أرشيفات التصنيف: أدب

خفارة

مررت عليه حوالي الساعة التاسعة، ولابد أن “خفارته” بدأت قبل هذا الوقت، أسند ظهره الى باب السائق من سيارته البيضاء الفخمة طراز كراون تيوتا من ذلك الموديل الذي يطلق عليه العراقيون اسم (راس الثور) ولا أعرف لماذا رأس الثور ولا أعرف سنة صناعتها، ولكنها سيارة فخمة كما ترون مثيلتها المحروسة في الصورة أدناه.
وكان قد صف السيارة على الشارع العام الفاصل بين المدينة القديمة والعمارة الجديدة، أمام مقبرة لآل الصائغ هناك، تسريحة شعره مثل أبطال السينما الهندية القدامى، غرة (ﮔـذلة) عالية متكاثفة على بعضها فاحمة السواد، وذيل من الشعر لا يقل عنها تكاثفا، ولكي تكتمل صورة البطل الهندي فإن شارباً مقوساً التف من أعلى الفم إلى أسفل جانبيه بدقة متناهية، دقة الشارب، وشدة حمرة وجه الرجل الذي قارب الأربعين يبينان لك أنه قضى وقتا طويلا جدا تحت يدي الحلاق.
ارتدى ملابس سوداء فاحمة، قميص بأزرار فضية لامعة أرخاه خارج بنطاله الأسود، ولم انتبه إذا كان يرتدي حذاءا أم نعلا ـ مكرم السامع ـ
ارتسمت على وجهه ابتسامة غريبة، مزيج من الهبل والمكر والرقة والعنف، ابتسامة لا معنى لها تقريبا، وقف هناك بدون تحرك، فقط رأسه كان يستدير مع ما تلاحقه عيناه من نساء خرجن بعد الافطار إلى الزيارة، يسكب عليهن طلاء كثيف من عينيه الصغيرتين ويلمع الطلاء بابتسامته تلك، يمينا ويساراً، والحقيقة ان ابتسامته تلك لا تشبه إلا ابتسامة شخص مخدر أو نصف مخمور، ولعله كان كذلك، حمرة وجهه الفاقعة تدل على هذا.
وحين عدت للمرور عليه حوالي الساعة الحادية عشرة والربع كان على موضعه لم يتزحزح، ولكنه رش طلائه الأبله هذه المرة على أربع من رجال الدين، سيدان بعمامتين سوداوين، وشيخان بعمامتين بيضاوين، يسيرون بالتتابع المعهود، السيدان في المقدمة، والشيخان خلفهما، يخبون جميعا بهمة، قذف المجموعة بذات الوجه، ولعل ابتسامته زادت قليلا وإن غطاها طرفي شاربه.
ما أن عبرت الجميع، اوقف احد الشيخين سيارة أجرة، ونادى السيدين ـ اعرفهما ـ أن وداعاً، ودلف مع رفيقه لها، وخلفهم مباشرة مر المبتسم بسيارته مغادرا خفارته الحمقاء تلك، كأنه كان ينتظر هذه المجموعة أن تمر، ليخرج من الولاية.

مما كتبته في 12/ 6/ 2016

بينما هي كذلك، لمرتضى ﮔزار

قرأت مجموعة مرتضى ﮔزار (بينما هي كذلك) التي صدرت العام الماضي، اشتريتها من شارع المتنبي الجمعة الفائت، قرأت نصفها تقريبا في الطريق من بغداد إلى النجف، وأكملت البقية في البيت، كانت سياحة مبهرة، وعودة إلى قراءة كتب الأدب بشغفي القديم، الكتب التي بارحتها منذ زمن، كتب الروايات والقصص تحديدا، وإلا فإنني لم اتوقف عن قراء الشعر.

السردُ الذي أراه سردا حقيقيا هو ذلك الذي يخلب لبي، الذي يسمرني في مكاني فلا استطيع تركه، اقرأ فاستغرق حتى أجد نفسي فجأة في منتصف الكتاب، كنتُ في يفاعتي قد طحنت عيون الأدب العالمي والعربي في الرواية والقص، ثم قطعني التخصص والكتابة الأكاديمية عن الروايات لسنوات، حتى قرأت رواية علي بدر (حارس التبغ) التي عثرت عليها صدفة، فتحت الصفحة الأولى، لأجد نفسي بعد ساعات في منتصفها، وهذا تحديدا ما حصل لي مع مجموعة مرتضى ﮔزار الأخيرة.

السرد بالنسبة لي ـ كقارئ ـ فعل لغوي، بقدر ما يتضمن من شخوص وحوادث وتداخل معرفي، لكنه يقدم لك أول الأمر بوصفه تميز في اللغة، السرد المكثف العميق هو دلالة الأدب الحقيقي، لهذا فشلتُ مثلا حين حاولت أن أقرأ بعض “الروايات” ـ وأؤكد هنا وضعها بين مزدوجين ـ التي اشتهرت في العراق لـ “كاتبات وكتاب” معينين، خواطر جمعت من الفيسبوك وأطلق عليها اسم روايات وشعر، وطبل لها المطبلون، وبينهم مثقفون كبار للأسف، أشهرها حاولتُ أن أكمل منها خمس صفحات فلم استطع، للغتها الساذجة وتعبيراتها الهشة.

على أي حال، ليس هذا موضوعي، لأنني أريد أن أكتب هنا عن هذه المجموعة المبهرة، (بينما هي كذلك)، وبينما أنا كذلك، أود أن أعرج على القصص التي لفتت نظري في المجموعة، هذه القصص تحديدا استوقفتني كثيرا، بالرغم مما تضمنته بقية القصص من بعد جمالي وعمق، لكن هذه القصص بالذات وجدتها مميزة عن غيرها، فأحببت أن أكتب عنها.

القصة الأولى في المجموعة (لا تسافر مع الفيل إلى شيكاغو) تحيلنا إلى رموز عديدة، الفيل الذي لا ينسى، والظل المتشبث بالأرض، الأرض التي تلاحقك حيث تفر منها، فتأخذ منك ظلك وتسمّرك عميقا، هناك، حيث جذرك، ثم تختلط الحقيقة بالخيال، وتتداخل الأمكنة حتى يفقد الإنسان معرفته بذاته، فيصير مغتربا بداخله، ويغدو ظله غريبا، وهو أشد غربة منه، هذه القصة أطول قصة في المجموعة، وأكثرها إرعابا لي على المستوى الشخصي، أن أصير ظلا مهاجرا.

قصته الثانية التي أبهرتني هي (قضية قبيلة أم عباس)، أنت هنا أمام مستويين من الرموز، يتشابكان، القنبلة التي تركت حفرة اتخذها العشاق مقرا للقاءاتهم، ثم صارت مزارا، الإحالة إلى الممارسة التي تبدأ مرفوضة من المجتمع، ثم تصير تابو مقدس، ومستوى آخر يتعلق بقبيلة ذاتها، التي اخترعت الكذبة وصدقتها، واستثمرت بها وجودها المالي، لتنتهي وقد يئست فأخذت تمارس الوِرْد الذي ابتكرته (للعلوية) المزعومة، كتبة ام البسامير ـ المسامير ـ، الحفرة التي امتلأت قبلا ولقاءات محمومة، ثم صارت مزارا بقدرة قبيلة، وهنا اشتبك لدي المعنى، هل يريد مرتضى أن يمزج بين (القيادة) ـ كما يقول الفقهاء ـ وبين التجارة الدينية؟ ولكني لا أظنه تعامل مع وقائع الحفرة قبل أن تغدو مزارا بوصفها تاريخ شائن، طيب في نقطة أخرى، يقول أن قبيلة تمارس طقس ضرب المسامير منذ عشرين عام، وهي خمسينية، ولكنه يتسائل في آخر القصة عن المعشوق الذي طرق باب قلب قبيلة آخر أيامها فملأت لأجله بيتها بالمسامير؟ مؤكدا أن قبيلة لم تفعل هذا في شبابها، أوليست الثلاثين ضمن الشباب، هذه القصة محيّرة جدا!

قبيلة نموذج للخاسر بمزاجه.

واحدة من أكثر القصص إيلاما لي هي قصته (فلان الفلاني)، عن الأرقام المهملة من البشر، الذين يمرون في الحياة جياع مدقعين فلا يعبأ بهم أحد، ولا يلقي لهم أحد بالا، ثم يحملون السلاح في قضية مقدسة لا يفهمون عنها شيئا، فيتحول فلان الفلاني، هذا المبني للمجهول إلى اسم على لافتة، ومعزين يتقاطرون، وبوليصة لتاجر دين آخر.

ولا تقل عنها ألما قصته (بيت الخوذة)، المحارب القتيل، الذي ترك بيته بلا باب ـ معنويا ـ، وأطفال يتخيلون وجوده، ويظنون الصفحات البيضاء في دفاترهم ممتلئة بالواجب البيتي، الواجب الذي يكتبونه مع أبيهم، أبيهم القتيل الذي تركهم وأمهم بلا باب يحميهم من بطش الناس، وغلظة الأيام.

(بيان اللقلق)، عن الانتظار العابث، عن ابتكار الوهم من أجل السعادة، الرسامة التي تزعم وجود لقلق على بيتها، لقلق يجلب الأطفال كما تذكر قصص الأطفال، ولكن لقلقها الوهمي هذا كان يجلب لدارها أطفال المحلة، الأطفال الذي حرمت منهم، فكانت ترسم وجوههم واحدا فواحد، حتى صارت رسومها علامات وجودهم.

قصته (ما ينبت في الكف) تدور حول ذات موضوع الفقدان، فقدان الأم لابنها، فتقبض بيدها على وهم تتخيله صار حقيقة، ابنها نابت في كفها.

قصته مسجد الداي باي تتحدث عن هذا الالتباس الوطني الكبير بعد 2003، عن الأحلام والطموحات واشتباك المصلحة بالدين، تستحق التأمل كثيرا.

هذه هي أكثر القصص التي لفتت نظري في المجموعة، وبالمجمل، المجموعة تتعلق بهذا القلق العظيم، بالفوضى الشائنة، بالضياع، بالفقدان الكبير الذي انفجر بوجوهنا عام 2003 نتيجة للتراكمات التي سبقته.

شكرا لك مرتضى، من لا يقرأ هذه المجموعة يخسر كثيرا، هذا أدب حقيقي وليس هراء فيسبوكي يسوقه البعض ويتلقفه المراهقون على أنه أدب عظيم.

مشاهدات ليلية (2)

 

أمام عيادة أحد الأطباء، كانت تقف سيارة تاكسي صفراء اللون لم انتبه إلى طرازها، من الخارج، وعلى باب الراكب الأمامي كان هناك رجل جاوز الثلاثين، ضخم الجثة، يرتدي [تيشيرت] أخضر اللون غامق، وبنطلون جينز رصاصي، شاب أسمر حاد الملامح، شعره خفيف، أسند ظهره إلى سيارته، وشبك ذراعيه على صدره بضجر، خلفه مباشرة، وعلى سقف السيارة، أجلس طفلته الجميلة، فتاة قمحية ربما تكون في الرابعة من العمر، ترتدي قميص زهري بلا أكمام وجينز قصير بدا وكأنه خيط لها من بقية قماش بنطلون والدها، كانت تجلس على سقف السيارة، وتدلي ساقاها على كتفي أبيها وصولا إلى صدره، وتعتنق رأسه بكلتا ذراعيها الغضتين، ومالت برأسها على أذنه اليمنى تحدثه.

كان الضيق يسيطر على الأب، لعل لديه مريض ينتظره، لعله قلق على مريضه، وجهه منكمش تماما بضيق بالغ، وفي ذات الوقت كان مضطرا أن يجيب على أسئلة ابنته، ويسايرها في حديثها المتدفق الرقراق دون أن ينتبه فعلا لما تصبه في أذنه من نغم، لا أعرف ما الذي سألته عنه، ولكني سمعتها تقول له منحنية عليه تمزج سؤالها بالقبل: هذا زين؟ فأجابها بنعم، فأطلقت ضحكة رنانة مرقت إلى الشارع المقابل ملعلعة بالبهجة، فأجبرته على أن يضحك بطريقة ملئت وجهه وروحه، بفرحة تساوي بهجتها الطفولية العارمة لإجابته البليدة على سؤالها الساذج، وأنا شاركته هذه الضحكة الساذجة بالتأكيد بكل بلاهة!

تذكرت عندها البهجة التي ارتسمت على وجه صديقي، الذي كان يراقبني أزيح شرائح الزيتون عن قطع البيتزا قبل أن آكلها، فملئت البهجة وجهه الجميل، وانطلق يحدثني عن حب طفلته الصغرى للزيتون، وكيف أن علب الزيتون التي يجلبها إلى البيت لا تصمد سويعات معها، وكيف أنها تبدأ أكل قطع البيتزا من الناحية التي توجد فيها شرائح الزيتون، كان يحدثني وفرحة عميقة ترتسم على كل وجهه، وبدنه، سعيد بعادات ابنته الغذائية.

سرت مبتعدا عن الأب وابنته، متذكر لصاحبي، وفكرت في نفسي، لولا بناتهم، لفقد ثلاثة أرباع العراقيين عقولهم بسبب الكرب الذي يواجهونه يومياً.

#مشاهدات_ليلية

 

مكابدات سعيد

هذه القطعة كتبت بنية أن تكون نصا بديلا عن النص الأدبي الذي اختير كمثال لدرس (اسم المفعول) في كتاب قواعد اللغة العربية للصف الرابع الاعدادي حين كنتُ في تلك المرحلة ـ عام 2003- كتبته بطلب من أستاذي، أستاذ مادة اللغة العربية، الأستاذ سعد عجيل الرجل الذي نشر لي أول نص في حياتي وكانت قصة عن فلسطين نشرت في مجلة الموقف التربوي التي كانت تصدر عن مديرية تربية النجف قبل العام 2003 ـ اذكر ان النص القديم كان عن مشعول الصفحة صدام، ولما حدث ما حدث وأُهملت النصوص القديمة طلب مني أن اكتب نصا بديلا ـ بعد ان أحسن الظن بي ووجد أن لدي ميولا أدبية ـ على أي حال، كتبت النص، ولم أقدمه له حياء، وها أنا بعد كل هذه السنوات أضعه بين يديه، محبة ووفاء، مع اعتذاري عن الأخطاء النحوية التي في النص.

مكابدات سعيد

ظل سعيد ضاحكاً طوال الأربعين سنة الأولى من عمره، مواجه متاعب الحياة ووعورة العيش بنفس هادئة وثغر منطلق، يعينه على ذلك ضحكات خمس أطفال وأمهم، وكان يعود متعباً منهك القوى إلى الدار، ولكنه وما أن يدخل يسمع تلك الضحكات البريئة، والاستقبال الحار، حتى ينسى كل ما مر به منذ أن ابتدأ عمله في الصباح الباكر.

ولكن معارفه فوجئوا به منقلب الحال وقد أصبح لا يُرى إلا ذاهلا، صامتاً مكفهر الوجه، والذين يعرفونه عن كثب يتعجبون أكثر، إذ أنهم يرونه منخلع الفؤاد محزون النفس، فيتساءلون: ما الذي دهى هذا الرجل؟ المفروض أن يفرح في هذه الفترة أكثر من الفترة السابقة أولاده كبروا وفتحوا بيوتاً ورفعوا رأسه، فماذا أصابه؟

بالتأكيد لم يعرف الناس ماذا أصاب الرجل، الخائض حياة كالتي خاضها سعيد وحده يعرف ماذا حصل، لقد تفرق أولاده عنه، وماتت أمهم، وأخذ كل واحد من الأولاد زوجته وخرج، وبقي سعيد وحده يقاسي آلام وحدته ذاكراً ضحكات زهوره الخمسة.

الناس تتسائل، ماذا أصاب سعيد؟ وسعيد المبعثر الفؤاد منشغل بمحاولة لملمة أجزائه.

2003

[كتبت النص بدون عنوان، والعنوان الذي وضعته هو ابن اليوم وليس من صلب النص القديم]

مشهد عرضي من شتات متخيل

كنت مذهولا، وكانت قامتها تتلاشى أمامي في الممر، تنسحب وئيدة بخطوها الرشيق، رغم ان هناك صراعا عميقا بداخلها بين التراجع أو المضي قدما قد بدا واضحا على ساقيها المرتحلتين، كان حضورها يبهت في عيني، ويتجذر في قلبي عميقا.

صوت وقع أقدامها كان يختلط بالضوء المنهمر من النوافذ؛ ببقية من ضوء أصفر علقت بمصابيح السقف، بينما تسرب حفيف شتلات زهر البنفسج تحتك ببعضها في الشرفة، مطلقة عطرا يتخلل المكان عبر فتحة صغيرة في الشباك، لتزيد في حراجة موقفي البائس ـ كنت أقول لها: لا أجيد العناية بالزهور، انا ابن العاقول والخُبّاز، فتضحك ساخرة ولا تزيد، كأنها تقول لي: وهل انت مؤهل للبنفسج، انهن لي، انا ابنة الربيع والزهر ـ شعرت أن للضوء رائحة، وأنه يحرص على أن يصلني عبيرها وهي تنسحب، بذات القوة وذات العنف، بل ان ذلك العبق المبهم كان يزداد حدة كلما ابتعدت صاحبته خطوة عني، حتى توقفتُ عن تلمس عطرها بحاسة الشم، وصرت أحسه بكل مسامي، يتسرب فيّ، رويدا مع الضوء، مختلط بأصوات السيارات المندفعة خارجا، تطلق أزيز محركاتها، كأنها تؤذنني بشكل حياتي القادم من دون هذه الراحلة، نفير لا يهدأ من الوحشة، ووجع جديد يصل المواجع القديمة ويزيدها حدة، كان المشهد يعتصر روحي، رغم كل البهاء الذي يلفه، رغم ما صنعته الأمواج الذهبية التي تتوج رأسها في روحي، وهي تتمايل منكسرة عني، يلفها الضوء ورائحة البنفسج.

ـ أنت تحب الخسارة، لا اعرف كيف أكون جزءا من خساراتك المحبوبة إلا بهذه الطريقة.

لا أدري كيف استطاعت الفتاة المرحة، الممتلئة بالحياة ان تجد تلك الجثة المدفونة عميقا بروحي، المتوارية تحت ركام آلاف السنوات من التجارب العراقية المعمّدة بالخسارة، المتوضئة بالفقدان، مطمورة عميقاً في ذاتي المنهكة حتى لم أعد أتبينها، رغم انها تظهر في كل سلوك أسلكه، تجاهلت وجودها المتحكم بوجودي، حتى اقتنصتها البنت الأوربية اقتناصا، مبددة الركام عنها، بعد أن كبحتُها عن تبديد العتمة التي تلف أيامي، رغم شراسة الضوء في روحها السعيدة، التي قال عنها النواب:

يلي ما جاسك فكر بالليل

ما جاسك سهر

غادرتْ، لم تترك الباب مفتوحا كما يجدر بأي راحل ساخط، حرصت على إيصاده برفق، لأنها تعرف أنني أخاف الابواب المفتوحة، تسلبني راحتي وطمأنينتي السريعة العطب، ومع آخر نغمة منبعثة من تلاشي خفق حذائها على الأرض، صحوت من ذهولي، لقد ذهبت، أما أنا، فبقيتُ كنخلة ذاوية، هربت من طينتها لأديم غريب، فشل في احتضانها رغم حنانه وينعه، غادرتها المياه، وجفاها الفلاح، أتلفتُ، أبحث عني وسط هذا الظلام العراقي المغترب، فلا أجد سوى العطب والسخام.

15/ 8/ 2015

اللوحة لـ (tzviatko kinchev)

 

وداع…وزيارة

– ها يمه، شو مغبش؟
– رايح لكربلاء.
– زيارة لو تسيارة؟
– لا والله تسيارة، صديقي راح يسافر لمدة طويلة واريد اودعه.
– متروح تزور؟
– ما اتصور، ما الحك.
– لا يمه ميخالف، روح زور، وسلمي على ابا عبد الله، كله أمي تسلم عليك، تكول اكو امهات عيونهن عالباب، منتظرات اولادهن، هن لا يعرفن داعش، ولا يعرفن الجيش، ولا يدرن بالحشد الشعبي، يعرفن عدهن ولد، عمت عيونهن الى أن صاروا زلم، وتالي شالو سلاح، وقسم راحو ويه داعش وقسم راحو ويه الجيش، الامهات شعليهن بالسالفة، الامهات يريدن ولد يلم كُبرتهن، هسا اتغوبرو وراحوا ويه داعش، ضحكوا عليهم، الكترين يصيحون ويدعون بالدين، وأولادهن كلشي ميعرفون، بس الامهات هم كلشي متعرف، بس يعرفن شكد تعبن، وشكد صبرن، جابن عمارهن أمل وحسرة، على كل صوت بالليل يفزن خاف الولد كعد، كله لابو السجاد لَتردهم ليهن مكطعين، ولا مجرمين، ولا خاشين بخطية العالم، خوش يمه، وكل لاخو زينب العباس هم نفس الشي، خوش يمه، كله هالله هالله بالامهات، والله العراقيات خطيه، خوش يمه؟
– الله كريم.
ووجدت متسعا اذهب به الى الشهيدين، وكلي كلام يتململ بين قلبي وشفتي، وما أن وصلت، ومع أول تابوت مكلل بالورود، تتقدمه صورة كل ما فيها يتلألأ، البسمة على الوجه، النجمة على الكتف الذي تجاوز العشرين بقليل، نسيت كل الكلام، صليت، انتظرت كثيرا ان افوه بكلمة، لا شيء، في الأخير، وأنا أهم بالمغادرة قلت لهما:
– أغاتي أنتما، مثل ما كالت أمي.

الحدود التي يكذبونها


علي المعموري
بيني وبينك يقف سوء فهم كبير، درب أراده المؤمنون معبرا لخلاصهم، ولكنهم لم يدركوا كنهه الحقيقي، انكفأوا عليه دون معرفة، وأقاموه سدا بيني وبينك، فسحقوا روحينا به كالرحى.
ما هو الدين؟
ما هي المذاهب؟
الا تريد كلها الله؟
أليس الله محبة؟ فلماذا يريدون لتلك السبل ان تكون بغضا؟ كيف يقود البغض إلى المحبة؟!
هم يزدادون تيها، وأزداد ألما، لا أرى نفسي في مسار لا ينتهي إليك، ولا ارغب في سعادة لا تكونين كنهها، لا أريد صخرة اسند ذاتي عليها إذا لم تكن من حنانك، المياه لا تبل الغليل، والزاد لا يقيم الأود، والهواء لا يشفي من الاختناق، كل المعاني فارغة بدونك، والغرف مظلمة تبحث عن ضياءك.
اقف هنا، منتظرا بلا كلل، اطاول الليل بالهم، تمر ساعاته على روحي كالدهور، طيفك يحوم على رأسي، يضحك، ولا أحس بذلك الدبيب الذي كان يسري في عروقي حين تتلقف روحي ضحكتك وأنت أمامي، لم أكن اسمع صوتك بأذني، كانت كلماتك تعصف بقلبي، احسها، كما يحس الطفل بكلمات أمه قبل أن يفهم الكلام.
يمر الليل بي، اسائل كل صوت عابر في الطريق عنك، تذكرني الهمسات الشفيفة التي تهوم كل حين بك، تمنعني من الانهيار.
اقلب بصري في السماء، اتلمس أول خيوط الفجر، الضوء العذب كوجهك، الرقيق كخطوتك، الذي يحمل الأمل في مقدمه الوئيد كالأيام التي يشع فيها حضورك.
تذكرني بك العصافير التي تهب مع أول لمسة ضوء رفيقة تمر على وجنة الدنيا، منذرة بالحياة.
مع أول الاصوات التي تنبعث معها الحياة، مع أول الخطى التي تسعى إلى طلب الرزق في الأزقة التي تدور تدور، لا تبدأ إلا منك، ولا تنتهي إلا إليك.
أطل برأسي منهكا على نافذة الدنيا، اتصفح الوجوه بحثا عن وجهك النائي، وكل جوارحي سمع يتلمس صوتك بين الأصوات، حروفك الرحيمة بين القسوة البشعة التي تحيطني، كالسوار الذي طوق معصمك ذات يوم، وطوقت استدارته روحي، وقطعت علي كل السبل التي لا تؤدي إليك، انت، التي لم تعد طرقي تقودني إلى احد سواك.
يا أنت..
أخلو إلى قلمي فلا يحدثني عن غيرك، الأوراق لا تريد على جبهتها عنوانا يخلو منك، والكلمات لا تتركب بمعنى سواك.
أدور على محورك، النهار رتيب لا يذكرني إلا بالوطن الذي رأيته فيك، ورأيتك فيه، ثم يسلمني إلى الليل متوجعا، وتستمر حلقة الألم.
اخبريهم انني سأنتظرك، وانك ستنتظريني…
أخبريهم أنني لن أكون إلا على ما يقودني لك، لا أرى دينا لا تكونيه، ولا إيمانا لا يتجسد عبرك، اتوقف عندك، ولا أعدوك، اجد فيك حريتي، وأتلمس إيماني فكرة ففكرة، حسرة فحسرة، نغمة فنغمة، تتابع الكلمات، وأنت بينها تتكررين.
أخبريهم ان الحدود التي اصطنعوها واهنة أمام صبري، وأن الأطياف التي تصطف على طول ليلي، على طول الحدود، على مقدار حبات الرمل المصطفة حسرات ــ يسمونها مسافات ــ تفصل جسدي عن مكانك، ولكن روحي تهيم حولك، تتيه بليلك، تتقاطع الطرقات وتشتبك ولا تصل روحي لسوى طريقك.
أخبريهم انني انتظر، كالضال، اقف هنا واهمس لفؤادي الكسير:
لعل الله يهديني بك…..

كيمياء… كيمياء


1

الطرقات تتسع باتساع روحك

وتضيق بضيق أفقك

لعينيك حدود تصنعها هواجسك، بصيرتك عيون تمتد بامتداد خيالك.

الحياة كيمياء، نحن قوارير….

ـ طيب، أليس الأصوب أن الحياة كيمياء وقوارير، ونحن المواد التي تملأها؟

ـ كلا يا بني، الحياة كيمياء، ونحن قوارير، أما العناصر فهي أرواحنا.

الحياة كيمياء، جدول دوري، فيه العناصر النبيلة، وفيه الخسيسة، القوارير لا ذنب لها، والمواد لا ذنب لها، المواد تتشكل حسب الظروف، وُجدت منذ الأزل، كوَّنتها الدهور وما خلفته، ثم شكَّلتها أيدي البشر كيف قدرت، ووضعتها حيث شئنا، لا كما شاءت، أما نحن، فشكَّلنا السلاطين، ففسدنا، وناضلت عناصر غير مصنفة، صبها الخالق خصيصا لإصلاحنا ما وسعتهم القوارير التي صُبوّا فيها.

الطرقات تنظف إذا نظفت العناصر.

وتتسخ إذا لم تكن الظروف الطبيعية لنشأتك سوية.

 2

كنتُ صبيا قصير القامة، في الصف الأول المتوسط، عندما جمعنا مديرنا المرعب، أبو فتيان ـ الذي نلقبه بالليث الأبيض ـ ليعلن لنا بفخر انجازه، كأنه ارخميدس الذي صرخ: وجدتها… وجدتها، أما انجاز أبو فتيان فكان استقدام مدرس جديد للكيمياء، مدرس بشرنا المدير المرهوب بأننا سنجده منذ اليوم الأول لدوامه يحمل الطبشور، ويدور على الشُعب، ليلقي دروسه.

 3

لم يكن المدرس الجديد ذي هيئة ودودة، طويل القامة نحيف، يرتدي بدلة سفاري بنية فاتحة اللون، وجه حاد الملامح، له نواظر يتطاير منهما الشرر، خفنا من مقدمه، كخوفنا من المدير، المدير الصارم الذي لا يتفاهم، ولكنا كنا واهمين.

 4

صدق المدير وعده، منذ اول يوم قدم فيه المدرس الجديد، وهو يدور على الشعب، يُدَّرِس، عصاه تحت إبطه، إذا اقبل عليك بها بهيئة المغضب تخاله سيقطع أوصالك، ولكنه لم يكن يفعل بها سوى الهش، كأننا غنمه، ولا اعرف إذا كان له بها مآرب أخرى.

ولكن الم يكن الانبياء معلمون؟

تدريجيا، صرت تراه في كل مكان، في الإدارة ينظم السجلات ويقوم بعمل المعاون، يوزع الكتب والدفاتر، يتابع بحرص شديد نظافة المدرسة ـ لهذا أضاف بعض الطلبة المتظارفين لاسمه لقب: بلدية ـ يتابع إصلاح المقاعد المكسورة في زمن التسعينات العراقي البائس، يتسوق لحانوت المدرسة ويديره، يتابع إدامة أقسام المدرسة، ينظم القاعات الامتحانية، يدور على الطلبة فيها، يساعدهم في حل الأسئلة، لكل الدروس، كان يعرف كل شيء، ويساعد في كل شيء، حيثما كنت من المدرسة، ستسمع صوته الأجش، البارز، ملعلعا، معلنا وجوده النابض بالحياة.

 5

المفازات لا تعرف الأصدقاء، أصدقاؤها الذين خبروها، وفهموا كيف ينفذون منها.

التجارب في الكيمياء لا تحتمل الخطأ، جزء من رقم صغير يقلب الحسبة على وجهها.

التجارب في الحياة لا قاعدة لها، ولا مقادير، تحتمل الارتجال أكثر من القوانين، القوانين في الحياة مجرد ضوابط عامة، والتفاصيل عائمة.

ـ ولكن ألم يكن بعضا من أعظم الاختراعات البشرية نتيجة خطأ في المعادلة؟

ـ مما يجعلك تعرف أن الخطأ في الحياة ليس كالخطأ في المعادلة.

ـ ؟

ـ الخطأ في الحياة هو ما يجعل من المخلوقات ـ على اختلاف جنسها ـ رجالا، أو نساء، إذا استطاع تشكيلك، وأوجد منك عنصرا نبيلا فنعم الخطأ، أما إذا بقيت كما أنت، فعنصرك راكد، والخطأ معك كالصواب، معروف النتائج.

ـ ؟

ـ  الخطأ في المعادلة؛ الذي يولد عنصرا جديدا ــ بعضا من أعظم الاختراعات كما قلت ـ لا يسلب العناصر الأصلية طبيعتها، ولا يغير كينونتها، والعنصر الجديد يظل جديدا، ينتمي لمن شكّله، ولا ينتمي من شكّله له.

العناصر تكتسب خصائصها بالفطرة، وتعركّها النار، فتزداد جودة، أو تزداد رداءة!

 6

كان نبيلا، قد يشتم، قد يصرخ، يضرب أحيانا، برقة لا يضربك بها أبوك، كان كغيره من قدامى المدرسين، ممن ضكهم جوع التسعينات، فاشتغل عشرات المهن خارج المدرسة ليقيم أود أسرته، دون أن ينجر كغيره إلى الارتشاء، أو إلى إعطاء الدروس الخصوصية في اقل تقدير، رأيته ذات مرة يحمل (ورقة سبرنك فحل) لسيارة لا اعرف طرازها، وهو يسير بهمة كعادته، لعله كان ماشيا ليبيعها، اخبرني احد الزملاء مرة انه أيضا عاد إلى البناء، المهنة التي تحترفها أسرته.

ولكن أليس المعلم بناء!

 7

في اللحظات التي أزعم لنفسي خلالها أنني سأكون يوما ما روائيا، يكون هو أول الشخصيات التي أجدها تقفز أمامي، نابضة بالحيوية، أفكر أنه يصلح لأن يكون شخصية روائية ملهمة، وهذه القطعة هي جزء من ذلك الحلم المبتور الذي أجده فيه، أتلمس ـ كالأعمى الذي يرى بيديه ـ كلمات تصلح لان تكون حدودا لشخصه، تتسع له، وينصهر فيها، يتقافز كالكنغر من شعبة إلى أخرى، ومن مهنة إلى أخرى، شامخا، متواضعا، بسيط السريرة، رقيق مهما كسا نفسه بالشوك.

ثم انكفئ على نفسي، أتقهقر، ولا غير الأسى في جيوبي، يبحث قلبي عن الوجوه التي أسعدتني ذات يوم بوجودها، ولا أجدها، ولا أجده بينها.

 8

هل سمعتم بالعراقي جبر، يختصر المثل الدارج على ألسنتهم حياته بكلمات محدودة: (جبر، من الفقر إلى القبر).

و”جبرنا” هذا، مدرس الكيمياء، وبعد حياة ليست طويلة بحساب السنين، أزلية بحساب الأذى، لوّعته بالعوز، وتنقل خلالها في البيوت المستأجرة، وما أن صار له مرتب يليق به، وبنى بيته، وقبل أن يمتلأ قلبه تماما من تلك السعادة التي يشعر بها الأب الجالس بين فروعه، مات.

 (في ذكرى أستاذي الراحل جاسم شريف، الذي درسني الكيمياء في مرحلة المتوسطة كلها، وأعطاني ـ خلال الامتحانات ــ أجوبة كل الدروس الأخرى على الطاير، رحمه الله وعطر ثراه)

[ملحوظة: كما تعلمون، الحوارات في النص؛ متخيلة]

الصورة المرفقة بعدستي