب…………يطغى الشقا فمرفه ومضيّع

في القصر أغنية على شفة الهوى……والكوخ دمع في المحاجر يلذع

ومن الطوى جنب البيادر صرّع…….وبجنب زق أبي نؤاس صرّع

وها أنا، أبكي من قلبي، وقد جلست استمع إلى ما يعذرني عند من يراني باكيا، أجد في المصيبة الحاضرة ما أجده في المصيبة الغابرة

بغداد ــ الكرادة 18/11/2014

[عزيزي اشرف الزبيدي، لكم تذكرتك الليلة، حينما كنا نتمشى ذات ليل بغدادي في الكرادة، وانت تخب بهمة وتفرغ ما في جيوبك لكل سائل يسألك، تكتم الحرق في روحك، ثم تلفت لي وتقول: (كل واحد هذوله ياخذ يوم من عمري من اشوفهم)، وأنا معك، كل واحد منهم، صدق أم كذب، يستنزف روحي ببطء]

La Luna (القمر)

علي المعموري

فيلم كارتوني قصير (7 دقائق)، دون حوار، وخلال هذه الهنيهات، يقول كل شيء، دون ان يتكلم ممثلوه، غمغمات خاطفة لشخصياته الكارتونية، يتكلم عن صراع الاجيال، وعن انتقال الافكار والخبرات من جيل إلى آخر، ممجدا التغيير والابتكار، وإضافة الاجيال الجديدة للانجازات القديمة، بالاعتماد على النفس، والتفكير، والابتكار، ضمن موسيقى رائعة ومعبرة.

يبدأ الفيلم بزورق يبحر في محيط شاسع من الزرقة وسط الظلام، قارب كتب عليه عنوان الفيلم ذاته (La Luna)، طفل صغير يحدق بدهشة ممزوجة بالرهبة في المياه، ثم يظهر أبوه الضخم، وجده العجوز، يناول الجد للطفل صرة قماشية، وكأي طفل، يلتفت إلى أبوه بنظرة تساؤل، فيومئ الأب: ان افتحها، في الصرة هدية، قبعة بالضبط كتلك التي يرتديها الأب والجد، انه الميراث العائلي، الحرفة، القيم، المحتد، تنتقل من جيل إلى جيل، يبتهج الصبي، ويضعها على رأسه، ينزعج الجد من طريقة وضعها، فيسحب القبعة إلى الخلف حتى تظهر غرته، بالضبط كوضع قبعته هو، وهنا ينزعج الأب، فينزل القبعة إلى الامام حتى تكاد تحجب عينا الصغير، ويدخل الجد والاب في نزال حركي على قبعة الطفل، حتى يحسم الأب الامر، وينحي الطفل جانبا والقبعة قد استقرت كما يريد هو، لا كما يريد الجد، انه الصراع والاختلاف بين الابناء والأباء، اختلاف الرؤى وآلية نقل القيم والتجارب بين الأجيال، الامر الذي سيركز عليه الفيلم مستطردا.

يجلس الطفل بهدوء ينتظر ما ينتظره ابوه وجده، وهنا يخبرك الفيلم كيف ان الاطفال يقلدون الكبار، ويجعلون منهم قدوة، يترسمون خطاهم بدقة، يمسح الأب شاربه الكث، فيفعل الطفل ذات الحركة، يحك الجد أذنه، فيأتي الطفل بذات الفعل، ثم فجأة، يبزغ القمر، و(ها) ممتلئة دهشة تفيض على شفتي الطفل، منبهرا بالقمر القريب بشكل غريب.

يسحب الأب مرساة ويمنحها للطفل، بديهيها يحاول الصغير ان يرمي المرساة الثقيلة في المياه، فيمنعه الجد، ويطلب منه الانتظار، تستمر عملية نقل القيم، والاستفادة من التجارب، يبرز الأب سلما يتزايد حجمه تدريجيا حتى يكاد يلامس القمر، يطلب من الطفل ان يصعد، الآباء الذي يدفعون الأبناء إلى الحياة، إلى حقل التجربة، يذعن الطفل ويبدأ بتسلق السلم الطويل صُعُدا إلى القمر، يتوقف في الطريق، فيشجعه الرجلان على المضي، ثم فجأة تنعكس الجاذبية، ويطير الصغير، ليجد نفسه جالسا على القمر، والضياء الذهبي الذي كان يشع القمر به ما هو إلا العديد من النجوم الصغير الملتصقة بسطح القمر، وكل هنيهة تسقط نجمة جديدة، والطفل منبهر باكتشافه، يحدق حوله، والرجلان يطلبان منه ان يثبت المرساة، ينتبه من الدهشة سريعا، ويثبتها ليلحقه الرجلان إلى القمر.

يخرج الاب من قمرة هناك عربة، فيها مجارف ومكانس، يعطي الأب لابنه الطفل مكنسة عريضة، ويطلب منه ان يكنس النجوم المتناثرة على الارض، فيحتج الجد، ويعطي الطفل مقشة شكلها مختلف، ويرى انها الافضل في أداء العمل، ويندلع الجدال بين الاثنين، وخلال ذلك ينتبه الطفل إلى الاختلاف بين الرجلين، مكنسة أبيه تشبه شاربه الكثيف، ومقشة الجد تشبه لحيته البيضاء، يضحك برقة، ثم فجأة، تتقدم نجمة كبيرة الحجم، تُلجأ الثلاثة إلى مخبأ بعيدٍ عن وقع سقوطها المدوي.

انها نجمة كبيرة، لم يشاهدها الرجلان من قبل، انها الحياة التي تزداد تعقيدا، ولا تنفع الحلول التقليدية الجاهزة المستقاة من تجارب حدثت في زمن آخر في حلها، المشاكل الجديدة، التي تتطلب حلولا جديدة، يفشل الرجلان في زحزحتها عن موضعها، تتكسر أدواتهم التقليدية، وحلولهم التقليدية، ثم فجأة، يركض الطفل إلى صندوق العدة، يستخرج مطرقة، يرتقي النجمة، يحدد موضعا منها يطرقه بلطف، فتنهار النجمة إلى عشرات النجوم الصغيرة الأخرى، ويحلق الطفل خلال النجمات المنهارة كالحلم، كالعصفور، ويعقب سقوطه الناعم بضحكة جذلة تخرج الرجلان من الدهشة التي ضربتهما، فيضحكان.

حينما ينزلون إلى القارب، سنجد ان الطفل قد وضع قبعته بطريقة اختارها هو، تختلف عن طريقة جده وأبيه، يضحك الثلاثة، ويربت الرجلان على الطفل تشجيعا وإعجابا، ويتبادلان السعادة، لقد صنع الجيل الجديد حلوله، واختار طريقة تفكيره الخاصة، المتناغمة مع التراث، والمتحررة من قيوده، وأصلح بين الجيلين المتصارعين في ذات الوقت.

وحينما تنسحب الكاميرا، يظهر القمر وقد صار هلالا بعد ان كان بدرا، العائلة هذه تعمل على صنع الايام وحركة الزمان، من المحاق، الى هلال، إلى بدر، فهلال فمحاق.

مشاهدة ممتعة

Director&Writer:

 Enrico Casarosa (screenplay)

 imdb

 

العمارة والدولة المركزية

علي المعموري

تضم الحضارة ــ كمنجز أنساني ــ عدة مستويات تتمظهر عبرها، بعضها غير منظور، غير مادي، كالقيم، والبعض الآخر منظور، كالعمارة.

وقد تميزت الحضارات التي قامت على أرض العراق ــ التي تعد الدولة العراقية وريثة لها بشكل أو بآخر ــ بأنها قامت على أساس الدولة المركزية، كأي دولة نهرية أخرى، سواء في العصور الموغلة في القدم أيام الحضارات الأولى، مرورا بالتطبيقات المختلفة للحكومات الاسلامية، وصولا إلى العصر الحديث.

ومن الملاحظ قديما، قبل عصرنا الحاضر الذي وصل الحد فيه إلى أن العالم صار يقتحم حياتنا عبر هذه الشاشة الصغيرة التي بحجم الكف، الأمر الذي كان مختلفا حتى سنوات ليست بعيد، حينما كانت عاصمة الدولة، أي دولة كانت، تتخذ موقع المُلهم لبقية أنحاء الدولة، بما تشكله من نقطة مركزية لتجمع النوابغ الذين يظهرون في هذه الدولة، والاغنياء، والطبقة السياسية المتنفذة، وعبرها يلج العالم إلى مواطني الدولة، وعبرها يخرجون هم إلى العالم.

لهذا كانت العواصم تشكل نموذجا للتماهي، والتقليد يتمدد إلى بقية أنحاء الدولة، سواء بعمليات تحديث القيم عبر آليات المثاقفة، أو عبر الهيمنة السياسية للعاصمة، بالتأكيد يوجد نماذج لم تكن طيعة وقابلة لان تفقد ذاتها لصالح العاصمة، ولكنها لم تكن قاعدة قدر ما كانت شذوذا.

سأتطرق هنا إلى ملاحظة بسيطة تأخذ جانبا من ولعي بالعمارة، واهتمامي بالمنجز المعماري العراقي كدلالة على استقرار، أو هيجان السياسة.

ففي بغداد، يمكنك ان تلاحظ في بعض المناطق القديمة التي سكنتها النخب شكلا معينا من عمارة البيوت، يختلف سمته من منزل إلى آخر، ولكن تفاصيله الأساس واحدة، أعني خصوصا البيوت التي بنيت بين الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، المنازل التي يمكن لك أن تراها ممتدة على طول شارع أبي نؤاس في الكرادة والجادرية، وعلى ضفتي دجلة في الاعظمية والكاظمية، ومناطق أخرى من بغداد، وهي منازل بنيت بالطابوق البغدادي المميز، الذي لا تكسى جدران المنازل الخارجية معه بالاسمنت وما شاكل من مواد البناء (لا تلبخ)، ولا تصبغ، منازل بنيت سقوفها أيضا بالطابوق والجسور الحديدية (الشليمان)، أبوابها وشبابيكها كانت من الخشب، وهذه المنازل الفارهة اقتصر بناءها في ذلك الوقت على الأثرياء، والمتنفذين في الدولة الحديثة التي لا تزال محدودة الموارد، وهؤلاء يتمركزون في العاصمة، حتى الاثرياء من خارج بغداد، كانوا يأتون إليها، ليستعرضوا ثرواتهم ونفوذهم بطرق عديدة أولها تلك البيوت، ولن تجد نماذج كثيرة منها في بقية المحافظات.

ولكن نمطا جديدا للعمارة بدأ يشيع في بغداد ربما نهاية الخمسينات وما تلاها، حتى منتصف السبعينات ربما، دخلت فيه مواد بناء جديدة، بعد أن زادت الثروات العامة ــ لو صح التعبير ــ وظهرت الطبقة المتوسطة بشكل واضح، نتيجة للتوسع في القطاع العام، وزيادة الموارد المالية للدولة، هذه المنازل بنيت سقوفها بالخرسانة المسلحة، وتميزت بشرفاتها البارزة الخرسانية بسمك (10سم) حول المنزل، المرتكزة على أنابيب حديدية غليظة، ناهيك عن أبوابها الحديدية، وشبابيكها الحديدية المحاطة بمربعات بارزة، وجدرانها المكسوة بالاسمنت، والمصبوغة بلون واحد، هو البني الفاتح وتنويعاته (يسمى في العراق: تبني، من التبن ولونه المميز).

ولأن هناك توسع في عدد القادرين على البناء كما ذكرت، ولأن الدولة صارت أكثر حضورا في حياة المواطن، ولأن السلطة السياسية صارت أكثر قوة، وأكثر هيمنة وسطوة، عبر مركزيتها الشديدة، فإن بغداد بدأت تصدر نمط عمارتها الجديد إلى المحافظات الأخرى، وصرت تجد هذه المنازل، ذات الأنابيب، البنية اللون، في كل محافظات العراق، (على الاقل لاحظت أربع محافظات يوجد فيها هذا النمط من العمارة، في مدينتي النجف، وكربلاء، والحلة، ومؤخرا وجدت نماذجها العديدة في أربيل، وهذه هي المحافظات التي زرتها).

ان هذه العمارة انتشرت بقوة، ولم يكن بالإمكان مقاومتها حتى في المدن التي كانت عصية على التثاقف مع قيم بغداد، كالنجف، التي ظلت حتى زمن قريب متمنعة على أي قيم لا تتساوق وقيمها الخاصة المختلفة عن قيم ما جاورها من محافظات، الأمر الذي تطرقت له في كتابات سابقة.

وحتى في العقدين المجدبين، الثمانينات والتسعينات، من بغداد نفسها شاع نمط عمارة السقوف مزدوجة الأبعاد (دوبل فوليوم)، ثم تمدد إلى بقية المحافظات.

أما اليوم، وبغداد في أضعف حالاتها، ورغم بقاء النظام المركزي على حاله تقريبا، إلا ان السلطة السياسية باهتة، وانتقلت مراكز القوة في صنع القرار السياسي من بغداد إلى مناطق أخرى في العراق، وصارت العمارة في بغداد (هرجة بربدة) كما يقول أهلنا، في ظل هجمة صفائح الالومينوم، والذوق السائب في البناء، فقد فقدت بغداد ذلك التأثير الذي امتلكته يوما، في جملة أشياء أخرى كثيرة فقدتها.

الموضوع يمكن ان يكون طويلا، ولكني أطلت بما يكفي.

[الصورة المرفقة لبيت من بغداد يمثل النموذج الاول من البيوت التي ذكرتها]

المدينة التي تبتعد (2)

علي المعموري

الحلقة الثانية:

(4)

ــ اتَذكُر تلك الايام في الحي الصناعي؟

ــ كنا نملك في محل أبي في الحي الصناعي قفصاً لُحم من أنابيب حديدية قوية، يرتفع عن الارض أكثر من ربع متر، مستطيل، ضلعه الاكبر يقارب المتر والنصف، والاصغر نصف الكبير تقريبا، لعله كان سلة لسيارة حمل ذات يوم.

ــ كان عمال أبيك (نسميهم الصناع) يثبتونه على الارض أمامه، وقد اتخذ مما تيسر مجلسا واطئا، يضعون تلك الكتلة الحديدية المستقيمة التي لا يحملها إلا رجلان على القفص، جسر حديدي يربط بين قاعدتي الاطارات الامامية في سيارة النقل الكبيرة طراز فيات المسماة (OM) ويركب أبوك الاجزاء الغليظة، يستخدم مفكا كبيرا، أحد طرفيه مدبب، وطرف المفك بسمك 4سم، يَستخدم الطرف المدبب في ضبط فتحات الاجزاء على بعضها، يهزها بعنف، وأنت، عديم الوزن، وثلاثة عمال آخرين غلاظ الجسوم، تهتزون على القفص الذي تشبثتم به بقوة مع هزات ذراعي أبيك، مع طرقاته على الاسطوانة الحديدية الرابطة.

ــ عندما سألته عنه قبل أيام، عن ذلك المفك، وأخبرني انه اعطاه لشاب فتح محلا جديدا لتصليح السيارات ــ عندما قرر هو اغلاق محله ــ تألمت، كأني فقدت جزءا من أسرتي، يذكرني بأبي في أزهى أيامه، جسيما، وسيما، تهتز لخطواته الارض، روحه ممتلئة بالحياة رغم الحروب التي خاضها، أبي الذي ترهقه عبائته الثقيلة اليوم، وهو في الستين وحسب.

 

(5)

بالنسبة لشخص مشاء مثلي، كان مشي الليلة الفائتة مؤلما – لروحي وليس لقدمي- مشيت عشرة كيلومترات، ان تمشي بمفردك وأنت مستاء مسبقا فان هذا يعني ان تتذكر كل الاشياء السيئة التي لا تريد تذكرها.

 

(6)

حينما انتقلنا من المدينة القديمة إلى مسكننا الجديد، بعد أن بيع منزل الأسرة القديم، ثم زادت مشاغل الحياة، وصارت مفازات تنقلي داخل المدينة أقل عددا، حتى تباعدت اللقاءات بيني وبين تلك الدروب التي حفظتها قدمي، وحفظت هي وقع خطوي عليها، ورسمت في قلبي لها خرائط ترتبط بشواهد من البنايات كل واحدة منها لها في قلبي أثر لا يمحى.

ــ هل تذكر تلك البنايات الفسيحة، التي شيدت في جوفها قيساريات على شكل حرف (L) يبدأ في شارع ويفتح على الآخر.

ــ كانت بناية السيد عبود شبر، وبناية جابر العبايجي التي صادرتها الدولة بعد اعدامه، واشتراها صديقه الاثير من الدولة، ثم اشتراها مرة ثانية من زوجة صديقه المغدور، كان طريقي إلى المدرسة يمر بهما، الج القيسارية، وسعادة عميقة تجتاحني لهذه (المغامرة) بالمرور في جوف البناية من شارع إلى آخر، مررت بالبنايتين منذ أيام، بعد سنوات من الانقطاع عنهما، فوجدت بناية العبايجي قد أصبحت فندقا، وأغلق منفذيها، وبناية السيد عبود تقاسمها ابناءه، وشطرت إلى أجزاء أغلقت منفذيها هي الأخرى.

ــ ليس هذا وحسب، وجدت منزل أسرة استاذيك أحمد وحامد الصراف، اللذان ترتبط اسرتك، أباك وأعمامك معهما بصداقة عميقة، المنزل الذي مثل لك بموقعه، ومساحته الفسيحة، والأشجار التي تطل من داخله حلما، أنت الذي ولدت في منزل يتقاسمه الوارثون، بمساحة تضيق عن مساكن الدجاج، وجدت الحلم مباعا، وعلى وشك ان يهدم، ليتحول إلى فندق.

ــ ليس هو وحسب، الكثير من البنايات التي عشقتها، وكانت جزءا من أحلام طفولتي تناوشها جشع الوارثين، وغلظة التجار، فهدمت، وغُيب تتابعها الجميل الذي طوق جيد المدينة ذات يوم، وشوه العنق الوضيء الذي كانت عليه،حتى أثقلته الخرسانات المسلحة التي شادت بنايات غريبة على روح المدينة، بعيدة عن ذوقها، مغلفة بالالومنيوم بذوق منحط، التي وإن دلت على عمران مدني بطوابقها الشاهقة التي اعدت لاستقبال زائري المراقد المقدسة، إلا إنها لم تدل على تمدن، ولم تمت بصلة للمدينة.

ـ الحمام الاثري الفخم، ذي الريازة المعمارية المبهرة، بقبته ذات النهاية الزجاجية الملونة، وقسمه العمومي، والخصوصي، البخار الذي يملأ المكان، والرجال ــ اصدقاء أبيك ــ الذين يتضاحكون، يتراشقون بالمياه، والمناشف، يتبادلون الشتائم بينهم كأنها مدائح.

ــ بيع الحمام وهدم معلما معماريا متميزا، لو وجد في أي دولة تحترم نفسها لما هدم.

ــ أي بناء هذا الذي تبكيه؟ الانسان العراقي بذاته يتعرض للهدم، وأنت تبكي البناء!

ــ المنجز العراقي، مثل الانسان العراقي، مستباح بوحشية، ولكني هنا اتحدث عن ذكرياتي البسيطة، الأمشاج التي علقت بين قلبي والمكان، الخطى السعيدة، والكلمات الجذلة، الدروب التي ملأت مخيلتي الطفلة بالصور المبهرة، والافكار الخصيبة، أول إدراكي لسلوك البشر من حولي، تجاربي التي تنمو كالرضيع، يتغذى على ثدي أمه، كانت هذه الطرقات المنهل الذي ورده وعيي، ونما على وقع خطى قاطعيها، وسلوكهم، وتجاربهم، علاقتي بالمكان لم تكن بسيطة أبداً.

يتبع…

موقع آخر في Arablog