أرشيفات التصنيف: رأي

من ألف باء البحث العلمي في الدراسات الانسانية

لست هنا في موضع التطرق لمناهج البحث العلمي وهي واسعة وتحتاج قراءة مستقلة، أنا هنا فقط أشير إلى جانب من طبيعة البحث العلمي، إلى صورة عن روحه مهما اختلفت المناهج.

لكي تقيم شخصية تاريخية لابد من أن تقيمها وفق معيارها الزمني، وفق متبنياتها الشخصية ذاتها، ومدى التزام تلك الشخصية بما تبنته من قيم، أن تقارن بين الفعل الحقيقي وبين القيم المعنوية، عند تلك اللحظة تطلق حكما تحرص على أن تكون نسبيا فيه، بلغة غير حدية، قابلة للنقاش والمراجعة والتراجع، وتحرص على أن تقول أن هذا رأيي الشخصي واستقرائي، وتحرص على أن تؤسس حكمك الأساس على المعيار الزمني الذي عاشت فيه تلك الشخصية، وتقرر هل التزمت بمعاييرها أم لا، وهنا تقرر ما إذا كانت تلك الشخصية قد التزمت بمعيار القيم التي تبنتها في سياقها الزمني لا بمعيار القيم الحالية التي تتبناها أنت، وأن تحاكمها بمعيارها لا بمعيارك المتخيل.

وفي كل هذا لابد أن تفهم أن اللغة البحثية في الدراسات الإنسانية بالمطلق لغة نسبية، لغة غير حدية، لا تستخدم ألفاظا قد تفقد المادة البحثية حياديتها ولابد أن تعرف أيضا أنه لكي تطلق حكما تاريخياً له قيمة فلابد أن تكون مدخلاتك البحثية واسعة ووافية، مصادر، وقائع تاريخية خضعت للتدقيق والبحث وفحص المصداقية عبر الشك ومنهج الجدل.

مثال: هل لاحظت جنابك بأنه حتى الدراسات الغربية تقسم تاريخ الحكومات الإسلامية إلى مراحل، تختلف كل مرحلة بمعاييرها؟ إذا كنت قد لاحظت ذلك فسأعطيك سببا واحداً لهذا التمييز بين المراحل، وهو تبدل مفهوم رأس الأمة، فبعد وفاة الرسول، وحتى مقتل الإمام علي، كانت الدولة مؤسسة على مبدأ (الإمام) وهو أفقه القوم وأعلمهم بالدين والدنيا، مما يعني أنك لتقيم حاكما في تلك الفترة فلابد أن تقيمه بالتزامه بالدين، وليس بمعيارك الحاضر لما تعنيه الدولة، هنا أنت تتفحص مدى التزام مسلمي الصدر الأول بالمثالية الإسلامية، وهو التزام يختلف بين الخلفاء الأربعة ذاتهم، كل بطبيعته الشخصية.

ثم بعد قيام الحكم الأموي يبدأ منهج جديد للحكم لا يتطابق بمقدار قيد أنملة مع فكرة مسلمي الصدر الأول عن القائد أو رأس الدولة لو شئت، لأنه لم يكن فقيها، ولم يكن أصلح الناس، وتحولت الرياسة إلى وراثة، بل أن اتباع الأمويين يعدون من مفاخر مؤسس الدولة الأموية أنه أول ملوك الإسلام، هنا جانبك لا يحق لك ان تقول فلان أنجح في حكمه من فلان، لسبب بسيط، الفلانين ذاتهما ينطلقان من موقف مختلف تماما، ومن نظام حكم مختلف تماما، وقيم مؤسسة مختلفة تماما، ولا يصح أن تقارن لتقيم من الأفضل، انت تقارن هنا لترى من الأكثر التزاما بمنهجه تحاكمه بالتزامه الشخصي ومدى تأثير التزامه الشخصي هذا على ما تفترضه أنت نجاحا، وما قد يفترضه غيرك فشلا، المقارنة هنا بين (النجاح والفشل) غير دقيقة، لأن (صورة النجاح) تختلف عند من وجدته “فاشلاً” وإنك إذا اطلقت حكما خاطئا، بمعيار خاطئ فإن النتيجة هي رد فعل عكسي قد يهدم ولا يبني.

مثال ثاني: حول الكلمات التي تُفقد تحليلك حياده وقيمته، انظر مصطلح (ميليشيا)، بالرغم من أن هذا المصطلح محايد في اللغة الانجليزية والذي لا يتضمن موقفا مسبقا من الموصوف به، إلا ان الاستهلاك الإعلامي العربي له بطريقة تنطوي على موقف سياسي مسبق قد أفقدته حياده وخلخلت قيمته الأكاديمية، لأن الخطاب الأيديولوجي الذي أسبغ صفة سلبية مسبقة على المصطلح جعله بهذه الكيفية غير صالح للاستخدام الأكاديمي الذي يفترض التجرد بالمصطلح، فكيف يمكن أن يتحقق التجرد عبر استخدام مصطلح دلالته لم تعد متجردة في اللسان العربي؟ على هذا أميل دوماً إلى استخدام مصطلح (فصائل غير نظامية) الذي يؤدي ذات المعنى بتجرد, ينظر:

International Encyclopedia of the Social Sciences, William A. Darity Jr. editor in chief (New york: Macmillan reference, 2008) vol5 ,P163

 

 

 

 

عن المحافظين الجدد والببغاوات العرب

تيار المحافظين الجدد واليمين الأمريكي لهم ما يبرر وجودهم في بيئتهم الاجتماعية والسياسية، كمدرسة لها معالمها، وتيار له تاريخه، وترميزاته الفلسفية، ونظرياته الاقتصادية المنسجمة مع كل ما ذُكر، وفي سياقه الاجتماعي لا يبدو عجيبا صعوده ووجود أكاديميين لامعين نظّروا له، ووضعوا مؤلفات دسمة في ربطه بجذوره التاريخية في أوربا، بل إن واحدا من أكبر منظريه يعد أبرز متخصص بنيكولا مكيافيلي، وأكثر الأكاديميين فهما له، كجزء من انسجامه مع التراث الفلسفي اليوناني والأوربي الوسيط وحين أراد بعض طلابه الاحتفاء به قاموا بإعداد كتاب ضم مجموعة من الدراسات عن فلاسفة العصور الوسطى والحديثة وأطلقوا عليه (تعليم الأمير) في إشارة إلى (الأمير) كتاب مكيافيلي، وهذا الأكاديمي هو هارفي مانسفيلد.
ما يصيبني بالحيرة هم العرب، والعراقيين بشكل خاص فيما يبدو، الذين ما إن تعلم واحدهم كيف يستعمل مواقع التواصل الاجتماعي، إلا وطفت عقده على سطح استيعابه العقلي، وانخرط بمتابعة مجموعة من المتطفلين على المعرفة والبحث، الذين يجيدون اللغة الانجليزية، والذين يبدأون صباحهم بجولة في مواقع المحافظين الجدد، يحفظون ما يجدوه هناك، ثم ـ وكأي ببغاء نجيب ـ يعيدون قوله لأتباعهم العرب، الذين لا يستطيعون التفريق بين المدارس الفكرية ضمن العنوان الواحد، فيظنون ان المدرسة الليبرالية واحدة، والاشتراكية واحدة، والرأسمالية واحدة، ويلعنون كينز أكثر من لعنهم لماركس جريا على سنة ميلتون فريدمان، وفوق ذلك كله لا يعرفون انهم ـ مرة أخرى ـ كأي ببغاء شاطر يكررون مقولات مدرسة تحتقرهم كعرق وثقافة ضمن حضارة معينة، ولا يعرف ثلاثة أرباعهم من هو هارفي مانسفيلد!
هم في الحقيقة يذكروني بصنف آخر من العرب معجب بهتلر ويضع صوره حيث ما مر، وهم لا يعرفون ان هتلر لو ظفر بهم لقام بقليهم في “الطاوة” بدون زيت.
#اركض_يعامر_اركض
#انبياء_اليوتيوب_والفيسبوك_واتباعهم
#ببغاوات_نجيبة
#محافظون_جدد

تجارب واعتذارات ثلاثينية

كنت عازما أن أبدا يومي هذا بالسخرية من صفحة على الفيسبوك مرت أمامي صدفة اسمها (نقد العقل العراقي)، وأردت ان اسلق الصفحة بالقول أنها أبعد ما تكون عن الفهم، وعن النقد وعن العقل، لكن (تاريخ اليوم) ذكرني بأني لم أكن اختلف عن هذا الفتى الذي يديرها، من الواضح انه فتى صغير، صغير نضجا وتفكيرا ومعرفة على الأقل، من الواضح ان مصادر معلوماته محدودة وضيقة، وأنه قد انتقل بعنف من خندق إلى آخر، ولكني لم أكن أقل إيمانا منه بالمطلقات، وكانت الأمور بالنسبة لي ـ كشخص درس المنطق الأرسطي ـ إما ان تكون سوداء أو بيضاء، واحتجت الى وقت طويل، والكثير من التعلم والقراءة، والكثير من السفر والتعرف إلى الآخر قبل أن أبدا بفهم نسبية الأشياء، وارتباط تاريخ الأمم بسياقها، وتلون عقائدهم بتجاربهم الجمعية، احتجت الى الكثير من الكتب، والكثير من الكتب التي ترد على الكتب الأولى، انبهرت بمحمد عابد الجابري، ثم بعثر جورج طرابيشي ذلك الانبهار، وبصّرني بأن الإنسان ومهما بلغ من العلم، فإنه لا يتخلص تماما من ذاته، وإن حرصه على ذاته مدمر ما لم يحرص على ذات الآخرين بالطريقة نفسها، ورجعت لأحاسب نفسي، وأراجع أخطائي المعرفية، قبل أن اسلق من لم يتهيأ لهم من الظروف الطيبة ما تهيأ لي ومكنني من التعلم، ومعرفة أدوات العلم.

على مستوى بسيط، وجدتني قبل أيام قد سخرت بعنف من شخص متواضع المعرفة ولكنه يدعيها، رغم اني في الظروف الاعتيادية أكره ما أكره أن اسخر من الآخرين، وبررت لنفسي تلك السخرية بأن الرجل كان يسخر من مفكرين عظماء عجز بتفكيره المحدود عن فهمهم، لذلك فالسخرية حق فيه، ولكني كنت مخطئاً، لأن السخرية ليست أداة المعرفة المثلى، ولأن المتخندقين يزدادون ضرواة لو هاجمت خنادقهم وهم فيها، ولأن قليلي المعرفة انتحاريون فكريا بطبعهم، ولا يجدر بالباحث عن المعرفة إن يعترك معهم بهذه الطريقة، وإن الأفضل مع أمثاله هو تركهم، ومحاولة الحوار مع الشباب الدائرين في فلكهم، ثم وجدتني اسرد تجربة شخصية مع طبيب أراه جشعا، ورغم ما انفقته في مراجعتي له لم أشف، لكني شفيت على يد طبيب آخر كان غاية في النبل، فنبهني صديق عزيز الى أنني اسرد تجربة شخصية قد أجدها معكوسة عند شخص آخر مع ذات الطبيبين، ووجدتني مخطئ مرة أخرى، فأعتذرت له وأغلقت المنشور.
نحن في النهاية بشر، خطاءون، ولسنا آخر الأمر سوى مجموع أخطائنا، وقد تحولت الأخطاء الى تجارب، وصارت اعتذاراتنا عنها هي الأمر الوحيد الذي يمنحها السماح من الآخرين.

الصورة للمبدع العراقي مرتضى ﮔـزار

أن تكون مفكرا على الطريقة الامريكية!

علي المعموري

الفلاسفة الامريكان العظام لم يكونوا ممثلين للروح الامريكية والفكر السياسي الامريكي، والحقيقة انهم يبينون بأنهم امتداد لجذور الفكر الانساني الاوربي في الأرض الامريكية ولا ينتمون إلى الروح التي صار إليها النظام السياسي الامريكي اليوم، انهم يمثلون الفرادة الامريكية في الانفتاح والاندماج واستقطاب الجميع، ولا يمثلون العنجهية الأمريكية الحكومية.

سام هاريس وأضرابه يمثل جناحا يدعي الفكر والفلسفة من اجنحة السياسة الخارجية الامريكية، ذات الاسلوب الفظ والعنجهية المتعالية، واليقينية المطلقة وهو لا يختلف عن مفكرين آخرين خانوا العلم بوضعه في خدمة المصالح السياسية القذرة مثل برنارد لويس وصامويل هينتغتون وهنري كيسنجر وفرانسيس فوكوياما وعراب الشر المالي ميلتون فريدمان، وعصابة المجرمين من المحافظين الجدد، حتى صار الاجرام يرتكب باسم العلم بما وضعوه من فذلكات تشبه فتاوى المكفرين من اتباع الدينات، ولكن ربهم الذي تسفك باسمه الدماء وتستباح العدالة والانسانية هذه المرة هو الدولار والطغيان السياسي على الآخرين الذين تمارسه حكومة الولايات المتحدة، لا يختلف عنهم سوى بأنهم كانوا مفكرين متخصصين، وكان هو متطفل على فكرهم متجاوز لدوره الأساس، ووصفه بالفيلسوف على حد سواء مع ابن سينا وابن رشد والكندي وهيغل ونيتشه وهايدغر هو جريمة مقرفة.

هناك أمريكان عظام، تعلمت منهم ولا زلت اتعلم كل يوم.

كيف لا وديفيد استون، وغابرييل الموند وكارل دويتش وروبرت داهل هم امريكيون، كيف لا وحنا ارندت، وميرسيا انياد والعظيم جون مينارد كينز واينشتين وغيرهم مارسوا أعظم تأثير على حياتنا عبر أمريكا، ولعلهم لم يكونوا ليأتوا بذلك التأثير عبر بلدانهم.

كيف لا وكبيرهم وليم فوكنر، الكاهن الأكبر في عالم الرواية.

كيف ننكر فضل اديسون ويوناس سولك وأمثالهم من العظماء الذين كان همهم العلم والانسان؟

كيف للمرء ان يتجاوز الجمال الكبير الذي منحته لنا هوليود والكثير من ممثليها، في الكثير من الافلام العظيمة؟

ولكن هؤلاء العظماء كانوا ممثلين لروح الطيبة في المجتمع الأمريكي، ولم يكونوا جزءا من الفظاظة والاستعلاء الذي تخرب حكومة الولايات المتحدة به العالم كل لحظة، وبعدة طرق، مرة بالمارينز، ومرة بنجوم اليوتيوب المتطفلين على الفلسفة والفكر.

اعرف انني احتككت برب جديد، ولا يهمني سُباب عباده، بذات الطريقة التي لا يهمني أيضا سباب عباد ربي الذي اعبد حين اعبده كما لا يفعلون.

[أعلاه صورة لعظام لا زلنا عيال عليهم، لهم الخلود في العلى، لا زال سام هاريس وصاحبه البريطاني يخوضان في بحورهم، كم واحد من هؤلاء العلماء الأجلاء كان شتاما مسفها فحاشا متطفلا مثل الآخرين المعنيين؟ والصورة هذه تم التقاطها في مؤتمر سولفاي سنة 1927]

الاثنين 21/ 12/ 2015

الحديث في الشأن العام بين التخصص والإلمام

علي المعموري

قبل كل شيء، لا قيمة لما نتعلمه في الجامعات والمعاهد وما نقرأه؛ إذا لم يؤثر على طريقة فهمنا للحياة، وطريقة تفكيرنا بالمحل الأول، حسنا؛ انا اتفهم ان نظامنا التعليمي لا يمنح تلك القدرة على تكوين عقل نقدي، فهو نظام تلقين، يمنح حرفا أكثر مما يمنح معرفة، وقد أكون مخطئا بطبيعة الحال.

رغم ذلك، إلا انه وعلى الأقل يجدر بمن نال تعليما يتعلق بالعلوم الانسانية التي هي في محل حضور يومي، مثل القانون والسياسة والاقتصاد وغيرها يجدر به أن يجعل مما تعلمه معيارا للفهم، والقول بعد الفهم، كما يفترض بنظيره خريج الهندسة ان يفعله مع حقله، هذا على أقل التقادير، ومع الذهاب إلى أن نظامنا هو نظام تعليم، وليس نظام تفكير ومعرفة.

كما ان ذلك ينبغي أن يعرفنا بحدودنا، وأن لا نتطفل على ملاعب الآخرين، يعني مثلا داعيكم، خريج علوم سياسية، فضولي اقرأ تقريبا بكل ما يخصني وما لا يخصني، ناهيك عن كون تخصصي العتيد يتطلب الكثير من المداخل لفهم موضوعه، يعني ضروري ان يطلع المرء منا أهل هذا التخصص على الاقتصاد والتاريخ والفلسفة والاجتماع والانثروبولوجيا والقانون وغيرها، لأنك ستجدها حاضرة في كل شيء يتناوله علم السياسة.

ولكن هل أزج نفسي بالحديث بكل ما يتعلق بهذه العلوم، على الاطلاق، ولا أقول رأيا فيها إلا بمقترب سياسي، يعني مثلا هل يمكن لي ان اقول رأيا بالاقتصاد والسياسة النقدية؟ على الاطلاق، لي متبنياتي الشخصية هنا، التي كونتها على أساس علمي وليس شخصي وحسب، إذ انني اذهب مذهب كينز وجماعته الكينزيون، وانفر نفوراً لا حد له – بمنطلق سياسي أولا –  من الرأسماليين، من ادم سميث وصولا إلى ميلتون فريدمان دون ان ابخسهم حقهم أو ان انتقص من علمهم، واذهب – ولا أقول أنها الحقيقة القاطعة – إلى أن الرأسمالية المطلقة قد لحقت آدم سميث إلى قبره مهما صال وجال المحافظون الجدد واتباعهم من المرددين العرب، ذهبت لأسباب سياسية وليست اقتصادية، واتباعي لمدرسة كينز، وتقييمي لمخرجاتها يتناول الأثر السياسي لتلك المخرجات، ما يؤثر فيه الاقتصاد على سياسة الدولة وليس الآثار الاقتصادية التطبيقية البحتة، فهذا ليس تخصصي، ولا أجرؤ أن أقول بوجه أكاديمي متخصص بالاقتصاد انا اظنك مخطئ وأني اتبع كينز أو ميلتون فريدمان لأن هذا أو ذاك اقدر على فهم الاقتصاد، انا لا اتكلم حول الاقتصاد إلا بالقدر الذي تتعلق فيه العمليات الاقتصادية بالسياسة وحسب، أكثر من ذلك، انا متخرج من قسم النظم السياسية، وأملك فهما يمكن أن أقول انه لا بأس به حول بقية أقسام العلوم السياسية، لكني لا أبدي رأيا علميا في شؤون تلك الأقسام، ولا أكتب فيما تتناوله، لأنه ليس ملعبي.

هناك أمر مهم، وبالتأسيس على وصف الجاحظ للأديب بأنه (من يمسك من كل شيء بطرف) وهو ما وضعته اليونسكو لوصف المثقف بأنه من (يلم من كل شي بشيء)، ولكن هذا لا يعني ان ذلك الإلمام يتيح لصاحبه أن يدلي برأي علمي حول كل شيء، ولا يعني أنه امتلك رؤية تؤهله ليطلق أحكاما قطعية أمام آراء أهل الاختصاص، الذين قضى واحدهم نصف عمره في تفحص حقل علمي معين مرارا وتكرارا، ولديهم من الإلمام بالأشياء الأخرى قدرا قد يكون أكبر من صاحبنا الذي (يلم من كل شيء بشيء) ويتخصص بشيء واحد مختلف، مما يعني أنني لن أسأل مختصا بالقانون حول السياسة، ولا متخصصا بالسياسة حول الاقتصاد، ولا متخصصا بالاقتصاد حول الطب، ولا متخصصا بالطب حول أي من هذه الأمور، قد استمع لرأيه في هذا الجانب، وقد يكون صوابا في موضع معين حالفه الرأي فيه، ولكن ذلك لا يعني انه مصيب في بقية أحكامه في غير تخصصه، ولا أتكلم هنا عن تقييم لحالة معينة خصوصا، ولكن أغلب كلامي منصب على النقاش في قواعد تلك العلوم، وليس بما تناقشه.

وهذا لا يعني أن كل صاحب اختصاص لا يفهم إلا باختصاصه، فهناك استثناءات لامعة، تعلمنا ولا زلنا نتعلم منهم، ولكن نتاجهم المعرفي هو ما يدلل عليهم، وليس هذر مواقع التواصل الاجتماعي.

ولكي لا أطيل اختم بالقول أن البعض لا يفرق بين السياسة، وبين علم السياسة، وما يتطلبه الأخير من معرفة لكي تمتلك رأيا يمكن الركون له، والدليل الأساس على معرفة قليل المعرفة والذي يظهره لك دون مواربة هو: أنه يعد نفسه على صواب وأنك على خطأ، وصوته عال في النقاش، وكلماته بذيئة في الكتابة، هجومي لا يتيح لك نقاشه، ولا يمكن ان يقول انه مخطئ مهما دللت على خطأه، قليل المعرفة، الذي يعرف تطفله على اختصاص الآخرين سيقول لك انك جاهل، وانك لا تعرف شيئا حتى لو كنتتحمل دكتوراه في التخصص الذي تطفل عليه، فدعه، لأن المحترم سيحترم حدوده، ووحده الفيسبوك من أتاح له ولأمثاله تسفيه آراء أهل الاختصاص وأن ينشر تطرفه في زمان التطرف هذا، دعه واشتر راحة البال بالسكوت.

[بالمناسبة، وما دام الجاحظ قد جحظ في سياق الحديث، فالرجل طبق قاعدته على نفسه، وكتب حول كل شيء تقريبا، من الأدب إلى الحيوان إلى التاريخ وغيرها، لكنه تلقى نقدا لاذعا من مؤرخ مقتدر هو المسعودي، الذي سلقه بلسان حاد وهاجم تنقله بين التأليف والتطفل على كل العلوم، وسفه مدوناته التاريخية تسفيها تاما بمعيار نقدي من متخصص، والأمر بينكم وبين المسعودي ولا دخل لي فيه]

(الرسم للفنان والروائي والمخرج العراقي المبدع مرتضى كزار)

 

HOME ملاحظات تأسيسية (الأخيرة)

(3) هل الولايات المتحدة بحاجة لسلاح سري يتلاعب بالمناخ؟

في حقيقة الأمر، فإن الصناعة لم تعد وحدها من يستنزف الأرض، ويفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري، بل ان الزراعة التجارية تسهم بدورها بذلك، فتجريف الغابات الكبيرة التي تشكل رئة العالم من أجل زراعة نخيل الزيت، أو فول الصويا على سبيل المثال، أو بيوت زراعة الخضروات المغطاة في أوربا، صارت تضارع الصناعة بالمساهمة بالخراب؛ وبعدة صور، مثل كسر التنوع الأحيائي الضامن للتوازن، واستنزاف الموارد المائية، وزيادة ظاهرة الاحترار وذوبان الجليد في القطبين المنجمدين، مما يجعلنا نتأكد ان ما تتحدث عنه بعض النظريات من امتلاك الولايات المتحدة لمشاريع تسليح تقوم على استغلال المناخ، وإحداث تغيرات في درجات الحرارة بفعل إنساني وإن ما تشهده بلداننا من ارتفاع في درجات الحرارة راجع لتلك البحوث السرية أمر ليس باليسير تصديقه، فالولايات المتحدة بما تصنعه من تلوث وتخريب للبيئة تزيد من الاحترار دون الحاجة إلى تخصيص ميزانية مفردة لهذا الأمر.

وخلاصة كل ما مر، أن الانسان إذا ترك لذاته فسيخرب كل ما حوله، وسيقتل كل ما يحيط به وصولا إلى قتل نفسه، وإن القواعد العلمية التي يريد البعض أن يجعل منها أخلاقا غير مقنعة، في ظل الطريقة التي قاد بها الانسان التقدم العلمي إلى اتجاهات تتنافى والروح الأخلاقية التي يجب أن تحكمه، العلم مجرد، وبطبيعته غير محدود، ولا يعترف بالحدود، ولكن الحدود هي أساس الحياة، لأنها تضمن التوازن، التوازن الذي يتطلب منظومة صارمة من القوانين بالنسبة للانسان، سمها أخلاقا، سمها دينا، سمها ما تشاء، ويتطلب للجماد الذي لا يمتلك عقلا يؤهله للانضباط قوة عليا تحكم وضع قواعده، وتنظم سيره وتوازنه، سواء آمنتم بالأديان أم لم تؤمنوا، لكني غير مقتنع ان هذا النظام الدقيق الذي استمر لآلاف السنوات هو نتيجة تجارب كائنات غير عاقلة.

الأديان ومشاكلها لا علاقة لها بالإيمان.

الثلاثاء 30/ 7/ 2015

الصور من الوثائقي

11

HOME ملاحظات تأسيسية

(2) التقدم العلمي: بين جشع الإنسان، والتحرر من القيود الأخلاقية

الملاحظة الثانية، تتعلق بالتقدم العلمي، واستنزافه المفرط للموارد الطبيعية، وهنا أريد الإشارة إلى أمر بالغ الحساسية والدقة، وهو أن عصر النهضة ــ الذي قاد إلى الثورة الصناعية ــ رغم انه نحّى الكنيسة والدين وقواعده جانباً، إلا أنه كان عصر الفلسفة، التي حلّت محل الدين، وأسست للدولة الحديثة وقوانينها ــ كما كتبت مرة هنا ــ وشكلت القواعد الأخلاقية التي أسس لها الفلاسفة كابحاً للتطرف في التجريب العلمي وفق أهواء الإنسان، ولكن ما حدث لاحقا أن الجشع انتصر على الفلسفة والاخلاق، وإن العلم صار مسخّراً اليوم من قبل الشركات الكبرى للمزيد من الاستنزاف للموارد، كنتيجة بديهية لغياب الأخلاق عنه، ثم سخرية بعض العلماء الطبيعيين من المنظومة الفلسفية ومحاولتهم تقديم بديل قيمي يستند للمختبر العلمي، المجرّد والثابت بطبيعة تعامله مع المواد ذات الطبيعة الثابتة، التي لا تتغير إلا بظروف استثنائية، عكس الانسان المتغير بطبيعته، طبقا لإرادته الحرة، وكل هذا قادنا اليوم لنصل إلى موقف صار العلم ضمنه خاضعا لجشع الإنسان بدلا من أن يكون خاضعا للقيم الأخلاقية، سواء جاء بها الدين، أم وضعتها الفلسفة، وصارت القوانين ــ المستندة لمبادئ فلسفية في الغرب ــ تبعا لذلك تطبق في أرض، ويتم تجاهلها في أرض أخرى، بانتقائية تزيح فكرة العدل التي تشكل جوهر القانون، ليهجم أصحاب رؤوس الأموال وشركاتهم العابرة للقارات على الدول المتخلفة، الغنية بالموارد البشرية والطبيعية، بحثا عن الأيدي العاملة والموارد الرخيصة، وبتعسف شديد تحميه الانظمة السياسية في تلك الدول، بعد ان تشددت الدول الأوربية في وضع قوانين حماية البيئة، أو هربا من الضرائب والأجور العالية في الولايات المتحدة، والنتيجة ان هذه الشركات الكبرى التي نشأت في حضن الديمقراطية والحريات، تتحالف مع أكثر الانظمة تخلفا ودموية، وتوفر لها الحماية الدولية، عبر زواج المال والسلطة، لتستمر في استنزاف موارد تلك الدول، فتذهب الأرباح إلى المصارف الأوربية والامريكية مرة أخرى، ويتم تمويل البحث العلمي لأغراض عسكرية أو تجارية، ولا ينال من إنجازاته سوى مواطني ذات الدول الغربية، وجشع القيم الاستهلاكية الذي يستمر باستنزاف الأرض ومواردها، وبذات الوقت يستمر بتغذيته للتخلف والأنظمة الاستبدادية في العالم الفقير، ثم نعود ونلقي باللائمة على شعوب تلك المناطق بمفردها.

ملخص [نمط الحضارة الاستهلاكية الذي نعيشه اليوم هو نمط غربي، نتيجة للانفلات في تغذية التقدم العلمي ليخدم الإثراء الفاحش، بدلا من ان يكون وسيلة لجلب السعادة والتوازن، فالممولون الكبار للبحث العلمي هم الشركات الكبرى، والخاسر الأكبر هي الدول المتخلفة الغنية بالثروات، والتي التفت لها المتوحشين الغربيين وخرّبوا أراضيهم بعد أن قمعتهم القوانين في دولهم الأساس، ومنعتهم من ممارسة وحشيتهم وجشعهم على البيئة الأوربية والإنسان الأوربي، أو بعد ان استنزفت موارد بعض الدول الأوربية التي تم تعدينها ابتداءا من عصر النهضة عدا دول معينة في أوربا مثل النرويج والسويد].

يتبع

(الصور من الوثائقي)

رفع3

 

HOME ملاحظات تأسيسية

أكملت بالامس مشاهدة الوثائقي المبهر (HOME)، الذي يتحدث عن الأرض ومواردها الطبيعية والاستنزاف المفرط المخل بالتوازن الذي تقوم عليه الحياة في هذا الكوكب، بعد أن قبع لسنوات لدي، ولعلي كنت محظوظا بهذا التأخير، فلربما لم أكن لأستنتج هذه الملاحظات، المهمة بالنسبة لي.

وحقيقة الأمر فإن الحديث حول الأفكار التي طرحها الوثائقي يحتاج إلى عدة عناوين تكتب حول هذا الموضوع، ولكن ما أريد الحديث عنه الآن هي الفكرة الأساسية التي قام عليها العمل، وهو التوازن، وارتباطه بالعقل والإرادة الحرة، وعلاقتهما بالخالق آخر الأمر، والملاحظات التي سأذكرها هنا تباعا هي استنتاجي الشخصي، وليست رسالة الوثائقي بذاتها، أفكار استقيتها من الوقائع التي وثقها العمل وحسب.

(1) الخالق والخلق

بين التوازن الغيبي، والقوانين وارتباطها بالارادة الحرة والعقل

يتطرق الوثائقي في أول نصف ساعة تقريبا لتكون الأرض، وتطور ما عليها من عناصر، مركزا على مسألة أساسية هي التوازن الدقيق بين كل شيء، بين الآكل والمأكول، من حيوانات ونبات ومياه وهواء، وكيف ترتبط حياة كل واحد منهما بالآخر، دون الحديث عن الإنسان في هذا الموضع.

هذا التوازن جعلني أفكر، هل إن الحيوانات التي لا تمتلك أثمن ما في الوجود، وهو العقل، تكيّفت بنفسها وعرفت كيف تأخذ مقدار كفايتها بذاتها وهي لا تملك العقل؟

هل إن هذه الدقة المتناهية في التوازن بين الماء والنبات والحيوانات هي نتيجة صدفة؟

وتجارب لكائنات لا تمتلك عقلا؟

على أي حال، لا أريد التوقف هنا طويلا، فالشق الثاني يكمل الفكرة.

أما الإنسان، الذي امتلك العقل، وبالتالي امتلك الإرادة الحرة، التي تشكل خطرا بحد ذاتها، ما دمنا نتعامل مع الانسان، الطماع، الميال بطبيعته إلى الشر، الأناني، الإرادة الحرة التي ستجعل منه يستخدم عقله لتسخير كل ما حوله لمصلحته الشخصية، غير آبه بالطبيعة، ما دامت العواقب الوخيمة تتطلب وقتا طويلا لكي تتجسد، ومن هنا بالذات، وُجدت الحاجة إلى القانون، القانون الذي ينظم إرادته، ويحد من طموحاته، ويوقف عبثه بما حوله، ويكبح أنانيته، فكانت الأديان، وكانت القوانين الوضعية، وسواء لمن لم يؤمن بالخالق الباعث للرسل، أو من آمن، فإن الأديان ستظل بصميمها، مجموعة من القوانين التي تنظم حياة الانسان، وتحفظ توازنه مع بقية المخلوقات، أما تطورها إلى منظومات تخريب فهو أمر منوط بالإنسان نفسه، وإرادته، ولا يتعلق بذات الأديان، خصوصا تلك التي تمتلك المرونة الكافية للتطور والتطوير.

ملخص [الارادة الحرة مرتبطة بالعقل، والحيوانات بلا عقل بحاجة إلى تنظيم إلهي يضبط توازنها، أما الانسان الذي امتلك الارادة الحرة بامتلاك العقل فهو بحاجة إلى قانون يكبحه لأجل التوازن، مرة يكون دينا، ومرة يكون قانونا وضعيا].

(ملاحظة: الصورتان من الوثائقي)

رفع 2

حول النظام الرئاسي

نحن كعراقيين ماهرين بمعالجة رأس المشكلة، وتجاهل أصلها، مما يجعل حلولنا تبدو كمحاولات قطع رؤوس القصب دون اقتلاع جذوره، والتي تنتهي بنموه من جديد، وآخر هذه الحلول العبقرية التي يطالب بها العراقيين الفيسبوكيين هو النظام الرئاسي.

ولو سألت الكثيرين ممن يطالبون به، عما يميز هذا النظام عن غيره، وأن يحددوا بدقة نوع النظام في العراق لما دروا، ولما عرفوا رأس القضية من ذيلها.

1. يحسب الداعون إلى النظام الرئاسي أنه لا يضم برلمانا، وهو السبب الأساس الذي يطالب العراقيون على مواقع التواصل الاجتماعي بالنظام الرئاسي لأجله، فخلال الأعوام الماضية، تضافرت مجموعة من العوامل على تشويه صورة البرلمان كمؤسسة أصيلة في النظم الديمقراطية أمام المجتمع العراقي، وحمّلته بمفرده مسؤولية الخراب الذي ضرب البلد حتى اليوم، رغم ان المسؤولية لا تقع على البرلمان كمؤسسة، ولكن تقاسم تخريب صورته نواب قدموا له بأسس المحاصصة، وتداعيات التشظي العراقي، والخلافات المذهبية العرقية، فنقلوا مشاكلهم إلى البرلمان، وقاموا بتضخيمها، بدلا من العمل على حلها، وزاد في الطين بلة تمدد السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية المتمثلة بالبرلمان خلال ولايتي رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وعمله على رمي الكثير من الأخطاء والاخفاقات التي صدرت عنه على البرلمان، وتنصل الحكومة منها، مع أنها الاكثر سلطانا كأمر لازم للنظم السياسية في العالم النامي، أو المتخلف أو التي تمر بمراحل انتقالية، فبدا أمام العراقيين وكأن مشكلتهم تقبع في البرلمان وحسب.

2. البرلمان العراقي ما هو إلا انعكاس للمجتمع العراقي، أو ما أريد له أن يكون عليه، وخلال السنوات الماضية تعمق الشرخ الاجتماعي لدرجة كبيرة، واعضاء مجلس النواب ما هم إلا نتيجة تصويت ذات المنادين اليوم بطردهم، والسراق، السبابون، المستعرضون بالفضائيات هم نتيجة لصناديق الاقتراع، وللنظام الانتخابي الفاسد الذي جعل هيمنة ذات الوجوه على العملية دائماً.

3. طيب، عن أي نظام رئاسي يتحدث المطالبون به، هل هو النظام الرئاسي المطلق كما في الولايات المتحدة، أم هو النظام شبه الرئاسي كما طُبق في فرنسا؟ والغريب ان البعض يقارن انظمة رئاسية مثل النظام المصري أو الجزائري بالنموذجين الأولين، على ما بينهما من اختلاف واسع، فالنظم الرئاسية في الدول غير الديمقراطية أو المتدثرة بالديمقراطية ــ صندوقراطية ــ ما هي إلا تطبيق لما يطلق عليه الدارسون للسياسة اسم (الرئاسية) حيث يبدو ان النظام الحاكم رئاسي، بينما هو رئاسية، يتفرد بها الرئيس بكل الصلاحيات ويلغي دور البرلمان، مما ينفي صفة الديمقراطية بالتالي، ويجعل مقارنة النظم في العالم النامي بالنظم المتقدمة نكتة سمجة.

4. الرئيس في النظم الرئاسية عموما ورغم صلاحياته الواسعة، إلا انه يظل كما في النظم البرلمانية، مقيد الصلاحيات فيما يخص الإنفاق المالي، وإعداد الميزانية، يقترح القوانين، لكنه لا يمنحها القوة القانونية الملزمة دون موافقة البرلمان، قد يوقفها، ولكنها لا يمنحها القوة للتطبيق، ويخضع لاستجواب البرلمان، وتراجع سياساته هو ووزرائه بشكل دائم من قبل السلطة التشريعية ــ يعني البرلمان وراكم وراكم ــ.

5. الفكرة من تقسيم السلطات عموما هي تهشيم السلطة، وعدم حصرها بيد فرع واحد كإجراء يضمن عدم استبداده، لهذا ظهر التقسيم المعروف للسلطات، تشريعية، تنفيذية، قضائية، وأي مطلب بإضعاف أحداها هو مطلب ينافي الديمقراطية ونظرياتها، شئنا أم أبينا.

6. طيب، كيف سيتم اختيار الرئيس في النظام العراقي الرئاسي الذي تريدون؟ عبر الانتخابات أليس كذلك؟ ولكن وفق أي قانون انتخابي، الاغلبية المطلقة، أم النسبية، أم معادلة سانت لاغ “المخربطة” عفوا المعدلة عراقيا؟ ما يجب أن تتم ملاحظته، أن المشكلة العراقية لا تتعلق بالدرجة الأولى بشكل النظام السياسي المتبع فيه، بل بطبيعة الثقافة السياسية السائدة، والتشظي الهوياتي عموديا، والطبقي أفقيا، الرئيس المفترض سيكون جزءا من حزب، أو طائفة، ولن يكون مقبولا بالنسبة لجمهور الطائفة الأخرى أو الحزب الآخر، لأننا لا نزال في العراق يا سادة، بكل مشاكلنا السياسية والهوياتية.

7. فضلا عن ذلك كله، وبالتتابع مع النقطة السابقة، يجب ملاحظة أمر فائق الأهمية يجعله المتخصصون عادة من أهم أسباب عدم الاستقرار الحكومي والسياسي تبعا له، وهو طبيعة النظام الانتخابي، حيث ان نظام الأغلبية النسبية يقود دائما إلى عدم الاستقرار الحكومي، ويحتاج إلى دولة مؤسساتية قوية لا تهتز كثيرا بالتقلبات الحكومية الدائمة، مثل ما يحدث في إيطاليا وإسرائيل مثلا، بينما تلجأ دول أخرى إلى وضع عتبة انتخابية تسهم في تقليل الكتل القزمية في المجلس التشريعي، وتقود إلى استقرار حكومي عبر تحالف قوي، مثل ما ينص عليه القانون الانتخابي التركي مثلا، أما نظام الأغلبية المطلقة فهو ما يتبع في بريطانيا والولايات المتحدة الذي يقود بالتالي إلى الحزبية الثنائية.

8. النظام العراقي الحالي ليس نظاما برلمانيا تماما، بل نظام هجين، فيه ملمح من النظام الرئاسي برئيس يملك صلاحيات اقتراح القوانين، والاعتراض عليها، بينما هو في صلبه يحاكي النظم البرلمانية، وبطبيعته، وطبيعة الوضع العراقي فهو مجرد صيغة توفيقية بين المصالح المتصارعة، وبملاحظة فشلها فهو غير مجدٍ علميا.

9. مرة ثانية، في النظم السياسية التي تواجه مشاكل التقليدية والتخلف مثل النظام العراقي تبرز مشكلة أساسية، وهي تمدد السلطة التنفيذية على بقية السلطات، وهو ما تبيّن بدرجة واضحة خلال حكومة نوري المالكي، واستفراده بالقرار السياسي، وتأثيره على القضاء وغيره، الأمر الذي لا يزال موجودا ولكن بطريقة مختلفة، لان الدكتور العبادي لم يتسنم منصبه والعراق شبه مستقر كما كان الأمر، بل نصف العراق ضائع، والجيش والشرطة ضعيفان، وقوى الأجهزة الردعية هي أضعف من في الشارع اليوم، والمحافظات تكاد تستقل بقرارها الإداري، فعن أي دولة وأي ترقيع تريدون الحديث؟

10. ان اختزال المشكلة العراقية بهذا الموضوع ما هو إلا تسطيح لها، فالمشكلة العراقية متعددة الأبعاد، سياسية، اجتماعية، اقتصادية، عسكرية، وتواجه تحديات داخلية وخارجية، ضغوطات إقليمية ودولية، ناهيك عن صعوبة تعديل الدستور، وجمع الكلمة على ذلك.

11. اعترف اليوم، وبالاتصال مع آخر النقطة السابقة عن مدى ضلالي السابق، الذي بني على جهلي ونقص المعرفة، فعندما كنت طالبا في المرحلة الأولى عام 2005 بكلية العلوم السياسية كان أساتذتي يحدثونا عن خطأ الطريقة التي كتب بها الدستور، ويحاولون بكل ما أوتوا من تهذيب بذلك الظرف الخطر أن يبينوا لنا القنابل التي زرعت فيه، والتي ستهدد الوحدة الوطنية، وتؤذن بتفجير صراعات لا آخر لها، وخطر تضمينه نصوصا تجعل منه هرما لا يقبل النقض ولا التعديل ولا التغيير، وكنت كغيري من الزملاء مندفعين بحس وطني أو غيره، تشدنا العاطفة إلى الأمل بمستقبل واعد بعد انهيار نظام صدام حسين، وورود بشائر الديمقراطية رغم السلبيات القائمة، فضلا عن التحشيد الطائفي، واليوم تتحقق كلماتهم، لأنها كانت نتيجة لاستقراء علمي، ومواقفنا كطلبة كانت نتيجة لآراء مسبقة، ولأحكام نقاشات المقاهي التي صارت اليوم نقاشا فيسبوكياً، ولا يزال الموقف نفسه يتكرر، الأكاديميين وأهل الخبرة تم تنحيتهم عن الموضوع، ومن دخل من الأكاديميين في معمعة الأحداث اليوم في الغالب يغرد مع رغبات الجهة التي تحميه، وظلت الجماهير تهتف بمزاجها.

12. مشكلتنا ــ باختزال شديد يصل حد الاخلال ــ لا تتعلق بشكل النظام السياسي، مشكلتنا تتعلق بالمجتمع ذاته، بقيمه المؤسسة، وانعكاساتها على الدولة وما تتضمنه من أنظمة فرعية، منها النظام السياسي، نحن بحاجة إلى عقد اجتماعي بعد أن تفككت روابطنا القديمة التي ضمنت حداً أدنى من إمكانية التعايش.

 

20/ 6/ 2015

 

النزاهة في العراق الجمهوري

ملاحظات أولية حول النزاهة، بين السلوك الشخصي والالتزام بالقانون

السؤال الأساس الذي أود طرحه في هذا الموضع هو: هل إن النزاهة المطلوبة من الحاكمين هي منقبة وسلوك شخصي وحسب؟

أم أنها يجب ان تكون سلوكا قانونيا لمن نهض بأعباء الرياسة وتبعات المنصب؟

ان تفحص طبيعة سلوك رجال الحكم في العراق الجمهوري، وطبيعة النظام السياسي، وجره للدولة وراءه بكل سلبياته أو إيجابياته، سيبين ان الطابع الشخصي كان هو الأساس في السلوك الإداري والسياسي، بعيدا عن الالتزام بالقوانين.

ولعل أول ما يتمسك به محبي وأنصار عبد الكريم قاسم هو نزاهته، وخروجه من الدنيا بدون تركة مالية أو عقارية.

كما ان هناك من يلاحظ أن النزاهة تلك كانت سمة ظاهرة ــ أيضا ــ على أغلب القابضين على السلطة في العراق، حتى وصول صدام حسين إلى المنصب الأول في الحكم، وفي حقيقة الحال لا يمكن نكران ما ذكره الفريق الأول أو الفريق الثاني.

ولتفحص ما أذهب له، من المهم العودة إلى العصر الملكي، حيث سنلاحظ ان ما يفتخر به الشيوعيون، والمعجبين بقاسم من غير الشيوعيين، من نزاهته لم يكن بالأمر الغريب عن رجالات العهد الملكي، الذين تربى قاسم على قيمهم، ونشأ في مؤسساتهم.

ولكن المميز الأساس بين العهد الملكي والعهد الجمهوري ان النزاهة في العهد الأول لم تكن مجرد صفة شخصية نابعة من البيئة والتربية، بل كانت ــ من جانب آخر أكثر أهمية ــ انعكاس لصورة الالتزام بالقانون وتعليمات الدولة.

فكل إنفاق، أو نشاط، أو خطة عمل كانت تتم بقانون، ولست أزعم هنا ان البرلمان في العهد الملكي كان برلمان ملائكة، أو انه نابع من انتخابات حقيقية، فطبيعة الصراع السياسي، وصيرورة بناء دولة حديثة في العراق في ظل الاستقطابات الآيديولوجية التي بدأت تغزو المنطقة بعد بدء الحرب الباردة خصوصا، فرضت أن تتضمن السياسات الحكومية الكثير من التلاعب في الانتخابات، الأمر الذي تطرق له د. نزار توفيق الحسو في كتابه (الصراع على السلطة في العصر الملكي)، وناقش حنا بطاطو جذوره في كتابه المهم (العراق).

ولكن رغم ذلك، فقد كانت للقانون حرمته، وكان القضاء مستقلا، والقضاة لا يساومون، ولا يجاملون، ولا يخضعون لرأي سياسي، ويمكن هنا مراجعة كتاب القاضي فتحي الجواري (سدنة العدالة اعلام القضاء في العراق).

ولكن ما تغير في طبيعة نزاهة الحاكمين في العهد الجمهوري أن العسكر لم يحترموا القوانين يوما رغم نزاهة أغلبهم، وأولهم عبد الكريم قاسم، وأن سلوكهم النزيه كان مجرد طبيعة شخصية نشئوا عليها، ولم يكن انعكاسا لالتزامهم بالقوانين، وبطبيعة الدولة وروحها القائمة على القانون بالأساس.

ففي عهد عبد الكريم قاسم بدأ تدخل السلطة السياسية والفرع التنفيذي بشكل أدق ـــ بعد ان انتهى دور البرلمان نهائيا ــــ في عمل القضاء، وحدث الصدام الأول بين عبد الكريم قاسم وقضاة محكمة التمييز العراقية، وإن لم يتطور كثيرا لأن قاسم كان أكثر نزاهة وأجنح إلى التنظيم وعدم تكسير الأيدي من الذين قبضوا على السلطة من بعده، حيث تناما التدخل إلى ذروته بعد صدور قرار مجلس قيادة الثورة ــ أبان رئاسة احمد حسن البكر للجمهورية ـــ بجعل الأشراف على القضاء من صلاحيات وزير العدل، مما سبب احتجاج قضاة محكمة التمييز، واصطدامهم بوزير العدل ــ للأسف كان الدكتور منذر الشاوي ـــ.

إن طريقة التعامل مع القضاء، والنزاهة التي لم تكن تعبيرا عن التزام بقانون أكثر من كونها خيار شخصي، يبين حجم الفارق بين أنظمة العراق الجمهوري، والعهد الملكي، ويدلل على ان الأخير كان عهد دولة، وإن شابته من الأخطاء ما يشمل أي نظام إنساني آخر، بينما كان العراق الجمهوري عهد حكام شخصنوا النظام في ذواتهم، وليس دولة بما تعنيه الدولة من تجرد.

ولأسأل، كم هو عدد الذين أعدموا لأجل موقفهم السياسي في العهد الملكي؟ باستثناء فهد ورفاقه بطبيعة الحال.

وحتى إعدام سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في خضم تيار الحرب الباردة الجارف، لم يتم برغبة مزاجية، أو بإيعاز من نوري السعيد أو عبد الإله، بل كان بمحاكمة، وبقانون، عكس الفوضى الدموية والمحاكمات الفورية التي برعت بها تيارات العهد الجمهوري، ابتداءا من الشيوعيين وانتهاءا بالبعثيين، محاكم شارع، يقوم متأدلج حزبي نصف متعلم، متسلح بالبندقية لا بالقانون، تنتهي بإصدار حكم سياسي ينفذ بالاعدام ولا شيء سواه.

ثم هزل الأمر للدرجة التي صار القانون مضغة في فم صدام حسين، والذين عاصروه يتذكرون جملته الشهيرة التي كان يعقب بها على طلبات مواطني المناطق التي يزورها، ملتفتا إلى مرافقه صباح ميرزا، بعد أن قرر منح المواطنين مكرمة إعطاءهم جزءا من حقوقهم قائلا: (صباح سويلهم قانون).

إن الدول لا تقوم إلا بالقوانين، والسجايا الشخصية تذهب مع أصحابها، نعم هي جزء لابد من غرسه وتنميته في عملية التنشئة، لأن الدولة في النهاية نظام شامل، يتكون من مزيج من النظم الفرعية، بينها النظام القانوني، والنظام الاجتماعي، الذي يضم الثقافة، والتي تندرج النزاهة ضمن إطارها بالتالي.

ولعلي لست مبالغا إذا قلت أن أول ما خرّب الدولة في هذا البلد كان الزعماء الملهمين، النزيهين، غير الملتزمين بالقانون.

[للاستزادة حول دور محكمة التمييز، من المناسب الاطلاع على هذا المقال: القضاء العراقي سابقاً وحاضراً من منذر الشاوي إلى مدحت المحمود]