أرشيفات التصنيف: سياسة/دراسات

تجربة سلطنة عمان التنموية… سياسات التعمين (5) الأخيرة

تقييم عام:

لقد حققت تجربة عمان التنموية نتائج باهرة من خلال استخدامها استراتيجية طويلة الامد تؤمن بالتدرج في النمو وفي المزج الناجح بين القطاعات الاساسية في عملية التنمية.

فالتناسق الذي حققته مداخل التنمية اثمر بصورة رائعة من خلال تناسق عمل مدخل التعليم ومدخل المرأة والطفل والصحة ومدخل الحكم الصالح وتدرج التعليم اثمر بأن تبلغ نسبة التعمين في قطاع التربية والتعليم الاولي معدلات عالية جدا وذلك من خلال سياسة تعليم عالي ترفد القطاع التعليمي بالهيئات التدريسية بشكل متواصل مع توفير قطاع صحي ناشط وفعال يضمن للطلاب والمدرسين العمل بنشاط وفعالية في ظروف جيدة ومناخات صحية ترفد العملية التربوية وكل ذلك ضمن اطار حكم مركزي فاعل تسطر فيه وحدة القرار لاتخاذ اسرع اتدابير ضمن ماتحتاجه التنمية مع تقليل الحلقات الادارية الكثيرة وتهشيم البيروقراطية ومكافحة عالية للفساد الاداري.

بالاضفة الى ذلك استمرار صدور التشريعات التي تفرض نسبا من العاملين العمانيين في كل قطاع وحظر  عمل غير العمانيين في بعض القطاعات الاخرى وتقديم الدعم للمنتج الوطني بالرغم من سياسة السوق المفتوح التي تتبناها عمان وذلك من خلال تفضيل المنتجات الوطنية بالنسبة لما تحتاجه دوائر ا لدولة وحتى في القطاعات التي لا توجد فيها شركات عمانية برأسمال وطني مثل قطاع الاستثمار النفطي الذي لآلية منح الامتيازات للشركات الاجنبية فقد بلغت نسب التعيين فيه مستويات عالية ـ لا توجد ارقام رسمية محددة ـ نتيجة للتدريب والتعليم المتواصل في عمان وبالتعاون مع المؤسسات والهيئات الدولية ذات الخبرة وتتضح نسب النجاح المتحققة من خلال عرض الارقام التالية لبعض القطاعات التي تخضع لعملية التعمين.

1ـ بلغت نسبة العاملين العمانيين في قطاع الصحة عموما 66% وفي قطاع الاطباء تحديدا فإن عدد الاطباء في السلطنة بلغ سنة 2007 (2981) طبيبا وطبيبة من بينهم (813) طبيبا وطبية عمانية بنسبة (27%) وانضم اليهم خريجو الدورة الاخيرة من كلية طبجامعة السلطان قابوس فاصبح العدد (904) وبلغت نسبة التعمين في قطاع التمريض (59%).

2ـ بالنسبة الى قطاع التربية والتعليم فقد بلغت نسبة التعمين مديات عالية في قطاع التعليم الاولي ومديات اخرى ممتازة في قطاع التعليم العالي والتدريب المهني.

3ـ بلغت نسبة التعمين في القطاع المصرفي (92,1%) وفي شركات الصرافة (51،6%) بينما بلغت في شركات التحويل الخاصة المرخصة من قبل البنك العماني المركزي نسبة (61،1%).

4ـ اما القطاع الزراعي فيشكل العمانيون النسبة العظمى فيه وهو يسد كذلك نسبة (93%) من حاجة البلاد الى التمور والفاكهة و (64%) من الخضراوات.

والثروة السمكية اغلب العاملين فيها هم عمانيون مرخصون للعمل وقد تم تدريبهم في معاهد خاصة للصيد ويسد هذا القطاع الحاجة المحلية اضافة الى تصدير الآف الاطنان سنويا وكذلك الحال بالنسبة للثروة الحيوانية والموارد المائية.

5ـ تم تعمين قطاع الخياطة النسائية في جميع ولايات السلطنة بنسب تجاوزت (95%) من خلال تدريب النساء في معاهد وكليات خاصة وخارجها وفي كلية القدس بالاردن على الاخص.

6ـ تم تعمين قطاع بيع المواد الغذائية على الخصوص بنسبة (90%) من ولايات السلطنة.

بالاضافة الى كل هذه الارقام ـ جميعها ضمن احصائيات عام (2007) فقد بلغت النجاحات التي حققها برنامج سند لدعم المشاريع التي يتقدم بها الشباب مستويات عالية جداً وقد وصل الامر الى القطاع الصناعي الذي انصب اهتمام الخطط الخمسية الاولى فيه على الصناعات الصغيرة ولكن ابتداءا من الخطة الخمسية السادسة (2001/2005) شهدت تحولا متزايد نحو الصناعات التحويلية والكبيرة وتم انشاء مناطق ومجمعات صناعية ضخمة في عدد من ولايات ومدن السلطنة.

رافق ذلك كله سياسات اسكان متزنة تأخذ بعين الاهتمام مصلحة المواطن وراحته حيث ان (82%) من سكان عمان يسكنون في مساكن يملكونها وهو من الامور التي تشجع على الخدمة المتفانية للوطن.

لقد وفرت كل هذه الامور كفاءات وطنية قادرة على سد الفراغ الذي قد يتركه رحيل الكفاءات الاجنبية وكل هذا ضمن مبدأ الاعتماد على لاذاتن الذي ينتهج التعاون المتكافئ اساساً وليس لقطيعة مع الآخر وهو من اهم ماتميزت به عمان على المستوى الدولي والاقليمي منذ بداية انطلاقتها وتصفيتها للمشاكل والاضطرابات التي تهدد امنها الداخلي قبل ذلك.

واليوم تقف عمان على مفترق طرق تحدد فيه قرارها بالبدء بعملية التنمية السياسية الحقيقية والتحول الديمقراطي ومنح صلاحيات اكبر واهم لمجلس الشورى بوصفه السلطة التشريعية ورفع (الفيتو السلطاني) على اختيار اعضاءه ويمكنها النجاح في ذلك دون ان تمس بشخص السلطان او بامتيازاته وهو امر سبقتها الكويت في تحقيقه والنجاح فيه من خلال اعطائها ـ الكويت ـ دور مهم وقيادي لمجلس الامة.

ومن جانب آخر يأخذ امر تطوير النظام الاساسي وخصوصا فيما يتعلق بأمرن في غاية الاهمية الاول هو وضع السلطة التشريعية في صدارة قوى الحكم والثاني هو آلية تداول الحكم ومسألة اختيار السلطان في حالة فراغ المنصب بصورة مفاجئة وهو الامر الذي وضع القانون الاساسي خطوطا عامة له دون ان يتطرق الى تحديد آليات وتفاصيل تحدد هذا الامر. وفي الواقع فإن الاصلاح السياسي يبقى من اهم الغايات التي تسعى اليها التنمية؛ ان لم يكن اهمها على الاطلاق.

[الصورة: السلطان قابوس بن سعيد البوسعيدي، سلطان عمان منذ 1970، خريج أكاديمية سانت هيرست العسكرية البريطانية]

تجربة سلطنة عمان التنموية… سياسات التعمين (4)

القسم الرابع… علي المعموري

ثالثا: المرأة والطفل والخدمات الصحية.

تشكل هذه الثلاثية متلازمة ضرورية واكيدة في عملية التنمية فبدون المرأة التي هي نصف المجتمع لا يمكن ان تسير التنمية بصورة ايجابية وذلك لأن المرأة هي الحاضنة الاولى لبناة المستقبل كما ان هناك امورا ومهام لايمكن لغير  النساء ادائها ضمن مجتمعات اسلامية محافظة وضربت عمان مثلا يستحق التقدير في هذا المجال ولو من حيث الشكل العام لجهودها في تطوير قدرات المرأة وتعليمها تعليما يوازي مايناله الرجل وفي جميع التخصصات وكذلك على المستوى الاداري والسياسي حيث ان عمان من اوائل الدول العربية التي اعطت المرأة حق التصويت والترشيح للسلطات التشريعية وسبقت دولا خليجية تلعب الحياة البرلمانية فيها دورا كبيرا وفاعلا ـ مثل الكويت ـ حيث بدأت التجربة العمانية بالسماح للنساء بالمشاركة تمثيلا وتصويتا في انتخابات مجلس الشورى الاولى (1994) ولكن في ولايات العاصمة الست فقط. اما في انتخابات (1997) فقد سُمح بالمشاركة التامة لكل النساء وبلغت نسبة تمثيلهن حوالي (10%) على مستوى البلاد وإن ظلت مساهمتهن محدودة حيث اقتصرت على (27) امرأة من بين (736) اي بنسبة (3,66%).

الى جانب ذلك تشغل النساء اربعة مناصب وزارية (سنة 2007) هي وزارات التعليم العالي والسياحة والتنمية الاجتماعية ورئيسة الهيئة العامة للصناعات الحرفية إضافة الى مكان المرأة التقليدي ضمن مجلس الشورى وعضويتها ضمن مجلس الدولة ومجلس ادارة غرفة تجارة وصناعة عمان ومجلس رجال الاعمال الى جانب مناصب رفيعة في الجهاز الاداري للدولة والادعاء العام ومجالس ادارة بعض مؤسسات القطاع الخاص.

من جانب آخر تشكل برامج الضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية جزءا هاما من منظومة رعاية المرأة فقد تم تخصيص معاشات شهرية ضمن قانون الضمان الاجتماعي تصرف للارامل والايتام والعاجزين عن العمل والمطلقات واسر السجناء وغيرهم ممن لايوجد لديهم معيل ملزم وقادر على الانفاق عليهم وقد تم تخصيص (16) قطعة ارض عام (2005) لأسر الضمان الاجتماعي إضافة الى منح اخرى مثل منحة العيدين ومنحة تأدية فريضة الحج والمساعدات المالية الطارئة والاعفاء من رسوم الخدمات الجامعية للابناء على نفقة الدولة وغيرها من الامور بالاضافة الى ذلك بدأت برامج تطوير مهارات النساء ضمن بعض القطاعات البسيطة والواسعة الانتشار في نفس الوقت على سبيل المثال برامج تعليم الخياطة التي ادت الى ان تسيطر النساء العمانيات سيطرة شبه تامة على هذا القطاع.

وما يتعلق بالطفولة، وفي نفس السياق، فقد خطت عمان خطوات كبيرة في هذا الموضوع فأولا نظرت بعين الاهتمام مشاكل المعاقين حيث تأسست دار رعاية الاطفال التي تخدم الاطفال في سن (3ــ14) سنة اضافة الى مراكز الوفاء الاجتماعي وهي مراكز تطوعية اهلية ترتكز على تأهيل المجتمع المحلي لرعاية المعوقين ويستفيد منها اكثر من (1870) طفلا وطفلة معاقة وحققت عمان ميداليات ذهبية وبرونزية عديدة في مباريات المعاقين الدولية في عدد من دول العالم.

وايضا فقد اعيد تشكيل وتحديد اختصاصات اللجنة الوطنية لرعاية الطفولة والتي انبثقت منها لجنة متابعة تنفيذ بنود اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عمان عليها ووصلت بيوت رعاية الطفل والحضانات حتى الى المناطق الريفية.

وهناك ايضا دار رعاية الطفولة التي تخدم الايتام وايضا نظام الاسر البديلة التي تحتضن الاطفال الايتام ضمن نطاقها وتلعب دورا هاما في رعاية الطفولة.

اما قطاع الخدمات الصحية فهو  من اهم القطاعات التي حققت تطورا واسعا وملموسا في كل ميادين الرعاية الصحية. واعتمدت عمان نظام توفير الرعاية الصحية الاولية كمدخل اساس للرعاية الصحية بكافة مستوياتها وبدرجة عالية من الجودة في مختلف مناطق السلطنة  حيث توفر (49) مستشفى ـ منها (13) مستشفى مرجعي ـ تشكل نسبة (90%) من اجمالي المستشفيات في السلطنة وفق احصائيات عام (2007) وتقدم المراكز والمجمعات الصحية والعيادات الخارجية بالمستشفيات الرعاية الصحية الاولية والفاعلة والجيدة وتنتشر في كل مناطق عمان.

والمستوى الثاني تقدمه المستشفيات المرجعية في عشر مناطق صحية وهي توفر رعاية اكثر مهارة وتخصصا وفي المستوى الثالث للرعاية الصحية توجد المستشفيات التخصصية وهي مستشفيات تتخصص بتقديم رعاية صحية ذات تقنية عالية في احد المجالات الصحية خاصة. وهي تنقسم الى ثلاث مستشفيات: مستشفى خولة يتخصص بجراحة الحالات الدقيقة المتعلقة بالعظام والمخ والاعصاب والتجميل والحروق وغيرها ومستشفى النهضة لجراحات الانف والاذن والحنجرة والعيون والاسنان والامراض الجلدية ومستشفى ابن سينا للحالات العصبية والنفسية.

وفي غضون ذلك كله تحرص عمان على توفير مناخات مناسبة للانشطة الرياضية والنشطة الثقافية والعلمية والمهرجانات وتطوير الهيئلت الكشفية مما ينصب جميعه في النهاية بعملية تطوير قابليات الانسان العماني ورفع قدرته على المساهمة الفاعلة في عملية التنمية.

يتبع

[الصورة المرفقة وردت من دون ذكر اسم صاحبها في الموقع الذي استعرتها منه، وهي لمشهد من عمان]

تجربة سلطنة عمان التنموية… سياسات التعمين (3)

القسم الثالث.. علي المعموري

مدخل الديمقراطية والحكم الصالح:

في الواقع ان تجربة عمان في مسيرة التنمية تجعلنا نتسائل عما إذا كانت الديمقراطية شرطا اساسا في عملية التنمية؟.

فنظام الحكم في عمان لا يمكن بأي شكل من الاشكال ان يوصف بأنه ديمقراطي وفق المعايير الحديثة لتقييم الديمقراطية، فلا هو ملكي دستوري يملك فيه الملك ولا يحكم ولا هو بالذي يتصف بفصل السلطات فشخص السلطان هو الاسمى ومنه تنبع القرارات واليه تعود وهورمز وحدة البلاد وذاته مصونة وهو غير قابل للمسائلة او المساس ـ وهووما اشرنا اليه سابقا ـ وهو بأمر ملكي ـ أو نطق سامي ـ يسن التشريعات والقوانين ويلغي القوانين والتشريعات وهو الذي يضع المباديء الاساس التي تبنى على وفق معطياتها خطط التنمية وحتى النظام الاساسي للبلاد الذي منح السلطان هذه القداسة الدستورية لم يصدر الا سنة (1996) اي بعد (26) عام من الحكم المطلق بدون اي دستور او قانون يوضح طبيعة السلطة في عمان.

من جانب آخر فإن السلطة التشريعية التي تتمثل في الديمقراطيات الراسخة بالبرلمان والتي تكون اقوى السلطات لأن جميع مفاصل وسلطات الدولة الاخرى تكون مسؤلة امامها حتى هذه السلطة ويمثلها في عمان مجلس الشورى ليست فاعلة او تكاد؛ فمن حيث الاهمية هي تقع في المرتبة السادسة فيما يتربع السلطان على قمة الهرم ـ وهو  ترتيب ورد فيالنظام الاساسي للسلطنة ـ واعضائها يتم اختيارهم من قبل الشعب عبر ممثلين ثم يقوم السلطان بأختيار من سوف يدخل المجلس من الفائزين بالترشيح. ولكن اذا ما لاحظنا مستويات اللنجاح العمانية في المسيرة التنموية فسوف نعود الى التساؤل: هل ان الديمقراطية شرط اساس للتنمية ام لا؟ ام ان للخصوصية العمانية شأن آخر؟ شأن يندرح ضمن خصوصيات بلدان العام النامي والمجتمعات التقليدية بصورة عامة، تلك المجتمعات التي لا يمكن باي حال الانتقال بها مباشرة من حالة التخلف والركود والتقليدية الى ديمقراطية مفاجئة تدع للجميع وعلى السواء؛ المثقف المتعلم والجاهل والأمي يختارون شكل الحكم على هواهم تاركين لخلفياتهم العقائدية والمذهبية والعرقية ان تتحكم بهم وتسيرهم في عمليات التصويت واختيار الانظمة فيختار الطائفي ابن طائفته والتقليدي ابن عشيرته الى آخر هذه المصائب.

ولكن من جانب آخرف النسيج الاجتماعي العماني لا يشكل تنوعا حادا في التكوين وحتى على اختلاف الطوائف فيه فلا يوجد فروقات حادة ويكاد يكون مجمعا على شخص السلطان ولعل هذا ما وفر له ـ السلطان ـ الغطاء الكافي ليهيمن بشخصيته القوية على جميع نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية في البلاد وهو ما وفر له وحدة قرار مركزي سيطرت على التناقضات التي قد توجد في اي جهاز اداري ناشيء ضمن بلدان العالم النامي ـ مع ملاحظة ان الانتماء الى العائلة المالكة (البو سعيد) لا يعد شرطا اساسا للوصول الى المناصب العليا في السلطنة وهو ما يختلف عن الحال في بقية دول الخليج ـ هذا بالاضافة الى التجديد المستمر في الوجوه الي تمسك الادارات العليا كالوزارات وصعود قيادات شابة محل القديمة من ضمن الادارة نفسها بشكل مستمر لضمان تدفق الحيوية في عروق الدولة كل هذا جعل نسب الفساد الاداري تصل الى ادنى مستوياتها في عمان فقد صنف تقرير منظمة الشفافية للعام (2005) عمان كأول دولة عربية من حيث قلة الفساد الأداري، واحتلت المرتبة (29) على المستوى الدولي من بين (159) دولة اخرى شملها التقرير ولم تسبقها بالترتيب اي دولة عربية.

بالإضافة الى ذلك فقد منحت عمان الجائزة الكبرى للحرية الاقتصادية للعالم العربي التي يمنحها معهد فريزر الكندي ومؤسسة البحوث الدولية للعام(2005). وكذلك فإن تقرير البنك الدولي حول فعالية القانون ومؤشرات الحكم الجيد للعام (2004). وضع عمان فيمقدمة البلاد العربية وفي المرتبة (17) على المستوى الدولي من بين (127) دولة اخرى والذي صدر في (2005).

وإذا اردنا ان نقيم عمان من حيث مدى تمكنها من تطبيق مثلث الحكم الرشيد الذي يضم السلطة الواعية والقطاع الخاص المتفرد والمجتمع المدني الناشط فسنجد انها ومن حيث وجود السلطة الواعية فهي تمتلك هذه السلطة اما القطاع الخاص فقد بدأ ينشط ضمن توجه الحكومة نحو تنشيط القطاع الخاص إذ بدأت بتخصيص ـ لا يصح لغويا قول خصخصة ـ بعض  المؤسسات الخدمية التي تديرها الدولة مثل قطاعي الماء والكهرباء وتم التخطيط لأن يتولى القطاع الخاص نسبة (46%) من اجمالي استثمارت الخطة الخمسية السابعة (2006ـ2010).

وبالنسبة للمجتمع المدني المدني الناشط فلا يمكن ان تصنف عمان ضمن الدول ذات المجتمع المدني الناشط إذ لا يوجد فيها مثل هذه التنضيمات الفاعلة حقا وبالرغم من سماح قانون العمل ضمن التعديل بمرسوم سلطاني الذي صدر برقم 74/ 2006 بالرغم من سماحه بتشكيل نقابات ضمن ما يمكن ان يعتبر وجها من النشاطات اللاحكومية ضمن بنية المجتمع المدني فلا يمكن ان نجد اليوم نقابات قوية في عمان والجمعيات المدنية المسجلة رسميا لدى الحكومة والتي بلغ عددها سنة 2007 حوالي 66 جمعية ـ تشكل الجمعيات النسوية اغلبها (45 جمعية) وهو امر يستحق مزيدا من النظر ـ لا يوجد لها اي دور فاعل كمجتمع مدني ناشط يؤثر على الحكومة كما يتأثر بها.

وفي الواقع فإذا بدأنا الحديث ضمن مدخل الديمقراطية والحكم الصالح بتساؤل حول علاقة الديمقراطية بالتنمية وبينا انعدام اي ديمقراطية للنظام العماني الذي نجح في مسيرتها التنموية فإننا نعود هنا الى الاجابة عن السؤال بإقرار وجود الصلة ولكن نعيد القول بأن لعمان خصوصيتها بكونها دولة نامية من جهة وبكونها عمان من جهة اخرى؛ عمان التي تتمتع بخصوصيات تاريخية واجتماعية حتمت ان يكون نظامها على ما هو عليه.

ان الديمقراطية شرط اساس ـ ولا نقاش في ذلك ـ لتحقيق التنمية ولكن هذه الديمقراطية يجب ان لا تضخ بصورة مفاجئة في بلدان العالم النامي المتخلفة ويجب ان لا تستورد كآليات وقوالب قد لا تنتج الشكل الملائم محلياً بل يجب تطوير المناخات الديمقراطية ضمن خطوطها الرئيسة من حيث فصل السلطات واختيارها بواسطة الانتخاب مع مراعاة الخصوصيات الاجتماعية لكل بلد.

يتبع

[الصورة المرفقة وردت من دون ذكر اسم صاحبها في الموقع الذي استعرتها منه، وهي لمشهد من عمان]

تجربة سلطنة عمان التنموية… سياسات التعمين (2)

الفصل الثاني

تمهيد

في الواقع فإن مداخل التنمية تتعدد باختلاف اراء الكتاب الذين عملوا في دراسات هذا الحقل ـ كما سبق ذكره ـ ولكن على العموم هناك مداخل اساس يتفق عليها الجميع وهي تعد من اهم ضرورات عملية التنمية .

ولكي نقدم صورة ملموسة عن مدى نجاح عمان في عمليتها التنموية لابد ان نأخذ بعين الاهتمام هذه المداخل ونحن هنا سوف نتعرض الى بعض هذه المداخل الاساس اذ سوف نتناول التجربة العمانية ضمن ثلاث مداخل اساس هي :

1ـ مدخل التربية والتعليم والتعليم العالي .

2ـ مدخل الديمقراطية والحكم الصالح .

3ـ مدخل المرأة والطفل والخدمات الصحية .

وفي الواقع فإن تقديمنا لتجربة عمان التنموية وسياسات التعمين ضمن اطار هذه المداخل لايعني انها المداخل الوحيدة المناسبة لهذه التجربة. الا ان خصوصية التجربة ضمن  توجه البحث قد تستلزم هكذا نوع من التقسيم بالنسبة الى المداخل المؤدية الى دراستها.

وفي السطور القادمة سوف نبدأ باستعراض جهود عُمان ضمن هذه المداخل الثلاث واهم ما استطاعت  تحقيقه ضمن اطار التحديات التي تفرضها وسوف نحاول تقديم صورة عن مدى نجاح في كل منها ثم سيتم تقديم تقييم عام لتحديد تأثيرمدى النجاح في كل مدخل على الموضوعة الأساس وهي سياسات التعمين التي تعني قبل كل شيء تسليم الإدارات والأعمال في مختلف القطاعات والمستويات والإختصاصات الى الكفاءات الوطنية العمانية.

وهنا لابد أن نذكر أن مسيرة التنمية التي إبتدأت منذ سنة 1970 وهي سنة تولي قابوس بن سعيد الحكم في عمان قد ارتكزت منذ البدية على خطط تنموية مدروسة ضمن خطة استراتيجية طويلة المدى (1976ـ 1996) تخللتها خطط خمسية مدروسة ابتدات بالخطة الخمسية ألأولى (1976ـ 1980) ثم الستراتيجية طويلة المدى (1996ـ 2020) لتحديد المسارات والأدوات ولأهداف المراد تحقيقها اقتصاديا واجتماعيا على أمتداد المرحلة الثانية للتنمية الوطنية وقد أعتمدت ايضا اسلوب الخطط الخمسية لتحقيق اهدافها ضمن تدرج كان يراعي مدى توفر الطاقات الوطنية لتحقيق النجازات المطلوبة وقد (( وقد حققت هذه الخطة الطويلة الأمد اطارا كليا مستقرا للإقتصاد العمني ليتم تحقيقه والوصول اليه وبما يوفر معدلات نمو مستهدفة للإقتصاد العماني وتحسنامحسوبا في نصيب الفرد من الدخل القومي وذلك عبر تنويع مصادر الدخل القومي للسلطنة بزيادة مساهمات قطاعات الغاز الطبيعي والصناعة والسياحة والحد من الإعتماد الكلي على النفط مع تنمية القطاع الخاص وتنشيط سياسات التخصيص وتحقيق تنمية متطورة للموارد البشرية وجذب المزيد من الإستثمارات في اطار تنمية مستدامة تحقق مزيدا من الإندماج في الإقتصاد العالمي )) .

أولا: مدخل التربية والتعليم والتعليم العالي .

لقد أخذت عمان بالمبدأ القائل بأن الإنسان هو غاية التنمية ووسيلتها. وهو ما صرح به السلطان قابوس مرارا وتكرارا. وفي هذا الإطار عملت على ايجاد سياسة تعليمية وتربوية تضمن لها تطوير كفاءاتها الوطنية. وقد تميزت مسير التعليم العماني بالصبر حيث إنها بدأتمن الصفر لأجل اعداد كفاءات تعليمية عمانية. وفي هذا السياق قامت بتدرب الدورات المتعاقبة وتأهيله للتدريس من خلال التعاون المثمر والتنسيق بين وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والوزارات والهيئات الأخرى المعنية ؛ من اجل ان تتكامل الجهود فيما بينه اجميعا لإداد الخريجين على نحو يمكنهم من شق طريقهم في مراحل التعليم الأخرى أو الى سوق العمل وفقاَ لمتطلبات التنمية في الوقت الحاضر والمستقبل. وقد حرصت عمان من جانب آخر على تعليم من فاتهم قطار التعليم واخراجهم من ظلمات الأمية .

وفي الواقع فإن جهود تطوير التعليم وفق الناهج الحديثة المتجددة قد اصبحت سمة اساسية للتعليم في عمان. حيث انها اخذت بعين الاهتمام مسألة رفع كفاءة المعلمين من حيث تنويع اساليب تدريب الهيئة التعليمية داخليا وخارجيا بما في ذلك المشاغل التربوية وحلقات العمل والنقاش والابتعاث الى الخارج اضافة الى مشاريع اخرى اليكترونية متطورة مثل مشروع البوابة التعليمية الاليكترونية التي تظم كل عناصر المنظومة التعليمية وربطها معا بما في ذلك ديوان عام وزارة التربية والتعيم والمشروع التكاملي للانماء المهني والتدريب الاليكتروني والحقيبة المتلفزة وملف النمو المهني وهي تسهم في تطوير اداء المعلمين وتحقيق جودة التعليم وتوفير عمليات تدريب وتقييم متواصل لتطوير قدرات العاملين بما يفيد ويحقق اهداف العملية التعليمية بالاضافة الى ذلك يتم استخدام طرق تدريس حديثة واستخدام الحاسب الآلي والشبكة اللاسلكية الخاصة لربط المدارس على مستوى السلطنة لتزويدها بالمواد التعليمية اضافة الى تأسيس وحدة لإنتاج الوسائل المتعددة بوزارة التربية والتعليم.

وقد تم الغاء نظام التشعيب المتخلف الذي ورثته الدول العربية من عهد حكم اللورد كرومر لمر وحماقاته الكثيرة والذي  كان معمولا به في الصفين الحادي عشر والثاني عشر (الخامس والسادس الاعدادي) علمي/ادبي لاتحة الفرصة امام الطلاب لدراسة ما يتناسب مع ميولهم وتطلعاتهم.

وفي اطار عام يهدف الى العناية بالطلاب وتوفير اساليب تعليمية متطورة لتنمية مهاراتهم وتوجيه هذه المهارات بشكل صحيح وزيادة القدرات على التعلم الذاتي لمستحدث في عمان وكذلك نظام التقويم المستمر الذي الايعتمد على اسلوب الامتحانات فقط ولكنه يشمل كذلك المشاريع الطلابية والبحوث والاختبارات القصير والفصلية والملاحظات الصفية وغيرها.

الى جانب ذلك فقد تم تأسيس مدارس للتربية الخاصة لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة بشكل اكبر ولمعلجة صعوبات التعليم وكذلك مشروع الوفاء بمعهد عمر بن الخطاب للمكفوفين.

اما بالنسبة الى التعليم العالي فقد تأسست جامعة السلطان قابوس سنة (1986) وقد اريد لها ان (( تسيربخطى حثيثة ليس فقط لتطويروتحديث برامجها العلمية واستحداث برامج للتعليم والتدريب تخدم مختلف قطاعات المجتمع العماني وايضا لتصبح منارة فكر وصرحا متميزا للتعليم العالي قادر على اعداد الكوادر الوطنية المؤهلة وتشجيع البحث العلمي والاسهام الفعال في دراسة وانجاز خطط لتطوير المجتمع العماني وتعزيز جهوده التنموية  في  مختلف المجالات.)) وتضم جامعة قابوس سبع كليات تمنح درجات جامعية مختلفة بالاضافة الى مجموعة من المراكز البحثية وايضا توجد في عمان (14) كاية جامعية و(17) معهدا متخصصا بالاضافة الى (20) مؤسسة تعليمية تعليمية خاصة منها ثلاث جامعات اهلية وفي اطار الخطة الخمسية السابعة (2006ـ 2010) تم وضع استراتيجية للتعليم تقوم على خمس مرتكزات اساسية هي ادارة التعليم والتحاق الطلبة وتقدمهم عبر المراحل التعليمية وبناء الجودة في التعليم والبحث العلمي والتطوير وتمويل التعليم.

من جانب آخر يأخذ موضوع التدريب المهني حيزا مهما ضمن خططك التنمية فمن جانب تقوم معاهد التدريب التقني التي تشرف عليها وزارة القوى العاملة ـ وهو الامر الذي سوف نعود اليه لاحقا ـ تقوم بعملية تطوير مستمرة للتدريب التقني من خلال التعاون مع مجموعة من المنظمات العالمية مثل منظمة العمل الدولية والوكالة اليابانية للتعون الدولي والمؤسسة الهندسية البريطانية والمؤسسة الاسترالية للتدريب والمؤسسة الالمانية للتعاون الفني.

ان سياسة التطوير المستمر للتعليم مكنت عمان من امتلاك خبرات كافية تساعدها في مسعاها لتعمين الوظائف سواء في القطاع الحكومي ام في القطاع الخاص بالنسبة لحداثة التجربة التعليمية فقد تحققت طفرات هائل في التعليم فوجود هذا العدد من الكليات والمعاهد بالقياس الى المدة القصيرة التي بدأت بها التجربة يعد شيئل مذهلا وهو ما سنرى اثره على سياسة التعمين في التقييم العام.

ولكن هناك ملاحظات لابد من تسجيلها على مسيرة التعليم العماني؛ وبالاخص فيما يتعلق بالتعليم العالي.

فمسألة تعدد الجهات المشرفة على قطاعات التعليم تثير تساؤلات حول جدوى هذا التقسيم. فنحن نجد ان وزارة التعليم العالي تشرف على خمس من الكليات التخصصية وعلى كلية التربية بالرستاق وعلى شؤون البعثات ومؤسسات التعليم العالي الخاصة اضافة الى جامعة قابوس.

بينما تشرف وزارة القوى العاملة على الكلية التقنية العليا وكليات التقنية ومعاهد التدريب المهني وتشرف وزارة الصحة على المعاهد الصحية والبنك المركزي العماني يشرف على كلية الدراسات المصرفية والمالية ويتبع معهد العلوم الشرعية وزارة الاوقاف والشؤون الدينية وتتبع الاكاديمية العمانية للسياحة والضيافة وزارة السياحة.

ان هذا التشتت ـ ولانقول الفوضى ـ في تقسيم جهات الاشراف على التعليم العالي قد تؤدي فيما بعد الى مشاكل جمة واذا لم تظهر في الوقت الحاظر فما ذلك الا بسبب الاندفاعة القوية التي تسير بها عملية التنمية ككل من جهة وسيطرة جة مركزية على مفاصل الدولة ـ متمثلة بالسلطان ـ من جهة اخرى.

ففي حالة غياب جهة عليا مركزية موحدة تسيطر على رسم سياسات التعليم العالي وترسم الخطوط العامة للمسيرة التعليمية لايمكن ضمان المسيرة تعليمية متزنة بالرغم من ان التقسيم الذي اخذت به عمان يقوم على اساس ان مخرجات كل قسم يجب ان تكون متماشية من حيث تعليمها وتدريبها  مع الاحتياجات الفعلية للقطاعات المرتبطة بها وهو ما يسهل ـبحسب الادارة العمانية ـ استيعابها في دولاب العمل بعد تخرجها.

[الصورة المرفقة وردت من دون ذكر اسم صاحبها في الموقع الذي استعرتها منه، وهي لمشهد من عمان]

   تجربة سلطنة عمان التنموية… سياسات التعمين (1)

هذا التقرير كتب قبل 6 سنوات، وبقدر التقصير المعرفي الذي فيه، والأخطاء التي شابته بوصفه جهدا بسيطا لطالب في المرحلة الرابعة، فإني ـ بنفس الوقت ـ أحسب أيضا انه يلقي بعض من الضوء على تلك البقعة العجيبة لدرجة غريبة تماما عن مستنقع الشرق الأوسط (أو مستشفى الشرق الأوسط للأمراض العقلية) كما تقول صديقتي حبيبة محسن، سأنشر التقرير بحلقات دفعا للملل

علي عبد الهادي المعموري

 

اولا :النظام السياسي العماني

في الواقع ان تطبيق توصيف النظام السياسي وفق تعريفاته الاكاديمية الحديثة التي وضعها علماء السياسة واداءه لوظائفه الاربع على دول العالم النامي يعد امرا صعبا ومشكلا .

ففي نظام سياسي كالنظام العماني الذي يرتكزعلى اساس ملكية مطلقة محاطة بمظاهر دستورية ليست بالضرورة واقعية من حيث التطبيق. اذ ان عمليات النظام السياسي تكاد تكون متداخلة  مع بعضها البعض بمعنى غياب  الدور المتخصص وليس التداخل التفاعلي. وعمليات التغذية والتغذية العكسية تتم بشكل بدائي ولا تسير وفق اليات دستورية اوادارية محددة فكل شيء في الدولة ينبع من السلطان ويعود الى السلطان وفق تأطير شخصه باطار يرتكزالى مبادئ ابتكرتها وارستها الدول الاسلامية عبر تاريخها السياسي تتمحور حول (ولي الامر) وكونه يمثل السلطات الثلاث ـ بالتقسيم الحديث للسلطة ـ ووجوب طاعته والخضوع لارادته وكون ذاته مصونة. وغير قابل للمسائلة وهو امر ُشرع دستوريا في النظام الاساسي للحكم الذي صدر في نوفمبر (1996) وهو يهيمن على كل نوحي الحياة السياسية في البلاد منذ توليه الحكم عام  (1970 )ولهذا فان اي دراسة اكاديمية لاساليب النظام السياسي العماني لا يمكن ان تكون واقعية او دقيقة الا من خلال دراستها كأسلوب قائم بذاته من خلال دراسة سلوك السلطان كمؤسسة تنبع منها التشريعات وعلى عاتقها يقع تنفيذها .

وعلى العموم فالنظام السياسي العماني يتكون من البنى التالية مصنفة حسب الاهمية وفقا للنظام الاساسي للحكم في عمان :

1 ـ السلطان , متمثلا في شخص السلطان قابوس البو سعيدي .

2 ـ ديوان البلاط السلطاني .

3 ـ شؤون مكتب القصر .

4 ـ السلطة التنفيذية ؛ ويندرج تحتها :

أ  ـ رئيس الحكومة , السلطان قابوس .

ب ـ مجلس الوزراء .

ج ـ سكرتارية مجلس الوزراء .

5 ـ المجالس المتخصصة .

6 ـ مجلس الشورى. وهوالاسم الذي تفضل الدول التي تحكم على اساس ديني اسلامي ان تطلقه على البرلمان .

7 ـ المحافظات والولايات .

وعليه فإن الدراسة سوف لن تستهدف دراسة هيكلية النظام السياسي العماني او مدى تطوره واستمرار عملية التنمية السياسية فيه وفق الاساليب الحديثة وستنصب على اهمية التجربة التنموية على الجانبين الاقتصادي والاجتماعي مع التعرض للتنمية في المجال الاداري التي شهدتها السلطنة .

ثانيا :التنمية

ان دراسة التنمية تتطلب قبل كل شيء تحديد الجوانب التي بني المصطلح على اساسها , او بشكل ادق ان نحدد ما هو التخلف لنعرف التنمية. ولابد ان نذكر قبل ذلك ان دراسة التنمية حتى الستينات كانت تنصب على النمو الاجتماعي والاقتصادي وتأثيراته السياسية (وعبر ذلك تعالج الاسس الاجتماعية والاقتصادية لما كان يسمى  بالعالم الثالث) الى ان ظهر مصطلح التنمية السياسية بعد الستينات حيث اصبح البحث ينصب على هذا المعطى الاقتصادي  ـ الاجتماعي عبر دراسة عملية اكثر تعقيدا قد تكون هي الاساس وراء التطور الاجتماعي الاقتصادي وهي التنمية السياسية .

واذا عدنا الى محاولة تحديد مفهوم التخلف كي نصل الى معنى التنمية استنادا الى المقولة التي تبين ان الدول المتقدمة تؤشر الطريق للدول المتخلفة , فسنجد ان هناك اختلافا شديدا في تقديم مستوى معين من التقدم يقاس عليه التخلف .فالدول الغربية تقيس مستوى التقدم تبعا للديمقراطية والاستقرارحيث ان الديمقراطية وبصورة الديمقراطية الغربية التي تقوم على نظام تعدد الاحزاب السياسية والنظم الانتخابية والتمثيلية والاستقرارالسياسي الذي يؤدي الى انتشار التربية والتعليم بين السكان وارتفاع معدل الدخل الفردي او مستوى المعيشة. ولكن هذا الرأي يصطدم بعدد من التطبيقات المتناقضة ـ كما يرى الدكتور صادق الاسود ـ فمثلا فرنسا كنت تفتقر الى الاستقرار  السياسي في عهد الجمهورية الرابعة وتعد في نفس الوقت دولة متقدمة وغيرها من الامثلة الكثيرة .

من جانب آخر تنطلق الماركسية في تعريف التقدم والتخلف من ايديولوجية شاملة تستند الى عملية حركة المجتمع وفق مراحل على اساس الاقصاد اي من مرحلة البداوة والرعي الى الزراعة ثم الاقطاع فالراسمالية من بعدها الاشتراكية فالمشاعية. وكلم تقدمت الدولة في تسلسل حركتها التاريخية وفق هذه المراحل واقتربت من تحقيق المشاعية يقاس مدى تقدمها.

ولكن الدكتور صادق الاسود يرى ان المجتمعات البشرية لم تتكون في زمن واحد ولم تعش فتراتها التاريخية بخط متواز لذلك فإن مسيرة تطورها ليست متماثلة في جميع الاحوال فطفرت بعضها مراحل تاريخية معينة لاسباب تتعلق بمقوماتها الموضوعية وبمميزاتهاالذاتية وايضا ففي العصرالحديث تحاول بلدان العلم المتخلف تجاوز مرحلة الرأسمالية الى الاشراكية اي الانتقال من مرحلة الزراعة الى الاشتراكية بصورة مباشرة .

وفي الواقع فإن افضل رأي يمكن ان نأخذ به في هذا السياق هو رأي الدكتور صادق الاسود الذي طرحه في كتابه المهم علم الاجتماع السياسي حيث رأى ان جميع هذه الاساليب ـ هو قد اضاف في كتابه الى النظريتين السابقتين مدخلان آخران هما معيار العوامل المتعددة ومعيار المقارنة التاريخية وللمزيد من الاطلاع يمكن مراجعة كتابه ـ هو يرى ان جميع هذه الاساليب غير مرضية (( لأنها قائمة على معايير مبنية على قيم ومفاهيم غريبة على واقع هذه البلدان ـ النامية والمتخلفة ـ وعلى مسيرتها التاريخية نحو النمو والتطور .

ان دراسة الدول النامية يجب ان تنطلق من من وجهة نظرالدول النامية ذاتها وعبر المشاكل التي تواجهها مجتمعة او كلا على انفراد اذ يجب ان يؤخذ التخلف باعتباره واقع عاما وينطوي على عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية مترابطة فيما بينها ترابطا وثيقا وهذه النظرة العامة الشاملة هي التي يمكن ان تؤدي الى استنتاجات تذكر لانها تكون الحد الادنى من الاتفاق بين الباحثين من نختلف الاتجاهات والا فإن احدا لايمكن ان ينازع مثلا في ان الدولة التي لاتضمن سلامة مواطنيها وامنهم او تلك التي لاتوفر لهم ضروريات الحياة بحيث لاتقيهم من الجوع وتوفر لهم الملبس والمسكن تعتبر دولة متقدمة ))

عمان والتنمية

بالاستناد الى كل ماتقدم فإن عُمان تمتلك خصوصية في قياس مدى تقدمها فبالنسبة لمعيار الديمقراطية فإن عمان كما سبق ان ذكرنا لا تبنى النظام الديمقراطي وتدار من قبل نظام ملكي مطلق يملك السلطان فيه كل السلطات.

ولكنها من جانب آخر تتمتع باستقرار سياسي ضمن لها مسيرة تنموية ناجحة وسوف نرى فيما بعد ان خصوصية عُمان فيما يتعلق بحكمها المطلق لم تعرقل مسيرة التنمية فيها هذا ان لم تكن عاملا اساس في دفعها الى الامام محققة مستويات تعليم عالية ومستويات معيشية مرفهة لمعظم السكان.

[الصورة المرفقة وردت من دون ذكر اسم صاحبها في الموقع الذي استعرتها منه، وهي لمشهد من عمان]