أرشيفات التصنيف: سياسة

تجربة سلطنة عمان التنموية… سياسات التعمين (2)

الفصل الثاني

تمهيد

في الواقع فإن مداخل التنمية تتعدد باختلاف اراء الكتاب الذين عملوا في دراسات هذا الحقل ـ كما سبق ذكره ـ ولكن على العموم هناك مداخل اساس يتفق عليها الجميع وهي تعد من اهم ضرورات عملية التنمية .

ولكي نقدم صورة ملموسة عن مدى نجاح عمان في عمليتها التنموية لابد ان نأخذ بعين الاهتمام هذه المداخل ونحن هنا سوف نتعرض الى بعض هذه المداخل الاساس اذ سوف نتناول التجربة العمانية ضمن ثلاث مداخل اساس هي :

1ـ مدخل التربية والتعليم والتعليم العالي .

2ـ مدخل الديمقراطية والحكم الصالح .

3ـ مدخل المرأة والطفل والخدمات الصحية .

وفي الواقع فإن تقديمنا لتجربة عمان التنموية وسياسات التعمين ضمن اطار هذه المداخل لايعني انها المداخل الوحيدة المناسبة لهذه التجربة. الا ان خصوصية التجربة ضمن  توجه البحث قد تستلزم هكذا نوع من التقسيم بالنسبة الى المداخل المؤدية الى دراستها.

وفي السطور القادمة سوف نبدأ باستعراض جهود عُمان ضمن هذه المداخل الثلاث واهم ما استطاعت  تحقيقه ضمن اطار التحديات التي تفرضها وسوف نحاول تقديم صورة عن مدى نجاح في كل منها ثم سيتم تقديم تقييم عام لتحديد تأثيرمدى النجاح في كل مدخل على الموضوعة الأساس وهي سياسات التعمين التي تعني قبل كل شيء تسليم الإدارات والأعمال في مختلف القطاعات والمستويات والإختصاصات الى الكفاءات الوطنية العمانية.

وهنا لابد أن نذكر أن مسيرة التنمية التي إبتدأت منذ سنة 1970 وهي سنة تولي قابوس بن سعيد الحكم في عمان قد ارتكزت منذ البدية على خطط تنموية مدروسة ضمن خطة استراتيجية طويلة المدى (1976ـ 1996) تخللتها خطط خمسية مدروسة ابتدات بالخطة الخمسية ألأولى (1976ـ 1980) ثم الستراتيجية طويلة المدى (1996ـ 2020) لتحديد المسارات والأدوات ولأهداف المراد تحقيقها اقتصاديا واجتماعيا على أمتداد المرحلة الثانية للتنمية الوطنية وقد أعتمدت ايضا اسلوب الخطط الخمسية لتحقيق اهدافها ضمن تدرج كان يراعي مدى توفر الطاقات الوطنية لتحقيق النجازات المطلوبة وقد (( وقد حققت هذه الخطة الطويلة الأمد اطارا كليا مستقرا للإقتصاد العمني ليتم تحقيقه والوصول اليه وبما يوفر معدلات نمو مستهدفة للإقتصاد العماني وتحسنامحسوبا في نصيب الفرد من الدخل القومي وذلك عبر تنويع مصادر الدخل القومي للسلطنة بزيادة مساهمات قطاعات الغاز الطبيعي والصناعة والسياحة والحد من الإعتماد الكلي على النفط مع تنمية القطاع الخاص وتنشيط سياسات التخصيص وتحقيق تنمية متطورة للموارد البشرية وجذب المزيد من الإستثمارات في اطار تنمية مستدامة تحقق مزيدا من الإندماج في الإقتصاد العالمي )) .

أولا: مدخل التربية والتعليم والتعليم العالي .

لقد أخذت عمان بالمبدأ القائل بأن الإنسان هو غاية التنمية ووسيلتها. وهو ما صرح به السلطان قابوس مرارا وتكرارا. وفي هذا الإطار عملت على ايجاد سياسة تعليمية وتربوية تضمن لها تطوير كفاءاتها الوطنية. وقد تميزت مسير التعليم العماني بالصبر حيث إنها بدأتمن الصفر لأجل اعداد كفاءات تعليمية عمانية. وفي هذا السياق قامت بتدرب الدورات المتعاقبة وتأهيله للتدريس من خلال التعاون المثمر والتنسيق بين وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والوزارات والهيئات الأخرى المعنية ؛ من اجل ان تتكامل الجهود فيما بينه اجميعا لإداد الخريجين على نحو يمكنهم من شق طريقهم في مراحل التعليم الأخرى أو الى سوق العمل وفقاَ لمتطلبات التنمية في الوقت الحاضر والمستقبل. وقد حرصت عمان من جانب آخر على تعليم من فاتهم قطار التعليم واخراجهم من ظلمات الأمية .

وفي الواقع فإن جهود تطوير التعليم وفق الناهج الحديثة المتجددة قد اصبحت سمة اساسية للتعليم في عمان. حيث انها اخذت بعين الاهتمام مسألة رفع كفاءة المعلمين من حيث تنويع اساليب تدريب الهيئة التعليمية داخليا وخارجيا بما في ذلك المشاغل التربوية وحلقات العمل والنقاش والابتعاث الى الخارج اضافة الى مشاريع اخرى اليكترونية متطورة مثل مشروع البوابة التعليمية الاليكترونية التي تظم كل عناصر المنظومة التعليمية وربطها معا بما في ذلك ديوان عام وزارة التربية والتعيم والمشروع التكاملي للانماء المهني والتدريب الاليكتروني والحقيبة المتلفزة وملف النمو المهني وهي تسهم في تطوير اداء المعلمين وتحقيق جودة التعليم وتوفير عمليات تدريب وتقييم متواصل لتطوير قدرات العاملين بما يفيد ويحقق اهداف العملية التعليمية بالاضافة الى ذلك يتم استخدام طرق تدريس حديثة واستخدام الحاسب الآلي والشبكة اللاسلكية الخاصة لربط المدارس على مستوى السلطنة لتزويدها بالمواد التعليمية اضافة الى تأسيس وحدة لإنتاج الوسائل المتعددة بوزارة التربية والتعليم.

وقد تم الغاء نظام التشعيب المتخلف الذي ورثته الدول العربية من عهد حكم اللورد كرومر لمر وحماقاته الكثيرة والذي  كان معمولا به في الصفين الحادي عشر والثاني عشر (الخامس والسادس الاعدادي) علمي/ادبي لاتحة الفرصة امام الطلاب لدراسة ما يتناسب مع ميولهم وتطلعاتهم.

وفي اطار عام يهدف الى العناية بالطلاب وتوفير اساليب تعليمية متطورة لتنمية مهاراتهم وتوجيه هذه المهارات بشكل صحيح وزيادة القدرات على التعلم الذاتي لمستحدث في عمان وكذلك نظام التقويم المستمر الذي الايعتمد على اسلوب الامتحانات فقط ولكنه يشمل كذلك المشاريع الطلابية والبحوث والاختبارات القصير والفصلية والملاحظات الصفية وغيرها.

الى جانب ذلك فقد تم تأسيس مدارس للتربية الخاصة لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل اكبر ولمعلجة صعوبات التعليم وكذلك مشروع الوفاء بمعهد عمر بن الخطاب للمكفوفين.

اما بالنسبة الى التعليم العالي فقد تأسست جامعة السلطان قابوس سنة (1986) وقد اريد لها ان (( تسيربخطى حثيثة ليس فقط لتطويروتحديث برامجها العلمية واستحداث برامج للتعليم والتدريب تخدم مختلف قطاعات المجتمع العماني وايضا لتصبح منارة فكر وصرحا متميزا للتعليم العالي قادر على اعداد الكوادر الوطنية المؤهلة وتشجيع البحث العلمي والاسهام الفعال في دراسة وانجاز خطط لتطوير المجتمع العماني وتعزيز جهوده التنموية  في  مختلف المجالات.)) وتضم جامعة قابوس سبع كليات تمنح درجات جامعية مختلفة بالاضافة الى مجموعة من المراكز البحثية وايضا توجد في عمان (14) كاية جامعية و(17) معهدا متخصصا بالاضافة الى (20) مؤسسة تعليمية تعليمية خاصة منها ثلاث جامعات اهلية وفي اطار الخطة الخمسية السابعة (2006ـ 2010) تم وضع استراتيجية للتعليم تقوم على خمس مرتكزات اساسية هي ادارة التعليم والتحاق الطلبة وتقدمهم عبر المراحل التعليمية وبناء الجودة في التعليم والبحث العلمي والتطوير وتمويل التعليم.

من جانب آخر يأخذ موضوع التدريب المهني حيزا مهما ضمن خططك التنمية فمن جانب تقوم معاهد التدريب التقني التي تشرف عليها وزارة القوى العاملة ـ وهو الامر الذي سوف نعود اليه لاحقا ـ تقوم بعملية تطوير مستمرة للتدريب التقني من خلال التعاون مع مجموعة من المنظمات العالمية مثل منظمة العمل الدولية والوكالة اليابانية للتعون الدولي والمؤسسة الهندسية البريطانية والمؤسسة الاسترالية للتدريب والمؤسسة الالمانية للتعاون الفني.

ان سياسة التطوير المستمر للتعليم مكنت عمان من امتلاك خبرات كافية تساعدها في مسعاها لتعمين الوظائف سواء في القطاع الحكومي ام في القطاع الخاص بالنسبة لحداثة التجربة التعليمية فقد تحققت طفرات هائل في التعليم فوجود هذا العدد من الكليات والمعاهد بالقياس الى المدة القصيرة التي بدأت بها التجربة يعد شيئل مذهلا وهو ما سنرى اثره على سياسة التعمين في التقييم العام.

ولكن هناك ملاحظات لابد من تسجيلها على مسيرة التعليم العماني؛ وبالاخص فيما يتعلق بالتعليم العالي.

فمسألة تعدد الجهات المشرفة على قطاعات التعليم تثير تساؤلات حول جدوى هذا التقسيم. فنحن نجد ان وزارة التعليم العالي تشرف على خمس من الكليات التخصصية وعلى كلية التربية بالرستاق وعلى شؤون البعثات ومؤسسات التعليم العالي الخاصة اضافة الى جامعة قابوس.

بينما تشرف وزارة القوى العاملة على الكلية التقنية العليا وكليات التقنية ومعاهد التدريب المهني وتشرف وزارة الصحة على المعاهد الصحية والبنك المركزي العماني يشرف على كلية الدراسات المصرفية والمالية ويتبع معهد العلوم الشرعية وزارة الاوقاف والشؤون الدينية وتتبع الاكاديمية العمانية للسياحة والضيافة وزارة السياحة.

ان هذا التشتت ـ ولانقول الفوضى ـ في تقسيم جهات الاشراف على التعليم العالي قد تؤدي فيما بعد الى مشاكل جمة واذا لم تظهر في الوقت الحاظر فما ذلك الا بسبب الاندفاعة القوية التي تسير بها عملية التنمية ككل من جهة وسيطرة جة مركزية على مفاصل الدولة ـ متمثلة بالسلطان ـ من جهة اخرى.

ففي حالة غياب جهة عليا مركزية موحدة تسيطر على رسم سياسات التعليم العالي وترسم الخطوط العامة للمسيرة التعليمية لايمكن ضمان المسيرة تعليمية متزنة بالرغم من ان التقسيم الذي اخذت به عمان يقوم على اساس ان مخرجات كل قسم يجب ان تكون متماشية من حيث تعليمها وتدريبها  مع الاحتياجات الفعلية للقطاعات المرتبطة بها وهو ما يسهل ـبحسب الادارة العمانية ـ استيعابها في دولاب العمل بعد تخرجها.

[الصورة المرفقة وردت من دون ذكر اسم صاحبها في الموقع الذي استعرتها منه، وهي لمشهد من عمان]

   تجربة سلطنة عمان التنموية… سياسات التعمين (1)

هذا التقرير كتب قبل 6 سنوات، وبقدر التقصير المعرفي الذي فيه، والأخطاء التي شابته بوصفه جهدا بسيطا لطالب في المرحلة الرابعة، فإني ـ بنفس الوقت ـ أحسب أيضا انه يلقي بعض من الضوء على تلك البقعة العجيبة لدرجة غريبة تماما عن مستنقع الشرق الأوسط (أو مستشفى الشرق الأوسط للأمراض العقلية) كما تقول صديقتي حبيبة محسن، سأنشر التقرير بحلقات دفعا للملل

علي عبد الهادي المعموري

 

اولا :النظام السياسي العماني

في الواقع ان تطبيق توصيف النظام السياسي وفق تعريفاته الاكاديمية الحديثة التي وضعها علماء السياسة واداءه لوظائفه الاربع على دول العالم النامي يعد امرا صعبا ومشكلا .

ففي نظام سياسي كالنظام العماني الذي يرتكزعلى اساس ملكية مطلقة محاطة بمظاهر دستورية ليست بالضرورة واقعية من حيث التطبيق. اذ ان عمليات النظام السياسي تكاد تكون متداخلة  مع بعضها البعض بمعنى غياب  الدور المتخصص وليس التداخل التفاعلي. وعمليات التغذية والتغذية العكسية تتم بشكل بدائي ولا تسير وفق اليات دستورية اوادارية محددة فكل شيء في الدولة ينبع من السلطان ويعود الى السلطان وفق تأطير شخصه باطار يرتكزالى مبادئ ابتكرتها وارستها الدول الاسلامية عبر تاريخها السياسي تتمحور حول (ولي الامر) وكونه يمثل السلطات الثلاث ـ بالتقسيم الحديث للسلطة ـ ووجوب طاعته والخضوع لارادته وكون ذاته مصونة. وغير قابل للمسائلة وهو امر ُشرع دستوريا في النظام الاساسي للحكم الذي صدر في نوفمبر (1996) وهو يهيمن على كل نوحي الحياة السياسية في البلاد منذ توليه الحكم عام  (1970 )ولهذا فان اي دراسة اكاديمية لاساليب النظام السياسي العماني لا يمكن ان تكون واقعية او دقيقة الا من خلال دراستها كأسلوب قائم بذاته من خلال دراسة سلوك السلطان كمؤسسة تنبع منها التشريعات وعلى عاتقها يقع تنفيذها .

وعلى العموم فالنظام السياسي العماني يتكون من البنى التالية مصنفة حسب الاهمية وفقا للنظام الاساسي للحكم في عمان :

1 ـ السلطان , متمثلا في شخص السلطان قابوس البو سعيدي .

2 ـ ديوان البلاط السلطاني .

3 ـ شؤون مكتب القصر .

4 ـ السلطة التنفيذية ؛ ويندرج تحتها :

أ  ـ رئيس الحكومة , السلطان قابوس .

ب ـ مجلس الوزراء .

ج ـ سكرتارية مجلس الوزراء .

5 ـ المجالس المتخصصة .

6 ـ مجلس الشورى. وهوالاسم الذي تفضل الدول التي تحكم على اساس ديني اسلامي ان تطلقه على البرلمان .

7 ـ المحافظات والولايات .

وعليه فإن الدراسة سوف لن تستهدف دراسة هيكلية النظام السياسي العماني او مدى تطوره واستمرار عملية التنمية السياسية فيه وفق الاساليب الحديثة وستنصب على اهمية التجربة التنموية على الجانبين الاقتصادي والاجتماعي مع التعرض للتنمية في المجال الاداري التي شهدتها السلطنة .

ثانيا :التنمية

ان دراسة التنمية تتطلب قبل كل شيء تحديد الجوانب التي بني المصطلح على اساسها , او بشكل ادق ان نحدد ما هو التخلف لنعرف التنمية. ولابد ان نذكر قبل ذلك ان دراسة التنمية حتى الستينات كانت تنصب على النمو الاجتماعي والاقتصادي وتأثيراته السياسية (وعبر ذلك تعالج الاسس الاجتماعية والاقتصادية لما كان يسمى  بالعالم الثالث) الى ان ظهر مصطلح التنمية السياسية بعد الستينات حيث اصبح البحث ينصب على هذا المعطى الاقتصادي  ـ الاجتماعي عبر دراسة عملية اكثر تعقيدا قد تكون هي الاساس وراء التطور الاجتماعي الاقتصادي وهي التنمية السياسية .

واذا عدنا الى محاولة تحديد مفهوم التخلف كي نصل الى معنى التنمية استنادا الى المقولة التي تبين ان الدول المتقدمة تؤشر الطريق للدول المتخلفة , فسنجد ان هناك اختلافا شديدا في تقديم مستوى معين من التقدم يقاس عليه التخلف .فالدول الغربية تقيس مستوى التقدم تبعا للديمقراطية والاستقرارحيث ان الديمقراطية وبصورة الديمقراطية الغربية التي تقوم على نظام تعدد الاحزاب السياسية والنظم الانتخابية والتمثيلية والاستقرارالسياسي الذي يؤدي الى انتشار التربية والتعليم بين السكان وارتفاع معدل الدخل الفردي او مستوى المعيشة. ولكن هذا الرأي يصطدم بعدد من التطبيقات المتناقضة ـ كما يرى الدكتور صادق الاسود ـ فمثلا فرنسا كنت تفتقر الى الاستقرار  السياسي في عهد الجمهورية الرابعة وتعد في نفس الوقت دولة متقدمة وغيرها من الامثلة الكثيرة .

من جانب آخر تنطلق الماركسية في تعريف التقدم والتخلف من ايديولوجية شاملة تستند الى عملية حركة المجتمع وفق مراحل على اساس الاقصاد اي من مرحلة البداوة والرعي الى الزراعة ثم الاقطاع فالراسمالية من بعدها الاشتراكية فالمشاعية. وكلم تقدمت الدولة في تسلسل حركتها التاريخية وفق هذه المراحل واقتربت من تحقيق المشاعية يقاس مدى تقدمها.

ولكن الدكتور صادق الاسود يرى ان المجتمعات البشرية لم تتكون في زمن واحد ولم تعش فتراتها التاريخية بخط متواز لذلك فإن مسيرة تطورها ليست متماثلة في جميع الاحوال فطفرت بعضها مراحل تاريخية معينة لاسباب تتعلق بمقوماتها الموضوعية وبمميزاتهاالذاتية وايضا ففي العصرالحديث تحاول بلدان العلم المتخلف تجاوز مرحلة الرأسمالية الى الاشراكية اي الانتقال من مرحلة الزراعة الى الاشتراكية بصورة مباشرة .

وفي الواقع فإن افضل رأي يمكن ان نأخذ به في هذا السياق هو رأي الدكتور صادق الاسود الذي طرحه في كتابه المهم علم الاجتماع السياسي حيث رأى ان جميع هذه الاساليب ـ هو قد اضاف في كتابه الى النظريتين السابقتين مدخلان آخران هما معيار العوامل المتعددة ومعيار المقارنة التاريخية وللمزيد من الاطلاع يمكن مراجعة كتابه ـ هو يرى ان جميع هذه الاساليب غير مرضية (( لأنها قائمة على معايير مبنية على قيم ومفاهيم غريبة على واقع هذه البلدان ـ النامية والمتخلفة ـ وعلى مسيرتها التاريخية نحو النمو والتطور .

ان دراسة الدول النامية يجب ان تنطلق من من وجهة نظرالدول النامية ذاتها وعبر المشاكل التي تواجهها مجتمعة او كلا على انفراد اذ يجب ان يؤخذ التخلف باعتباره واقع عاما وينطوي على عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية مترابطة فيما بينها ترابطا وثيقا وهذه النظرة العامة الشاملة هي التي يمكن ان تؤدي الى استنتاجات تذكر لانها تكون الحد الادنى من الاتفاق بين الباحثين من نختلف الاتجاهات والا فإن احدا لايمكن ان ينازع مثلا في ان الدولة التي لاتضمن سلامة مواطنيها وامنهم او تلك التي لاتوفر لهم ضروريات الحياة بحيث لاتقيهم من الجوع وتوفر لهم الملبس والمسكن تعتبر دولة متقدمة ))

عمان والتنمية

بالاستناد الى كل ماتقدم فإن عُمان تمتلك خصوصية في قياس مدى تقدمها فبالنسبة لمعيار الديمقراطية فإن عمان كما سبق ان ذكرنا لا تبنى النظام الديمقراطي وتدار من قبل نظام ملكي مطلق يملك السلطان فيه كل السلطات.

ولكنها من جانب آخر تتمتع باستقرار سياسي ضمن لها مسيرة تنموية ناجحة وسوف نرى فيما بعد ان خصوصية عُمان فيما يتعلق بحكمها المطلق لم تعرقل مسيرة التنمية فيها هذا ان لم تكن عاملا اساس في دفعها الى الامام محققة مستويات تعليم عالية ومستويات معيشية مرفهة لمعظم السكان.

[الصورة المرفقة وردت من دون ذكر اسم صاحبها في الموقع الذي استعرتها منه، وهي لمشهد من عمان]

 

المحكمة الدولية وقضايا الإرهاب عند د. حكمت شبر.. بين محاكمة القيم المتعالية وتفسيراتها المحايثة

مدخل

لعل من نافلة القول ما صار للإرهاب من مساحة واسعة الحضور في الحياة الإنسانية، بعد أن ضربها في صميمها بمواضع كثيرة من المعمورة، حتى صار الشغل الشاغل للدول، والباحثين، ممن يحاولون فهم أصوله ومساربه، بحثا عن آليات مكافحته وإيقاف تمدده الخطر، فضلا عن تأثيره المباشر على حياة البشر الذين يضرب أراضيهم، وتداعياته الجسيمة على الحياة والتنمية ومستقبل الجنس البشري عموما.

وما يطرحه د. حكمت شبر في كتابه (المحكمة الدولية وقضايا الإرهاب.. العراق نموذجا) ــ الصادر عن دار العارف 2011 ــ وإن كان يعد جزءا من ذلك الاهتمام البحثي الدولي بهذا الشأن، إلا إن له ما يميزه في بابه ويمنحه فرادة في غاية الأهمية.

فالكتاب وإن تناول تطور قواعد القانون الدولي وما ترتب عليها من وظائف والتزامات قانونية، وما حدث من تطور في عمل المحكمة الدولية والمعاهدات الناظمة لها والمنطوية ضمن متونها القانونية، إلا أنه لم يقف عند هذا الحد المتعلق بالنص القانوني وتطوره، متجاوزا البحث في النصوص إلى تتبع منابعها الفقهية، ساعيا إلى تأصيل قواعد تتبع أصل الجريمة الإرهابية، وتعرية التعامل المزدوج مع المصطلح الواسع الذي حرصت الدول الكبرى على المتاجرة به عبر تعويمه، وإسباغ سعة نسبية عليه جعلت منه أداة من أدوات الاستراتيجية للدول الكبرى، بدلا من أن يكون جريمة واضحة المعالم تتيح معاقبة مرتكبها، وتتبع جذورها للقضاء عليها.

و أحسب ــ في الواقع ــ أنني لن أكون موّفقا إذا حاولت قراءة ــ  أو نقل ــ وجهة نظر سليمة عن موضوعة الفقه القانوني وتطور قواعده فيما يخص القانون الدولي الواردة في الكتاب في هذه العجالة، لاسيّما انها ليست من صميم تخصصي، ولكن الأمر المميز بهذا الكتاب والذي يمنح قارئه هدية كبرى هي ارتكازه على مجموعة من الحقول البحثية العلمية التي تتيح الاستفادة من عدة مقتربات في ذات الوقت، بين القانون والسياسة والفلسفة والاقتصاد.

رغم ذلك، فمن المهم جدا الإشارة إلى مذهب الدكتور حكمت شبر في طبيعة القانون الدولي، التي تتجاوز المذاهب المجردة التي تتعامل معه بوجه نظر أيديولوجية قاسية، متأثرة بالظروف الدولية الحرجة التي نشأت ضمنها قواعد القانون الدولي، والتي خضعت بدرجة كبيرة إلى مصالح الدول الكبرى، وطبيعة صراع المصالح بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي.

الصراع الذي قاد لأن تعرقل عملية نشوء قواعد عادلة، تنصرف إلى علاج مشاكل العالم المختلفة، مما صار يشغل الرأي العالمي اليوم، كالتلوث، والتصحر، وعلاقة ذلك بالاحتباس الحراري، وهي أمور وقفت مصالح الدول الكبرى كعقبة في سبيل تغطيتها من قبل القانون الدولي ((لأن قواعده تعبر عن التنسيق بين المصالح المتناقضة وليس على الفرض القسري المدعوم بقوة الأجهزة التي نراها في القوانين الداخلية، لذا فأرى أن القانون الدولي هو قانون تنسيق بين مصالح الدول وليس قانون فرض على الدول وفي مثل هذه الظروف الموضوعية والتاريخية غير المواتية لتطوير قواعد تقدمية تخدم الإنسانية، نشأت وتطورت القواعد الخاصة بالمحاكم الجنائية الدولية، التي كانت وما زالت ضعيفة لا تلبي مصالح الشعوب في السلم والأمن والحماية من العدوان)).

وهذا الرأي يوّضح بدرجة كبيرة مدى خضوع القواعد الدولية التي يتعلق بعضها بقضايا الإرهاب لمزاج الدول الكبرى، ومدى رغبتها بالالتزام بروح النصوص القانونية، أو تفسيرها بمزاجها، والكيل بمكيالين، خصوصا اننا نتعامل مع منظومة سلوك جرمي أساسه فكري، ومحاكمته ستتطلب بطريقة أو بأخرى العودة إلى الجذور القيمية المؤسسة للإرهاب القادم من العالم الإسلامي، وبثوب يراد له أن يوصف بأنه الإسلام.

ولهذا، فإن ما أود حقا أن أركز عليه بعجالة قد تكون مخلة ــ حرصا على أن تلزم القارئ بالاستزادة من الكتاب نفسه ــ هو ما تضمنه الفصل الأول من الكتاب، الذي انصرف إلى تقديم تمييز دقيق بين الإرهاب والإسلام، وتتبع التراث القرآني والحديثي بما يتيح درء التهمة التي يحاول البعض إلصاقها بالاسلام وتحميله مسؤولية الإرهاب كاملة، بتجاهل تام لقاعدة أساسية في البحث العلمي والتفكير الفلسفي بشأن الأديان بوصفها قيما جمعية، وهو انقسام هذا العنوان الواسع ـ الدين ـ إلى نص متعالي يتضمن ـ في الحالة الإسلامية ـ القرآن الكريم الذي كان بصورة عامة مجملاً، حمّال أوجه، والنص المحايث الذي يتضمن بدوره التراث الإنساني المفسِّر للنص المحايث، وقد يكون حديثا نبويا أو اجتهادا فقهيا، أو تأويلا سياسيا اتخذ من النص المتعالي وسيلة للوصول إلى السلطة الدنيوية المتناقضة بطبيعتها مع المثالية التي ينطوي عليها النص المتعالي، وهو ما سأحاول إمساكه في كتاب د. حكمت شبّر ضمن العناوين التالية.

أولا: تاريخية التطرف، وامتداده المعاصر، بين الحكام المسلمين، والمخابرات الدولية.

يتساءل د. شبر في مقدمة الفصل المعني قائلا: (كيف تمكن أعداء الإسلام من حكومات وإرهابيين من استخدام الإسلام لترهيب مختلف الشعوب والدول في العالم؟ هذا الدين المعروف بسماحته وتكريسه المحبة والوئام بين بني البشر)، مستدلا بالآية الكريمة ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) .

وهو يعود بقارئه إلى التاريخ الإسلامي، متتبعا الطريقة البشعة التي استخدم بها حكام الدول الإسلامية المبكرة الإسلام بطريقة تنافي روحه، مشخصا مسؤولية الفقهاء الذين ((خدموا العروش)) وعملوا على لَيّ النصوص لإصدار فتاوى تمنح العروش شرعية مقدسة، وهو ما شكل استنزافا خطيرا جرّد قدسية الفكرة المتعالية، ومنحها للدولة المحايثة، الدولة التي صارت تستخدم الإسلام لتبرير بطشها، وحمايته بتابوهات ابتكرها الفقهاء، وأسسوا بها للاستبداد والإرهاب الإسلامي.

كما لا يفوته التعرض لاستخدام القوى الكبرى اليوم لذات التراث المأزوم، وعمل الولايات المتحدة على استخدام التراث الإسلامي المتطرف والنصوص المؤسسة له في حربها الباردة مع الاتحاد السوفيتي السابق، ويذكر في هذا الموضع المؤتمر الذي أقامته الولايات المتحدة بعنوان المثل العليا في الاسلام في مدينة بحمدون اللبنانية عام 1954، ودعوتها للشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء للاشتراك بالمؤتمر، ولكن الشيخ فهم اللعبة؛ وتصدى للمؤتمر ومن يقف خلفه بذكاء، وأصدر رسالته المعروفة (المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون)، التي عرّى فيها النوايا الأمريكية، وإرهابها، وكيلها بمكيالين.

وبالرغم من أن المؤلف تعرض لنماذج من رجال الدين المتطرفين في العصر الحديث، وبيّن أثرهم الضار على الإسلام واستخدامهم للنصوص بعدوانية أولدت تفسيرات تبيح القتل والمجازر القائمة على مزيج من النص المتطرف والقيم البدوية، بدعم من السعودية التي نشرت التفسير الوهابي المتطرف في العالم مستغلة الثروة التي تمتلكها، بالرغم من ذلك، فقد حرص على أن يتناول نماذج مشرقة تقف بالضد من هؤلاء، من الذي قارعوا الاستعمار، وحرصوا على فهم مقاصد الدين، وربط النصوص بروحها وفكرتها، لا بتاريخيتها، وهو ما سيتضح في الفقرة التالية.

ثانيا: تنزيه المتعالي وتحديد الغرض منه ـ روح النص ـ

يقدم المؤلف في هذا الجانب ملاحظات فائقة الأهمية، أولها الإشارة إلى أن (الأصولية الاسلامية) التي لا تعترف بأي وجود للآخر، سواء كان مسلما مختلفا معها بالمذهب، أو من دين مختلف تتحرك في فهمها هذا من أسس باطلة ولا تنتمي إلى الإسلام الحقيقي.

هذا الإلغاء الديني الذي لم يقتصر على الفرق الإسلامية المخالفة لها وحسب، وهو ما قد يجد مبررا فقهيا له في تراث مأزوم، بعكس النصوص الواضحة التي حددت كيفية التعامل مع أهل الكتاب من الديانات السماوية الأخرى بالحسنى والاحترام، وهو ما تطرق له حريصا على أن لا يفوته التأكيد على خصيصة تتعلق بالمجتمعات الشرقية، والعربية منها بوجه خاص، وهو استحالة الفصل بين ((ما هو مسيحي عما هو إسلامي في تكويننا)) مشددا على الامتزاج الشديد للعنوانين في نفوس شعوب المنطقة.

ولكي يقدم تأصيلا لمنبع هذه الفكرة، ويتتبع جذرها الذي حرّض على هذه الإقصائية؛ فإنه هنا يتلمس ما للبيئة الصحراوية القاسية من أثر أنتج هذا التفسير الإقصائي، مستحضرا نصوصا تاريخية لمن عاصر حقبة مظلمة من تأسيس الدولة السعودية الحاضرة، عبر ذكره لما كتبه أمين الريحاني، وما سبقه من مجازر وقعت في نجد والحجاز والعراق على أيديهم بعقلية الغزو والسلب البدوية، وهي القيم المحايثة التي أسبغها التفسير الوهابي المتطرف على النص المتعالي الإسلامي.

وللتدليل على هذا، يذكر مجموعة من النصوص القرآنية التي تعزز فكرته التي طرحها قائلا: ((إن الأعمال الإجرامية التي ارتكبها وما يزال يرتكبها التكفيريون لا مكان لها في الشريعة والدين الإسلامي فقد جاء هذا الدين الحنيف لإصلاح البشر ونشر الحب والتآلف بين مختلف الشعوب))، ثم يسترسل بذكر آيات كريمة تحرّم القتل، كقوله تعالى: (مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) كما يتلمس ما جاء به الدين المحمدي من تأكيد على حرية المعتقد، كقوله تعالى (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ).

وبالجملة فإن الفكرة التي جعلتها عنوانا لهذه الفقرة ظاهرة جدا في هذا الفصل، وازعم ان د. شبّر قد تميّز في إظهارها، ونجح في الفصل بين المتعالي المقدس، والمحايث الملتبس، مما يؤسس لإمكانية محاكمة الأصل السيئ للإرهاب كفكرة دون المساس بصميم الدين الإسلامي.

 ثالثا: الفصل بين التطبيق التاريخي والحكم المتعالي.

يفنّد في هذا السياق مُسَلّمة أساسية تستهلكها الجماعات الإرهابية المتلبسة بالإسلام، كما تستخدمها القوى الدولية في استراتيجيتها التفتيتية في المنطقة، ومهاجمو الاسلام، كلهم ـ ويا للغرابة! ـ على حد سواء، أعني بها آيات السيف.

حيث يذهب د. شبّر إلى أنه ((ليس هناك آيات سيف كما يدعون، بل آيات تبيح؛ أو تدعوا إلى قتال مشركي مكة، الذين كان المسلمون قد دخلوا معهم في حرب مضطرين تحت تهديد التصفية بالقتل، بعد أن طُردوا من ديارهم ومن بينهم الرسول (ص)))، ويشدد على أن الحروب التي خاضها المسلمون زمن الرسول كانت حروب دفاع عن النفس، لا حروب عدوان، ويستدل على هذا بالطريقة السلمية التي فتحت بها مكة لاحقا، والتي كانت خالية من روح الانتقام، ويتذكر القارئ في هذا الموضع ما سبق أن مهد له المؤلف وتناولناه في هذه السطور تحت عنوان تاريخية التطرف، حيث ينزّه المؤلف عصر الوحي من الوحشية التي تلت انقطاعه بوفاة الرسول، أي خضوع النص المتعالي إلى التفسير المحايث، وهو ما ولّد هذه الكوارث.

ويستطرد هنا ليبين ان القرآن الكريم أناط عقوبة الكفر بالله بالحساب الأخروي، ولم يتح للمسلمين ان يمارسوا هذا الدور في الحياة الدنيا كما يزعم التكفيريون، كقوله تعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ).

ويستخلص القارئ في النهاية أن محاولة هذه الجماعات المتوحشة الادعاء بأنها تطبق حكم الله، لا يعدو كونه اعتداءا على حرمات الله، وما خصّ به نفسه من إيقاع العقوبات على خلقه، وان سلوكياتها تنافي الكثير من النصوص الصريحة فضلا عن جوهر الدين، وما جاء به من أحكام سمحة همها الحياة والإنسان بالدرجة الأولى.

خاتمة

إن أي جهد لإيجاد قواعد قانونية تستند عليها المحكمة الدولية في علاج موضوع شائك عسير المسارب مثل الإرهاب لابد ان يأخذ بحسبانه العودة إلى جذر المشكلة، وتتبع الأصول الفكرية المؤسسة لها، والتي تعتمد الأفكار الإرهابية على سردياتها التاريخية، وفيما يخص الإرهاب الذي تمارسه منظمات إسلامية متطرفة فإن الأمر يتعلق بدرجة كبيرة بمراجعة النصوص الإسلامية، والفصل بينها وبين الإسلام بوصفه منظومة قيمية؛ يراد بها سعادة الانسان وحفظ حياته بالدرجة الأولى، وأن أي تفسير للمجمل الغامض من تلك النصوص لابد ان ينطلق من هذه الفكرة تحديدا، والتفسيرات المتوحشة لا تعود للإسلام، ويجب الفصل بينها وبينه، واستخدام ذات النصوص المتعالية السمحة لمحاكمة تلك التفسيرات الباطلة.

وهذا ما أجد أن الدكتور حكمت شبر جهد أن يبحثه في هذا الكتاب، وعرضه بصورة علمية رشيقة تفيد القارئ الراغب بفهم حقيقة ما يدور في المنطقة بيسر، والباحث المتعمق بالبحث عن جذور المشاكل لإيجاد حلول لها معا.

(مراجعة كتبت لتكون ضمن الكتاب التذكاري الذي سيصدر عن أ. د. حكمت شبر، أستاذ القانون الدولي في الجامعات العراقية، والأستاذ الزائر في جامعة كامبريدج)

حول النظام الرئاسي

نحن كعراقيين ماهرين بمعالجة رأس المشكلة، وتجاهل أصلها، مما يجعل حلولنا تبدو كمحاولات قطع رؤوس القصب دون اقتلاع جذوره، والتي تنتهي بنموه من جديد، وآخر هذه الحلول العبقرية التي يطالب بها العراقيين الفيسبوكيين هو النظام الرئاسي.

ولو سألت الكثيرين ممن يطالبون به، عما يميز هذا النظام عن غيره، وأن يحددوا بدقة نوع النظام في العراق لما دروا، ولما عرفوا رأس القضية من ذيلها.

1. يحسب الداعون إلى النظام الرئاسي أنه لا يضم برلمانا، وهو السبب الأساس الذي يطالب العراقيون على مواقع التواصل الاجتماعي بالنظام الرئاسي لأجله، فخلال الأعوام الماضية، تضافرت مجموعة من العوامل على تشويه صورة البرلمان كمؤسسة أصيلة في النظم الديمقراطية أمام المجتمع العراقي، وحمّلته بمفرده مسؤولية الخراب الذي ضرب البلد حتى اليوم، رغم ان المسؤولية لا تقع على البرلمان كمؤسسة، ولكن تقاسم تخريب صورته نواب قدموا له بأسس المحاصصة، وتداعيات التشظي العراقي، والخلافات المذهبية العرقية، فنقلوا مشاكلهم إلى البرلمان، وقاموا بتضخيمها، بدلا من العمل على حلها، وزاد في الطين بلة تمدد السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية المتمثلة بالبرلمان خلال ولايتي رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وعمله على رمي الكثير من الأخطاء والاخفاقات التي صدرت عنه على البرلمان، وتنصل الحكومة منها، مع أنها الاكثر سلطانا كأمر لازم للنظم السياسية في العالم النامي، أو المتخلف أو التي تمر بمراحل انتقالية، فبدا أمام العراقيين وكأن مشكلتهم تقبع في البرلمان وحسب.

2. البرلمان العراقي ما هو إلا انعكاس للمجتمع العراقي، أو ما أريد له أن يكون عليه، وخلال السنوات الماضية تعمق الشرخ الاجتماعي لدرجة كبيرة، واعضاء مجلس النواب ما هم إلا نتيجة تصويت ذات المنادين اليوم بطردهم، والسراق، السبابون، المستعرضون بالفضائيات هم نتيجة لصناديق الاقتراع، وللنظام الانتخابي الفاسد الذي جعل هيمنة ذات الوجوه على العملية دائماً.

3. طيب، عن أي نظام رئاسي يتحدث المطالبون به، هل هو النظام الرئاسي المطلق كما في الولايات المتحدة، أم هو النظام شبه الرئاسي كما طُبق في فرنسا؟ والغريب ان البعض يقارن انظمة رئاسية مثل النظام المصري أو الجزائري بالنموذجين الأولين، على ما بينهما من اختلاف واسع، فالنظم الرئاسية في الدول غير الديمقراطية أو المتدثرة بالديمقراطية ــ صندوقراطية ــ ما هي إلا تطبيق لما يطلق عليه الدارسون للسياسة اسم (الرئاسية) حيث يبدو ان النظام الحاكم رئاسي، بينما هو رئاسية، يتفرد بها الرئيس بكل الصلاحيات ويلغي دور البرلمان، مما ينفي صفة الديمقراطية بالتالي، ويجعل مقارنة النظم في العالم النامي بالنظم المتقدمة نكتة سمجة.

4. الرئيس في النظم الرئاسية عموما ورغم صلاحياته الواسعة، إلا انه يظل كما في النظم البرلمانية، مقيد الصلاحيات فيما يخص الإنفاق المالي، وإعداد الميزانية، يقترح القوانين، لكنه لا يمنحها القوة القانونية الملزمة دون موافقة البرلمان، قد يوقفها، ولكنها لا يمنحها القوة للتطبيق، ويخضع لاستجواب البرلمان، وتراجع سياساته هو ووزرائه بشكل دائم من قبل السلطة التشريعية ــ يعني البرلمان وراكم وراكم ــ.

5. الفكرة من تقسيم السلطات عموما هي تهشيم السلطة، وعدم حصرها بيد فرع واحد كإجراء يضمن عدم استبداده، لهذا ظهر التقسيم المعروف للسلطات، تشريعية، تنفيذية، قضائية، وأي مطلب بإضعاف أحداها هو مطلب ينافي الديمقراطية ونظرياتها، شئنا أم أبينا.

6. طيب، كيف سيتم اختيار الرئيس في النظام العراقي الرئاسي الذي تريدون؟ عبر الانتخابات أليس كذلك؟ ولكن وفق أي قانون انتخابي، الاغلبية المطلقة، أم النسبية، أم معادلة سانت لاغ “المخربطة” عفوا المعدلة عراقيا؟ ما يجب أن تتم ملاحظته، أن المشكلة العراقية لا تتعلق بالدرجة الأولى بشكل النظام السياسي المتبع فيه، بل بطبيعة الثقافة السياسية السائدة، والتشظي الهوياتي عموديا، والطبقي أفقيا، الرئيس المفترض سيكون جزءا من حزب، أو طائفة، ولن يكون مقبولا بالنسبة لجمهور الطائفة الأخرى أو الحزب الآخر، لأننا لا نزال في العراق يا سادة، بكل مشاكلنا السياسية والهوياتية.

7. فضلا عن ذلك كله، وبالتتابع مع النقطة السابقة، يجب ملاحظة أمر فائق الأهمية يجعله المتخصصون عادة من أهم أسباب عدم الاستقرار الحكومي والسياسي تبعا له، وهو طبيعة النظام الانتخابي، حيث ان نظام الأغلبية النسبية يقود دائما إلى عدم الاستقرار الحكومي، ويحتاج إلى دولة مؤسساتية قوية لا تهتز كثيرا بالتقلبات الحكومية الدائمة، مثل ما يحدث في إيطاليا وإسرائيل مثلا، بينما تلجأ دول أخرى إلى وضع عتبة انتخابية تسهم في تقليل الكتل القزمية في المجلس التشريعي، وتقود إلى استقرار حكومي عبر تحالف قوي، مثل ما ينص عليه القانون الانتخابي التركي مثلا، أما نظام الأغلبية المطلقة فهو ما يتبع في بريطانيا والولايات المتحدة الذي يقود بالتالي إلى الحزبية الثنائية.

8. النظام العراقي الحالي ليس نظاما برلمانيا تماما، بل نظام هجين، فيه ملمح من النظام الرئاسي برئيس يملك صلاحيات اقتراح القوانين، والاعتراض عليها، بينما هو في صلبه يحاكي النظم البرلمانية، وبطبيعته، وطبيعة الوضع العراقي فهو مجرد صيغة توفيقية بين المصالح المتصارعة، وبملاحظة فشلها فهو غير مجدٍ علميا.

9. مرة ثانية، في النظم السياسية التي تواجه مشاكل التقليدية والتخلف مثل النظام العراقي تبرز مشكلة أساسية، وهي تمدد السلطة التنفيذية على بقية السلطات، وهو ما تبيّن بدرجة واضحة خلال حكومة نوري المالكي، واستفراده بالقرار السياسي، وتأثيره على القضاء وغيره، الأمر الذي لا يزال موجودا ولكن بطريقة مختلفة، لان الدكتور العبادي لم يتسنم منصبه والعراق شبه مستقر كما كان الأمر، بل نصف العراق ضائع، والجيش والشرطة ضعيفان، وقوى الأجهزة الردعية هي أضعف من في الشارع اليوم، والمحافظات تكاد تستقل بقرارها الإداري، فعن أي دولة وأي ترقيع تريدون الحديث؟

10. ان اختزال المشكلة العراقية بهذا الموضوع ما هو إلا تسطيح لها، فالمشكلة العراقية متعددة الأبعاد، سياسية، اجتماعية، اقتصادية، عسكرية، وتواجه تحديات داخلية وخارجية، ضغوطات إقليمية ودولية، ناهيك عن صعوبة تعديل الدستور، وجمع الكلمة على ذلك.

11. اعترف اليوم، وبالاتصال مع آخر النقطة السابقة عن مدى ضلالي السابق، الذي بني على جهلي ونقص المعرفة، فعندما كنت طالبا في المرحلة الأولى عام 2005 بكلية العلوم السياسية كان أساتذتي يحدثونا عن خطأ الطريقة التي كتب بها الدستور، ويحاولون بكل ما أوتوا من تهذيب بذلك الظرف الخطر أن يبينوا لنا القنابل التي زرعت فيه، والتي ستهدد الوحدة الوطنية، وتؤذن بتفجير صراعات لا آخر لها، وخطر تضمينه نصوصا تجعل منه هرما لا يقبل النقض ولا التعديل ولا التغيير، وكنت كغيري من الزملاء مندفعين بحس وطني أو غيره، تشدنا العاطفة إلى الأمل بمستقبل واعد بعد انهيار نظام صدام حسين، وورود بشائر الديمقراطية رغم السلبيات القائمة، فضلا عن التحشيد الطائفي، واليوم تتحقق كلماتهم، لأنها كانت نتيجة لاستقراء علمي، ومواقفنا كطلبة كانت نتيجة لآراء مسبقة، ولأحكام نقاشات المقاهي التي صارت اليوم نقاشا فيسبوكياً، ولا يزال الموقف نفسه يتكرر، الأكاديميين وأهل الخبرة تم تنحيتهم عن الموضوع، ومن دخل من الأكاديميين في معمعة الأحداث اليوم في الغالب يغرد مع رغبات الجهة التي تحميه، وظلت الجماهير تهتف بمزاجها.

12. مشكلتنا ــ باختزال شديد يصل حد الاخلال ــ لا تتعلق بشكل النظام السياسي، مشكلتنا تتعلق بالمجتمع ذاته، بقيمه المؤسسة، وانعكاساتها على الدولة وما تتضمنه من أنظمة فرعية، منها النظام السياسي، نحن بحاجة إلى عقد اجتماعي بعد أن تفككت روابطنا القديمة التي ضمنت حداً أدنى من إمكانية التعايش.

 

20/ 6/ 2015

 

9/ 4/ 2003

عن أي هوية وأي شعب نتحدث؟

اقرأوا معي هذه العناوين رجاءا:

حنا بطاطو، العراق

د. ياسين البكري، بنية المجتمع العراقي جدلية السلطة والتنوع العهد الجمهوري الاول 1958ــ1963 انموذجا.

علي بدر، حارس التبغ (رواية)

د. علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، شخصية الفرد العراقي.

هذه عينة صغيرة جدا جدا، يمكن للجميع ان يحصل عليها بنسخ الكترونية أو ورقية، تبيّن كيف (كنا شعب واحد) كما يزعم البعض، هذه المرحلة الحرجة التي غطسنا في قذارتها تتطلب اعترافا بالأخطاء، تتطلب القسوة في نقد ذاتنا الجمعية، وتعرية مشكلة الهوية الوطنية المهتزة، وتداعيات هذه المعضلة، الأمر الذي انتبه له الملك المؤسس فيصل الأول رحمه الله وعمل على احتوائه بصدق، ولكن الذي جاءوا بعده، وبعد انقلاب 1958 بشكل خاص حاولوا ان يقفزوا على هذه الحقيقة وتغطيتها بالشعارات، وليس بالعمل الجاد الصادق على بناء هوية وطنية جامعة، قبل 9/ 4/ 2003 لم يكن العراقييون شعبا واحدا، قد يكونوا متعايشين، ومختلطين مع بعضهم، ولكن لم تكن هناك هوية جمعية، ولا شعور بالانتماء الوطني الى العراق كبوتقة تنصهر فيها ذواتهم العامة، دون ان تزيح ذواتهم الخاصة، انتماء الى الوطن وليس الى الايديولوجيا، دينية كانت أم قومية، وبعد هذا اليوم التعيس، انفجرت الهويات وتشضت لأن الدولة فشلت في احتوائها، بفرض نيتها الصادقة في ذلك، إذ يبدوا ان هناك من السلطات التي تعاقبت بعد 1958 من عمل على تعميق الشرخ في الوجدان الجمعي تجاه الوطن، وفي أحسن الأحوال فإن أفضل ما حدث قبل 9/ 4 ان النظم السياسية المتعاقبة منذ 58 قامت بقمع الهويات الفرعية، او بإلهائها بالأزمات، اليوم نحن بحاجة لمراجعة هويتنا الوطنية، ومحاولة لملمة شتاتها ووصله بالجهد الأول الذي بدأه فيصل الأول.

لا تأخذنكم العاطفة، وحب بلدكم، فتتجاوزون هذه الحقيقة، اعرف ان هذا كلام قاسي، ولكنه يؤلمني أنا قبل أي شخص آخر، ولكنها الحقيقة، شئت أم أبيت.

على أمل بوطن يجمعنا

الصورة لحقل لرز العنبر في الشامية، جنوب العراق، آخر ما يجمعنا على ما يبدو، نخلة، ورز لا يزرع إلا في العراق، وكلاهما مهددان بالانقراض.

في الدولة والعقيدة في العراق

كتب أحد اصدقائي على صفحته في الفيسبوك حول الركن الذي تتخذه العقيدة في الفوضى العراقية، حول العقائديين الذين يَقتلون، والذين يُقتلون، كلاهما على أساس من أطر عقائدية، تجعل من الموت في سبيل العقيدة، او القتل من أجلها غاية الحياة، حتى غدا “الموت العقائدي” بتعبيره سيد المشهد في العراق، وتسائل عما إذا كان السبب يكمن في العملية السياسية نفسها التي أخذت الطابع العقائدي، لينتهي إلى القول ــ نصا عنه ــ : ((حين تربط كل شيء بالهوية المذهبية، ليموت الجميع من أجل العقيدة والدين والمذهب والملّة؟!.

تقوم معادلة القتل العقائدي على “مجاهد” يقتل من أجل العقيدة، و”شهيد” يموت في سبيل العقيدة أيضاً .. كلاهما شرط للقتل العقائدي. )).

أنا انظر للموضوع من جانب آخر، حيث ان حساب الامر بمنظور علم الاجتماع السياسي سيكون اكثر اتساعا من الحسبة العددية الاقتصادية، وضمن هذا أدلي بوجهة نظري على عجالة شديدة:

فلنتجاوز مسألة الايمان الفردي، والتنشئة على الاعتقادات المختلفة بتفاصيلها، وسرديات كل دين وعقيدة ضمنه، مما يُستخدم في ترسيخ الوعي بالعقيدة في الفكر الفردي، وصولا إلى الوعي الجمعي، وما تطبعه الممارسات تلك في اللاوعي، مما يستعصي استئصاله، او التحرك خارجه، فهذا عنوان يطول فيه الحديث.

سوف انطلق من ملاحظة اكثر خصوصية.

ملاحظة نجد ضمن بؤرتها أن مسألة العقيدة، والذوبان فيها، والتضحية من أجلها، اعمق من مجرد التفكير بالعالم الآخر، بما تقود له الشهادة من تكريم أخروي، أنها تتعلق بدرجة أكبر بالدولة، بحاجة الانسان لهذا الكيان الجامع الذي يوفر له الامن.

الآن ما علاقة الدولة بالعقيدة؟

في حالتنا كمسلمين، الدولة تمتزج بالعقيدة الدينية، حسنا الامر ليس بدعا، إذا اردنا ان نفهم الامر بمنطق اللادينيين من العلماء، سنجد ان الدولة ابتكرت الدين، او ان الدين ابتكرها، او انهما ابتكرا نفسيهما معا، الدولة توفر التنظيم، الحماية، وما يحتاجه من قيم، واجبات وحقوق، لنصل إلى فكرة: (الامن الوطني) بعنوان ازعم انه اشمل، استقيته من رؤية قدمها استاذنا د. الرمضاني، وأسست عليها فكرة رسالتي للماجستير، من جانب آخر يغطي الدين الجانب الروحي للفرد، ويوظفه في تمكين السلطة، كان الكاهن رديف الملك، صانعه وصناعته، وتعمقت الفكرة بإسباغ صفة ابن الرب على الملك، وأخذ الدين يفسر “للمواطنين” ــ لنتسامح باستخدام مفردة “مواطنين” ــ الامور غير المفهومة، الكوارث التي عجز الملك عن صدها، والغيبيات التي لم يستطع تبيينها.

أما وقد جاءت الديانات السماوية، ولنعبر مباشرة إلى الاسلام، ففي الرأيين الرئيسين ضمنه سنجد ان النبي الذي هو رسول الله إلى عباده، وحجته عليهم، أمره من أمر الله، يمتلك بيده السلطتين التشريعية والتنفيذية، الدولة برمتها تمر عبره، يشكلها وفق الوحي، وبديهي هنا ما يعنيه هذا من امتزاج بين فكرة الدولة، والعقيدة في بوتقة من القدسية يمتزج فيها الغيبي بالمادي، المتعالي بالمحايث.

أما الخليفة، أو الإمام على سواء عند المذهبين، فهو خليفة ذلك النبي، ذي الصلاحيات غير المحدودة، إذا كان الشيعة يجعلونه معصوما عن الخطأ، فالسنة يجعلونه غير قابل للمسائلة، والامران يصبان في ذات المصب، الانسان الذي يملك الصلاحيات كلها، تمر الدولة عبره، وتتجسد فيه، عبر أطر عقائدية دينية لاهوتية.

وخلال القرون التي تطاحن المسلمون فيها على مذاهبهم وعقيدتهم، كانوا بطريقة أو بأخرى يتطاحنون على الدولة، الدولة التي تتبنى مذهبا معينا، سنية أو شيعية، عربية او غير عربية، وتبدأ بقمع الآخر المذهبي، مما يولد نكوصه إلى ذاته البديلة عن  الدولة القمعية وهي: المذهب، الامر ينطبق على ملوك بني أمية، وبني العباس، والبويهيين والسلاجقة والمغول والصفويين والعثمانيين وكل من خلق الله من عباده ممن مر بجيوشه على ارض العراق، بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال.

الان نصل إلى العراق الحديث.

حينما فطن الملك المؤسس فيصل الاول رحمه الله إلى ان العراق عبارة عن خليط غير متجانس، لا يملك مؤهلات دولة يراد لها ان تكون موحدة، حينما فطن لذلك كان يضع يده، وأيدينا على أساس المشكلة، غياب الدولة، عبر غياب ما تقوم عليه.

وطوال فترة حكمه حاول ان يُحل الدولة محل الهويات الفرعية، التي كانت على الدوام ملجأ للجماعات المنضوية تحتها بسبب سلوك النظم السياسية غير العادلة، وتمرأي الدولة عبرها، وانحسارها لصالح النظم السياسية عكس ما يجب ان يكون عليه الحال، وانتهى مشروعه صبيحة 14 تموز 1958 لندخل بعصر جديد انحسرت فيه المدنية، وتشخصت الدولة في شخص القائد.

لا انكر هنا ان عبد الكريم قاسم كان غير مصنف مذهبيا، ولكنه فتح الباب لهذا الخراب، وبعده تعمقت المسألة الطائفية، وولد نظام ما بعد 2003 مدا معاكسا لما زُرع خلال تلك السنين، وجاء ببطش مثل التغذية الراجعة لمدخلات الخراب التي سبقت، ليسبغ على نظام ما بعد 1958 حتى 2003 هوية شكلت الطائفية ركنا اساسا فيها، وليؤسس نظام ما بعد 2003 شكلا آخر من الطائفية، وإن لم يربح أي من الطرفين منه.

خلال ذلك كله، كانت الدولة عبارة عن فكرة فضفاضة، تتشكل وفقا للنظام السياسي الذي يمتلك الدبابة ومبنى الاذاعة، وكانت الهويات الفرعية القائمة على العقيدة بديلا للدولة القائمة على المواطنة، حتى الشيوعيين العراقيين الذين لم يؤمنوا بدين وتلقفوا الالحاد كفكرة مبهرة، كانوا عقائديين، كانوا يضحون في سبيل الشعب دون امل بالآخرة، هذا أكيد، ولكن أين هو هذا الشعب؟ ما هي ملامحه، كان الشيوعيين يضحون بأرواحهم من أجل فكرة متخيلة، لم تكن الدولة جزءا منها، لأن الدولة لم تكن يوما بعيدا عن العقيدة ومستقلة عنها، كانت الدولة جزءا من العقيدة، وليست اطارا يحتوي العقائد المختلفة، واستطيع ان اذهب ابعد من ذلك وأقول انهم ــ الشيوعيين العراقيين ــ لم يتخلصوا من أساسيات العقيدة التي غُرست في لا وعيهم، واستطيع ان اضرب لك الكثير من الشواهد، ولكني سأطيل أكثر مما اطلت فعلا.

ببساطة شديدة، حينما نقول “عقيدة” في العراق، يجب أن ندرك أنها كل شيء، وبفقدانها يفقد المُعْتَقِدُ كل شيء له قيمة في حياته، لأنه نشأ وليس له غير عقيدته، أما الدولة فلا وجود لها.

ولأن العقيدة الموجودة عندنا تقوم على نصوص تُمجد في الغالب الآخرة على الدنيا، مع تعمد غريب من قبل رجال الدين لعدم إبراز النصوص التي تمجد الحياة، وتحث عليها قدر ما تلح على الآخرة، والاقتصار على الاولى، وعلى إعلاء قيم التضحية، وبعض تلك النصوص يمتلك خاصية المرونة، وامكانية لي النص بما يلغي الآخر، ووجود من يبتكر من النصوص ما يبيح فصد الدم في سبيل العقيدة، دم المتماثل ذاته، فضلا عن دم الآخر، وهتك عرضه، والنتيجة ما نراه اليوم في العراق، وما دامت الدولة منحازة لهذا النوع من العقيدة، وما دمنا نحن، الذين ننحاز إلى زاوية من “العقيدة” لا تبيح الدم، ما دمنا عاجزين، أقلية، فلا حل قريب.

لعلي استطردت كثيرا ولم أقترب إلا قليلا؟

[الصورة لنصب الشهيد في بغداد، للفنان العراقي الراحل اسماعيل فتاح الترك]

 

داعش والموصل… خلفية الاحداث

كتبت هذه الورقة نهاية حزيران الفائت، وبالتأكيد فإن الكثير من الوقائع على الارض تغيرت الان، اهمها اعداد المقاتلين، فضلا عن تعقد الازمة وخروجها عن نطاق الحلول الداخلية الفردية، او مجرد التدخلات الاقليمية، والحاجة الى تسوية دولية تصلح ما فسد، ولكن على اي حال لا تزال تسلط بعض الضوء على خلفية الاحداث كما افهمها بادراكي القاصر.

ونشرها منتدى البدائل العربي، في مصر.

ورغم ان هناك المئات من الصور، والفيديوهات المؤلمة عن جرائم داعش، إلا انني لم استطع ان اضيف الى هذه التدوينة من تلك الصور البشعة شيء، رغم ان الصور المرفقة مؤلمة، تنقل لمحات عن خراب العمران، وتهديم التراث، وتشريد الانسان، الانسان الذي هو بنيان الله، وكل ما سواه غير مهم

رابط ورقة (داعش والموصل….خلفية الاحداث)

مسجد ومرقد النبي شيت "شيث" في الموصل
مسجد ومرقد النبي شيت “شيث” في الموصل
هدم مسجد ومرقد النبي يونس في الموصل، عمر البناء يناهز الالف عام
هدم مسجد ومرقد النبي يونس في الموصل، عمر البناء يناهز الالف عام
مسجد ومرقد النبي يونس قبل الهدم
مسجد ومرقد النبي يونس قبل الهدم
مسجد ومرقد النبي يونس مهدوما
مسجد ومرقد النبي يونس مهدوما
النازحون
النازحون
معاناة النازحين
معاناة النازحين
طفولة مستلبة بالهروب
طفولة مستلبة بالهروب