أرشيفات التصنيف: رحلات

من أيام روما

شعرت بألفة مع روما، ألفة لم أعهدها مع مدن أخرى زرتها، ألفت بعضها، ولكن ليس كألفتي لهذه المدينة.

لماذا يألف النجفي روما العتيقة؟ أهو ذاك الرابط الديني الذي يجمع المدينتين؟ تموضعهما كمركز ديني روحي تهفو له ملايين النفوس وتنتظر من كبيره القول والفصل في شأن خلاصهم؟ تمحورها حول قبر أمام وقديس، يحرسان الدار وأهلها؟

لعل ذاك ما جعلني آلف المدينة بطريقة مختلفة عما فعلت مع غيرها من المدن التي زرتها شرقا وغربا، وجعلني أضرب فيها ماشيا خلال شهرين ونصف الشهر ـ زمن مكثي في المدينة العريقة ـ فجلتها زقاقا تلو زقاق، وأثرا فأثر، عيني معلقة تلمس جمال البنايات، وحسن الطرقات ومن يسير فيها.

بعض من وقتي في المدينة، البحث عن الدخان..

خلال اقامتي في روما، اعتدت الذهاب كل نهاية اسبوع ـ عقب تجوالي الطويل ـ إلى مطعم لبناني، آكل ما تيسر، واشرب نارجيلتي، سيمون، النادل الحمصي، وشاب قبطي آخر من مصر نسيت نسمه، يتناوبان على تلبية تقلبات مزاجي، وولعي بهذا الدخان، ويجاذباني أطراف الحديث بود، ومحبة، اسم المطعم كان (ماندلون) يقع قرب حدائق فيلا بورغيزي المبهرة الجمال ـ لي عودة معها ـ وإذا كنت قد نزلت في المحطة الرئيسة في (تيرمني) وقررت المشي نحوه، فهناك طرق عديدة تصل عبرها، وكلها جميلة تستدعي منك الوقوف مطولا، لتخب بعدها بسعادة في قلبك، وألم في عنقك لشدة ما رفعت رأسك وحدقت، وما أجمل الجلوس على مناضد المطعم على الرصيف، تنفث الدخان، والمطر ينهمر على المدينة، والسائحين يركضون تحت مطر لطيف الوقع.

أحيانا، كنت أذهب لماندلون منتصف الاسبوع، عقب عودتي من الدرس، وإذا استثقلت البعد وأردت العود باكرا ـ خصوصا أن إصلاحات قد بدأت في خط المترو الرابط بين منطقة سكني ـ أيور فيرمي ـ ومحطة التيرمني بما اوجب اغلاق الخط مبكرا أيام الاسبوع، واغلاقه تماما خلال العطل ـ فإنني كنت اسدر إلى مقهى قريب من المحطة الرئيسة، لاتناول شيشة يعدها شاب ايطالي، وأحيانا مصري، قبل أن الحق بالمترو، أو اطلق لنفسي الحرية، فأعود مستقلا الباص، فيقطع رحلة المترو ذات ال25 دقيقة في ساعة وربع الساعة تقريبا.

ومرة خرجت ملبيا هوسي بالمشي تحت المطر، اخذت الباص للتيرمني، والى مقهاي لاجلس ودخاني والمطر، قبل ان اظل ماشيا لحوالي الساعة تحت الرذاذ المتوسطي المنهمر من السماء، سعيدا.

عدا ذلك، كنتُ ارغب احيانا بتبديل مكان التدخين، فاستعين بخرائط الغوغل، بحثا عن الشيشة كما يسميها الاحبة في مصر، فكان مما وجدته مطعما سوريا اسمه (زنوبيا)، يا اهلا بالاحبة، قلت في نفسي، لابد أن لدى قاهرة الرومان، ثم مقهورتهم ما يطيب له الخاطر، فهلم للبحث هناك.

نزلتُ من الباص عند كاتدرائية القديس يوحنا اللاتراني، ثم انطلقت ماشيا في الشارع المؤدي إلى كنيسة سانتا ماريا دي ماجيوري (اسمه فيا ميرلونا على ما اذكر)، في منتصف الشارع الطويل، تستدير يمينا لتنزل نحو المطعم، تصله بعد عدة التفافات وطريق طوله تقطعه في عشرين دقيقة على التقريب.

حين وصلت، كان المطعم مغلقا، ويفتح بعد نصف ساعة، فبقيت اتجول في المنطقة، كان هناك مبنى حكومي كبير، لا ادري ما هو، والشارع الذي يقع عليه مقطوع بعوارض اسطوانية من ذلك النوع الذي ينبثق من الارض ويغور فيها حين تتطلب الحاجة مرور سيارة، جلست على احدها فجائني الشرطي وطلب مني التحرك بلطف، لأن الجلوس ممنوع هنا.

دخلتُ محل قرطاسية يجاور المطعم، تجولت، اشتريت بعض الأشياء، حتى جاء مالك المطعم، سوري صحبة ابنه وزوجته، فكنتُ أول الداخلين.

مالك المطعم رجل قارب الخمسين، شعره رمادي، يرتدي عوينات مستطيلة الشكل ذات اطار فضي لامع، بشارب مشذب ولحية حليقة، وعلى وجهه بدا وجع النازح، وضيق صدر  المهاجر.

طراز المقهى شرقي تماما، احاط الرجل جدرانه بمجالس عربية مرتفعة، منجدة بالصوف البدوي بألوانه الزاهية، كراسٍ شامية مشغولة بالقشرة والصدف، طاولات صغيرة قوائمها من النحاس المشغول وسطوحها مثمنة الشكل، على الجدران لوحات سورية وتحفيات من البلد الموجوع بالحرب.

طلبت شايا ونارجيلة، وشغلت في هاتفي النقال أغنية لناظم الغزالي، بعد قليل، شغّل المالك التلفاز، كانت هناك قناة عربية تبث اغان حديثة، رفعَ الصوت قليلا، ثم انتبه لي، وقال، ماذا افعل؟ اشغل هذه الاغاني الرديئة وأنت تسمع الأصل؟ آسف، ثم كتم الصوت، وجلب لي طلبي بعد وقت قصير.

ما علينا، وأنا انتظر افتتاح المطعم، انتبهت إلى بناية قيد التشييد، بعبارة أدق، جدار خشبي عال مما تحاط به مواقع البناء في الدول التي تحترم نفسها، ويسكنها اناس محترمون، لا يكومون مواد البناء على الطرقات، فيمر أمثالي فيتضايقون من الانقاض والرمل والحصى، فيشتمون أهل البناء، وأهل أهلهم، الصالح منهم قبل الطالح.

على الجدار المغطى بالفليكس، انتبهت أن هناك كتابة عربية مع لغات أخرى، التقطتُ صورة، لم أدرِ ما المشروع الذي يقبع خلف هذه الكتابة، لكنني عدت وبحثت عن الاسم الرئيس الذي تقدمها، توركاتو تاسو (torquato tasso) شاعر ايطالي من القرن السادس عشر، وكانت الكتابة كما ترون في الصورة، بعض من شعره مترجم لعدة لغات، بينها العربية، يقول:

(لكن في الساعة التي تطلق فيها الشمس الخيل من العربة المزينة

وتعشش في حضن البحر

لقد وصلت إلى المياه الصافية للأردن الجميل

ونزلت إلى ضفة النهر، واضطجعت)

………………………..

لم أعد لذلك المطعم مرة أخرى

يا لروما وأيامها العاطرة التي ذهبت أي ذهاب..

 

اسطنبول

انها المرة الاولى التي ازور فيها مدينة ذات تاريخ امبراطوري توسعي – هل ألطِّف المعنى القديم للاستعمار؟ نعم، أنا افعل لسبب سيتضح لك يا رعاك الله – زرت مدننا كثيرة، مدن جميلة، بعضها امتلكت تاريخا عريقا زاخر بكل ما يستوقفك كثيرا لتتأمله، وتتفكر بمساره وتحولاته، ولكن، مدن مثل التي افتتحت بها حديثي؟ لا، اسطنبول الاولى.
هذه المدينة مثل أي مدينة فائقة الجمال، تنطوي في ثناياها على قسوة بالغة، روحها الحسناء متوهجة تحرق كل رقيق، وتطحن بثقل متطلباتها كل هش ضعيف، لكنها مدينة ذات جمال باذخ، متوحش، كل ركن فيها يستوقفك، يدهشك حتى يسلبك انفاسك، حتى اكثر احيائها خطورة، يتربع على صدر خليج القرن الذهبي بكل جماله – مثل منطقة قاسم باشا، الخطرة التي نشأ #اردوغان فيها.
ولكن، وبالرغم من كل ذلك، لم استطع أن احبها لأن كل “سراي” جميل فيها، وكل مسجد مهيب يهيمن بارتفاعه الشاهق على بناياتها التي لا تعلو فوق معالمها التاريخية، على الرغم من تذمر صديق اكاديمي اسطمبولي مما يراه تراث مضاع في مدينته – اتذكر مدينتي التي غطاها الاسمنت بوجع – لم احبها، لأن كل هذا الجمال يذكرني بما سلب من بلداننا، ونقل إلى الاستانة، ليوزعه السلطان – ظل الله في الارض كما كتب على باب قصر طوب قابي – كيف يشاء، فتشاد السرايات “القصور” والمساجد، والاسبلة المذهلة.
ولكن مهلا، واعود هنا لسبب تلطيفي لماضي مثل هذه المدن، اليست بغداد التي احب، واعيش فيها لأكسب عيشي، اليست ذات ماض يشبه ماضي اسطنبول، بعبارة الرشيد التي ترن في اذن التاريخ مخاطبا غمامة مرت فوق رأسه: أينما أمطرت لي؟
اقف هنا لأسأل نفسي، ألا أنقم من بغداد ما نقمته من اسطنبول لو حاكمتها بعين الذين جُبي الخراج منهم لخليفة بغداد كما جُبي لخليفة اسطنبول؟ نعم، هي امبراطوريات قديمة ما كان لها أن تكون غير ما كانت، هي ابنة سياقها التاريخي، ومتطلبات زمنها، لكنني هنا اركز على الذات البشرية، عن منظارها إذ يستدير لداخلها، إذ تحدق في المرآة، هل تحاكم التاريخ بذات المعيار؟ هل تقف محايدة على الدوام؟ هل تقرأ الحدث في سياقه الزمكاني بذات الموضوعية دائما؟
لا اظن، حكايتي مع اسطنبول وبغداد تخبرني بذاتي المنحازة، وهي تحب وتتداعى افكارها الداخلية في غير السياق العلمي على الاقل.
#بغداد
#اسطنبول
الصورة: مدخل قصر طوب قابي، تصويري

لا شيء مجانا

كل جميل ترغب بالاستمتاع به له ثمن، للجمال مهرهُ، لتلبية حاجاتك مقابل يستلزم أن تدفعه، حتى دخول المساجد للفرجة هنا له ثمن، برج مراقبة بائس يستلزم أن تدفع لتدخله، وبجوفه محلات تبيع لك وتجبي المزيد والمزيد، كل شيء قابل لأن يتحول الى مورد رزق للناس، وللدولة الضامنة لك، إلا في العراق.
تضع الدولة رسم تأشيرة بائس على الزائرين فتقوم الدنيا ولا تقعد، ويتهم من يسند القرار في عقيدته وضميره الديني، رسم حدودي بائس مقابل سكن مجاني على طول الطريق بين كربلاء وغيرها، طعام مجاني متنوع وفاخر، الدولة تسخر كل مواردها وبنيتها التحتية – ليخرج سماحة المتولي الشرعي على الحضرة العباسية منددا بتقصيرها رغم كل شيء – بيوت الناس مفتوحة، والدوائر معطلة، والشوارع مكتضة “مالك محط رجل” العتبتان المحترمتان توفران باصات نقل مجاني من الحدود الى كربلاء، لتقطعا رزق سواق بسيطين ينتظرون المناسبة من العام الى العام للتكسب خلالها، اطنان من النفايات المستوردة من دول الزائرين، [المساكين] الذين استكثر الناس عليهم الدولارات العشرة، نفايات لا يعاد تدويرها، تملئ الشوارع وما تبقى من مساحات خضراء، ضغط على شبكات متهتكة قديمة للمياه والمجاري والكهرباء، كل شيء مشرع وكأننا في مضيف شيخ قديم لا في دولة حديثة لها متطلبات وواجبات وحقوق، ونستكثر التأشيرة البائسة آخر المطاف!!!
#اركض_يعامر_اركض
#اسطنبول
الصورة: #برج_الفتاة، تصويري.