أرشيفات التصنيف: خارج السياق/فنون/سينما

وودي آلن

علي المعموري

كل مرة اتورط فيها واعتزم مشاهدة فيلم من آخراج وودي آلن افشل في أكماله حتى المنتصف، رغم انه يحرص دائما على ان تكون هناك ممثلة واحدة على الأقل تجرك جراً برقتها لمشاهدة الفيلم ــ من الأمور التي لاحظتها أيضا ان أيا من النجوم الكبار من عيار آل باتشينو وروبرت دينيرو لم يمثلوا في أي من افلام وودي آلن، بل انه يتجنب النجوم الذكور الكبار على الدوام، وقد أكون مخطئا لا أعرف ــ لكن كالعادة، فإن آلن الذي يكتب بنفسه أفلامه يقتلني بقصته رويدا، يحاصرني بحوارات طويلة عريضة يؤديها الممثلون بطريقة وودي آلن نفسه، وأسلوب تمثيله الفاقع المبالغ والبارد في ذات الوقت، لأفقد قدرتي على المتابعة، وأفرّ راكضا عن الفيلم، مضحيا بالجميلة التي تخطر فيه.

طيب، أفلام وودي آلن ليست افلاما استهلاكية، انها أفلام ذات مغزى، كما انه يستخدم حيلا فنية ورموز كثيرة تجبرك على الانتباه لكل تفصيلة لكي تربطها لاحقا بمشاهد أخرى، وهي أمور أحبها بشغف، فما هي مشكلتي مع الرجل وأفلامه إذن؟

حسنا، لعل اكثر ما يقتلني بها هو إيقاعها البطيء الجامد بدرجة تكاد تكون مفتعلة، لا أعرف لماذا اشعر بذلك، بالاضافة إلى أن هناك أمر غريب يتعلق بشخصياته، يتصرفون في أحيان كثيرة كأنهم آلات، أو روبوتات لا حول لها ولا قدرة تجاه حياتها، ولا يستطيعون ملاحظة التناقض الكبير في سلوكياتهم وقراراتهم المفاجئة غير المفسّرة، ثم جمود مشاعر شخصياته بدرجة كبيرة رغم تفاني الممثلين في بث الحياة بتلك الشخصيات، كيف يمكن ـ مثلا ـ ان تهيم الشخصية التي تؤديها البنفسجة الرقيقة إيما ستون في فلم (Irrational Man 2015) بصورة مفاجئة باستاذها العصابي، ثم تقنع نفسها بأن لا مشكلة في ذلك، بالرغم من وجود حبيب في حياتها تصرح أكثر من مرة بأنها تحبه، ثم وبعد ان يحاول الاستاذ قتلها فيقتل نفسه عرضيا تضحك وتتجاوز الموضوع بسرعة كبيرة، كل هذا بظل حوارات طويلة تبدو اقرب إلى الثرثرة مهما حرص على استدعاء كيركيغارد وهايدغر لنص الفيلم باعتبار الاستاذ القاتل والطالبة متخصصان بالفلسفة.

************

على أي حال، من حيل وودي آلن التي أشرت لها وتضمنها الفيلم هو الطريقة المسرحية التي مات بها البطل أستاذ الفلسفة، المرتبطة بمشهد سابق.

فقد اصطحبته تلميذته الجميلة إلى مدنية الألعاب، وهناك ربح من أجلها في لعبة التصويب هدية، وترك لها حرية الاختيار من بين الهدايا التي تعرضها صاحبة اللعبة، فاختارت مصباحا يدوياً! فقال لها ممتاز، هدية عملية، أليست مفارقة ان تختار تلميذة مصدراً للضوء كهدية من استاذها، ما هو واجب الاستاذ سوى أن يكون مصدرا للضياء؟

بمهارة عالية لا يترك وودي آلن الاستاذ ليختار الهدية، بل تختارها التلميذة نفسها، من بين أمور أخرى قدمها لها استاذها، انه واجب التلميذة بقدر ما هي مسؤولية الاستاذ، الذي يعريه آلن مسبقا بجعله يمنح خيارات عدة تكون التفاهة والقبح من بينها، ويذهب أبعد من ذلك حينما ينقل القبلة بين الأستاذ والتلميذة عبر مرآة مشوهة وهو يرمز للخطأ والتشوه الذي يشوب هذه العلاقة الخاطئة.

ويرتبط هذا المشهد بالمشهد الذي يموت فيه الاستاذ وهو يحاول قتل تلميذته، التي باح لها بقتله لأحد القضاة إحقاقا للعدالة، فانقلبت البنت عليه، ليقرر قتله برميها في بئر المصعد في البناية التي تدرس فيها العزف على البيانو وإثناء محاولته جرها ورميها، تسقط حقيبتها، وتتناثر أشيائها على الأرض ومنها مصباحها اليدوي الاصطواني ذاك، ليتدحرج الأستاذ عليه، ويسقط في بئر المصعد ميتا، تحمل البنت المصباح المضاء وهي تضحك، إنها إشارة إلى تطور الافكار عبر الأجيال، وإن فكرة منحها الاستاذ لطالبه، سوف تكبر عند الطالب، لتنهي القيم القديمة التي ارتكز عليها الاستاذ وجيله، لا بل تقتل تلك الفكرة، وأن الضوء يقتل العتمة، وأن الأفكار الجيدة والنبل ينتصران على الشر، وهي لعبة يلعبها وودي آلن على الدوام.

استطيع القول ان الفيلم يتضمن فلسفة جميلة تتناول كيف يمكن ان يتحول المثالي المفرط بمثاليته إلى مجرم يبرر لنفسه القتل، فضلا عن قدرة فتاة جميلة مثل التي تؤدي ايما ستون على لعب دور في تغيير حياة رجل غارق بالكآبة الفلسفية، لكن أسلوب وودي آلن ورتابته القاتلة كتم على أنفاسي حتى لم استطع إكمال الفيلم.

عن الفيلم

imdb

 

(Black or White (2014

علي المعموري

لن أكتب شيئا عن هذه التحفة، سأقول فقط استنتاجي الشخصي المرتبط بقصته وبتجارب أخرى.

خذ أي رجل ناجح، مستقر عائليا، أي رجل، واسلبه امرأته، سكنه التي يأوي إليها، وتفرج على الفوضى التي أحدثتها.

دعك من الناجح، ودعك من المستقر، المحب لأسرته، خذ اتفه نموذج تريد من الرجال، واسلبه المرأة التي تقوم على شأنه، وانظر لحجم الفوضى التي ستعم حياته، هو يركض ليتزوج غيرها، لأنه يعرف انه لا قيمة له بدون تلك الشريكة، مهما احتقرها، ومهما آذاها، بدونها هو محض يباب.

لهذا، فإن الرجل الذي لا يتزوج، لا يجلب شريكة لحياته، والذي تمنحه أمه التوازن اللازم ليحمي روحه من البعثرة، هذا الرجل؛ يكون أكثر مناعة من الإصابة بالفوضى في حالة وفاة أمه، لأن هناك حد بينه وبين أمه، تفصيل غامض، يمنحه الثقة والاستقلالية، يحميه من الانكسار والشعور بالحاجة إلى الغير، منحة الأم الثمينة، أما الشريكة، فمعها تكون الثقة متلازمة مع الحاجة إليها، لهذا يتحطم الرجل الصالح تماما إذا غابت شريكته، يفقد كل قدراته الاستثنائية، يفقد طريقته المعتادة بالأكل، بالنوم، بالشرب، حتى تنفسه للهواء يختل فلا يدري ماذا يصنع بنفسه، وكيف يتعامل مع المسؤوليات التي لم يكن يعرف بوجودها، وأدرك فجأة أنه لا قيمة له بدون وجود شخص يؤديها عنه، كما يؤدي هو مسؤوليات أخرى متممة لها، واتضحت له انجازات صنعها، يخالها الناس عظيمة  وكانت لتبدو تافهة، لولا تلك اليد الحانية التي دعمتها ومنحت صاحبها الثقة للعمل.

على هذا، الأم تمنحك الثقة لتستقل حتى لا تحتاج لها بعد رحيلها، رغم الثقب الذي يتركه رحيل الأم في كل قلب سوي، ثقب لا يلتئم مهما تطاول زمنه، أما الزوجة، الشريكة، فتمنحك الثقة لتعود للمزيد مرارا وتكرارا، حتى تصير مدمناً، تعم حياتك الفوضى بدون دفعات الحب والثقة المتكررة التي تمنحها لك الشريكة.

وعليه: لا زواج.

دعكم من هذا، كيفن كوستنر كان استثنائيا، على طوال الفيلم، أما المشهد الذي ارتقى فيه منصة الشهود في المحكمة، متنازعاً على وصاية حفيدته، في هذا المشهد كان أن يخرج علينا من الشاشة!

فيلم رائع، فيلم يشاهد، ولا يُحكى عنه…

Black or White 2014

Director: Mike Binder

للمزيد عن الفيلم على موقع: imdb

Mr.Holmes

من الافلام الجميلة، واطئة الكلفة، عالية المضمون.

يكفيك منه ان تستمتع بأداء السير إيان ماكلين، وهو يرسم بدقة كل ما يخالج الشخصية التي يؤديها.

سنجد السيد شيرلوك هولمز، بطل سلسلة القصص البوليسية الشهيرة التي ألفها السير آرثر كونان دويل، في مزيج بين الوقائع الشخصية التي تعرض لها دويل نفسه في الحقيقة، وبين الوقائع المتخيلة للشخصية التي رسمها، المحقق شيرلوك هولمز، وأحسب أن من المهم ملاحظتها قبل أن اتحدث عما فهمته من الفيلم.

في السلسلة الأصلية، سنجد أن من يدون الوقائع هو الدكتور واطسون صديق هولمز وشريكه في العمل، بينما يكتفي هولمز نفسه بأداء دور البطولة، ولكن في الحقيقة فإن السير كونان دويل كان طبيبا، ربما لهذا اختار ان يدون طبيب سيرة بطله، كما انه اقتبس شخصية هولمز، وقدراته في الفراسة من شخصية أحد اساتذته.

ولكن المحقق الذي ابتكره كونان دويل، وصنعه من مخيلته، طغت شهرته، وغطّى على اسم مؤلفه ورسمه، لدرجة أن الرسائل التي كان المعجبون يرسلونها إليه كانت تعنون وتصل لبيته مدموغة باسم شيرلوك هولمز، لا اسمه كمرسل إليه، ليس لكونان دويل شخصيا، بل مَنح الناس لقب النبالة الذي كرمته به الملكة لهولمز، فصار السير شيرلوك هولمز، حتى فاض به الكيل وقرر قتل محققه في إحدى الروايات، ثم عاد بعد سنوات من العزلة ليبث في روحه الحياة، ويبين انه كان مختفيا في أحدى القرى النائية في أوربا.

أما في هذا الفيلم فإن هولمز نفسه هو من يدون القصة، لأنه وجد في الوقائع التي رواها صديقه واطسون لذات القصة شرخا يخالف منطقه، منطق هولمز، وما يعرف انه كان ليفعله في مثل هذه الملابسات، الأمر الذي لم يستطع تفسيره، لوطأة اعراض الشيخوخة والنسيان الذي يعصره عصرا، الأمر الذي تطلب ان يتم قص الفيلم بطريقة تداعي الذاكرة، والقفز بين الحدث الحاضر والحدث الماضي، عبر ذاكرة عجوز خرف بكل ما يمكن ان يثيره هذا الموقف من التباس وغموض، مما يذكرك بالروايات العظيمة التي كتبت بهذا الاسلوب، مثل الصخب والعنف.

سنجد في لحظة تذكر ان هولمز يسكن في عنوان هو غير المعلن عنه رسميا، وان السائحين وغيرهم يزورون ويرسلون الرسائل للعنوان الخاطئ الذي زوده بهم د. واطسون، بيت آخر مقابل البيت الحقيقي، ليقف هولمز بكل اعتداده بنفسه، ونرجسيته العالية يراقب من بعيد ساخرا من هؤلاء الناس، متمركزا في علياء عزلته التي يراها لائقة بشخصه، كما سنستشف من كلامه لاحقا.

ولكن الحقيقة انه كان يدرك مدى ما تحمله هذه العزلة من قسوة وخداع في ذات الوقت، سنجده طوال الفيلم يحاول جاهدا أن يتمسك بأطراف ذاكرته الممزقة، علها تقيه عري الوحشة التي تعصف به في أيامه الأخيرة، ممتزجة بشعور طاغ بالذنب، يسيطر عليه ويفقده راحته الموهومة، لسبب غامض لم يعد يتذكره، انه غارق في عزلته، ويدرك مدى وحشة هذه العزلة تحت وطأة الخرف، ثنائية معقدة، شعور بالذنب من سبب مجهول، قاده لعزلته، وعزلة قاسية تلح عليه لتذكر سببها الرئيس، دون أنيس، أو محفز للحياة.

ثم يجد في الفتى (روجر) ابن مدبرة منزله خشبة أمل وسط بحر الذاكرة المثقوبة واللارغبة في الحياة الذي يغرق فيه، طفل ذكي لدرجة لافتة، حتى أن هولمز وفي فظاظة معهودة منه يقول لوالدة روجر ان الاطفال الاستثنائيين يولدون في العادة لوالدين لا يملكان ما يثير الانتباه، طريقة تعامله مع الفتى، وحرصه الشديد عليه تخبرك بأنه تحت هذه التصرفات القاسية انسان، قلب ينبض بالمشاعر وليس صخرة من قسوة لا رجاء فيها.

بل إن بعض التفاصيل المتعلقة برحلته إلى اليابان تبدو وكأنها مخصصة فقط للكشف عن ذلك الانسان القابع في أعماقه، رغم ما أحاطه به من حواجز، هو يسافر إلى اليابان للبحث عن عشبة الرماد الشائك، علّها ترمم ذاكرته المتداعية، وفي مشهد مبهر، يزور هيروشيما وفي وسط دمار القنبلة الذرية، ورماد الموت الذي يملأ المكان بوحشية، يركض مضيفه الياباني فجأة، ليزيح كومة من الرماد بيديه، بعد ان اكتشف وجود تلك النبتة التي يبحث عنها هولمز، يقول هولمز لاحقا وهما جالسين في المطعم مستغربا من طريقة إيجادهم للعشبة (هيري سانشو): كنت احاول احتساب احتمالية إيجاد (هيري سانشو) في مكان يخلو من الحياة تماما، فيجيبه الياباني: ربما هي الحياة التي ترغب بتأكيد وجودها!

الولد (روجر) ـوأثناء سفر السيد هولمز إلى اليابان لتدارك ذاكرته ـ يدخل إلى مكتب هولمز، ويقرأ القصة التي يحاول العجوز الوصول بها لنهاية تريحه، ويعرف بذكائه انها السبب في شعوره الطاغي بالذنب، ثم يكتشف الرجل ـ الذي قضى حياته في تتبع الأدلة ـ بعد عودته ان الطفل قد قرأ مسوداته، ويبدأ بالنقاش معه حول الأمر، منبهر من ذكاء ابن المدبرة هذا، ورويدا… يقتحم روجر حواجز هولمز، فيشركه في العناية بنحلاته، التي يشكل وجودها إشارة مهمة في حياته سنعرفها لاحقا قبيل نهاية الفيلم.

أحسب أن الفيلم يحاول القول لنا بأن الانسان ومهما غطى نفسه بالقسوة، وأفرط في عزلته، فإنه في النهاية كائن لا يرغب بالعيش بمفرده تماما، يصرح هولمز في لحظة من البوح النادر أمام امرأة ـ صنعت به في ربع ساعة ما يعادل عمره الموحش كله ـ انه كان طوال حياته وحيدا، مع امتياز الذكاء، كتعويض لهذه العزلة، تسأله المرأة المفجوعة بأطفالها: وهل كان هذا كافيا؟ هنا يشعر بالمفاجأة، ويتبخر كبرياءه ليقول دون ثقة كبيرة ونظرة شك بائسة تعلو وجهه: ممكن أن يكون، ولأنه يدرك سخف ما زعمه، استطرد قائلا: شرط ان يكون الانسان محظوظا كفاية ليجد مكانا في هذا العالم يعيش عزلته فيه، صحبة روح لديها رغبة مماثلة لرغبته في تلك الوحدة، مقرا بأن الوحدة المطلقة غير ممكنة للانسان، لكل إنسان.

بل اننا سنكتشف في النهاية، ان هذه الفضاضة الشديدة والنرجسية الفاقعة لم تكن سوى نتيجة لشعوره العارم بوطأة الوحدة على روحه، وأن عمله كمحقق لم يكن إلا تعويضا للشعور بالذنب تجاه سلوكياته تلك، ففي لحظة من الفيلم، وبعد ان تهاجم الدبابير روجر، وعقب محاولة أمه ان تحرق خلايا النحل بظن انها من لدغت ابنها، يحاول هولمز منع الأم، التي تتهمه بأنه لم يهتم لروجر، وأن عاطفته لم توجه لسوى نحلاته، تقول له بأنه لم يأبه بروجر الصغير، فينخرط هولمز الجبار القاسي بالبكاء على الطفل الذي يحبه كثيرا، الذي من الممكن أن نستنتج انه يجد فيه صورته، ذلك الذكاء الاستثنائي ـ ما دمنا لا نعرف شيئا عن هولمز ونشأته، ومحيطه العائلي سوى ما يرد من إشارات لأدوار معينة أداها شقيقه الارستقراطي في حياة هولمز العملية ـ.

إزاء غضب الأم التي تكاد ان تخسر طفلها، يعترف هولمز الباكي بأنه لم يأتِ إلى هذه العزلة إلا ليتجنب إيذاء شخص آخر، لأنه وبأنانية مفرطة، وخوف من التجربة رفض ان يساعد آن ـ المرأة التي اعترف لها بوحدته وصنعت في نفسه كل تلك المشاعر المتضاربة رغم انه لم يقض معها سوى وقت قصير ـ ونتيجة لسلوكه ذاك انتحرت المرأة، فقرر ان يأتي هنا، بعيدا عن الناس، لكي لا يجد سبيلا لإيذاء أحد آخر.

في نهاية الفيلم يحاكي هولمز ما شاهده في رحلته اليابانية وسط هشيم هيروشيما المفجع، حيث لاحظ ـ وقتها ـ رجلا قد صف دائرة من الأحجار حوله، ودأب بينها راكعا ساجدا، وإزاء نظرة السؤال التي علت وجهه يخبره مضيفه الياباني بأن هذه الاحجار هي رموز عن الأحبة الذي فقدهم الرجل، وهو جالس هنا لتكريمهم، ليصف هولمز في زاوية من ارضه أحجارا بيضاء، وهو يعدد أسماء من فقدهم، أخوه، واتسون، آن…

أنها بالفعل الحياة التي ترغب بتأكيد وجودها، هولمز، ورغم القسوة التي أحاط نفسها بها، ما هو في النهاية إلا انسان، يحمل في أعماقه مشاعر حب شاء أم أبى، هو في النهاية مثال آخر لما كتبه اندريه مالرو يوما، وهو يقص ردة فعل عمه على انتحار والد مالرو، شقيقه: (الانسان؛ كومة بائسة من الأسرار)، وجمع يديه كمن يكوّم اوراقا يابسة على منضدته، وهولمز هنا، ما هو إلا تلك الكومة البائسة من الأسرار، لا نعرف عنه الكثير، لكنه ومن المعلومات القليلة التي يمنحها لنا عن نفسه يؤكد ذلك، مهما حاولت ان تكون قبيحا، فإنك لن تتمكن من القضاء على ذلك الإنسان القابع في أعماقك، الذي صنعته الحياة، وكونته التجارب، وإن القسوة المصطنعة لابد ان يكون في جسمها المتين نقطة ضعف تنفذ عبرها مشاعرك الدفينة، كما تفعل الحمم البركانية بالأرض.

رغم ذلك، من الواضح ان الفيلم لا يحاول تقديم هذه الفكرة بوصفها قاعدة عامة كما احسب، إذ من غير الممكن تفسير سلوكيات القسوة والجرائم الجماعية التي يقوم بها الانسان اليوم، في مناطق كثيرة من هذه الأرض، وبطرق شتى، وفق هذه القاعدة، وهذا التعميم، أنا احسب ان الفيلم كان يدور حول الفرد، حول الذات الفردية التي لم يتم تحفيزها لممارسة الجريمة ايديولوجيا لا أكثر.

وبالتأكيد فلا يمكن أن يخلو الفيلم من ضرورة ممارسة هولمز لألعاب الاستنتاج في التحقيق الخاصة به في عدة مواضع، مثل استدلاله على ان الدبابير وليست النحلات من لدغت الصغير روجر، وغيرها من المواقف التي لا يجب ان افسد متعة مشاهدتها بالإخبار المسبق عنها.

Director: Bill Condon

Stars: Ian McKellen, Laura Linney, Hiroyuki Sanada

لمعلومات أخرى عن الفيلم انظر على imdb:

Mr. Holmes

Jupiter Ascending

نادرا ما يجد المرء في فيلم إثارة مليء بالرصاص والأشلاء المتناثرة دعوة للتأمل والتفكير، وهذا الفيلم ـ برأيي ـ قد يكون من هذه الأفلام.

إذ بقدر ما يتضمن من إشارة إلى ما تتعرض له القيم من استنزاف وتخريب بسبب عامل البحث عن الربح بأي ثمن ـ وهو الميكانزم الأساس الذي تنطوي عليه الرأسمالية ـ فإنه بذات الوقت يبعث رسالة مفادها أن كونك جزء من نظام رأسمالي، أمريكي بالخصوص، يوفر لك عملا مهما كان حقيرا وقائم على الاستغلال فإنك رابح، لأنك لست جزء من الأنظمة الدكتاتورية ـ بالمعيار الأمريكي ـ والتي لن تضمن سلامتك فيها على الاطلاق، أي أنه يمنحك قيما بديلة عن تلك التي تحدث عن استنزافها، أنها طريقة القديمة في إظهار ما تزعم انه إيجابي في شيء ما، عبر شتمه.

يفتتح الفيلم بالحديث عن قصة حب روسية بريطانية، تنتهي في الدقائق الأولى منه بمقتل الزوج ـ ابن الدبلوماسي البريطاني ـ في هجوم عصابة على منزلهم، الغريب ان العصابة ترتدي زيا موحدا، وتبدو مجهزة بتجهيزات وحدة عسكرية حكومية، تسرق المنزل، وتأخذ أعزّ ما يملك الزوج، تلسكوبه، أو لنقل أمله في التحرر وتطلعه نحو الحرية، وما أن يحاول التمسك به، حتى يقتله فرد من العصابة بكل برود، الهراء الأمريكي الهوليودي التقليدي حول روسيا والشرق عموما، وقد بدا مبتذلا فعلا تقديم العصابة وكأنها وحدة عسكرية حكومية، ببزات موحدة، واقتحام منظم كما تنفذه وحدات التدخل السريع النظامية  عادة.

أما الزوجة الروسية فتقرر بعدها الهرب من وطنها الذي سلبها زوجها، الهرب إلى الولايات المتحدة ـ بالتحديد! ـ وتلد ابنتها جوبيتر=المشتري [تؤدي دورها  Mila Kunis] في عرض البحر في حاوية لنقل البضائع، وبعد وصول الأسرة الصغيرة إلى مقصدها تبدأ بالعمل عند شقيق الأم، متعهد تنظيف المنازل، الذي يصر على أن تتحدث أسرته الانجليزية لا غيرها في المنزل، وفي ذات الوقت يثقل عليهم بالعمل، ويشيع روح منافسة شرسة بين أفراد الأسرة ـ فعل أمريكي تقليدي ـ ويتكرر أكثر من مرة مشهد جوبيتر وهي تهمس أثناء إيقاظ أمها لها فجرا (أنا أكره حياتي)، ويتكرر مشهد تنظيفها للمراحيض، الصورة الافتتاحية القاتمة لأي هارب أو مهاجر غير شرعي.

ولكن مهلا، انها امريكا، أرض الفرص، ولا أحد يعرف ما الذي يمكن أن يحدث له فيها، فقد تنام فتاة ليلتها وهي مجرد مهاجرة غير شرعية، لتستيقظ وهي ملكة الأرض ومالكتها!

في هذه الأرض الجديدة، تستمر رتابة حياة جوبيتر ـ التي ولدت بطريقة استثنائية ـ حتى يقبض ابن خالها من جهة مجهولة مبلغ لدفع ابنة عمته للتبرع ببيوضاتها مقابل مبلغ من المال، وتقتنع الفتاة بالأمر لتتمكن من شراء تلسكوب، ويتبين لاحقا أن هناك من يتتبع البنت، قوى خارجية، من خارج كوكب الأرض، وتدريجيا يكتشف المشاهد ان هذا الكوكب ما هو إلا مزرعة يستعد هؤلاء الغرباء لحصد سكانه، مستخلصين مادة الحياة اللازمة للخلود من أجسادهم، ويستثمر الفيلم في ذات الوقت فكرة التناسخ الفلسفية بإطار علمي، لنعرف ان جوبيتر تمثل إعادة ظهور جيني لأم لثلاثة من أمراء هؤلاء الأغراب (آل ابراساكس Abrasax) الذين يتحكمون بتجارة أعادة الحياة هذه، وأن ابنها الأكبر (Balem [يؤدي الدور Eddie Redmayne]) وهو الأثرى بينهم هو وريث الأرض، وانه يستعد لحصادها، لولا إعادة الظهور الجيني المفاجئ لأمه، التي تسبب هو بموتها من الأساس.

وسنجد شخصية (Caine Wise [يؤدي دوره Channing Tatum]) الذي يمثل نتاجا خالصا للعلم، مقاتل مهجن جينيا بين الذئب والانسان، ليكون جندي مطيع للأوامر، مقاتل عنيد لا يلين، منشق على قيم الطاعة التي زرعت في جيناته، تارك للخدمة بسبب اعتداءه على أحد النبلاء، ليظهر في لحظة خاطفة وينقذ جوبيتر من موت محقق، بعد أن استأجره الأبن الأوسط لآل ابراساكس (Titus [يؤدي دوره Douglas Booth] لإحضار جوبيتر، ومرة أخرى، سنجد التأكيد على موضوعة العلاقة بين العلم والانسان، بوصفها المزيج الذي به تقوم الحياة وتتكامل.

يقول الابن الأكبر، (بليم) لجوبيتر بعد أن أسرها جنوده: (الحياة هي فعل استهلاك يا جوبيتر، لتعيشي يجب ان تستهلكي، البشر على كوكبك مجرد مصدر للمنفعة، بانتظار تحويلهم إلى رأسمال) وبعد أن يشير إلى (المصفاة البشرية) العملاقة التي يقفون بها، يقول لها (ما تشاهدينه هنا هو جزء بسيط من آلة كبيرة وجميلة تعرف بالتطور، وهي مصممة لغرض واحد فقط: جني الربح)، كم هو غريب اختصاره لفلسفة الرأسمالية المجردة بهذه الكلمات البسيطة، بينما مهدت أخته (Kalique [تؤدي الدور Tuppence Middleton]) لذات الفكرة بالقول لجوبيتر (ان البشر يتقاتلون لأجل الموارد كالنفط وغيره من المعادن، أو الأرض ولكن بالوصول للفضاء، ستدركين ان هناك مصدر وحيد يستحق القتال من أجله، هو الوقت، المزيد من الوقت، الوقت هو أثمن شيء في الكون)، بعبارة أخرى هي تتحدث عن الخلود، الذي يتم باستنزاف أجساد البشر، بمعاملتهم كحيوانات.

إن الضرب على فكرة المنفعة المجردة من الأخلاقيات أمر غريب حقا في فيلم إثارة أمريكي، ورغم انه ينتهي بطريقة أمريكية مسرحية بالغة، بعد أن تبدأ جوبيتر بمحبة وظيفتها، تستيقظ مبكرة، تنظف المراحيض وهي مبتسمة، سعيدة وسط عائلتها، ثم تجلس على قمة ناطحة سحاب، الرمز الأمريكي التقليدي، لديها حبيب، هو ذلك النصف ذئب، أنها عاملة مهاجرة، لكنها تمتلك الأرض، لأن أمريكا تمنح لك ما لا يمنحه الآخرون، رغم ذلك كله، أحسب أن رسالة جيدة بعثت في ثنايا الفيلم، انتقدت البحث المجرد عن النفع دون قيم أخلاقية، ودون إقامة وزن لحياة الانسان.

سكتُّ عن ذكر الكثير من الوقائع التي تعزز فكرتي، حرصا على أن لا أحرق أحداث الفيلم، مشاهدة ممتعة.

Imdb

La Luna (القمر)

علي المعموري

فيلم كارتوني قصير (7 دقائق)، دون حوار، وخلال هذه الهنيهات، يقول كل شيء، دون ان يتكلم ممثلوه، غمغمات خاطفة لشخصياته الكارتونية، يتكلم عن صراع الاجيال، وعن انتقال الافكار والخبرات من جيل إلى آخر، ممجدا التغيير والابتكار، وإضافة الاجيال الجديدة للانجازات القديمة، بالاعتماد على النفس، والتفكير، والابتكار، ضمن موسيقى رائعة ومعبرة.

يبدأ الفيلم بزورق يبحر في محيط شاسع من الزرقة وسط الظلام، قارب كتب عليه عنوان الفيلم ذاته (La Luna)، طفل صغير يحدق بدهشة ممزوجة بالرهبة في المياه، ثم يظهر أبوه الضخم، وجده العجوز، يناول الجد للطفل صرة قماشية، وكأي طفل، يلتفت إلى أبوه بنظرة تساؤل، فيومئ الأب: ان افتحها، في الصرة هدية، قبعة بالضبط كتلك التي يرتديها الأب والجد، انه الميراث العائلي، الحرفة، القيم، المحتد، تنتقل من جيل إلى جيل، يبتهج الصبي، ويضعها على رأسه، ينزعج الجد من طريقة وضعها، فيسحب القبعة إلى الخلف حتى تظهر غرته، بالضبط كوضع قبعته هو، وهنا ينزعج الأب، فينزل القبعة إلى الامام حتى تكاد تحجب عينا الصغير، ويدخل الجد والاب في نزال حركي على قبعة الطفل، حتى يحسم الأب الامر، وينحي الطفل جانبا والقبعة قد استقرت كما يريد هو، لا كما يريد الجد، انه الصراع والاختلاف بين الابناء والأباء، اختلاف الرؤى وآلية نقل القيم والتجارب بين الأجيال، الامر الذي سيركز عليه الفيلم مستطردا.

يجلس الطفل بهدوء ينتظر ما ينتظره ابوه وجده، وهنا يخبرك الفيلم كيف ان الاطفال يقلدون الكبار، ويجعلون منهم قدوة، يترسمون خطاهم بدقة، يمسح الأب شاربه الكث، فيفعل الطفل ذات الحركة، يحك الجد أذنه، فيأتي الطفل بذات الفعل، ثم فجأة، يبزغ القمر، و(ها) ممتلئة دهشة تفيض على شفتي الطفل، منبهرا بالقمر القريب بشكل غريب.

يسحب الأب مرساة ويمنحها للطفل، بديهيها يحاول الصغير ان يرمي المرساة الثقيلة في المياه، فيمنعه الجد، ويطلب منه الانتظار، تستمر عملية نقل القيم، والاستفادة من التجارب، يبرز الأب سلما يتزايد حجمه تدريجيا حتى يكاد يلامس القمر، يطلب من الطفل ان يصعد، الآباء الذي يدفعون الأبناء إلى الحياة، إلى حقل التجربة، يذعن الطفل ويبدأ بتسلق السلم الطويل صُعُدا إلى القمر، يتوقف في الطريق، فيشجعه الرجلان على المضي، ثم فجأة تنعكس الجاذبية، ويطير الصغير، ليجد نفسه جالسا على القمر، والضياء الذهبي الذي كان يشع القمر به ما هو إلا العديد من النجوم الصغير الملتصقة بسطح القمر، وكل هنيهة تسقط نجمة جديدة، والطفل منبهر باكتشافه، يحدق حوله، والرجلان يطلبان منه ان يثبت المرساة، ينتبه من الدهشة سريعا، ويثبتها ليلحقه الرجلان إلى القمر.

يخرج الاب من قمرة هناك عربة، فيها مجارف ومكانس، يعطي الأب لابنه الطفل مكنسة عريضة، ويطلب منه ان يكنس النجوم المتناثرة على الارض، فيحتج الجد، ويعطي الطفل مقشة شكلها مختلف، ويرى انها الافضل في أداء العمل، ويندلع الجدال بين الاثنين، وخلال ذلك ينتبه الطفل إلى الاختلاف بين الرجلين، مكنسة أبيه تشبه شاربه الكثيف، ومقشة الجد تشبه لحيته البيضاء، يضحك برقة، ثم فجأة، تتقدم نجمة كبيرة الحجم، تُلجأ الثلاثة إلى مخبأ بعيدٍ عن وقع سقوطها المدوي.

انها نجمة كبيرة، لم يشاهدها الرجلان من قبل، انها الحياة التي تزداد تعقيدا، ولا تنفع الحلول التقليدية الجاهزة المستقاة من تجارب حدثت في زمن آخر في حلها، المشاكل الجديدة، التي تتطلب حلولا جديدة، يفشل الرجلان في زحزحتها عن موضعها، تتكسر أدواتهم التقليدية، وحلولهم التقليدية، ثم فجأة، يركض الطفل إلى صندوق العدة، يستخرج مطرقة، يرتقي النجمة، يحدد موضعا منها يطرقه بلطف، فتنهار النجمة إلى عشرات النجوم الصغيرة الأخرى، ويحلق الطفل خلال النجمات المنهارة كالحلم، كالعصفور، ويعقب سقوطه الناعم بضحكة جذلة تخرج الرجلان من الدهشة التي ضربتهما، فيضحكان.

حينما ينزلون إلى القارب، سنجد ان الطفل قد وضع قبعته بطريقة اختارها هو، تختلف عن طريقة جده وأبيه، يضحك الثلاثة، ويربت الرجلان على الطفل تشجيعا وإعجابا، ويتبادلان السعادة، لقد صنع الجيل الجديد حلوله، واختار طريقة تفكيره الخاصة، المتناغمة مع التراث، والمتحررة من قيوده، وأصلح بين الجيلين المتصارعين في ذات الوقت.

وحينما تنسحب الكاميرا، يظهر القمر وقد صار هلالا بعد ان كان بدرا، العائلة هذه تعمل على صنع الايام وحركة الزمان، من المحاق، الى هلال، إلى بدر، فهلال فمحاق.

مشاهدة ممتعة

Director&Writer:

 Enrico Casarosa (screenplay)

 imdb

 

Django Unchained 2012

علي المعموري

لا انفك أتحير من سبب متابعتي لأفلام كوينتن ترانتينو، المشحونة بمشاهد القتل المبالغ فيها، دماء تتناثر، انفجارات استثنائية، وقتلى بدون حساب منذ أول مشاهد الفيلم حتى نهايته، بأعنف الطرق الممكنة.

هذا الفيلم خير دليل على ذلك، منذ افتتاحيته بمشاهد المستعبدين السود، عراة، وهم يرفلون في السلاسل، وقد تهرأت أقدامهم الحافية من السير، بين أراضي صخرية وعرة، وأخرى زراعية ينتثر الشوك على أديمها، بين ثلج لاسع، وحر لافح، كأنهم يسيرون منذ الأزل، مسيرة الإنسانية بين السيد والمسود، مشاهد تتنقل فيها الكاميرا من جانب آخر إلى آخر طوال عرض الأسماء المشتركة في صناعة الفيلم، بطباعة الكلمات بذات الطريقة القديمة الأثيرة إلى نفس كوينتن.

ثم لم يستطع الصبر أكثر من ذلك، لتبدأ سلسلة القتلى من الدقيقة السابعة للفيلم.

تدور قصة الفيلم حول جانغو، المستعبد الذي فُرّق بينه وبين زوجته، بعد ان اكتشف السيد الأبيض زواجهما، وبيع كل منهما إلى سيد مختلف، وبدا الأمر كما لو أن جانغو قد استسلم فعلا لما حدث له، قبل ان يدخل على خط حياته طبيب أسنان ألماني ترك المهنة ليتحول إلى صياد جوائز، يأتي خصيصا للبحث عن جانغو الذي يعرف ثلاثة هاربين من العدالة، هم نفس الذين نكلوا به وبزوجته قبل بيعهما، ولأن د. شولتز يريد قتلهم، فإنه يحتاج جانغو ليدله عليهم، صدفة متوقعة في أفلام ترانتينو أن تلتقي رغبة شخصين متناقضين في قتل شخص آخر.

وشخصية الطبيب شولتز في حد ذاتها بالغة الغرابة، فهو ألماني يبغض العنصرية، ورغم عدم رحمته في قتل المطلوبين دون إنذار، إلا انه يتمتع بحس بالغ الشفقة تجاه أوضاع العبيد، ويبغض مستعبديهم البيض، فوق ذلك فإن من وجوه الغرابة أيضاً انه وبعد أن أردى أحد الأبيضين اللذان بدأ الفيلم بهما وهما يقودان نصف دزينة من المستعبدين، وشل حركة الثاني، في مشهد عنيف تتسم به ثيمة ترانتينو الإخراجية، فانه يدفع لهذا الأخير ثمن جانغو، وحصان أخيه الميت، وملابسه التي أمر جانغو بسلبها، ثم يدفع بقية السود إلى قتل سيدهم المشلول تحت حصانه القتيل، بطريقة مستفزة جدا، وهنا لاحظت خطأ فنيا، وهو ان د. شولتز وبعد أن اخذ مفتاح القيود من الرجل المشلول وفتح قيد جانغو رماه على الأرض، وبعد أن قتله وعاد إلى المستعبدين ليخيرهم بين حمل سيدهم المكسور لأميال كثيرة للتداوي، أو تحرير أنفسهم ثم قتل الأبيض، والهرب إلى أبعد مكان، فانه استخرج المفتاح من جيبه الصداري، رغم انه رماه ولم يحمله في البداية.

والأمر الآخر الأكثر أهمية أن هؤلاء المقيدين لم يفكروا بفك قيدهم ثم قتل السيد، بل زحفوا بقيودهم وأردوه بطلقة تناثر معها دماغه كالنافورة ــ ثيمة أخرى لترانتينو ــ كأنه تأكيد على ان البشر يفضلون الانتقام قبل أي شيء أخر حتى لو كانت الحرية!

يرحل جانغو بعدها صحبة الطبيب، يدخلون بلدة، ليقتل الطبيب مأمورها، الذي تبين انه هارب من العدالة ومطلوب حي أو ميت.

بالنسبة لي فان الغريب في شخصية جانغو، رغم ان شخصيات أفلام ترانتينو بالغة الغرابة بالمجمل، انه تحول فجأة من شخص متقبل لمصيره البائس كمستعبد، إلى سفاح عنيد يشارك د. شولتز عمله، بل ويقلل من طاعته له، رغم انه منحه حريته، ونسبة من أرباح العمل إذا شاركه، شرط أن يظل معه حتى يجدان الأخوة الثلاثة أولئك، أمر غير ممكن استيعاب حدوثه بمثل تلك السرعة.

من الأمور الغريبة الأخرى، هو أن الشخص الذي قتل في الدقيقة (7.30) عاد نفس الممثل الذي أدى دوره في شخصية أخرى  في الفيلم، حارس كالفن داندي الذي يقتل د. شولتز قبل نهاية الفيلم.

وكالعادة، فان كوينتن نفسه يظهر في الفيلم بدور شخصية حمقاء، يخدعه جانغو بسهولة، ثم يطلق عليه الرصاص تماما في حقيبة الديناميت التي يحملها، لينفجر دون ان يبقى منه شيء.

ومن الأمور التي يكررها ترانتينو في أفلامه هو ان يضع في السياق حادثة تجعل المشاهد يبني استنتاجات معينة، بينما هي موضوعة لخداعه، ليستنتج غير ما سيحدث، أو ان يقدم ممثلا معروفا في مشهد، وتتوقع ان يكون له دور في الأحداث، وإذا به لا يعود للظهور مطلقا، وهذا ما فعله في فيلمنا هذا، اذ أقحم الممثلة المعروفة (آمبر تامبلين Amber Tamblyn) في مشهد من ثواني، تبتسم بطريقة موحية وهي تراقب دخول د. شولتز وجانغو إلى البلدة، وجانغو راكب حصان، الأمر الذي كان ممنوعا وقتها، واثار ذهول مواطني البلدة، فظهرت تامبلين في مشهد من ثواني، بابتسامة جميلة موحية، شخصيا توقعت انها كممثلة معروفة سيكون لها دور، وإذا بها تختفي بعد تلك الثواني الوجيزة الدافئة المفعمة بالترقب والابتسامة.

كما يقدم ترانتينو ــ بالمقابل لشخصية د. شولتز ــ شخصية العبد ستيفن، النموذج الانتهازي، الذي صار اشد وطأة على العبيد من سيده الأبيض نفسه.

الفيلم يحمل بصمات ترانتينو التي يمكن أن يميزها أي شخص يتابع أفلامه، ابتداء من طريقة كتابة الأسماء، والحوارات الرنانة المنمقة بين الأشخاص كأنهم في مسرحية، ونوع الموسيقى التصويرية الثقيلة، إلى طريقة تنقل الكاميرا على الوجوه لالتقاط انفعالات الأبطال، والجمهور المحيط بالحدث، بسرعة خاطفة تقتنص المشاعر المختلفة، فضلاً عن المبالغة في مشاهد القتل، وانفجار الاشلاء، وعدد القتلى، ومنظر الدماء المتناثرة على الجدران والأشخاص.

اتصور ان الفيلم يقدم تناقضاً شفافاً، فالدكتور شولتز الماني يكره العبودية ويمقتها، ويعمل على مساعدة جانغو على استعادة زوجته، رغم سمعة الالمان المتسمة بالعنصرية كما هو دارج، على جانب آخر ينتفض العبد الاسود ستيفن حينما يرى جانغو على فرس ويعاند سيده كالفن داندي لانه سمح له بذلك، ويرفض ان يساير سيده في السماح له بالمبيت في البيت الكبير، كأن ترنتينو يريد القول ان مسألة الظلم وطغيان الاستعباد لا تتعلق باللون، بل تتعلق بالنفس البشرية ذاتها، وبما تنطوي عليه من سفالات وحب إيذاء الآخرين اذا تمكنت من ذلك.

 imdb 

 

r & Writer: Quentin Tarantino

Cast:

Jamie Foxx = Django

Christoph Walt = Dr. King Schultz

Leonardo DiCaprio = Calvin Candie

Kerry Washington = Broomhilda von Shaft

Samuel L. Jackson = Stephen

 

The Adjustment Bureau

علي المعموري

هذا الفيلم من الأفلام التي تجمع الحديث عن كل شيء في حبكة واحدة محكمة، تختلط فيها الرسالة السياسية بالغيبيات، بالعلاقات الإنسانية، الدراما البحتة بالأكشن، مع مسحة خفيفة من كوميديا إنسانية نعيشها يوميا، يتناول مسألة الاختيار الحر، أو الجبر والتخيير على اختلاف توجهها، مع لمحة من فلسفة القوة للمرحوم نيتشة، ناهيك عن الجو الساحر الذي تحيطك به موسيقى الرائع (Thomas Newman).

فيلم لا يقوم على الثنائية التقليدية من الخير والشر وإن تعرض لها، هنا لا يوجد شرير من الأساس، توجد قوة عليا تتحكم بمصائر الناس، في دوران موارب حول (الإله) لا يقول لك الفيلم انه يعنيه، ولكنه يمنحك كل الأسباب التي تعتقد من أجلها انه يعنيه، يقول تومسون (تيرانس ستامب) لديفيد نوريس (مات ديمون) إننا كنا حاضرين منذ بدأتم بتكوين الحضارة، أيام الرومان، أعطيناكم الإرادة الحرة، فمنحتمونا خمسة قرون من الجهل والظلام، وهكذا يستمر في سرد مراحل تاريخية “تدخلوا” خلالها في حياة الإنسان بوصفهم قوة عليا، وخربها الإنسان، ثم قرروا أن لا يتركوا الأمر بيد الإنسان، الإرادة الحرة فكرة سيئة حينما تمنح لهذا النوع من البشر، “هم” الآن يحرصون على ان يتدخلوا في حياة مجموعة معينة من البشر الذين يؤثرون في الآخرين، وعبر زرع الافكار في رؤوسهم، وتهيئة الصُدف المقصودة لإحداث انعطافات مهمة في حياتهم، وهم بدورهم سيقودون القطيع خلفهم.

من هذه “الصُدف” المعدة مسبقا، تبدأ الحركة في الفيلم، في واحد من أجمل مشاهد الفيلم، وأكثرها إبداعا في الفنية الصورية، وأداء، ديفيد نوريس، المرشح اللامع لعضوية مجلس الشيوخ الامريكي، الذي هزم بشدة، يقف في حمام الرجال مناجيا نفسه قبل خطاب إعلانه هزيمته، يظن انه بمفرده، يتحدث بصوت عال، ليكتشف بعد لأي انه ليس وحيدا، هناك شفق يؤذن بالحياة يختبئ في حمام الرجال، إليس (اميلي بلانت) الساحرة التي اقتحمت حفل زواج في الفندق نفسه، وسمعته، زرعها “هم” في الطريق، لتمنحه إلهاما لخطابه المهم، تخرجه به عن التقليدية، ينتهي الحوار بقبلة شغوفة، ونوريس يجري وراء الفتاة في الممر، حائرا، مأخوذا، للطيف الذي هز كيانه بعمق، وغيره إلى الأبد، ثم يظهر إلى الجمهور أمام الكاميرا بحركة زوم آوت توحي للمشاهد بأنه بطل المشهد وليس نوريس وحسب، ويلقي خطاب خسارة غير تقليدي يمهد أمامه الطريق إلى الترشح مرة ثانية.

الصدفة الثانية، وهي صدفة بالفعل هذه المرة، هي حينما يذهب إلى عمله الجديد صباحا، والرجل المكلف به ــ سمه ملاكا أو أي شيء آخر ــ تأخذه غفوة من الإرهاق، فيتأخر عن سكب القهوة على قميصه وتأخيره، يصعد نوريس إلى الباص، ليشاهد الفتاة الحلم غافية في الباص، يجلس قربها منبهرا، وتصحو على مقدمه، ثم شرارة تضطرم.

لاحقا يكشتف نوريس انه ليس بمفرده، ان هناك من يعمل على أن يملي عليه إرادته، يخبره تومسن لاحقا عن “الارادة الحرة” المزعومة للبشر، انها تتعلق بمعجون الاسنان الذي يستخدمه، بالسرير الذي ينام عليه، أما مصائر الأمم، فهي مُسَّيرة، ولا تترك لنزوات البشر وسيرهم المتخبط، يخبره ان بقاءه مع (إليس) هو خارج المخطط، ان تلك الفتاة ستملأ الفراغ الذي في داخله، بما يوقف طموحه إلى الزعامة، هنا تطفو الرسالة السياسية التي تتحدث عن “الدور الامريكي” وواجب الرجل الامريكي تجاه الإنسانية، يخبره “أنهم” يريدون له ان يفوز بدورتين في مجلس الشيوخ، وبعدها يريدون له ان يذهب إلى البيت الأبيض، “باستطاعتك تغيير العالم” الا تفهم، الرجل الأمريكي، الذي يدافع عن حريات الآخرين، الرئيس الامريكي الذي يقاتل في سبيل الإنسانية، هو نفسه يعمل بتأييد من الرب، إذا شئت، من القوى الغيبية كائنا ما تكون، يذكرنا بأعتى افكار المحافظين الجديد من بوش الابن وكوندوليزا رايس ورفاقهم في النضال!

فضلا عن ذلك، سنجد الفيلم يدور حول “الطريقة الامريكية في الحياة” فإن روح المخاطرة الامريكية، السعي وراء المجهول، اتخاذ خيار المخاطرة بأمل الافضل، كلها تبدو في الفيلم، إليس تركض يدها بيد ديفيد من باب إلى باب، في مشاهد مبهرة وجميلة، توحي بالتنقل من حال إلى حال، الانبهار من المجهول، ثم اتخاذ الخيار الاصعب المنطوي على المخاطرة، الثيمة التي يسوق لها كصفة أمريكية لازمة، الامر الذي تمجده القوى العليا، الغيبية، مثنية على الاختيار الصعب، وسياق الثقة والتضحية من أجل الحب الذي تأتي فيه خلال المشهد قبل الختامي، لدرجة إلهام “المدير” لأن يغير خططه.

في الواقع يكون الفيلم أكثر صراحة في هذا الطرح، في العبارات الختامية، يقول “الملاك” ــ الاسود بالمناسبة، ضمن اللازمة الاثيرة في الافلام الامريكية في أن يكون للرجل الابيض تابع أسود، صديق، ملاك حارس، سمه ما شئت، يمثل جانب الغيبيات، الغيبيات التي تجاوزها الرجل الأبيض “المتحضر” الذي يؤمن بالمنطق، بالدلالة التي تمثلها الغيبيات بالتخلف وفق هذا الطرح، ويأتي الاسود ليعيد له توازنه الروحي اللازم، الذي لا يسلبه منطقه، ولكن يمنحه شيئا من الروحانيات ــ يقول هاري (انثوني ماكي) بعد أن يؤكد ان اغلب الناس يسيرون وفق الخطط التي “نضعها لهم” ولكن كل مدة يأتي اشخاص يتجاوزون العقبات، اشخاص يفهمون أن: (الارادة الحرة هي نعمة لن تعرف كيف تستخدمها حتى تقاتل من أجلها، اعتقد أن هذه هي خطة المدير الحقيقية، أنه يوما ما نحن لن نقوم بكتابة الخطة، أنتم من سيفعل)، كل هذا يذكرني بالتلاعب الذي قام به صلاح عبد الصبور في قصيدته (الملك لك) التي عارض فيها قصيدة توماس إليوت، التي بناها على فقرة من الصلاة الانجيلية (لأن لك الملك) اما صلاح عبد الصبور، فقد جعل الملك للإنسان على الأرض، منحيا المشهد الغيبي عن الصورة، وهنا في هذا الفيلم يدور المشهد بطريقة ماكرة جدا، تُبقي على “المسيطر” الذي يملك كل شيء على مقامه، ولكنها تجعله يتجه إلى منح “الخاضعين” القدرة، القدرة على ان يكونوا هم المسيطرون على حياتهم، بإرادته بطبيعة الحال.

ولكن إلا يمكن أيضا ان ننطلق من الآية الكريمة (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) ضمن نفس السياق؟

لا أريد أن استطرد في هذا كثيرا…..

على أي حال الفيلم لا يخلو من الاستناد على الكثير من الافكار، بينها الدينية بشكل أكيد.

وينبغي أن أشير أيضا إلى المشاهد الخلابة، والمواقف غير المتوقعة في الفيلم، التي لا يمكن تجاوزها دون شعور بالاثارة، بالسعادة البالغة، بالجمال، كمشهد وقوف ديفيد نوريس وحيدا في اللوبي بداية الفيلم، تنتقل الكاميرا من يمين الصورة حتى تقف في المنتصف، مركزة على ديفيد الواقف، مركز الحدث هو بلا شك، الممر طويل، تزداد الإضاءة كلما زاد العمق، لتنتهي بشباك طويل يعتلي الضوء قمته، كأنها إشارة إلى الأمل، إلى الانتقال من العتمة إلى الضوء تدريجيا كمرحلة قادمة.

مشهد الحمام وحواره مع إليس وهربها، مشاهد التنقل بين الأبواب من قبل ممثلي القوى الغيبية، تنقل ديفيد نفسه مع إليس بعد أن اعطاه هاري قبعة الانتقال، الصدفة المبهرة التي جمعت ديفيد بإليس في الباص، مواظبته على ركوب نفس الباص لثلاث سنوات لكي يجدها بعد أخذ الغيبيون رقمها منه، ثم لقاءه بها، سعيه إلى لقاءها رغم العقبات التي وضعت في طريقه، وغيرها من المشاهد المبهرة، فيلم جميل، ممتع، محفز.

 

The Adjustment Bureau(2011)

Director: George Nolfi

Writers: George Nolfi (screenplay), Philip K. Dick (short story “Adjustment Team”)

Matt Damon . Emily Blunt . Michael Kelly. Anthony Mackie .John Slattery.Terence Stamp

للمزيد عن الفيلم انظر: Imdb

And Justice for All

علي المعموري

لا اعرف كم من الوقت مضى دون أن اشاهد فيلما برقي هذا الفيلم.

اتذكر أنني شاهدته للمرة الأولى منذ زمن طويل جدا، كنت طفلا ربما، ولكن بعض مشاهده ظلت عالقة بذهني لثمانية عشر عام تقريبا، كمشهد القاضي رايفورد يتناول غدائه على حافة نافذة مكتبه في المحكمة، أو المشهد الختامي للرائع آل باتشينو جالسا على درج المحكمة، الشمس تجبره على أن يضيق عينيه، بينما شريكه المحامي يدخل، ويحيه رافعا شعره المستعار كأنه قبعة.

6

ثم سنحت لي الفرصة أخيرا أن أشاهده، بعد أن قبع في الحاسوب لشهرين، فيلم ولا أروع، كل مشهد فيه يجب أن يسترعي انتباهك، لئلا يفوتك تفصيل مؤثر يتلاعب بمشاعرك، لئلا يفوتك تعبير صادق يرتسم على وجوه الممثلين، من باتشينو الذي تكاد تشعر انه سيقفز نحوك من الشاشة كل لحظة.

تدور القصة حول العدالة، كما هو واضح من عنوان الفيلم، المجتزأ من قسم قانوني أمريكي، العبارة الأخيرة منه تحديدا، العدالة التي تقع ضحية القانون المتعنت، والتطبيق الجائر له، بل وفساد من يقوم على تطبيقه(*)، ونبل من يدافع عنها، حتى لو عنى ذلك خسارته لكل شيء له قيمة في حياته، المهم المبدأ.

ما يُلاحظ على حبكة الفيلم، وبناء شخصياته هو انه لم يعتمد مبدأ الثنائية التقليدي، خير وشر، أو بالأدق أخيار وأشرار، فكل واحد من هؤلاء الأشخاص يقبع شر وخير في داخله، والحكم عليهم رهن بالظروف، وملابسات حياتهم، وكيف تجعلهم المآزق الخارجة عن إرادتهم يتصرفون بدون انضباط، يتطرفون، ويرتكبون الجرائم، انه يقوم على نسبية الخير والشر، وضرورة عدم الركون إلى الأحكام الجاهزة، أو التعامل مع الإنسان على أنه خير مطلق أو شر مطلق، ففي كل نفس يمتزج العنصران، ومدى طغيان أحدهما على الآخر يتعلق بالتنشئة، والتجربة، وطبيعة المواقف التي تقتحم حياتهم.

يقدم الفيلم شخصية المحامي آرثر كيركلاند (آل باتشينو)، المستقيم، المسكون بالعدالة، المتعاطف مع موكليه، المندفع في الذود عن الأبرياء لدرجة لكم قاض، الأمر الجلل خصوصا إذا عرفنا إن الحكومة الأمريكية تسمى (حكومة القضاة) لدورهم الخطر في تطبيق القوانين وتفسير الدستور.

20

ولعل في غياب والدي آرثر عن حياته ــ بل دور والده السلبي ــ أثر في ذلك، لدرجة انه يهاجمه بشدة، لأنه وغد، غاب عن حياته، بينما تكفل جده به، وحرص على أن يصبح محاميا، لأنه آمن أن أفضل شيء يمكن للانسان ان يكونه هو أن يصبح محاميا، وضمن ذلك السبيل حرص على ان يكون لحفيده ضمير، الذي ساعد على تبلوره نقيا في روحه شعوره بالغبن الواقع عليه من والده، وتحمل جده لمسؤوليته، الجد الذي أصيب بالالزهايمر، ويحرص كيركلاند على زيارته اسبوعيا، ليعترف في أحد المشاهد المؤثرة بأن غياب جده عن حياته سيسلب قيمتها، لأنه صار ما هو عليه بفضله.

يقع كيركلاند في نقطة حرجة حينما يبتزه القضاة للدفاع عن نفس القاضي الباطش المتعسف في تطبيق القوانين الذي زج بموكله البريء في السجن، القاضي هنري ت. فلمنغ، (يلعب دوره جون فورسيث)، المفارقة ان الرجل الذي جعل من نفسه قيما على الاخلاق متهم بالاغتصاب والضرب.

عدا كيركلاند الباحث عن العدالة، وفليمنغ المتعسف في احقاقها، يقدم الفيلم مجموعة أخر من الشخصيات تمثل مستويات مختلفة من الطبائع  البشرية.

هناك القاضي فرانسيس رايفورد (جاك وارندن)، ذي المزاج الحاد، الذي يستخدم مسدسا في فرض الهدوء في المحكمة، وشخصيته تعكس إلى حد بعيد سلوك الرجل الذي وضعته الأقدار في دور مقرف، دور الحامي للعدالة، الذي يرى عبث ما يقوم به، ويبدي في أكثر من مشهد اشمئزازه من هذا الدور، وعجزه عن تأديته، ويذهب به قرفه إلى ميول انتحارية مدمرة، ذكرتُ تناوله طعامه على حاشية شرفة مكتبه في الطابق الرابع، ومسدسه تحت إبطه، وتصريح كيركلاند لصديقته بأن حاجب رايفورد وجده مرة يحاول شنق نفسه، ثم يتأكد هذا قرب نهاية الفيلم بمحاولته اطلاق النار على فمه من بندقية طويلة، لكنه يفشل في الوصول إلى الزناد قبل ان يدخل عليه الحاجب ليستعجله إلى جلسة افتتاح محاكمة القاضي فليمنغ.

1

 

يقدم الفيلم شخصية معاكسة تقريبا لكيركلاند، المحامي وارن فرينسل (لاري برايغمن)، الذي لا يأبه، ويتعامل بمادية مطلقة بحساب الربح والخسارة حتى مع زملائه المحامين، وبسبب لا أباليته، ينتحر أحد موكلي كيركلاند الذي انابه عنه في قضية بسيطة، ولأنه لم يعطها الاهتمام الكافي حكم على المتهم، وشنق نفسه بعد ان وضع في السجن مباشرة، ليقدم باتشينو واحدا من اروع مشاهد الفيلم، وهو يحطم سيارة فرينسل، ويخبره بأن (آغي) شنق نفسه، ودموع حقيقية تنهمر على وجنتيه، بحسرة عميقة، وأداء مبهر يحبس الانفاس.

19

وهناك ــ من جانب آخر ــ شريك كيركلاند، المحامي جاي بورتر (أدى شخصيته جيفري تامبور، في واحد من أجمل ما قدم من أدوار)، الذي يأبه للعواقب، وينهار بعد ان يقوم احد موكليه ـ ممن استطاع جلب البراءة لهم ـ بقتل طفلين، فصدم بورتر، وأصيب بأزمة نفسية، وتجلت بعدة تصرفات كحلق شعره، وضمن انهياره العصبي ذلك يقدم مشهدا رائعا في المحكمة، بعد أن جلب عددا كبيرا من أطباق الطعام، وتمترس في احد أروقة المحكمة، متخذا منها قذائف يوجهها نحو الجميع، وازاء اطلاقاته المتلاحقة  بجنون، وفشل محاولة كيركلاند التواصل معه، فإن من يضع الحل هو القاضي الانتحاري، رايفورد الذي يتخذ من حقيبته دريئة وهو يهجم على بورتر، وخلفه كيركلاند، ثم ينجح بالسيطرة على بورتر الذي هاجمه هو وشريكه بعنف، في مشهد مبهر، تنتقل الكاميرا فيه من المهاجِم إلى المهاجَم، أداء رائع، حقيقي إلى ابعد حد، الأطباق تهاجم القاضي الذي يعرف بؤس ما يقوم به، إلا انه يستمر في محاولات فعل شيء جيد، المحامي المسكون بالعدالة، كلاهما يقدمان نفسهما قربانا في سبيل تهدئة بورتر، المنهار، الذي أقض ضميره ذنب عرضي لم يقصده، كأنه يمثل المجتمع، الذي يهاجم من يحسون به، وهو فاقد للوعي، مع عجز تام للشرطة عن إيقافه، ولا ينجح بذلك سوى القاضي القرف، والمحامي المتألم، مشهد معبر جدا.

 

16

15

17

لا أريد أن استرسل في تفاصيل الفيلم، إذ يجب ان يُشاهد ليُستمتع به، ولن يكون مناسبا تفصيل فكرته، وشفافيته العالية الموحية، لكني لا استطيع كبح نفسي عن الإشارة إلى بعض المشاهد التي خلبت لبي، وكررت مشاهدتها عشرات المرات، رغم ان الفيلم بطوله يخلب اللب.

منها المشهد الذي يخرج فيه باتشينو (كيركلاند) من قاعة المحكمة، ليجد بورتر وفرينسل بانتظاره وقد ارتسمت على وجهيهما ابتسامة تمتزج بها السخرية، بالاهتياج، بالفرح، بكل شيء، في براعة تامة، ثم نظرته الحائرة، وابتسامته المستفهمة، والطريقة التي صافحه بها بورتر(جيفري تامبور) مهنئا، وعند استفهامه عن التهنئة، سحباه إلى الحمام، واخبراه بان فليمنع مقبوض عليه بتهمة الاغتصاب، وانه يريده هو، ما غيره، ليمثل دفاعه امام المحكمة، وخلال ذلك يستمر بورتر بالضحك بطريقة هيستيرية يكاد ينفجر قلبه معها، لا يمكن لك إلا ان تصدق أنها حقيقية، وان تضحك معه من قلبك، رغم حضور باتشينو، إلا ان تامبور كان ملك هذا المشهد برأيي.

8

7

مشهد كيركلاند في لجنة الاستجواب، ثم نجاحه في نيل إعجاب عضوة اللجنة الجميلة غيل بيكر (كريستينا لاتي).

3

مشهد الشجار في المحكمة، والقاضي رايفورد يطلق النار لفك الشجار، تلك الدهشة التي ارتسمت على وجوه الحاضرين، وطريقة هرب الآخرين، أوقفت المشهد عدة مرات، لأتابع تعبيرات كل ممثل على حدة، أداء رائع حقا.

2

مشهد الهليكوبتر بين القاضي رايفورد وكيركلاند، وارتعاب كيركلاند الذي نقله لنا باتشينو.

مشهد كيركلاند يحاول إقناع فليمنغ بإعادة محاكمة موكله، في خيمة نصبت على حوض السباحة، المشهد ممتلئ ببخار الماء، كأنه يشير إلى الضبابية وعدم الوضوح اللذات يكتنفان تطبيق القوانين، كيركلاند يتوسل لإحقاق العدالة وإطلاق سراح بريء، القاضي العاتي يسبح غير آبه، وهو يلقي عظة عن خراب المجتمع، وضرورة إيقاع عقوبات ظالمة لردع الآخرين، متفلسفا بأن فكرة تناسب العقوبة مع الجريمة هي غير عملية، العقوبة القاسية هي الاساس، مغادرة كيركلاند خلال العظة الفاسدة هذه، وصراخ فليمنغ.

المشهد الاخير، كيركلاند يقف بكل شموخ على مدرجات المحكمة، الكاميرا ترصده من الاسفل، الحيلة التي يستخدمها السينمائيون للإيحاء بالعظمة، وابهار المشاهد بالقامة التي تسد الشاشة بكبرياء.

23

ما الذي أفعله؟!

يكفي هذا

شاهدوا الفيلم، أرجوكم

(*) من المفيد الإشارة إلى الفرق الذي يضعه فقهاء القانون بين العدالة، التي تتميز بها قواعد الأديان، والعدل الذي تتميز به قواعد القانون الوضعي، فالأولى تتوخى مراعاة الظروف الموضوعية لكل حالة على حدة، وتطبيق أحكام مختلفة حسب ظروف الوقائع، أما الثانية، فهي صارمة، جامدة، لا تلتفت إلى الظروف التي تخص كل قضية، ليس بذلك التفصيل الذي تفعله الأولى على أي حال، وأول ما تتميز به القاعدة القانونية أنها قاعدة عامة، أي تشمل الجميع، وتطبق في كل الظروف، بغض النظر عن العوامل الذاتية والموضوعية لكل حالة على حدة.

 

And Justice for All (1979)

Director: Norman Jewison

Writers: Valerie Curtin, Barry Levinson

Stars: Al Pacino, Jack Warden, John Forsythe….

imdb

صور من الفيلم

 

9

10

11

12

16

 

18

 

20

21

 

2425

4

13

14