أرشيفات التصنيف: سياسة/اجتماع سياسي

عكادة ⃰   العراق وعكادة صيدا… ما يبنيه الطين وما يشيده الحجر

الذي يزور صيدا في الجنوب اللبناني لابد له من أن يزور صيدا القديمة، المبنية على طراز المدن الشرقية العتيقة، أقواس وأزقة ضيقة نسميها في النجف (عكود، مفردها عكد، بالكاف الفارسية) أو كما يقول العراقيون الآخرون (درابين، مفردها دربونة) ـ وإن كان العم الاستاذ ذياب آل غلام يقول أن الدربونة هي التي تكون بمدخل ومخرج واحد، أما العكد فيكون له مدخل ومخرج ـ أقواس تعتلي الطرقات من تلك التي نسميها (سوباط)، جدران متقاربة تشعرك بألفة المكان وحميميته.

ولكن صيدا القديمة هذه مبنية بالحجر، وهو أهم ما يميزها عن البناء العراقي، الذي قامت حضارته منذ ولدت على الطين، بناء ومعيشة.

وبتقديري فإن الفرق الأساس بين الحضارات الطينية ـ لو صح التعبير ـ وغيرها هو تلك العلاقة التي لا تنفك بين الانسان والطين، فتُحوِج الطين للإنسان، والإنسان للطين، بعكس الحجر.

ومنذ لحظتها الأولى، قامت حضارة العراق على الزراعة، وارتبطت بالفراتين وطينهما، حتى غدت حياة العراقيين مترادفة مع الطين وجودا ومعيشة.

ابتنى العراقيون بيوتهم منه، فهو بارد في الصيف، حار في الشتاء، في الطين يزرعون، ومنه يستخرجون ما يغسلون به اجسادهم (طين خاوه)، ومن الطين المفخور شيدوا قصورهم وجنائنهم المعلقة ومراقدهم المقدسة، يعجنون الطين بأرواحهم، كأنهم يصلون، يحرقونه في نارهم الأزلية، ثم يرصونه على بعض، ليتركوا لنا تلك العمائر المتفردة، الممتلئة بالذكريات والقداسة، حتى تكاد تسمع صدى تضرعهم وصلواتهم تتردد بين اللبنات التي تتعانق لتشيد هذا الصروح المشبعة بالروحانية.

ولأن الطين صنو الانسان فقد احتاج ليدوم كبناء مشيد إلى الإنسان، وكل بيت أو قصر أو عمارة عظيمة مبنية من الطين تتهدم حين يهجرها الإنسان، لهذا بادت الكثير من منجزاتنا المعمارية في العراق، بسبب هجران البشر لها وتعرضها لعوامل الزمن والطبيعة، تضائلت ثم توارت رويدا منسحبة إلى عتمة الخراب مثل أم فقدت وحيدها، كأن للطين روح وللبيت قلب.

أما العمارة المشيدة من الحجر فهي تنبيك أنها لا تحتاج إلى الانسان، وأن الانسان عابر في حياتها، ولا قيمة له بقي أم هاجر، والعمارة المبنية من الحجر تبين أيضا نمط المعيشة والحضارة التي قامت على اكتافها، فحضارات بلاد الشام ولبنان منها كانت تجارية بالأغلب، واعتمدوا في أغلب معيشتهم على النقل التجاري والزراعة الديمية والأشجار المثمرة المعمرة ـ كتبت مرة عن اختلاف عادات الأكل وفق أنماط الزراعة ـ مما أفقد البُنى الحجرية ذلك الرابط الخفي الذي تشعر بيه حين تمشي في آثار الحضارات الطينية، في المشيدات الحجرية تبهرك الضخامة، ومتانة البنيان، وصموده المتطاول مع الزمن، ولكنك لا تكاد تشعر بأنه حيٌ.

ومن شدة علاقة الطين بالانسان، وطواعيته له، ولد نمط العمارة العراقي الاستثنائي الذي طالما تغنيت به ونشرت صوره، تلك السقوف التي رصفت بشغف حتى كأنها سجادة صانع فنان، ترفع نظرك إلى السقوف والقباب لتشاهد منظرا بديعا لم يحوج السكان إلى أن يطلوا الجدران بالأصباغ لتكون جميلة، لبنات تتعانق مثل المحبين لتنتج اشكالا هندسية وورد وقلوب تحوم فوق الرؤوس كأنها ملائكة تحرس أنفاس الساكنين في البيت.

هامش: كتب احدهم على جدار منسي: [أحب هذه البلاد حتى في خرابها الأخير]، أحب هذا الطين مهما كان موجعا وموحشا.

هامش آخر: أحب لبنان حبا متفردا، أمس واليوم وغدا، وحتى آخر أيامي.

⃰ العكادة: هو الاسم الذي يطلقه العراقيون على السقوف المشيدة بالطابوق أو الحجر، على رصفها وبنائها وريازتها، وهي مشتقد من العقد، من عقد الأشياء ببعضها، مثل عقد الحبال.

 

 

 

الرياضة في مخيال السياسة والدين

لا أذكر بالضبط في أي سنة فاز نادي النجف الرياضي على ضيفه نادي الزوراء، قد تكون في بداية التسعينات، كنتُ واقفا في ساحة الميدان قرب تسجيلات علي العبيدي سابقاً ـ نسيت اسمها الفعلي وظل اسم صاحبها ببالي ـ، على جهة طريق السيارات الخارجة من المدينة القديمة، فجأة انتبهت إلى مجموعة من الرجال، بحدود 200 شخص يركضون، كان الجو باردا لأنني أتذكر انهم كانوا يرتدون ستراً وقماصل جلدية، ويحملون (شمغ) بأيديهم، ويهوسون، صاروا إزائي بالضبط حينما مروا أمام جامع البهباني، وكانوا يهتفون مهنئين الإمام علي بفوز فريق النجف على فريق الزوراء، وركضوا حتى وصلوا إلى الصحن العلوي وفرقهم عناصر الأمن هناك، لا يمكن لمن لم يعاصر تلك الحقبة أن يعرف معنى هذه التظاهرة، وحجم التحدي الهائل الذي انطوت عليه بخروجها.

بعدها بسنوات، اتذكر الباصات الكبيرة التي نسمي واحدتها (منشأة) وقد اصطفت في شارع الرابطة، قرب حمام (كلة حسين/ حمام جاويد)، وكان الشباب الذين أعرفهم، والرجال بعمر أبي يصعدون لتلك الباصات المتراصفة في صف طويل باتجاه جبل الحويش، كان الصباح الشتوي الباكر يلف الشارع ببرودته، والرجال المتلفعين بملابسهم الثقيلة وشماغاتهم يدلفون تباعا إلى السيارات، وكانت السيارات قد امتلأت وبدأت بالاستعداد للتحرك مع خروجي إلى المدرسة، لم تكن هناك وفاة إمام تستدعي زيارته والتحشد في قافلة كبيرة مثل هذه ـ وهو السؤال الذي طرحه أحد الأشخاص في بغداد وهو يشاهد سيارات أهل النجف تدخل في طوابير متلاحقة لا تنتهي، عابرة منطقته البغدادية العريقة ـ كان السيارات تقل أهل النجف إلى ملعب الشعب، ليحضروا المباراة النهائية بين نادي النجف الرياضي ونادي الشرطة، يومها فاز نادي النجف بالبطولة وأخذ درعها (بطولة أم المعارك)، وبعد أن أدوا الزيارة إلى الإمامين الكاظمين، عادت القافلة إلى النجف ليلا صحبة سيارة فريق النجف، حوالي التاسعة ليلا احترق صمت المدينة، وامتلأ الهواء والطرقات والبيوت وغرف النوم وسراديب النجف المعتمة، بأصوات المنبهات، تنفجر كأنها صراخ المدافع من السيارات المحيطة بسيارة الفريق، تعلن فوز النجف، نعم النجف وليس نادي النجف الرياضي.

تلك الأيام، كانت كل مباراة مع نادي الزوراء تنتهي بشجار، وشتيمة يبدأ أولها في النجف، وينتهي آخرها في “العوجة” مارة بالقصر الجمهوري، هذا هو الواقع، كان المخيال الشعبي ببساطة يعد نادي الزوراء نادي السلطة، نادي صدام وعدي، والمباراة معه هي مباراة وجودية، معركة بين النجف وما تمثله وبين صدام وما يمثله، ببساطة شديدة كانت كل مباراة تمثل احد تمظهرات الصراع بين السلطة والمجتمع، وكان حكم المباراة يتلقى سبابا يبدأ من الأهزوجة الشهيرة: (هيه هيه هذا الحكم ناقص)، وتمتد إلى مستويات رهيبة من القدرة البلاغية الفائقة على صياغة الشتائم النابية شعرا، ومهما كانت النتيجة فإن جمهور فريق النجف كان سيعلن أن الحكم تحيّز لفريق السلطة.

وليس هذا فقط، كان صدام النجف الاجتماعي مع نظرائها في الجنوب أيضا يظهر في مثل هذه المناسبات، في إحدى المباريات مع فريق جنوبي حمل مشجعوا ذلك الفريق تابوتا من الكارتون وأخذوا يدورون به بينهم، غامزين أهل النجف بأنهم يعملون في دفن الموتى (دفّانة)، فرد عليهم النجفيون قائلين: (احنه اللي ندفن جيفتكم)، فصمتوا اتقاء شر أهل النجف.

ما حدث في ملعب نادي النجف بعد مباراة الفريق مع نادي أربيل الرياضي اليوم، وهجوم المشجعين على الملعب صارخين (هية هية هية، اربيل داعشية) هو نتيجة للشد السياسي اليومي بين بيت البارزاني والحكومة العراقية، واستفزاز مسعود المتواصل وغروره ورعونته، فضلا عن تحميل الشارع الجنوبي لمسعود جزء كبير من مسؤولية احتلال الموصل بالتعاون مع آل النجيفي، لهذا كان طبيعي جدا ومتوقع أن يحصل هذا، خصوصا أن جمهور أربيل سبق له أن مارس هذه الاستفزاز تجاه نادي النجف من قبل، نادي النجف الذي يتمتع بأكثر الجماهير شراسة وميلا إلى الصدام في العراق.

16/ 12/ 2016

اللغة والهوية (1)

الهوية من اعقد المفاهيم الشائكة ذات الابعاد المتعددة، وهي تتضمن عناصر متداخلة مع بعضها، أولها العناصر المادية التي تضمن بدورها عناصر القوة الاقتصادية والعقلية والتنظيمات المتعلقة بنظام السكن والتنظيم الاقليمي، فضلا عن الانتماءات الاجتماعية والاختلافات الأخرى المميزة.

وثاني هذه العناصر هي التاريخية التي تتضمن تاريخ الاسلاف والموروث الرمزي والرموز البشرية، آليات التنشئة الموروثة، والمعايير الاخلاقية الموروثة وتطورها وما تأثرت به خلال تطورها.

المجموعة الثالثة هي العناصر الثقافية النفسية، تضم النظام الثقافي، بما يحتويه من عقائد وايديولجيا وقيم ثقافية واشكال التعبير عنها، فضلا عن العناصر العقلية التي تنصرف إلى التقاطعات الثقافية والاتجاهات المغلقة والمعايير الجمعية والعادات الاجتماعية.
وأخيرا العناصر النفسية والاجتماعية، التي تضم أسسا اجتماعية تشمل الاسماء، المركز الاجتماعي، العمر، المهنة، الجنس، وغيرها، فضلا عن الاختلاف في مستوى الكفاءة والتقدير الناجم عن ذلك، نقلا عن: اليكس ميكشيللي، الهوية، ترجمة د. علي وطفة، (دمشق: دار الوسيم للخدمات الطباعية، 1993)، ص18ــ20.

لو قاربنا اللغة من منظور الهوية الذي ذكرناه باختصار عن اليكس ميكشيللي في البوست السابق – اضغط الهاشتاك أدناه للاطلاع – فسنجد أن اللغة تشكل خيطا رابطاً بين كل عناصر الهوية تقريبا بمستوياتها التي ذكرها ميشكيللي، سنجد اللغة حاضرة في العناصر التاريخية، وفي العناصر الثقافية القيمية فضلا عن العناصر النفسية الاجتماعية.

وإن لظهورها المتكرر هذا مستويين أيضا، الأول مستوى ذاتي فردي، والثاني مستوى جمعي.

على المستوى الفردي، يقول علماء النفس والاجتماع أن بقاء الإنسان خلال العشرة سنين أو 13 عام الأولى من عمره في مكان واحد وفي مجتمع واحد سوف تطبع لا وعيه بطريقة عميقة ستجعل عناصر ذلك المكان من تاريخ وقيم ومعايير للحياة وحتى مناخ المكان هي المشكّل الأكبر لردود فعله العاطفية، ولنضرب مثالا على ذلك، اسأل أي مغترب قديم تنطبق عليه هذه الملاحظة – ملاحظة العقد الأول من العمر – اسأله عن اللغة التي يشاهد بها أحلامه سيقول لك انها اللغة التي تعلمها من أمه لا غيرها، كذلك فإن كل من غادر بيت طفولته القديم الذي قضى فيه شطر حياته الاول والأكثر سعادة من ناحية كون الطفولة مرحلة عدم الالتزام ومرحلة انحسار الهموم الانسانية، ستجد أنه وبالرغم من بعد الزمن وطول المدة التي غادر فيها مسكنه الأول ستجده أنه لا يشاهد نفسه في أحلامه إلا في بيته القديم، وأكثر بروز للاوعي الانسان يكون في الأحلام.

وبهذه الكيفية تشغل اللغة الموقع المركزي في حياة الفرد بمعزل عن محيطه، وهي وسيلته الاولى للتعبير عن علاقته بالأشياء، عن الحب والكره، سبيله إلى الفهم وعدم الفهم، وهي لا تتشكل بمعزل عن ذات العواطف هذه، بل هي وليدتها، يتلقف الإنسان لغته من أول الكائنات التي تغمره بالحب مع اللغة وهي الأم، حتى تغدو أكثر من مجرد وسيلة للتعبير، بل تأخذ ركناً مهماً في ذاته وفي طريقة علاقته بالآخرين، تغدو اللغة انعكاسا للطريقة التي تمت تربيته بها، يقلد الطفل نبرة أبيه ولهجته وطريقة كلامه، تصير معيار التعبير عن شخصيته، عن ثقته بنفسه، عن انتصاراته وهزائمه الفردية، يعبر عن نفسه بها بطريقة ميكانيكة لا تحتاج إرهاقا في استحضار المعنى، لأن المعنى جزء من كيانه، من كينونته ومن شخصيته، وهي – اللغة – صلته بحضارته وبنظرائه في المجتمع وشركائه في الحياة، شرطه عليهم وشرطهم عليه، يفهمهم بها ويفهموه بها، وهو المستوى الثاني للغة، المستوى الجمعي للغة، الذي سأتطرق له في تدوينة أخرى.

المحكمة الدولية وقضايا الإرهاب عند د. حكمت شبر.. بين محاكمة القيم المتعالية وتفسيراتها المحايثة

مدخل

لعل من نافلة القول ما صار للإرهاب من مساحة واسعة الحضور في الحياة الإنسانية، بعد أن ضربها في صميمها بمواضع كثيرة من المعمورة، حتى صار الشغل الشاغل للدول، والباحثين، ممن يحاولون فهم أصوله ومساربه، بحثا عن آليات مكافحته وإيقاف تمدده الخطر، فضلا عن تأثيره المباشر على حياة البشر الذين يضرب أراضيهم، وتداعياته الجسيمة على الحياة والتنمية ومستقبل الجنس البشري عموما.

وما يطرحه د. حكمت شبر في كتابه (المحكمة الدولية وقضايا الإرهاب.. العراق نموذجا) ــ الصادر عن دار العارف 2011 ــ وإن كان يعد جزءا من ذلك الاهتمام البحثي الدولي بهذا الشأن، إلا إن له ما يميزه في بابه ويمنحه فرادة في غاية الأهمية.

فالكتاب وإن تناول تطور قواعد القانون الدولي وما ترتب عليها من وظائف والتزامات قانونية، وما حدث من تطور في عمل المحكمة الدولية والمعاهدات الناظمة لها والمنطوية ضمن متونها القانونية، إلا أنه لم يقف عند هذا الحد المتعلق بالنص القانوني وتطوره، متجاوزا البحث في النصوص إلى تتبع منابعها الفقهية، ساعيا إلى تأصيل قواعد تتبع أصل الجريمة الإرهابية، وتعرية التعامل المزدوج مع المصطلح الواسع الذي حرصت الدول الكبرى على المتاجرة به عبر تعويمه، وإسباغ سعة نسبية عليه جعلت منه أداة من أدوات الاستراتيجية للدول الكبرى، بدلا من أن يكون جريمة واضحة المعالم تتيح معاقبة مرتكبها، وتتبع جذورها للقضاء عليها.

و أحسب ــ في الواقع ــ أنني لن أكون موّفقا إذا حاولت قراءة ــ  أو نقل ــ وجهة نظر سليمة عن موضوعة الفقه القانوني وتطور قواعده فيما يخص القانون الدولي الواردة في الكتاب في هذه العجالة، لاسيّما انها ليست من صميم تخصصي، ولكن الأمر المميز بهذا الكتاب والذي يمنح قارئه هدية كبرى هي ارتكازه على مجموعة من الحقول البحثية العلمية التي تتيح الاستفادة من عدة مقتربات في ذات الوقت، بين القانون والسياسة والفلسفة والاقتصاد.

رغم ذلك، فمن المهم جدا الإشارة إلى مذهب الدكتور حكمت شبر في طبيعة القانون الدولي، التي تتجاوز المذاهب المجردة التي تتعامل معه بوجه نظر أيديولوجية قاسية، متأثرة بالظروف الدولية الحرجة التي نشأت ضمنها قواعد القانون الدولي، والتي خضعت بدرجة كبيرة إلى مصالح الدول الكبرى، وطبيعة صراع المصالح بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي.

الصراع الذي قاد لأن تعرقل عملية نشوء قواعد عادلة، تنصرف إلى علاج مشاكل العالم المختلفة، مما صار يشغل الرأي العالمي اليوم، كالتلوث، والتصحر، وعلاقة ذلك بالاحتباس الحراري، وهي أمور وقفت مصالح الدول الكبرى كعقبة في سبيل تغطيتها من قبل القانون الدولي ((لأن قواعده تعبر عن التنسيق بين المصالح المتناقضة وليس على الفرض القسري المدعوم بقوة الأجهزة التي نراها في القوانين الداخلية، لذا فأرى أن القانون الدولي هو قانون تنسيق بين مصالح الدول وليس قانون فرض على الدول وفي مثل هذه الظروف الموضوعية والتاريخية غير المواتية لتطوير قواعد تقدمية تخدم الإنسانية، نشأت وتطورت القواعد الخاصة بالمحاكم الجنائية الدولية، التي كانت وما زالت ضعيفة لا تلبي مصالح الشعوب في السلم والأمن والحماية من العدوان)).

وهذا الرأي يوّضح بدرجة كبيرة مدى خضوع القواعد الدولية التي يتعلق بعضها بقضايا الإرهاب لمزاج الدول الكبرى، ومدى رغبتها بالالتزام بروح النصوص القانونية، أو تفسيرها بمزاجها، والكيل بمكيالين، خصوصا اننا نتعامل مع منظومة سلوك جرمي أساسه فكري، ومحاكمته ستتطلب بطريقة أو بأخرى العودة إلى الجذور القيمية المؤسسة للإرهاب القادم من العالم الإسلامي، وبثوب يراد له أن يوصف بأنه الإسلام.

ولهذا، فإن ما أود حقا أن أركز عليه بعجالة قد تكون مخلة ــ حرصا على أن تلزم القارئ بالاستزادة من الكتاب نفسه ــ هو ما تضمنه الفصل الأول من الكتاب، الذي انصرف إلى تقديم تمييز دقيق بين الإرهاب والإسلام، وتتبع التراث القرآني والحديثي بما يتيح درء التهمة التي يحاول البعض إلصاقها بالاسلام وتحميله مسؤولية الإرهاب كاملة، بتجاهل تام لقاعدة أساسية في البحث العلمي والتفكير الفلسفي بشأن الأديان بوصفها قيما جمعية، وهو انقسام هذا العنوان الواسع ـ الدين ـ إلى نص متعالي يتضمن ـ في الحالة الإسلامية ـ القرآن الكريم الذي كان بصورة عامة مجملاً، حمّال أوجه، والنص المحايث الذي يتضمن بدوره التراث الإنساني المفسِّر للنص المحايث، وقد يكون حديثا نبويا أو اجتهادا فقهيا، أو تأويلا سياسيا اتخذ من النص المتعالي وسيلة للوصول إلى السلطة الدنيوية المتناقضة بطبيعتها مع المثالية التي ينطوي عليها النص المتعالي، وهو ما سأحاول إمساكه في كتاب د. حكمت شبّر ضمن العناوين التالية.

أولا: تاريخية التطرف، وامتداده المعاصر، بين الحكام المسلمين، والمخابرات الدولية.

يتساءل د. شبر في مقدمة الفصل المعني قائلا: (كيف تمكن أعداء الإسلام من حكومات وإرهابيين من استخدام الإسلام لترهيب مختلف الشعوب والدول في العالم؟ هذا الدين المعروف بسماحته وتكريسه المحبة والوئام بين بني البشر)، مستدلا بالآية الكريمة ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) .

وهو يعود بقارئه إلى التاريخ الإسلامي، متتبعا الطريقة البشعة التي استخدم بها حكام الدول الإسلامية المبكرة الإسلام بطريقة تنافي روحه، مشخصا مسؤولية الفقهاء الذين ((خدموا العروش)) وعملوا على لَيّ النصوص لإصدار فتاوى تمنح العروش شرعية مقدسة، وهو ما شكل استنزافا خطيرا جرّد قدسية الفكرة المتعالية، ومنحها للدولة المحايثة، الدولة التي صارت تستخدم الإسلام لتبرير بطشها، وحمايته بتابوهات ابتكرها الفقهاء، وأسسوا بها للاستبداد والإرهاب الإسلامي.

كما لا يفوته التعرض لاستخدام القوى الكبرى اليوم لذات التراث المأزوم، وعمل الولايات المتحدة على استخدام التراث الإسلامي المتطرف والنصوص المؤسسة له في حربها الباردة مع الاتحاد السوفيتي السابق، ويذكر في هذا الموضع المؤتمر الذي أقامته الولايات المتحدة بعنوان المثل العليا في الاسلام في مدينة بحمدون اللبنانية عام 1954، ودعوتها للشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء للاشتراك بالمؤتمر، ولكن الشيخ فهم اللعبة؛ وتصدى للمؤتمر ومن يقف خلفه بذكاء، وأصدر رسالته المعروفة (المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون)، التي عرّى فيها النوايا الأمريكية، وإرهابها، وكيلها بمكيالين.

وبالرغم من أن المؤلف تعرض لنماذج من رجال الدين المتطرفين في العصر الحديث، وبيّن أثرهم الضار على الإسلام واستخدامهم للنصوص بعدوانية أولدت تفسيرات تبيح القتل والمجازر القائمة على مزيج من النص المتطرف والقيم البدوية، بدعم من السعودية التي نشرت التفسير الوهابي المتطرف في العالم مستغلة الثروة التي تمتلكها، بالرغم من ذلك، فقد حرص على أن يتناول نماذج مشرقة تقف بالضد من هؤلاء، من الذي قارعوا الاستعمار، وحرصوا على فهم مقاصد الدين، وربط النصوص بروحها وفكرتها، لا بتاريخيتها، وهو ما سيتضح في الفقرة التالية.

ثانيا: تنزيه المتعالي وتحديد الغرض منه ـ روح النص ـ

يقدم المؤلف في هذا الجانب ملاحظات فائقة الأهمية، أولها الإشارة إلى أن (الأصولية الاسلامية) التي لا تعترف بأي وجود للآخر، سواء كان مسلما مختلفا معها بالمذهب، أو من دين مختلف تتحرك في فهمها هذا من أسس باطلة ولا تنتمي إلى الإسلام الحقيقي.

هذا الإلغاء الديني الذي لم يقتصر على الفرق الإسلامية المخالفة لها وحسب، وهو ما قد يجد مبررا فقهيا له في تراث مأزوم، بعكس النصوص الواضحة التي حددت كيفية التعامل مع أهل الكتاب من الديانات السماوية الأخرى بالحسنى والاحترام، وهو ما تطرق له حريصا على أن لا يفوته التأكيد على خصيصة تتعلق بالمجتمعات الشرقية، والعربية منها بوجه خاص، وهو استحالة الفصل بين ((ما هو مسيحي عما هو إسلامي في تكويننا)) مشددا على الامتزاج الشديد للعنوانين في نفوس شعوب المنطقة.

ولكي يقدم تأصيلا لمنبع هذه الفكرة، ويتتبع جذرها الذي حرّض على هذه الإقصائية؛ فإنه هنا يتلمس ما للبيئة الصحراوية القاسية من أثر أنتج هذا التفسير الإقصائي، مستحضرا نصوصا تاريخية لمن عاصر حقبة مظلمة من تأسيس الدولة السعودية الحاضرة، عبر ذكره لما كتبه أمين الريحاني، وما سبقه من مجازر وقعت في نجد والحجاز والعراق على أيديهم بعقلية الغزو والسلب البدوية، وهي القيم المحايثة التي أسبغها التفسير الوهابي المتطرف على النص المتعالي الإسلامي.

وللتدليل على هذا، يذكر مجموعة من النصوص القرآنية التي تعزز فكرته التي طرحها قائلا: ((إن الأعمال الإجرامية التي ارتكبها وما يزال يرتكبها التكفيريون لا مكان لها في الشريعة والدين الإسلامي فقد جاء هذا الدين الحنيف لإصلاح البشر ونشر الحب والتآلف بين مختلف الشعوب))، ثم يسترسل بذكر آيات كريمة تحرّم القتل، كقوله تعالى: (مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) كما يتلمس ما جاء به الدين المحمدي من تأكيد على حرية المعتقد، كقوله تعالى (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ).

وبالجملة فإن الفكرة التي جعلتها عنوانا لهذه الفقرة ظاهرة جدا في هذا الفصل، وازعم ان د. شبّر قد تميّز في إظهارها، ونجح في الفصل بين المتعالي المقدس، والمحايث الملتبس، مما يؤسس لإمكانية محاكمة الأصل السيئ للإرهاب كفكرة دون المساس بصميم الدين الإسلامي.

 ثالثا: الفصل بين التطبيق التاريخي والحكم المتعالي.

يفنّد في هذا السياق مُسَلّمة أساسية تستهلكها الجماعات الإرهابية المتلبسة بالإسلام، كما تستخدمها القوى الدولية في استراتيجيتها التفتيتية في المنطقة، ومهاجمو الاسلام، كلهم ـ ويا للغرابة! ـ على حد سواء، أعني بها آيات السيف.

حيث يذهب د. شبّر إلى أنه ((ليس هناك آيات سيف كما يدعون، بل آيات تبيح؛ أو تدعوا إلى قتال مشركي مكة، الذين كان المسلمون قد دخلوا معهم في حرب مضطرين تحت تهديد التصفية بالقتل، بعد أن طُردوا من ديارهم ومن بينهم الرسول (ص)))، ويشدد على أن الحروب التي خاضها المسلمون زمن الرسول كانت حروب دفاع عن النفس، لا حروب عدوان، ويستدل على هذا بالطريقة السلمية التي فتحت بها مكة لاحقا، والتي كانت خالية من روح الانتقام، ويتذكر القارئ في هذا الموضع ما سبق أن مهد له المؤلف وتناولناه في هذه السطور تحت عنوان تاريخية التطرف، حيث ينزّه المؤلف عصر الوحي من الوحشية التي تلت انقطاعه بوفاة الرسول، أي خضوع النص المتعالي إلى التفسير المحايث، وهو ما ولّد هذه الكوارث.

ويستطرد هنا ليبين ان القرآن الكريم أناط عقوبة الكفر بالله بالحساب الأخروي، ولم يتح للمسلمين ان يمارسوا هذا الدور في الحياة الدنيا كما يزعم التكفيريون، كقوله تعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ).

ويستخلص القارئ في النهاية أن محاولة هذه الجماعات المتوحشة الادعاء بأنها تطبق حكم الله، لا يعدو كونه اعتداءا على حرمات الله، وما خصّ به نفسه من إيقاع العقوبات على خلقه، وان سلوكياتها تنافي الكثير من النصوص الصريحة فضلا عن جوهر الدين، وما جاء به من أحكام سمحة همها الحياة والإنسان بالدرجة الأولى.

خاتمة

إن أي جهد لإيجاد قواعد قانونية تستند عليها المحكمة الدولية في علاج موضوع شائك عسير المسارب مثل الإرهاب لابد ان يأخذ بحسبانه العودة إلى جذر المشكلة، وتتبع الأصول الفكرية المؤسسة لها، والتي تعتمد الأفكار الإرهابية على سردياتها التاريخية، وفيما يخص الإرهاب الذي تمارسه منظمات إسلامية متطرفة فإن الأمر يتعلق بدرجة كبيرة بمراجعة النصوص الإسلامية، والفصل بينها وبين الإسلام بوصفه منظومة قيمية؛ يراد بها سعادة الانسان وحفظ حياته بالدرجة الأولى، وأن أي تفسير للمجمل الغامض من تلك النصوص لابد ان ينطلق من هذه الفكرة تحديدا، والتفسيرات المتوحشة لا تعود للإسلام، ويجب الفصل بينها وبينه، واستخدام ذات النصوص المتعالية السمحة لمحاكمة تلك التفسيرات الباطلة.

وهذا ما أجد أن الدكتور حكمت شبر جهد أن يبحثه في هذا الكتاب، وعرضه بصورة علمية رشيقة تفيد القارئ الراغب بفهم حقيقة ما يدور في المنطقة بيسر، والباحث المتعمق بالبحث عن جذور المشاكل لإيجاد حلول لها معا.

(مراجعة كتبت لتكون ضمن الكتاب التذكاري الذي سيصدر عن أ. د. حكمت شبر، أستاذ القانون الدولي في الجامعات العراقية، والأستاذ الزائر في جامعة كامبريدج)

عادات الأكل في العراق كمخرج للبيئة والثقافة الجمعية

 

إن المتتبع للعادات الغذائية في العراق بالمقارنة مع ما يجاوره من دول خصوصا في بلاد الشام سيجد فرقا كبيرا يستند إلى عدة أسباب بعضها بيئي والبعض الآخر يستند إلى عوامل الانثروبولوجيا الجمعية المتأثرة بالبيئة وبمواريث قيمية أخرى.

ففيما يخص البيئة، سنجد أن طبيعة ظروف الزراعة بالعراق اتسمت بالقسوة، وحاجتها إلى العمل الشاق، ففضلا عما تتطلبه العناية بالنخيل من جهد وتعذيق ومتابعة تامة، فإن نمط زراعة القمح والرز في العراق وارتباط موسم الحصاد مع الأمطار وفيضان دجلة والفرات جعلا العراقي متوترا على الدوام، وبحاجة لبذل جهد مستمر لإقامة السدود، عبر جهد عضلي كبير يحتاج بدوره لغذاء غني بالسعرات الحرارية والبروتينات، وبحاجة لدولة مركزية قوية من جانب آخر تقوم على تنظيم ما سبق.

وسّهل الحصول على ذلك النوع من الأغذية ما حازه العراق من وفرة في الثروة الحيوانية جنبا إلى جنب مع الثروة النباتية الزراعية الأخرى، فكان اللحم والخبز والتمر والدهن الحر (الدهن الحيواني الطبيعي) وجبة أساس في نظام غذاء أغلب العراقيين، لشحة تنوعها بالمحل الأول، ولم يكن للخضروات دور كبير في موائدهم، لأن زراعة الخضروات ارتبطت بدورها بقيمة ثقافية وجدت في العراق تتعلق بالمُزارع الذي يغرسها، حيث ان العراقيين لم يعتبروا الخضروات غذاء، ونظروا إلى زُرّاعها باحتقار، مما قلّص عددهم، وجعلها وجبة تكميلية لموائد الأغنياء وحسب، حيث سنجد مثلاً ان المفكر هادي العلوي يذكر ان المزارعين في الكرادة كانوا يزرعون الفجل، رغم أنهم لا يأكلوه بالضرورة، ولكنهم يفعلون ذلك لبيعه في بغداد حيث يكون أغلى من غيره من الخضروات، ويطلق عليه البغداديون (جاويش الطعام).

على عكس بلاد الشام، حيث امتاز نمط الزراعة فيها بالكثير من السهولة، فأشجار الزيتون لا تتطلب ذلك الجهد البليغ الذي يبذل في رعاية وزراعة النخيل أو القمح والرز في العراق، والحيوانات ليست كثيرة، والخضروات والفواكه متوفرة ومتنوعة، مما جعل من النظام الغذائي الشامي يتكون بالدرجة الأولى من الخضروات.

أما من الجانب الاجتماعي، فلا يمكن إغفال الميراث البدوي الحاث على الكرم والبذل، والذي يجد له الكثير من النصوص الإسلامية المعززة، والحاثة على إكرام الضيف، وإطعام الآخرين، وإن شددت على عدم الاسراف، ولكن العادة المعروفة في قراءة جزء من النص واتباعه بما يخدم الهوى غلبت في هذا الموضع، فالآية الكريمة: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً)(الانسان8) لم يُطبق منها سوى جزئها الأول بالغالب، ممتزجا مع ما عرف عن العراقيين من تطرف في السلوك لخصّه الجواهري ببيت في مقصورته يقول:

تريك العراقي في الحالتين………يسرف في شحه والندى

فكانت المبالغة بإعداد الطعام في الولائم هي الصفة السائدة، بحجة إكرام الضيف، أو إبراز سمو نفس المضيف وسماحته، حتى وإن أضر ذلك به وبموارد عيشته، فوضع العراقيون مثلا يقول: (بيع قِدرك ـ إناء الطبخ ـ واشتري قَدرك ـ المكانة والهيبة)، وحتى صار الكرم مرادفا للشجاعة، والإسراف بالموائد سبيلا للزعامة، ويمكن أن أذكر الكثير من أسماء الشيوخ الذين حازوا زعامتهم لقومهم بالموائد، وبتكويم اللحم على البواري وليس في الآنية، ويمكن ان تجد الكثير من المأثورات التي تتحدث عن أسلوب الأكل في العراق.

بقي أن أختم بملاحظة أخيرة، وهي أن العصر الحاضر قلل بدرجة كبيرة جدا من الحاجة إلى الجهد العضلي بدرجة كبيرة، ولكن العراقيون لم يغيروا عاداتهم الغذائية، رغم عدم بذلهم الجهد العضلي اللازم لحرق السعرات التي يكتسبونها من طعامهم الدسم، مما زاد من حالات السمنة، والأمراض المترتبة عليها بشكل كبير.

حول النظام الرئاسي

نحن كعراقيين ماهرين بمعالجة رأس المشكلة، وتجاهل أصلها، مما يجعل حلولنا تبدو كمحاولات قطع رؤوس القصب دون اقتلاع جذوره، والتي تنتهي بنموه من جديد، وآخر هذه الحلول العبقرية التي يطالب بها العراقيين الفيسبوكيين هو النظام الرئاسي.

ولو سألت الكثيرين ممن يطالبون به، عما يميز هذا النظام عن غيره، وأن يحددوا بدقة نوع النظام في العراق لما دروا، ولما عرفوا رأس القضية من ذيلها.

1. يحسب الداعون إلى النظام الرئاسي أنه لا يضم برلمانا، وهو السبب الأساس الذي يطالب العراقيون على مواقع التواصل الاجتماعي بالنظام الرئاسي لأجله، فخلال الأعوام الماضية، تضافرت مجموعة من العوامل على تشويه صورة البرلمان كمؤسسة أصيلة في النظم الديمقراطية أمام المجتمع العراقي، وحمّلته بمفرده مسؤولية الخراب الذي ضرب البلد حتى اليوم، رغم ان المسؤولية لا تقع على البرلمان كمؤسسة، ولكن تقاسم تخريب صورته نواب قدموا له بأسس المحاصصة، وتداعيات التشظي العراقي، والخلافات المذهبية العرقية، فنقلوا مشاكلهم إلى البرلمان، وقاموا بتضخيمها، بدلا من العمل على حلها، وزاد في الطين بلة تمدد السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية المتمثلة بالبرلمان خلال ولايتي رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وعمله على رمي الكثير من الأخطاء والاخفاقات التي صدرت عنه على البرلمان، وتنصل الحكومة منها، مع أنها الاكثر سلطانا كأمر لازم للنظم السياسية في العالم النامي، أو المتخلف أو التي تمر بمراحل انتقالية، فبدا أمام العراقيين وكأن مشكلتهم تقبع في البرلمان وحسب.

2. البرلمان العراقي ما هو إلا انعكاس للمجتمع العراقي، أو ما أريد له أن يكون عليه، وخلال السنوات الماضية تعمق الشرخ الاجتماعي لدرجة كبيرة، واعضاء مجلس النواب ما هم إلا نتيجة تصويت ذات المنادين اليوم بطردهم، والسراق، السبابون، المستعرضون بالفضائيات هم نتيجة لصناديق الاقتراع، وللنظام الانتخابي الفاسد الذي جعل هيمنة ذات الوجوه على العملية دائماً.

3. طيب، عن أي نظام رئاسي يتحدث المطالبون به، هل هو النظام الرئاسي المطلق كما في الولايات المتحدة، أم هو النظام شبه الرئاسي كما طُبق في فرنسا؟ والغريب ان البعض يقارن انظمة رئاسية مثل النظام المصري أو الجزائري بالنموذجين الأولين، على ما بينهما من اختلاف واسع، فالنظم الرئاسية في الدول غير الديمقراطية أو المتدثرة بالديمقراطية ــ صندوقراطية ــ ما هي إلا تطبيق لما يطلق عليه الدارسون للسياسة اسم (الرئاسية) حيث يبدو ان النظام الحاكم رئاسي، بينما هو رئاسية، يتفرد بها الرئيس بكل الصلاحيات ويلغي دور البرلمان، مما ينفي صفة الديمقراطية بالتالي، ويجعل مقارنة النظم في العالم النامي بالنظم المتقدمة نكتة سمجة.

4. الرئيس في النظم الرئاسية عموما ورغم صلاحياته الواسعة، إلا انه يظل كما في النظم البرلمانية، مقيد الصلاحيات فيما يخص الإنفاق المالي، وإعداد الميزانية، يقترح القوانين، لكنه لا يمنحها القوة القانونية الملزمة دون موافقة البرلمان، قد يوقفها، ولكنها لا يمنحها القوة للتطبيق، ويخضع لاستجواب البرلمان، وتراجع سياساته هو ووزرائه بشكل دائم من قبل السلطة التشريعية ــ يعني البرلمان وراكم وراكم ــ.

5. الفكرة من تقسيم السلطات عموما هي تهشيم السلطة، وعدم حصرها بيد فرع واحد كإجراء يضمن عدم استبداده، لهذا ظهر التقسيم المعروف للسلطات، تشريعية، تنفيذية، قضائية، وأي مطلب بإضعاف أحداها هو مطلب ينافي الديمقراطية ونظرياتها، شئنا أم أبينا.

6. طيب، كيف سيتم اختيار الرئيس في النظام العراقي الرئاسي الذي تريدون؟ عبر الانتخابات أليس كذلك؟ ولكن وفق أي قانون انتخابي، الاغلبية المطلقة، أم النسبية، أم معادلة سانت لاغ “المخربطة” عفوا المعدلة عراقيا؟ ما يجب أن تتم ملاحظته، أن المشكلة العراقية لا تتعلق بالدرجة الأولى بشكل النظام السياسي المتبع فيه، بل بطبيعة الثقافة السياسية السائدة، والتشظي الهوياتي عموديا، والطبقي أفقيا، الرئيس المفترض سيكون جزءا من حزب، أو طائفة، ولن يكون مقبولا بالنسبة لجمهور الطائفة الأخرى أو الحزب الآخر، لأننا لا نزال في العراق يا سادة، بكل مشاكلنا السياسية والهوياتية.

7. فضلا عن ذلك كله، وبالتتابع مع النقطة السابقة، يجب ملاحظة أمر فائق الأهمية يجعله المتخصصون عادة من أهم أسباب عدم الاستقرار الحكومي والسياسي تبعا له، وهو طبيعة النظام الانتخابي، حيث ان نظام الأغلبية النسبية يقود دائما إلى عدم الاستقرار الحكومي، ويحتاج إلى دولة مؤسساتية قوية لا تهتز كثيرا بالتقلبات الحكومية الدائمة، مثل ما يحدث في إيطاليا وإسرائيل مثلا، بينما تلجأ دول أخرى إلى وضع عتبة انتخابية تسهم في تقليل الكتل القزمية في المجلس التشريعي، وتقود إلى استقرار حكومي عبر تحالف قوي، مثل ما ينص عليه القانون الانتخابي التركي مثلا، أما نظام الأغلبية المطلقة فهو ما يتبع في بريطانيا والولايات المتحدة الذي يقود بالتالي إلى الحزبية الثنائية.

8. النظام العراقي الحالي ليس نظاما برلمانيا تماما، بل نظام هجين، فيه ملمح من النظام الرئاسي برئيس يملك صلاحيات اقتراح القوانين، والاعتراض عليها، بينما هو في صلبه يحاكي النظم البرلمانية، وبطبيعته، وطبيعة الوضع العراقي فهو مجرد صيغة توفيقية بين المصالح المتصارعة، وبملاحظة فشلها فهو غير مجدٍ علميا.

9. مرة ثانية، في النظم السياسية التي تواجه مشاكل التقليدية والتخلف مثل النظام العراقي تبرز مشكلة أساسية، وهي تمدد السلطة التنفيذية على بقية السلطات، وهو ما تبيّن بدرجة واضحة خلال حكومة نوري المالكي، واستفراده بالقرار السياسي، وتأثيره على القضاء وغيره، الأمر الذي لا يزال موجودا ولكن بطريقة مختلفة، لان الدكتور العبادي لم يتسنم منصبه والعراق شبه مستقر كما كان الأمر، بل نصف العراق ضائع، والجيش والشرطة ضعيفان، وقوى الأجهزة الردعية هي أضعف من في الشارع اليوم، والمحافظات تكاد تستقل بقرارها الإداري، فعن أي دولة وأي ترقيع تريدون الحديث؟

10. ان اختزال المشكلة العراقية بهذا الموضوع ما هو إلا تسطيح لها، فالمشكلة العراقية متعددة الأبعاد، سياسية، اجتماعية، اقتصادية، عسكرية، وتواجه تحديات داخلية وخارجية، ضغوطات إقليمية ودولية، ناهيك عن صعوبة تعديل الدستور، وجمع الكلمة على ذلك.

11. اعترف اليوم، وبالاتصال مع آخر النقطة السابقة عن مدى ضلالي السابق، الذي بني على جهلي ونقص المعرفة، فعندما كنت طالبا في المرحلة الأولى عام 2005 بكلية العلوم السياسية كان أساتذتي يحدثونا عن خطأ الطريقة التي كتب بها الدستور، ويحاولون بكل ما أوتوا من تهذيب بذلك الظرف الخطر أن يبينوا لنا القنابل التي زرعت فيه، والتي ستهدد الوحدة الوطنية، وتؤذن بتفجير صراعات لا آخر لها، وخطر تضمينه نصوصا تجعل منه هرما لا يقبل النقض ولا التعديل ولا التغيير، وكنت كغيري من الزملاء مندفعين بحس وطني أو غيره، تشدنا العاطفة إلى الأمل بمستقبل واعد بعد انهيار نظام صدام حسين، وورود بشائر الديمقراطية رغم السلبيات القائمة، فضلا عن التحشيد الطائفي، واليوم تتحقق كلماتهم، لأنها كانت نتيجة لاستقراء علمي، ومواقفنا كطلبة كانت نتيجة لآراء مسبقة، ولأحكام نقاشات المقاهي التي صارت اليوم نقاشا فيسبوكياً، ولا يزال الموقف نفسه يتكرر، الأكاديميين وأهل الخبرة تم تنحيتهم عن الموضوع، ومن دخل من الأكاديميين في معمعة الأحداث اليوم في الغالب يغرد مع رغبات الجهة التي تحميه، وظلت الجماهير تهتف بمزاجها.

12. مشكلتنا ــ باختزال شديد يصل حد الاخلال ــ لا تتعلق بشكل النظام السياسي، مشكلتنا تتعلق بالمجتمع ذاته، بقيمه المؤسسة، وانعكاساتها على الدولة وما تتضمنه من أنظمة فرعية، منها النظام السياسي، نحن بحاجة إلى عقد اجتماعي بعد أن تفككت روابطنا القديمة التي ضمنت حداً أدنى من إمكانية التعايش.

 

20/ 6/ 2015

 

النزاهة في العراق الجمهوري

ملاحظات أولية حول النزاهة، بين السلوك الشخصي والالتزام بالقانون

السؤال الأساس الذي أود طرحه في هذا الموضع هو: هل إن النزاهة المطلوبة من الحاكمين هي منقبة وسلوك شخصي وحسب؟

أم أنها يجب ان تكون سلوكا قانونيا لمن نهض بأعباء الرياسة وتبعات المنصب؟

ان تفحص طبيعة سلوك رجال الحكم في العراق الجمهوري، وطبيعة النظام السياسي، وجره للدولة وراءه بكل سلبياته أو إيجابياته، سيبين ان الطابع الشخصي كان هو الأساس في السلوك الإداري والسياسي، بعيدا عن الالتزام بالقوانين.

ولعل أول ما يتمسك به محبي وأنصار عبد الكريم قاسم هو نزاهته، وخروجه من الدنيا بدون تركة مالية أو عقارية.

كما ان هناك من يلاحظ أن النزاهة تلك كانت سمة ظاهرة ــ أيضا ــ على أغلب القابضين على السلطة في العراق، حتى وصول صدام حسين إلى المنصب الأول في الحكم، وفي حقيقة الحال لا يمكن نكران ما ذكره الفريق الأول أو الفريق الثاني.

ولتفحص ما أذهب له، من المهم العودة إلى العصر الملكي، حيث سنلاحظ ان ما يفتخر به الشيوعيون، والمعجبين بقاسم من غير الشيوعيين، من نزاهته لم يكن بالأمر الغريب عن رجالات العهد الملكي، الذين تربى قاسم على قيمهم، ونشأ في مؤسساتهم.

ولكن المميز الأساس بين العهد الملكي والعهد الجمهوري ان النزاهة في العهد الأول لم تكن مجرد صفة شخصية نابعة من البيئة والتربية، بل كانت ــ من جانب آخر أكثر أهمية ــ انعكاس لصورة الالتزام بالقانون وتعليمات الدولة.

فكل إنفاق، أو نشاط، أو خطة عمل كانت تتم بقانون، ولست أزعم هنا ان البرلمان في العهد الملكي كان برلمان ملائكة، أو انه نابع من انتخابات حقيقية، فطبيعة الصراع السياسي، وصيرورة بناء دولة حديثة في العراق في ظل الاستقطابات الآيديولوجية التي بدأت تغزو المنطقة بعد بدء الحرب الباردة خصوصا، فرضت أن تتضمن السياسات الحكومية الكثير من التلاعب في الانتخابات، الأمر الذي تطرق له د. نزار توفيق الحسو في كتابه (الصراع على السلطة في العصر الملكي)، وناقش حنا بطاطو جذوره في كتابه المهم (العراق).

ولكن رغم ذلك، فقد كانت للقانون حرمته، وكان القضاء مستقلا، والقضاة لا يساومون، ولا يجاملون، ولا يخضعون لرأي سياسي، ويمكن هنا مراجعة كتاب القاضي فتحي الجواري (سدنة العدالة اعلام القضاء في العراق).

ولكن ما تغير في طبيعة نزاهة الحاكمين في العهد الجمهوري أن العسكر لم يحترموا القوانين يوما رغم نزاهة أغلبهم، وأولهم عبد الكريم قاسم، وأن سلوكهم النزيه كان مجرد طبيعة شخصية نشئوا عليها، ولم يكن انعكاسا لالتزامهم بالقوانين، وبطبيعة الدولة وروحها القائمة على القانون بالأساس.

ففي عهد عبد الكريم قاسم بدأ تدخل السلطة السياسية والفرع التنفيذي بشكل أدق ـــ بعد ان انتهى دور البرلمان نهائيا ــــ في عمل القضاء، وحدث الصدام الأول بين عبد الكريم قاسم وقضاة محكمة التمييز العراقية، وإن لم يتطور كثيرا لأن قاسم كان أكثر نزاهة وأجنح إلى التنظيم وعدم تكسير الأيدي من الذين قبضوا على السلطة من بعده، حيث تناما التدخل إلى ذروته بعد صدور قرار مجلس قيادة الثورة ــ أبان رئاسة احمد حسن البكر للجمهورية ـــ بجعل الأشراف على القضاء من صلاحيات وزير العدل، مما سبب احتجاج قضاة محكمة التمييز، واصطدامهم بوزير العدل ــ للأسف كان الدكتور منذر الشاوي ـــ.

إن طريقة التعامل مع القضاء، والنزاهة التي لم تكن تعبيرا عن التزام بقانون أكثر من كونها خيار شخصي، يبين حجم الفارق بين أنظمة العراق الجمهوري، والعهد الملكي، ويدلل على ان الأخير كان عهد دولة، وإن شابته من الأخطاء ما يشمل أي نظام إنساني آخر، بينما كان العراق الجمهوري عهد حكام شخصنوا النظام في ذواتهم، وليس دولة بما تعنيه الدولة من تجرد.

ولأسأل، كم هو عدد الذين أعدموا لأجل موقفهم السياسي في العهد الملكي؟ باستثناء فهد ورفاقه بطبيعة الحال.

وحتى إعدام سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في خضم تيار الحرب الباردة الجارف، لم يتم برغبة مزاجية، أو بإيعاز من نوري السعيد أو عبد الإله، بل كان بمحاكمة، وبقانون، عكس الفوضى الدموية والمحاكمات الفورية التي برعت بها تيارات العهد الجمهوري، ابتداءا من الشيوعيين وانتهاءا بالبعثيين، محاكم شارع، يقوم متأدلج حزبي نصف متعلم، متسلح بالبندقية لا بالقانون، تنتهي بإصدار حكم سياسي ينفذ بالاعدام ولا شيء سواه.

ثم هزل الأمر للدرجة التي صار القانون مضغة في فم صدام حسين، والذين عاصروه يتذكرون جملته الشهيرة التي كان يعقب بها على طلبات مواطني المناطق التي يزورها، ملتفتا إلى مرافقه صباح ميرزا، بعد أن قرر منح المواطنين مكرمة إعطاءهم جزءا من حقوقهم قائلا: (صباح سويلهم قانون).

إن الدول لا تقوم إلا بالقوانين، والسجايا الشخصية تذهب مع أصحابها، نعم هي جزء لابد من غرسه وتنميته في عملية التنشئة، لأن الدولة في النهاية نظام شامل، يتكون من مزيج من النظم الفرعية، بينها النظام القانوني، والنظام الاجتماعي، الذي يضم الثقافة، والتي تندرج النزاهة ضمن إطارها بالتالي.

ولعلي لست مبالغا إذا قلت أن أول ما خرّب الدولة في هذا البلد كان الزعماء الملهمين، النزيهين، غير الملتزمين بالقانون.

[للاستزادة حول دور محكمة التمييز، من المناسب الاطلاع على هذا المقال: القضاء العراقي سابقاً وحاضراً من منذر الشاوي إلى مدحت المحمود]

 

عن (السن) العراقي الذي كُسِر

يوجد في النجف مصطلح يعبر عن تفصيل معماري خاص بالنجف من دون كل مدائن هذه الأرض، وهو (السن).

ففي النجف وحدها ستسمع عن (السرداب السن) و(البئر السن) و(البالوعة السن ـ مُكرم السامع ــ).

وهذا المصطلح يرتبط بالتكوين الجيولوجي لأرض النجف، التي تتكون من طبقات متعددة من الرمال الدقيقة والخشنة والتراب والصخور وغيرها، حتى تصير ــ بعد ان تحفر ما يقارب العشرين مترا ــ إلى طبقة صخرية غاية في الصلابة سمكها حوالي (10سم)، ويطلق عليها النجفيون اسم (السن).

ويشكل هذا السن ما يشبه الإناء تحت النجف القديمة، يعزل ما فوقه عما تحته، طبقة صلدة غير مسامية، وهنا يأتي دول التفصيل المعماري المعني، فالسرداب السن يقع تحت سردابين فوق بعضهما ويتميز ببرودته صيفا، وحرارته شتاءا، مع وجود بئر المياه، الذي يتصل بآبار الدور المجاورة، مكونا شبكة معقدة من الأنفاق، شكلت لزمن طويل متاريس عصية على من يريد حكم النجف من غير أهلها.

أما البئر السن فهي بئر حفرت جوفها حتى وصل الحفار إلى طبقة السن تلك، فكسرها بقلم من الحديد الصلب، محطما ذلك الإناء، مانحا البئر عمرا لا يفنى ومياه لا تنضب بعدها، كما أن مخزن الفضلات لن يمتلئ أبدا، لأن سنه مكسور، فهو يُنفذ ما يُصب في جوفه إلى التربة تحت طبقة السن، لن يمتلئ أبدا، كما لن يلتئم جرح السن المكسور على الإطلاق.

(رباط السالفة….)

كنت قبل سنوات أحدث أصدقائي عن العراقيين الذين يخرجون في المظاهرات طاعة لشخصية دينية تعمل في السياسة، متحملين لسع الشمس، واعتصار البرد لوجوههم المنهكة، مُقدمين على الموت في سبيل الدفاع عن حرمة قائد سياسي يرون أنها مست، كنت أقول ان هؤلاء يفعلون ما يفعلون لأنهم لا يملكون ما يخسرونه، لا يملكون بيتا، ولا عملا ثابتا، لا يملكون مستقبلا على الاطلاق، وإن كبح جماحهم يتطلب موردا اقتصاديا ثابتا يؤذيهم تعثره، ويؤرقهم ضموره إذا ما خرجوا لأمر مما ذُكر، إذا كان لديهم بيتا يحرصون على سلامته، وسلامة من فيه، فلن يكونوا سهلي القياد، وسيفكرون ألف مرة قبل ان يخالفوا القانون، ويعاندوا الدولة.

هذه المعادلة كنت مقتنعا بجدواها قبل خمس سنوات تقريبا، اليوم اختلف الوضع.

لأن ذلك الذي لا يملك ما يخسره صار اليوم فردا في مؤسسات غير رسمية، تطرح نفسها بديلا للدولة، مؤسسات تمنحه موردا اقتصاديا عبر استخدامه للسلاح، تمنحه سلطة، تربط الموارد التي بدأت تتدفق إلى جيبه باستمرار وجودها، ولن يكون تفكيكها سهلا بملاحظة الدور الذي صارت تلعبه في الجانب العسكري، وبملاحظة انها صارت تؤسس لنفسها رويدا كمكافئ للدولة فيما يخص إيقاع العنف الشرعي.

بعبارة أخرى، انكسر السن، بعد أن مهد صاحب الفخامة والولايات المتحدة، والدول الإقليمية، كافة للحفار بإزالة تلك الطبقات الكثيفة من الموانع الحامية للسن العراقي، فكسر تماما، خصوصا بعد الضربة القوية التي وجهتها داعش لما تبقى من صلابة ذلك (السن)، الذي لا زلت آمل أن لا يكون كالسن الصخري في النجف في عصيانه على الالتئام

20/ 4/ 2015

9/ 4/ 2003

عن أي هوية وأي شعب نتحدث؟

اقرأوا معي هذه العناوين رجاءا:

حنا بطاطو، العراق

د. ياسين البكري، بنية المجتمع العراقي جدلية السلطة والتنوع العهد الجمهوري الاول 1958ــ1963 انموذجا.

علي بدر، حارس التبغ (رواية)

د. علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، شخصية الفرد العراقي.

هذه عينة صغيرة جدا جدا، يمكن للجميع ان يحصل عليها بنسخ الكترونية أو ورقية، تبيّن كيف (كنا شعب واحد) كما يزعم البعض، هذه المرحلة الحرجة التي غطسنا في قذارتها تتطلب اعترافا بالأخطاء، تتطلب القسوة في نقد ذاتنا الجمعية، وتعرية مشكلة الهوية الوطنية المهتزة، وتداعيات هذه المعضلة، الأمر الذي انتبه له الملك المؤسس فيصل الأول رحمه الله وعمل على احتوائه بصدق، ولكن الذي جاءوا بعده، وبعد انقلاب 1958 بشكل خاص حاولوا ان يقفزوا على هذه الحقيقة وتغطيتها بالشعارات، وليس بالعمل الجاد الصادق على بناء هوية وطنية جامعة، قبل 9/ 4/ 2003 لم يكن العراقييون شعبا واحدا، قد يكونوا متعايشين، ومختلطين مع بعضهم، ولكن لم تكن هناك هوية جمعية، ولا شعور بالانتماء الوطني الى العراق كبوتقة تنصهر فيها ذواتهم العامة، دون ان تزيح ذواتهم الخاصة، انتماء الى الوطن وليس الى الايديولوجيا، دينية كانت أم قومية، وبعد هذا اليوم التعيس، انفجرت الهويات وتشضت لأن الدولة فشلت في احتوائها، بفرض نيتها الصادقة في ذلك، إذ يبدوا ان هناك من السلطات التي تعاقبت بعد 1958 من عمل على تعميق الشرخ في الوجدان الجمعي تجاه الوطن، وفي أحسن الأحوال فإن أفضل ما حدث قبل 9/ 4 ان النظم السياسية المتعاقبة منذ 58 قامت بقمع الهويات الفرعية، او بإلهائها بالأزمات، اليوم نحن بحاجة لمراجعة هويتنا الوطنية، ومحاولة لملمة شتاتها ووصله بالجهد الأول الذي بدأه فيصل الأول.

لا تأخذنكم العاطفة، وحب بلدكم، فتتجاوزون هذه الحقيقة، اعرف ان هذا كلام قاسي، ولكنه يؤلمني أنا قبل أي شخص آخر، ولكنها الحقيقة، شئت أم أبيت.

على أمل بوطن يجمعنا

الصورة لحقل لرز العنبر في الشامية، جنوب العراق، آخر ما يجمعنا على ما يبدو، نخلة، ورز لا يزرع إلا في العراق، وكلاهما مهددان بالانقراض.

التاريخ وخطورة تلفزته

ربما يكون تحويل الأحداث التاريخية إلى مادة سينمائية او تلفزيونية ــ والدينية منها بالخصوص ــ من أكثر الأمور خطورة.

فالتاريخ بحد ذاته أمر غير متفق عليه، ولعلكم تتذكرون العبارة الشهيرة (التاريخ يكتبه المنتصرون)، أو ما قيل من ان التاريخ ما هو إلا وجهات نظر، تكتب في ظروف معينة، وتخضع لضغوطها الزمنية بدرجة كبيرة، الأمر الذي اختزله مصطفى جمال الدين بالقول مخاطبا بغداد:

وحذار أن تثقي برأي مؤرخ……….للسيف لا لضميره ما يسطر

أما إذا كنا بمواجهة وقائع مقدسة، يتخذ منها الجمهور سواتر، ويعتمدها كنقاط تماس مع الآخر، تعتمد علاقته بالمختلف عليها، ففي هذه الحالة فإن الأمر سيغدو أكثر خطورة.

وتأخذ هذه المشكلة بعدا أكثر حساسية في مجتمع مصاب بعوَز معرفي، ويتلقف دينه من الفضائيات، والشيوخ ذوي المهارة الكلامية، مجتمع يأخذ ما يخبره له مسلسل (يوسف) أو (المختار)، أو (هارون الرشيد)، او (سليمان القانوني) أخذ المسلمات، لا يناقش فيها، ولا يسمح بالنقاش، وكل هذه المسلسلات تخضع لرؤية سياسية، وتستند إلى وقائع تاريخية تم اختيارها بعناية، لتؤدي هدفا معيناً.

فضلا عن ذلك، فإن نقص الوقائع التفصيلية، والأحداث التي يتطلبها العمل الدرامي، وتحتاجها القصة الأدبية لكي تكون مؤثرة، وتحدث الفعل المطلوب، هذا النقص سيتطلب ابتكار أحداث، وتخيّل وقائع، في سياق تاريخ مقدس، الأمر الذي لن يكون سوى تزويرا في النهاية، وتزداد قباحته ضمن المجتمع المتلقف لكل ما يشاهد كما سبق القول.

وفي الواقع، فالمشكلة ليست وليدة اليوم، ويمكن لك ان تجدها ــ مثلا ــ في الأعمال الأدبية التي اتخذت من التاريخ ثيمة روائية لها، فروايات جرجي زيدان عن التاريخ الاسلامي، التي احوجته متطلبات الرواية إلى حشوها بالاشخاص المتخيلين، الذين لعبوا ـ في تلك الروايات ــ دورا في التاريخ الإسلامي بالغ الخطورة، وهم في واقع الحال لم يوجدوا إلا في خيال جرجي زيدان وحسب، الأمر الذي صُدمت به بعد أن كُلفت شغفا برواياته في يفاعتي، لأكتشف لاحقا انها عبارة عن تدليس تاريخي كبير لا أكثر.

ومشكلة النصوص التاريخية؛ وضرورة نقلها بأمانة وحياد واجهها المرحوم مصطفى العقاد وهو يعد لفيلم الرسالة، فالقصة مقدسة، والوقائع محسوبة، ودقيقة، ولا يمكن له أن يأتي بحدث يفيد تصاعد السياق الدرامي من جيبه، فضلا عن حساسيتها، وضرورة أن تكون مرضية لجميع وجهات نظر الفرق الإسلامية، الأمر الذي نجح فيه ــ رحمه الله ــ إلى حد بعيد، حتى انه ذكر ان انتوني كوين وهو يقرأ السيناريو طلب ان يتم تغيير بعض الوقائع، لتكون أكثر درامية، فقال له لا يمكن مستحيل، وهدد كوين بالانسحاب، فقال له انسحب، ليتراجع الرجل ويؤدي الدور إزاء هذا الإصرار.

ثم عاد وأقر بأن الأمر اختلف في فيلم عمر المختار، حيث امتلك مساحة لإيجاد نسق درامي قصصي قد لا يتفق مع الحدث التاريخي تماما، متذرعا بأن قداسة الموضوع في فيلم الرسالة تطلبت تنحية الثيمة الدرامية، الأمر الذي اختلف في قصة عمر المختار، بوصفها نصا غير مقدس.

أما اليوم، حقيقة لا أجد في أي انتاج تاريخي ديني نزاهة العقاد، كل الاعمال التي تنتج في العالم الإسلامي العربي والغير عربي منه، كلها تنطوي على رسالة سياسية، وتضم وقائع غير حقيقية ــ بكثرة مؤذية ــ لغرض حشو السياق الزمني بالأحداث، على حساب الحقيقة، والتاريخ والصدق، ولا تفعل شيئا سوى صب المزيد من الزيت على نار التوتر الذي يهز المسلمين، وتزيد تموضعهم، وتعمق الخنادق بينهم.

إن هذه الأعمال التاريخية التي تتناول التاريخ الديني، او شبه الديني أعمال توازي بخطورتها المشاكل التنموية التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية، وهي كلها تسهم في ضعضعة المنظومة الفكرية التي تستند لها الدولة ــ المهترأة أصلا ــ فالخطأ المعرفي يعمق الجهل، والجهل ينطوي بذاته وكينونته على كل الأسباب الموجبة لانهيار الدول، ومجتمعاتها المؤسسة معها.