كل المقالات بواسطة علي المعموري

متخصص بعلم السياسة، وما يتطلبه من اطلاع على الاقتصاد وعلم الاجتماع والتاريخ والعلوم القريبة الاخرى، مهتم كذلك بالادب والفن، وكل ما يتصل بالحياة والابداع الانساني

آمرلي… الفجر الذي ننتظر نهاراته

آمرلي

علي المعموري

هل تسمعين تلك الهمسات التي تدب في كل شيء حولنا، تتحرك كالدماء في العروق؟

هل تشمين تلك العطور الغامضة التي تداعب الأرواح بلمسة شفافة كل لحظة؟ عذبة كالمياه بعد (الصيهود)، كالفرات يتمشى منذ آلاف من السنين، شامخاً، يحمل الحياة في عزف لا يكل ولا يفتر.

هل تبصرين ذلك الضوء، ذلك الضوء الذي يبدد العتمة رويدا، كما تغسل دجلة الغبار عن وجه بغداد؟ هل تحسين بنضارته؟ هل تمتلئ روحك من النسمات التي تعانقه وهو يتسلل في الأمشاج وئيداً؟ كالعافية تسري في جسد المريض، يفيق من إغماءته، وتصب عيناه في قلبه صور الأحبة المحيطين به، عيون رفعت إلى السماء أكف تدعوا، أفئدة تتضرع، تريد لنفوسها أن تصير دواءً، أن تصير كل شيء لهذا الذي يمثل لها كل شيء.

إنها أنت، ما غيرك.

إنه الرصاص الذي يلعلع حواليك، تقفين شامخة أزلية كالنخيل.

إنها نساءك التي تملأ المشاجب بالأحبة، وترص الذادة في المتاريس، كأنهن لم ينجبن، ولم يربين إلا لهذه اللحظة التي تتوج بالموت، الموت بكرامة.

إنها رجالك الذين يأبون التزحزح عن مواطئ الأقدام، حتى الجريح الذي يئس من النجاة، يجعل من نفسه قنبلة توقف البرابرة الهمج القادمين من مجاهل التاريخ.

إنها أطفالك الذين لبسوا الرجولة مبكرا، وألفوا البنادق قبل الألعاب، الذين فهموا ضرورة أن يجوعوا، وأن يعطشوا، وأن يفترشوا التراب الصاهد أسرة وثيرة، الذين تذوقوا لذة الكرامة مبكراً.

إنها الخيل التي تحمحم في المعركة، زمجرة الأسود التي تقتحم، الأعاصير التي لا تعرف السدود أمامها حيلة.

إنها الليالي التي كانت عتمتها أهون عليك من الضياء الذي يبصرك بالوجوه الكريهة التي تحيط بك، كل فجر مرَّ بك دون ندى، كل صباح لم تكن الحياة فيه أول ما يطرق أبوابك الساهدة، لم تكن العصافير تعلن مقدم الرزق، ولا الحمائم تهدل للسلام، كانت لعلعة الحرب تصطخب، البارود الذي تسيدت رائحته العفنة المشهد، تمتزج بصيدك الليلي من دماء الهمج، تنتظر الصيد القادم في النهار.

تقفين 83 يوما، كل يوم بسنة، الهمج يحيطون بك، يريدون كسرك، وأنت كالطود لا تتزحزحين عن مواضعك، الرصاصات تقل كل يوم، وأنت لا تزدادين إلا نصرا.

إنني أسمع، وأشم، وأحس.

كأن روحي أتون يلتهب لهفة عليك، يترقبك مع كل ما يخفق نحوي من جوف الليل، أقف ولست بالواقف، وأركض لا كما تركضين، أراك في كل الصور، تنعكس فيك كل الوجوه المحاصرة في مدن العراق.

ثلاثة أشهر والعار يصفعني كل لحظة، أحس بالعراق الذي تبدد، المياه التي تهشم إناؤها وتبخرت الحياة منها.

النجيع الذي يزمجر على أرض ما عرفته، يوما لم يسل فيه على خدها، النجيع الذي يعصف من تخوم الموصل، يخط بمسيره كل الحواضر، والقرى، والبيوت التي في طريقه، يضرب الأنبار، ويوجع ديالى، حتى يصل بغداد ليشوه وجهها النضر، ويجتث صدرها الناهد الذي طالما غنى له (جمال الدين).

ثلاثة أشهر، أجلس قرب المدخنين، أتطفل على نيكوتين المواجع الذي يحلق حول رؤوسهم، والشاي المر، والشتائم التي لا تدع أحدا في طريقها إلا وشجت “يافوخه”.

ثم جئت متألقة، وإذا بي لا أقدر على دموعي، تهرب من مقلتي دون إذن، إنها أنت، أنت الأمل الذي فتح روحي من جديد.

وها أنا أنتظر المدن القادمة، أنتظر لنواعير حديثة أن تهدل بالعراق وحده، أترقبها وقد لطمت البرابرة لطمة أخيرة تختم بها ما كالته لهم خلال الحصار، أنتظر الضلوعية، أن تهب من الأرض ضلوعا تحمي العراق، العلم التي تقف علما لا ينكس.

وبعد؟

أنتظر كل النهارات التي لا تقود إلا إلى الموصل…. الموصل التي إن لم تعد سريعا فلن يسد الثلم الذي أحدثته في كرامتنا شيء.

هل رأيت؟

إنها أنت التي قلت للعراقيين مرة أخرى: ارفعوا الرؤوس، انظروا إلى الأمل الذي يصب كالفجر من السماء، لملموا كرامتكم، فهي أغلى ما تملكون.

كل الطرق، كلها كانت تؤدي إليك، وأنت لا تؤدين إلا إلى الموصل.

أما أنت أيتها الحدباء، فلا تؤدين إلا إلى نفسك، على أمل أيتها البضة.

[الصيهود: هو الأسم الذي يطلق على موسم انخفاض مناسيب دجلة والفرات، بما يعني انقطاع الحياة، ويقابله اسم الخنياب ابان ارتفاع مناسيبها أول الربيع]

في التكاره والتسامح

علي المعموري

في التكاره والتسامح

اوراق في النقد الذاتي

دعما لهمام طه

(1)

أرجو أن تُقرأ هذه السلسلة بمبدأ من حسن النية المطلقة، لا من مبدأ التأويل إلى السيئ، وإذا ما وجد الأحبة الذين سيرهقون أنفسهم بقراءتها أي عبارة أسئت سبكها فأوحت بسوء القصد، ارجوهم أن لا يفسروها إلا بحسن النية، وأن يستفهمون مني عنها، لعلي ادفع عن نفسي ظن السوء، ومثلهم من طلب الحق، ومثلي من أناط الباطل عن نفسه.

كتب الأستاذ همام طه على صفحته منشورا وجهه لـ”أخيه الشيعي”، يحثه على ممارسة النقد الذاتي كما يفعل هو كسني، وأن يتخذ من هذا النقد السني للسنة العراقيين سببا للتسامح، وبناء وطن قائم على التسامح، لا أن يتخذ النقد حجة للتبكيت، ولأني لا أريد لصوته ان يذهب هدرا، قررت أن اكتب في عونه، رغم أني أكره الخوض في موضوع التسنن والتشيع، لأنني لا أرى في همام ــ كما كتبت على صفحته ــ ما لا أراه في نفسي، وهو أني لا اعتبر نفسي في خانة التشيع الإقصائي كما لا اعد هماما في خانة التسنن الإقصائي، وهما السائدان اليوم، وبموازين طائفيو الفرقتين، لا اكون شيعيا كما لا يكون هو سنيا.

ولأني من جانب آخر لا أميل إلى تحميل العقائد مسؤولية اخطاء المعتقدين، وافصل بين الأفكار، وبين التطرف في تطبيقها، ولأني اسير مع المرحوم هوبس في سوء ظنه بالانسان، وأميل إلى انه يقترف ما يقع في هواه ما أن تسنح له الفرصة، دون أن يفكر بغيره، وفي سبيل ذلك سوف يستثمر كل ما يمكن له استثماره من عقائد، وأفكار ليبرر لنفسه جرائمه، وهو إذا لم يجمعه بالآخرين مذهب، فسيجمعه عرق، وإذا خلصت الجوامع الباعثة على التعنصر أمامه، فسيتعنصر كبار الأنوف لأمثالهم، وقصار القامة لنظرائهم، وبالتالي، فإن الذين بطشوا بالشيعة في السابق لم يبطشوا بهم لأنهم مؤمنين بكفرهم، والذين بطشوا بالسنة لاحقا لم يفعلوا ذلك لأنهم يؤمنون بكفرهم، وتساوت ردة فعلهم بمطامعهم في مطلق الاحوال، والنتيجة أن العقائد صارت عناوين للباطل بعد أن أفرغت من محتواها، وخلال حكم الطرفين وجد من الطرف الآخر شريحة كبيرة من النفعيين واللصوص تعمل مع الحاكم “المغاير” وتسهل له سوق رهطها، والوحيد الذي تضرر من آثار التحارب هم الفقراء الذين لا حول لهم ولا قوة.

ولأن الموضوع الذي طرحه أ. همام يتحرك بدرجة كبيرة ضمن أطر مذهبية، وجدت من الضروري أن احدد موقفي من التمذهب.

حقيقة الأمر لست راغبا في خوض الموضوع الذي اريد خوضه، أو أن اتحدث من منصة انتماء مذهبي معين، لأني لا أعد نفسي حقا مذهبيا بطريقة تقليدية، كشخص ولد في عائلة شيعية، في النجف خصوصا، لا أريد حقا أن أؤطر نفسي بإطار لا اجدني تماما ضمن العنوان الذي يسوق له المتعصبون، بل أسير فيه بأطر أخرى أكثر رحابة، بقيت حبيسة النقاش الحوزوي والجدل الديني في النجف ذاتها.

ولأني حقيقة أجد في الانتماء المذهبي، أو الديني حتى مسألة شخصية، بالغة الخصوصية، تتعلق بي وبخالقي، لا أكون ضمنها مسئولا عن إيمان أحد من الخلق، ولا أسمح لأحد أن يحاول فرض رأيه علي، لهذا احتفظ بعقيدتي لنفسي، ولا أناقش فيها على الملأ، سوى بعضا من الذين هم قريبين من فكري، بحثا عن المعرفة، ضمن الشك والتفكر.

ولأني صرت إلى الإيمان بأن مسألة الخلاف الرئيسة بين الطائفتين لم تعد تتعلق بواقعنا الحاضر، وأن تطاحننا حولها لن يغير من وقائع التاريخ شيئا، وأنها تتعلق بدرجة كبيرة بالآخرة، بالسبيل الذي يريد المرء أن يسلكه للنجاة، وما دام الأمر كذلك، وما دمت قد وجدت في نهج معين سبيل اتذرع به أمام خالقي، ولا تُغير عقيدتي فيه من وقائع تاريخيته شيئا، ولن تؤثر في عقائد الآخرين، ما دمت كذلك، فلن أجعل منه أطارا لعلاقتي بالآخر، خصوصا أن من يتشيع الرهط ــ الذين أنا منهم ــ له قد قال بوضوح: (أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)، وما دام الإمام قد وضع هذا الإطار العريض للعلاقة بالآخر، فلم أجعل نفسي رهنا للموروث المقدس من كتب ومرويات؟ الموروث الذي تخلصت من عقدة الأخذ منه دون نقاش، وكُسرت رهبتي الدينية التي غُذيت بها صبيا أدرج في مساجد النجف تجاهه، بعد ان ساق الله إلى طريقي كتابات واحد من أساطين التحقيق في حوزة النجف، ممن لا يجدون في أنفسهم خشية من اقتحام المسلمات وتفحصها عن كثب، في إطار من قبول الآخر مهما اختلف معه، وهو السيد محمد مهدي الخرسان.

أما الأحكام الفقهية، فهي مجرد ضوابط وقوانين، وجد الكثير منها ضمن مبدأ التراكم عبر القرون، وتطور تجارب الفقهاء واجتهاداتهم المختلفة في تفسير النصوص، اتساهل في الكثير منها، وألتزم بالكثير الآخر، التزم خصوصا بما يحزن تركي له قلب أمي، ولا أجاهرها بكثير من مخالفاتي، حرصا على أن تدعو لي دعاء المؤمن، وليس دعاء من تريد له الهداية، فذلك أجدى لروحي وراحتي النفسية من غيره، عدا أني التزم بقطع منها كجزء من منظومة الأفكار الدينية التي اتساوق معها، أو التي لمست فائدتها الاجتماعية بالفعل.

وما دمت قد أوضحت هذا، فليفهم الجميع، ان هذه الكلمات ليست خذلانا لمذهب، أو إعزازا لمذهب آخر، هذه الكلمات هي نقد، كلمات أريد بها الحق، منطلقا فيها باتجاه رغبة واحدة، أن نوقف الخبل الذي ينزف أبناء وطننا في سبيله.

[نظرا لطول الموضوع، سوف يكون هذا الحديث على حلقات، وهذه المقدمة هي أولى الحلقات تلك، التي أعدكم أن تكون أقصر]

سبايكر

علي المعموري

سبايكر

التي لا أريد الحديث عنها

التي بقيت أُكابر حتى قبل أيام وارفض تصديق ان ما جرى فيها قد جرى

واحاول ان اقتنع بزعم من قال انه فيديو مفبرك

ولكن دموع الأمهات أصدق انباءا من الكتب

الحرق التي تتلوى على وجوههن

الحسرات التي تقول كل شيء

الليالي الموحشات التي تمر عليهن، وطيوف الغائبين تنعب في جوانب البيت، تظهر في المرايا، تنبثق في الطعام، تنعكس في المياه.

الغربان التي تصفق اجنحتها المشئومة في أفئدتهن

الاسئلة المغمسة بالمواجع، العيون التي لا تعرف الهجوع، وغارت الدموع في منابعها، الوسائد التي لا تهنأ على فراش، والفراش الذي لا يضم جسدا.

سبايكر

الكوابيس التي لا استطيع ان اتخلص منها

اللعنات التي تطارد السياسيين

والطائفيين

والسفلة

وتجار الفضائيات

العار الذي يضمخ بريق الرتب العالية التي خذلتهم

والسياسيين الذين تاجروا بهم

والسياسيين الذين يلعنونهم

السياسيين الذي ينظرون بعين واحدة

ويسمعون بأذن واحدة

ويعبدون ربهم على حرف

الاوغاد الذين يقولون دم بدم

والأنذال الذين يختلف لون الدم في آماقهم من ضفة إلى أخرى

الصم الذين لا يسمعون النواح، ويغنون “يمه نتلتني العكربة”

الليالي التي تمر علي وأنا أبكي من الشمال إلى الجنوب، أبكي الأحبة الذين حصروا في الموصل

اتحرق للتمدن الذي استباحه التوافه في أم الربيعين.

سنجار التي تقطعت أكبادها في جبل الموت، يترقبون الهلاك مع كل نأمة يرسلها الليل البهيم، يلفها عطش وجوع.

أبكي لدموع “جبارة” واسرته التي تتساقط ثمراتها عن جذعه شهيدا فشهيدا، الغار يكلل رأسه، والحسرة تملأ خافقه.

أبكي لآمرلي، التي تشجر قلوبها في البنادق، وتترس بالمهج، ولا تعد نفسها بغير الشهادة، ترى الموت ولا تشعر بالحياة، تستعذبه كما تستعذب الماء في حصارها.

حديثة التي تأبى ان تركع، تقف منيعة كنواعيرها، دائبة النشيج.

أما الفلوجة التي لا اعرف ما يجري فيها، فتلك حكاية أخرى، لكن ما أفهمه ان هناك أبرياء ينالهم تناوش السلاح وهم لا ناقة لهم ولا جمل.

كربلاء التي تمتد إلى النجف لاجئين، غصات تتراصف على بعضها، وجوه حيارى تتكدس في أماكن الزائرين، قلوب تشخب اسئلة، تجفل مع كل خطوة تضرب على الطريق، عيون تترقب القادمين، لعل بشرى بالعودة تلوح. نازحون من الأنبار يحتمون بحمى الشهيد، شهيد الإصلاح والحياة الكريمة، تتلوى الخوافق تحت الضلوع، يتطلعون إلى فجر يحزمون فيه ارواحهم إلى قراهم.

من تلعفر، تتالى صفوفهم، الحيرة زادهم، والدهشة نميرهم، والناس التي تفتح قلوبها، وصناديقها لهم، ترفدهم بالزاد والدواء قبل أسرهم.

الذين هربوا شمالا، والبنادق التي احتموا بها تمنع عنهم الدواء، وتضيق عليهم سبل الغذاء التي يجمعها لهم نبلاء ملأت قلوبهم لهفة للعدل.

سبايكر

التي تلم كل شيء فيها

ولا شيء منها اليوم

المقابر التي لن تجدها الامهات في الاعياد

لا شيء

عدم وحسب

[اللوحة للفنان العراقي مؤيد محسن]

في الدولة والعقيدة في العراق

كتب أحد اصدقائي على صفحته في الفيسبوك حول الركن الذي تتخذه العقيدة في الفوضى العراقية، حول العقائديين الذين يَقتلون، والذين يُقتلون، كلاهما على أساس من أطر عقائدية، تجعل من الموت في سبيل العقيدة، او القتل من أجلها غاية الحياة، حتى غدا “الموت العقائدي” بتعبيره سيد المشهد في العراق، وتسائل عما إذا كان السبب يكمن في العملية السياسية نفسها التي أخذت الطابع العقائدي، لينتهي إلى القول ــ نصا عنه ــ : ((حين تربط كل شيء بالهوية المذهبية، ليموت الجميع من أجل العقيدة والدين والمذهب والملّة؟!.

تقوم معادلة القتل العقائدي على “مجاهد” يقتل من أجل العقيدة، و”شهيد” يموت في سبيل العقيدة أيضاً .. كلاهما شرط للقتل العقائدي. )).

أنا انظر للموضوع من جانب آخر، حيث ان حساب الامر بمنظور علم الاجتماع السياسي سيكون اكثر اتساعا من الحسبة العددية الاقتصادية، وضمن هذا أدلي بوجهة نظري على عجالة شديدة:

فلنتجاوز مسألة الايمان الفردي، والتنشئة على الاعتقادات المختلفة بتفاصيلها، وسرديات كل دين وعقيدة ضمنه، مما يُستخدم في ترسيخ الوعي بالعقيدة في الفكر الفردي، وصولا إلى الوعي الجمعي، وما تطبعه الممارسات تلك في اللاوعي، مما يستعصي استئصاله، او التحرك خارجه، فهذا عنوان يطول فيه الحديث.

سوف انطلق من ملاحظة اكثر خصوصية.

ملاحظة نجد ضمن بؤرتها أن مسألة العقيدة، والذوبان فيها، والتضحية من أجلها، اعمق من مجرد التفكير بالعالم الآخر، بما تقود له الشهادة من تكريم أخروي، أنها تتعلق بدرجة أكبر بالدولة، بحاجة الانسان لهذا الكيان الجامع الذي يوفر له الامن.

الآن ما علاقة الدولة بالعقيدة؟

في حالتنا كمسلمين، الدولة تمتزج بالعقيدة الدينية، حسنا الامر ليس بدعا، إذا اردنا ان نفهم الامر بمنطق اللادينيين من العلماء، سنجد ان الدولة ابتكرت الدين، او ان الدين ابتكرها، او انهما ابتكرا نفسيهما معا، الدولة توفر التنظيم، الحماية، وما يحتاجه من قيم، واجبات وحقوق، لنصل إلى فكرة: (الامن الوطني) بعنوان ازعم انه اشمل، استقيته من رؤية قدمها استاذنا د. الرمضاني، وأسست عليها فكرة رسالتي للماجستير، من جانب آخر يغطي الدين الجانب الروحي للفرد، ويوظفه في تمكين السلطة، كان الكاهن رديف الملك، صانعه وصناعته، وتعمقت الفكرة بإسباغ صفة ابن الرب على الملك، وأخذ الدين يفسر “للمواطنين” ــ لنتسامح باستخدام مفردة “مواطنين” ــ الامور غير المفهومة، الكوارث التي عجز الملك عن صدها، والغيبيات التي لم يستطع تبيينها.

أما وقد جاءت الديانات السماوية، ولنعبر مباشرة إلى الاسلام، ففي الرأيين الرئيسين ضمنه سنجد ان النبي الذي هو رسول الله إلى عباده، وحجته عليهم، أمره من أمر الله، يمتلك بيده السلطتين التشريعية والتنفيذية، الدولة برمتها تمر عبره، يشكلها وفق الوحي، وبديهي هنا ما يعنيه هذا من امتزاج بين فكرة الدولة، والعقيدة في بوتقة من القدسية يمتزج فيها الغيبي بالمادي، المتعالي بالمحايث.

أما الخليفة، أو الإمام على سواء عند المذهبين، فهو خليفة ذلك النبي، ذي الصلاحيات غير المحدودة، إذا كان الشيعة يجعلونه معصوما عن الخطأ، فالسنة يجعلونه غير قابل للمسائلة، والامران يصبان في ذات المصب، الانسان الذي يملك الصلاحيات كلها، تمر الدولة عبره، وتتجسد فيه، عبر أطر عقائدية دينية لاهوتية.

وخلال القرون التي تطاحن المسلمون فيها على مذاهبهم وعقيدتهم، كانوا بطريقة أو بأخرى يتطاحنون على الدولة، الدولة التي تتبنى مذهبا معينا، سنية أو شيعية، عربية او غير عربية، وتبدأ بقمع الآخر المذهبي، مما يولد نكوصه إلى ذاته البديلة عن  الدولة القمعية وهي: المذهب، الامر ينطبق على ملوك بني أمية، وبني العباس، والبويهيين والسلاجقة والمغول والصفويين والعثمانيين وكل من خلق الله من عباده ممن مر بجيوشه على ارض العراق، بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال.

الان نصل إلى العراق الحديث.

حينما فطن الملك المؤسس فيصل الاول رحمه الله إلى ان العراق عبارة عن خليط غير متجانس، لا يملك مؤهلات دولة يراد لها ان تكون موحدة، حينما فطن لذلك كان يضع يده، وأيدينا على أساس المشكلة، غياب الدولة، عبر غياب ما تقوم عليه.

وطوال فترة حكمه حاول ان يُحل الدولة محل الهويات الفرعية، التي كانت على الدوام ملجأ للجماعات المنضوية تحتها بسبب سلوك النظم السياسية غير العادلة، وتمرأي الدولة عبرها، وانحسارها لصالح النظم السياسية عكس ما يجب ان يكون عليه الحال، وانتهى مشروعه صبيحة 14 تموز 1958 لندخل بعصر جديد انحسرت فيه المدنية، وتشخصت الدولة في شخص القائد.

لا انكر هنا ان عبد الكريم قاسم كان غير مصنف مذهبيا، ولكنه فتح الباب لهذا الخراب، وبعده تعمقت المسألة الطائفية، وولد نظام ما بعد 2003 مدا معاكسا لما زُرع خلال تلك السنين، وجاء ببطش مثل التغذية الراجعة لمدخلات الخراب التي سبقت، ليسبغ على نظام ما بعد 1958 حتى 2003 هوية شكلت الطائفية ركنا اساسا فيها، وليؤسس نظام ما بعد 2003 شكلا آخر من الطائفية، وإن لم يربح أي من الطرفين منه.

خلال ذلك كله، كانت الدولة عبارة عن فكرة فضفاضة، تتشكل وفقا للنظام السياسي الذي يمتلك الدبابة ومبنى الاذاعة، وكانت الهويات الفرعية القائمة على العقيدة بديلا للدولة القائمة على المواطنة، حتى الشيوعيين العراقيين الذين لم يؤمنوا بدين وتلقفوا الالحاد كفكرة مبهرة، كانوا عقائديين، كانوا يضحون في سبيل الشعب دون امل بالآخرة، هذا أكيد، ولكن أين هو هذا الشعب؟ ما هي ملامحه، كان الشيوعيين يضحون بأرواحهم من أجل فكرة متخيلة، لم تكن الدولة جزءا منها، لأن الدولة لم تكن يوما بعيدا عن العقيدة ومستقلة عنها، كانت الدولة جزءا من العقيدة، وليست اطارا يحتوي العقائد المختلفة، واستطيع ان اذهب ابعد من ذلك وأقول انهم ــ الشيوعيين العراقيين ــ لم يتخلصوا من أساسيات العقيدة التي غُرست في لا وعيهم، واستطيع ان اضرب لك الكثير من الشواهد، ولكني سأطيل أكثر مما اطلت فعلا.

ببساطة شديدة، حينما نقول “عقيدة” في العراق، يجب أن ندرك أنها كل شيء، وبفقدانها يفقد المُعْتَقِدُ كل شيء له قيمة في حياته، لأنه نشأ وليس له غير عقيدته، أما الدولة فلا وجود لها.

ولأن العقيدة الموجودة عندنا تقوم على نصوص تُمجد في الغالب الآخرة على الدنيا، مع تعمد غريب من قبل رجال الدين لعدم إبراز النصوص التي تمجد الحياة، وتحث عليها قدر ما تلح على الآخرة، والاقتصار على الاولى، وعلى إعلاء قيم التضحية، وبعض تلك النصوص يمتلك خاصية المرونة، وامكانية لي النص بما يلغي الآخر، ووجود من يبتكر من النصوص ما يبيح فصد الدم في سبيل العقيدة، دم المتماثل ذاته، فضلا عن دم الآخر، وهتك عرضه، والنتيجة ما نراه اليوم في العراق، وما دامت الدولة منحازة لهذا النوع من العقيدة، وما دمنا نحن، الذين ننحاز إلى زاوية من “العقيدة” لا تبيح الدم، ما دمنا عاجزين، أقلية، فلا حل قريب.

لعلي استطردت كثيرا ولم أقترب إلا قليلا؟

[الصورة لنصب الشهيد في بغداد، للفنان العراقي الراحل اسماعيل فتاح الترك]

 

البريم…. والعراق

علي المعموري

هذا النص هو ما أهلني لأن اكون احد المدونين على منصة مدونات عربية، لم يسبق لي نشره سوى على صفحتي الشخصية، ومن المناسب ان انشره هنا مادمت قد فزت بالمسابقة عبره:

طوال عمري، لم يبرحني الشوق إلى صنف من التمور سوى نوعين، أُفضلهما على الجميع، وآكلهما بلذة، البريم والديري، وهما وان اشتركا بالقساوة والحلاوة إلا ان بينهما فرق كبير، انا بطبيعة الحال افضل البريم على ما عداه، تلك الثمرة الصفراء المشربة بالحمرة ــ ربما لهذا اعشق بشرة النساء المشربة بالصفرة أو بالحمرة، خصوصا إذا كانت بيضاء ــ وهو يختلف عن الديري بدرجة قسوته، حيث  انه يكون مقرمشا، واكثر ليونة.

ولكن ليس هذا ما يميزه عن غيره من التمور، ان ما يميزه حقا هو تلك المباغتة التي يقتحم بها احاسيس آكله، فما ان تقضمه اول قضمة، حتى تكاد تعافه، إذ يبدو مذاقه كالخشب، كالجُمار غير الناضج، ولكن ما ان تقضم قضمتك الثانية، حتى تفاجأ بتلك الحلاوة اللذيذة، الآسرة، التي تزداد لذة مع كل قضمة، وتتعمق في روحك كلما افرز الفم مزيدا من اللعاب، ليمتزج بالثمرة الممضوغة، المضحية، حتى الألم الذي يسببه فتات الثمرة الخشنة لمن ابتلاه الله بالاسنان الحساسة مثلي، فيضل يتألم، ويتلذذ في الوقت ذاته، وحينما تكون كارها للحلويات كالعبد لله، فأن سحر هذا الثمرة التي تجعلك تعشقها يصيبك بالحيرة، مع كل لحظة مؤلمة تقضيها معها، وانت تعاني، وانت تتلذذ، وانت تندمج في الطعم كأنك ترقص، مترنحا في حلقة صوفية.

وعندما اخبر أمي بنظريتي هذه تقول متبرمة: (لهذا هو أغلى انواع التمور التي في السوق).

ان هذا الالم، وهذا المذاق الخشبي الذي تمنحه لك تمرة البريم اول وهلة لا يشبهه سوى الالم الذي يسببه لك بلد البريم الاصلي، العراق؛ البلد الذي يذيقك كل انواع القهر، ويسبغ عليك اصنافا من الوجع، والوحشة، وضيق النفس، ونفاد الصبر، ثم يفاجئك ــ عادة ــ بضربة حنونة من الفرح، قد تكون عابرة، وغير ملحوظة، كأن تكون ماشيا في درب طفولتك عصراً، وتشم فجأة رائحة التراب المرشوش بالماء لتوه، رائحة لا تصدر إلا عن التراب العراقي فيما يزعم الزاعمون.

أو قد يمنحك احساسا بالتجذر، والانتماء، حينما تكون جالسا بين أخوتك، وتراهم يضحكون لضحكتك، ويجمون لوحشتك. ولكن هذا الشعور بالذات يمكن ان تجده في أي مكان، ولكن ما لن تجده، هو ذلك الالم اللذيذ، الذي تمتد جبلته الغرائبية إلى ما ينبت على ارضه من ثمار، وإلى واحد هو اشهر ما تنتجه هذه الارض منها، التمر، والبريم منه بوجه متفرد. يالهذا الوطن الذي يفسد سوية ذائقتك، ويعطب روحك حينما يجعلك تتلذذ بالالم، وتتألم باللذة.

المشكلة التي تبرحني حسرة في هذه اللحظة، ان المذاق المؤلم، القاسي، الذي يؤلم الاسنان الصحيحة، كما العليلة، الذي يواصل الوطن صبه في ارواح بنيه، وانا من جملتهم، لا يريد ان ينقضي، وأن ينتقل إلى المرحلة الثانية، شيء من الحلاوة، شيء من الامل، ثم نعاود جولة الألم مرة أخرى.

 

And Justice for All

علي المعموري

لا اعرف كم من الوقت مضى دون أن اشاهد فيلما برقي هذا الفيلم.

اتذكر أنني شاهدته للمرة الأولى منذ زمن طويل جدا، كنت طفلا ربما، ولكن بعض مشاهده ظلت عالقة بذهني لثمانية عشر عام تقريبا، كمشهد القاضي رايفورد يتناول غدائه على حافة نافذة مكتبه في المحكمة، أو المشهد الختامي للرائع آل باتشينو جالسا على درج المحكمة، الشمس تجبره على أن يضيق عينيه، بينما شريكه المحامي يدخل، ويحيه رافعا شعره المستعار كأنه قبعة.

6

ثم سنحت لي الفرصة أخيرا أن أشاهده، بعد أن قبع في الحاسوب لشهرين، فيلم ولا أروع، كل مشهد فيه يجب أن يسترعي انتباهك، لئلا يفوتك تفصيل مؤثر يتلاعب بمشاعرك، لئلا يفوتك تعبير صادق يرتسم على وجوه الممثلين، من باتشينو الذي تكاد تشعر انه سيقفز نحوك من الشاشة كل لحظة.

تدور القصة حول العدالة، كما هو واضح من عنوان الفيلم، المجتزأ من قسم قانوني أمريكي، العبارة الأخيرة منه تحديدا، العدالة التي تقع ضحية القانون المتعنت، والتطبيق الجائر له، بل وفساد من يقوم على تطبيقه(*)، ونبل من يدافع عنها، حتى لو عنى ذلك خسارته لكل شيء له قيمة في حياته، المهم المبدأ.

ما يُلاحظ على حبكة الفيلم، وبناء شخصياته هو انه لم يعتمد مبدأ الثنائية التقليدي، خير وشر، أو بالأدق أخيار وأشرار، فكل واحد من هؤلاء الأشخاص يقبع شر وخير في داخله، والحكم عليهم رهن بالظروف، وملابسات حياتهم، وكيف تجعلهم المآزق الخارجة عن إرادتهم يتصرفون بدون انضباط، يتطرفون، ويرتكبون الجرائم، انه يقوم على نسبية الخير والشر، وضرورة عدم الركون إلى الأحكام الجاهزة، أو التعامل مع الإنسان على أنه خير مطلق أو شر مطلق، ففي كل نفس يمتزج العنصران، ومدى طغيان أحدهما على الآخر يتعلق بالتنشئة، والتجربة، وطبيعة المواقف التي تقتحم حياتهم.

يقدم الفيلم شخصية المحامي آرثر كيركلاند (آل باتشينو)، المستقيم، المسكون بالعدالة، المتعاطف مع موكليه، المندفع في الذود عن الأبرياء لدرجة لكم قاض، الأمر الجلل خصوصا إذا عرفنا إن الحكومة الأمريكية تسمى (حكومة القضاة) لدورهم الخطر في تطبيق القوانين وتفسير الدستور.

20

ولعل في غياب والدي آرثر عن حياته ــ بل دور والده السلبي ــ أثر في ذلك، لدرجة انه يهاجمه بشدة، لأنه وغد، غاب عن حياته، بينما تكفل جده به، وحرص على أن يصبح محاميا، لأنه آمن أن أفضل شيء يمكن للانسان ان يكونه هو أن يصبح محاميا، وضمن ذلك السبيل حرص على ان يكون لحفيده ضمير، الذي ساعد على تبلوره نقيا في روحه شعوره بالغبن الواقع عليه من والده، وتحمل جده لمسؤوليته، الجد الذي أصيب بالالزهايمر، ويحرص كيركلاند على زيارته اسبوعيا، ليعترف في أحد المشاهد المؤثرة بأن غياب جده عن حياته سيسلب قيمتها، لأنه صار ما هو عليه بفضله.

يقع كيركلاند في نقطة حرجة حينما يبتزه القضاة للدفاع عن نفس القاضي الباطش المتعسف في تطبيق القوانين الذي زج بموكله البريء في السجن، القاضي هنري ت. فلمنغ، (يلعب دوره جون فورسيث)، المفارقة ان الرجل الذي جعل من نفسه قيما على الاخلاق متهم بالاغتصاب والضرب.

عدا كيركلاند الباحث عن العدالة، وفليمنغ المتعسف في احقاقها، يقدم الفيلم مجموعة أخر من الشخصيات تمثل مستويات مختلفة من الطبائع  البشرية.

هناك القاضي فرانسيس رايفورد (جاك وارندن)، ذي المزاج الحاد، الذي يستخدم مسدسا في فرض الهدوء في المحكمة، وشخصيته تعكس إلى حد بعيد سلوك الرجل الذي وضعته الأقدار في دور مقرف، دور الحامي للعدالة، الذي يرى عبث ما يقوم به، ويبدي في أكثر من مشهد اشمئزازه من هذا الدور، وعجزه عن تأديته، ويذهب به قرفه إلى ميول انتحارية مدمرة، ذكرتُ تناوله طعامه على حاشية شرفة مكتبه في الطابق الرابع، ومسدسه تحت إبطه، وتصريح كيركلاند لصديقته بأن حاجب رايفورد وجده مرة يحاول شنق نفسه، ثم يتأكد هذا قرب نهاية الفيلم بمحاولته اطلاق النار على فمه من بندقية طويلة، لكنه يفشل في الوصول إلى الزناد قبل ان يدخل عليه الحاجب ليستعجله إلى جلسة افتتاح محاكمة القاضي فليمنغ.

1

 

يقدم الفيلم شخصية معاكسة تقريبا لكيركلاند، المحامي وارن فرينسل (لاري برايغمن)، الذي لا يأبه، ويتعامل بمادية مطلقة بحساب الربح والخسارة حتى مع زملائه المحامين، وبسبب لا أباليته، ينتحر أحد موكلي كيركلاند الذي انابه عنه في قضية بسيطة، ولأنه لم يعطها الاهتمام الكافي حكم على المتهم، وشنق نفسه بعد ان وضع في السجن مباشرة، ليقدم باتشينو واحدا من اروع مشاهد الفيلم، وهو يحطم سيارة فرينسل، ويخبره بأن (آغي) شنق نفسه، ودموع حقيقية تنهمر على وجنتيه، بحسرة عميقة، وأداء مبهر يحبس الانفاس.

19

وهناك ــ من جانب آخر ــ شريك كيركلاند، المحامي جاي بورتر (أدى شخصيته جيفري تامبور، في واحد من أجمل ما قدم من أدوار)، الذي يأبه للعواقب، وينهار بعد ان يقوم احد موكليه ـ ممن استطاع جلب البراءة لهم ـ بقتل طفلين، فصدم بورتر، وأصيب بأزمة نفسية، وتجلت بعدة تصرفات كحلق شعره، وضمن انهياره العصبي ذلك يقدم مشهدا رائعا في المحكمة، بعد أن جلب عددا كبيرا من أطباق الطعام، وتمترس في احد أروقة المحكمة، متخذا منها قذائف يوجهها نحو الجميع، وازاء اطلاقاته المتلاحقة  بجنون، وفشل محاولة كيركلاند التواصل معه، فإن من يضع الحل هو القاضي الانتحاري، رايفورد الذي يتخذ من حقيبته دريئة وهو يهجم على بورتر، وخلفه كيركلاند، ثم ينجح بالسيطرة على بورتر الذي هاجمه هو وشريكه بعنف، في مشهد مبهر، تنتقل الكاميرا فيه من المهاجِم إلى المهاجَم، أداء رائع، حقيقي إلى ابعد حد، الأطباق تهاجم القاضي الذي يعرف بؤس ما يقوم به، إلا انه يستمر في محاولات فعل شيء جيد، المحامي المسكون بالعدالة، كلاهما يقدمان نفسهما قربانا في سبيل تهدئة بورتر، المنهار، الذي أقض ضميره ذنب عرضي لم يقصده، كأنه يمثل المجتمع، الذي يهاجم من يحسون به، وهو فاقد للوعي، مع عجز تام للشرطة عن إيقافه، ولا ينجح بذلك سوى القاضي القرف، والمحامي المتألم، مشهد معبر جدا.

 

16

15

17

لا أريد أن استرسل في تفاصيل الفيلم، إذ يجب ان يُشاهد ليُستمتع به، ولن يكون مناسبا تفصيل فكرته، وشفافيته العالية الموحية، لكني لا استطيع كبح نفسي عن الإشارة إلى بعض المشاهد التي خلبت لبي، وكررت مشاهدتها عشرات المرات، رغم ان الفيلم بطوله يخلب اللب.

منها المشهد الذي يخرج فيه باتشينو (كيركلاند) من قاعة المحكمة، ليجد بورتر وفرينسل بانتظاره وقد ارتسمت على وجهيهما ابتسامة تمتزج بها السخرية، بالاهتياج، بالفرح، بكل شيء، في براعة تامة، ثم نظرته الحائرة، وابتسامته المستفهمة، والطريقة التي صافحه بها بورتر(جيفري تامبور) مهنئا، وعند استفهامه عن التهنئة، سحباه إلى الحمام، واخبراه بان فليمنع مقبوض عليه بتهمة الاغتصاب، وانه يريده هو، ما غيره، ليمثل دفاعه امام المحكمة، وخلال ذلك يستمر بورتر بالضحك بطريقة هيستيرية يكاد ينفجر قلبه معها، لا يمكن لك إلا ان تصدق أنها حقيقية، وان تضحك معه من قلبك، رغم حضور باتشينو، إلا ان تامبور كان ملك هذا المشهد برأيي.

8

7

مشهد كيركلاند في لجنة الاستجواب، ثم نجاحه في نيل إعجاب عضوة اللجنة الجميلة غيل بيكر (كريستينا لاتي).

3

مشهد الشجار في المحكمة، والقاضي رايفورد يطلق النار لفك الشجار، تلك الدهشة التي ارتسمت على وجوه الحاضرين، وطريقة هرب الآخرين، أوقفت المشهد عدة مرات، لأتابع تعبيرات كل ممثل على حدة، أداء رائع حقا.

2

مشهد الهليكوبتر بين القاضي رايفورد وكيركلاند، وارتعاب كيركلاند الذي نقله لنا باتشينو.

مشهد كيركلاند يحاول إقناع فليمنغ بإعادة محاكمة موكله، في خيمة نصبت على حوض السباحة، المشهد ممتلئ ببخار الماء، كأنه يشير إلى الضبابية وعدم الوضوح اللذات يكتنفان تطبيق القوانين، كيركلاند يتوسل لإحقاق العدالة وإطلاق سراح بريء، القاضي العاتي يسبح غير آبه، وهو يلقي عظة عن خراب المجتمع، وضرورة إيقاع عقوبات ظالمة لردع الآخرين، متفلسفا بأن فكرة تناسب العقوبة مع الجريمة هي غير عملية، العقوبة القاسية هي الاساس، مغادرة كيركلاند خلال العظة الفاسدة هذه، وصراخ فليمنغ.

المشهد الاخير، كيركلاند يقف بكل شموخ على مدرجات المحكمة، الكاميرا ترصده من الاسفل، الحيلة التي يستخدمها السينمائيون للإيحاء بالعظمة، وابهار المشاهد بالقامة التي تسد الشاشة بكبرياء.

23

ما الذي أفعله؟!

يكفي هذا

شاهدوا الفيلم، أرجوكم

(*) من المفيد الإشارة إلى الفرق الذي يضعه فقهاء القانون بين العدالة، التي تتميز بها قواعد الأديان، والعدل الذي تتميز به قواعد القانون الوضعي، فالأولى تتوخى مراعاة الظروف الموضوعية لكل حالة على حدة، وتطبيق أحكام مختلفة حسب ظروف الوقائع، أما الثانية، فهي صارمة، جامدة، لا تلتفت إلى الظروف التي تخص كل قضية، ليس بذلك التفصيل الذي تفعله الأولى على أي حال، وأول ما تتميز به القاعدة القانونية أنها قاعدة عامة، أي تشمل الجميع، وتطبق في كل الظروف، بغض النظر عن العوامل الذاتية والموضوعية لكل حالة على حدة.

 

And Justice for All (1979)

Director: Norman Jewison

Writers: Valerie Curtin, Barry Levinson

Stars: Al Pacino, Jack Warden, John Forsythe….

imdb

صور من الفيلم

 

9

10

11

12

16

 

18

 

20

21

 

2425

4

13

14

 

 

 

داعش والموصل… خلفية الاحداث

كتبت هذه الورقة نهاية حزيران الفائت، وبالتأكيد فإن الكثير من الوقائع على الارض تغيرت الان، اهمها اعداد المقاتلين، فضلا عن تعقد الازمة وخروجها عن نطاق الحلول الداخلية الفردية، او مجرد التدخلات الاقليمية، والحاجة الى تسوية دولية تصلح ما فسد، ولكن على اي حال لا تزال تسلط بعض الضوء على خلفية الاحداث كما افهمها بادراكي القاصر.

ونشرها منتدى البدائل العربي، في مصر.

ورغم ان هناك المئات من الصور، والفيديوهات المؤلمة عن جرائم داعش، إلا انني لم استطع ان اضيف الى هذه التدوينة من تلك الصور البشعة شيء، رغم ان الصور المرفقة مؤلمة، تنقل لمحات عن خراب العمران، وتهديم التراث، وتشريد الانسان، الانسان الذي هو بنيان الله، وكل ما سواه غير مهم

رابط ورقة (داعش والموصل….خلفية الاحداث)

مسجد ومرقد النبي شيت "شيث" في الموصل
مسجد ومرقد النبي شيت “شيث” في الموصل
هدم مسجد ومرقد النبي يونس في الموصل، عمر البناء يناهز الالف عام
هدم مسجد ومرقد النبي يونس في الموصل، عمر البناء يناهز الالف عام
مسجد ومرقد النبي يونس قبل الهدم
مسجد ومرقد النبي يونس قبل الهدم
مسجد ومرقد النبي يونس مهدوما
مسجد ومرقد النبي يونس مهدوما
النازحون
النازحون
معاناة النازحين
معاناة النازحين
طفولة مستلبة بالهروب
طفولة مستلبة بالهروب

غاية الإطالة في معرفة النبالة

 

أو محاولة لمنهج في التعرف إلى الإنسان

استطرادٌ على هامش الامن الوطني؛ الذي هو تنمية؛ التي هي إنسان؛ الذي هو مقياس كل الاشياء.

هذه الخطوات هي في المجمل المعايير التي اعتمدها في وصف انسان ما بالنبيل، وهي ليست بالضرورة صحيحة، أو مضبوطة، ولكنها على الاقل مُرضية لي بدرجة معقولة، وقد لا اظل عليها لأمد طويل، لكنها في الوقت الحاضر تؤدي لي الكثير من الفوائد.

  • النبالة تنطبق على النساء تماما مثل انطباقها على الرجال، بدون زيادة أو نقصان.
  • النبالة نسبية، أي بمعنى ان الانسان لكي يكون نبيلا، فليس بالضرورة ان يكون منسجما ومعاييرك الشخصية، انه نبيلٌ قياسا إلى بيئته، إلى التنشئة التي تلقاها، والحال التي صار إليها تبعا لذلك، ليس بالضرورة ان يكون على دينك، أو مذهبك، أو مدرستك الفكرية، انظر له من زاويته، لا زاويتك، انه نبيل لما يؤمن به بالمجمل، وكيف يفعل ذلك، لا لإيمانه بحد ذاته.
  • المبدأ، كائنا ما كان مأتاه، وكيف ما يكون مسربه، شرط أن لا يكون مُهلكا للحياة، لا بل شرط ان يُراد به حفظ الحياة، أي حياة تكون، تحت أي ظرف، دون أي ذريعة شرعية أو غيرها، لسلبها في سبيله ــ أي المبدأ ذاته ــ بمعنى انه لا يرى ان الغاية تبرر الجريمة.
  • الثبات، أي صلابته في ما يؤمن به، وهو ثبات نسبي، أي بمعنى أنه ثبات في تحصيل الرؤية بالاجتهاد، بالفكر، حتى لو غير طريقه، وأدار تفكيره، مادام هذا الامر يكون نتيجة مترتبة على إعمال الفكر، وبذل الجهد في غايته طلبا للحقيقة، والتي بدورها قد تكون جلية لدى البعض، تشبه كرة من الفولاذ من أي اتجاه أتيتها ستجدها صلبة ومتساوية الأبعاد، أو قد تكون رجراجة كالزئبق لدى قوم آخرين، غاية الأمر انها نتيجة التفكير في النهاية، وهذا هو بيت الثبات، انه لا يأتي اعتباطا.
  • الصدق، انه يقول لك ما عليه، بالضبط كقوله ما هو له، لا بل هو على اعطاء الآخرين الصدق والإنصاف من نفسه، أقدر منه في إحراز النَصَف لها، وهذه غاية قدرتي في صوغ فكرتي رغم فجاجتها.
  • التضحية، انه قادر على ان يضحي بأعز ما يملك، بالأهل، بالنفس، بالمال، بأي شيء في سبيل ما يؤمن به.
  • الإيثار، إنه قادر على ان ينحي اللقمة عن فم طفله الجائع ليطعم طفل جاره، ببساطة شديدة، وإن كان في نفسي من هذه أشياء وأشياء…
  • الحب ــ ليس بمفرقعات نزار قباني مع احترامي لمن يحبه، وليس له بالضرورة ـ كلا بل الحب الذي قال عنه الامام الصادق: وهل الدين إلا الحب، الحب على طريقة الصلحاء من المتصوفة، الحب للانسان، الحب الذي يُوصل إلى راحة النفس، ويمنحها الإيمان، ليس الإيمان بالتصور التقليدي الذي قد يتبادر إلى لا وعينا الأصولي، كلا، الإيمان بالطريقة التي وصفها بهاء الدين العاملي: ان المكلف إذا بذل جهده في تحصيل المعرفة، فإنه مأجور على ما يصل له، حتى وإن كان خاطئا.
  • الصبر، لا احسبه يحتاج إلى مزيد توضيح، هو قائم بذاته.
  • القدرة على رؤية الضوء في العتمة، انه يستطيع أن يرى الأمل بعد ان يمحق في نفوس الجميع، وهو يستطيع ان يضع يدك عليه، القدرة على منح الفرحة لمن حوله، انه نبي بطريقة ما، مع الحفظ الكامل لمقام النبوة.
  • انه ليس بالضرورة ان يكون معروفا، جماهيريا، هو قد يكون ذاك المتسول الروماني ابن الثمانين الذي كان يقضي يومه هائما يسأل الناس، ليجمع النقود ويسدد بها فواتير ملاجئ الايتام آخر كل شهر.
  • العطاء، البذل من روحه من غير اضطرار، النبلاء هم أولئك الذين يُبكيهُم الانسان حيثما توجع، الذين يقضون اعمارهم في ألم، يدورون بين سجون معنوية، وأخرى دنيوية تسلب الانسان انسانيته، ولكنها لا تفعل معهم، انهم يتألمون وهم في غنى عن  الألم، ويبكون وهو في مندوحة عن البكاء، الذين يرقّون حد الشفافية، ويَغلظون في سبيل الانسان حد الموت.
  • الخلف الصالح، لا اعني الذرية هنا، اعني ما يتركه وراءه عقب رحيله، ليس بالضرورة من العلم، كم عالم ترك وراءه العلم النافع، وعاش عمره خسيسا لئيما دنيئا، وغيرها وغيرها، انا اعني هنا؛ انه عندما يموت، فستجد دموع مشيعيه تزفه، وحينما يُذكر بعد رحيله بين من عرفه، تراهم يَجمون، ويحل عليهم الخشوع، كل واحد منهم يرسل له الرحمة في سره، وهو يتذكر موقفا ما له، اطربه فيها نبله.
  • انهم الذين لديهم القدرة على رؤية الجمال في كل ما برأ الله، وكل ما كان، وما لم تكن له كينونة.

وهذه المبادئ، ليس ثابتة بالضرورة، وقد لا تكون وافية، وقد لا أكون حصرت كل ما في نفسي فيها، وأنت لن تجدها مجتمعة في كل شخص، وقد لا تناسب مقاس الكريم الذي سيقرأ هذه الهلوسات، انها في النهاية امور تجعلني أشعر بالرضا لأني رأيتها في بشر دون آخرين، شاكر لمن جشم نفسه عناء القراءة، وشاكر للنبيل فالح حسن، المعروف بفؤاد سالم، الذي وصفته في ذاتي بالنبيل، ثم جلست أفكر لماذا هو نبيل؟!

كيمياء… كيمياء


1

الطرقات تتسع باتساع روحك

وتضيق بضيق أفقك

لعينيك حدود تصنعها هواجسك، بصيرتك عيون تمتد بامتداد خيالك.

الحياة كيمياء، نحن قوارير….

ـ طيب، أليس الأصوب أن الحياة كيمياء وقوارير، ونحن المواد التي تملأها؟

ـ كلا يا بني، الحياة كيمياء، ونحن قوارير، أما العناصر فهي أرواحنا.

الحياة كيمياء، جدول دوري، فيه العناصر النبيلة، وفيه الخسيسة، القوارير لا ذنب لها، والمواد لا ذنب لها، المواد تتشكل حسب الظروف، وُجدت منذ الأزل، كوَّنتها الدهور وما خلفته، ثم شكَّلتها أيدي البشر كيف قدرت، ووضعتها حيث شئنا، لا كما شاءت، أما نحن، فشكَّلنا السلاطين، ففسدنا، وناضلت عناصر غير مصنفة، صبها الخالق خصيصا لإصلاحنا ما وسعتهم القوارير التي صُبوّا فيها.

الطرقات تنظف إذا نظفت العناصر.

وتتسخ إذا لم تكن الظروف الطبيعية لنشأتك سوية.

 2

كنتُ صبيا قصير القامة، في الصف الأول المتوسط، عندما جمعنا مديرنا المرعب، أبو فتيان ـ الذي نلقبه بالليث الأبيض ـ ليعلن لنا بفخر انجازه، كأنه ارخميدس الذي صرخ: وجدتها… وجدتها، أما انجاز أبو فتيان فكان استقدام مدرس جديد للكيمياء، مدرس بشرنا المدير المرهوب بأننا سنجده منذ اليوم الأول لدوامه يحمل الطبشور، ويدور على الشُعب، ليلقي دروسه.

 3

لم يكن المدرس الجديد ذي هيئة ودودة، طويل القامة نحيف، يرتدي بدلة سفاري بنية فاتحة اللون، وجه حاد الملامح، له نواظر يتطاير منهما الشرر، خفنا من مقدمه، كخوفنا من المدير، المدير الصارم الذي لا يتفاهم، ولكنا كنا واهمين.

 4

صدق المدير وعده، منذ اول يوم قدم فيه المدرس الجديد، وهو يدور على الشعب، يُدَّرِس، عصاه تحت إبطه، إذا اقبل عليك بها بهيئة المغضب تخاله سيقطع أوصالك، ولكنه لم يكن يفعل بها سوى الهش، كأننا غنمه، ولا اعرف إذا كان له بها مآرب أخرى.

ولكن الم يكن الانبياء معلمون؟

تدريجيا، صرت تراه في كل مكان، في الإدارة ينظم السجلات ويقوم بعمل المعاون، يوزع الكتب والدفاتر، يتابع بحرص شديد نظافة المدرسة ـ لهذا أضاف بعض الطلبة المتظارفين لاسمه لقب: بلدية ـ يتابع إصلاح المقاعد المكسورة في زمن التسعينات العراقي البائس، يتسوق لحانوت المدرسة ويديره، يتابع إدامة أقسام المدرسة، ينظم القاعات الامتحانية، يدور على الطلبة فيها، يساعدهم في حل الأسئلة، لكل الدروس، كان يعرف كل شيء، ويساعد في كل شيء، حيثما كنت من المدرسة، ستسمع صوته الأجش، البارز، ملعلعا، معلنا وجوده النابض بالحياة.

 5

المفازات لا تعرف الأصدقاء، أصدقاؤها الذين خبروها، وفهموا كيف ينفذون منها.

التجارب في الكيمياء لا تحتمل الخطأ، جزء من رقم صغير يقلب الحسبة على وجهها.

التجارب في الحياة لا قاعدة لها، ولا مقادير، تحتمل الارتجال أكثر من القوانين، القوانين في الحياة مجرد ضوابط عامة، والتفاصيل عائمة.

ـ ولكن ألم يكن بعضا من أعظم الاختراعات البشرية نتيجة خطأ في المعادلة؟

ـ مما يجعلك تعرف أن الخطأ في الحياة ليس كالخطأ في المعادلة.

ـ ؟

ـ الخطأ في الحياة هو ما يجعل من المخلوقات ـ على اختلاف جنسها ـ رجالا، أو نساء، إذا استطاع تشكيلك، وأوجد منك عنصرا نبيلا فنعم الخطأ، أما إذا بقيت كما أنت، فعنصرك راكد، والخطأ معك كالصواب، معروف النتائج.

ـ ؟

ـ  الخطأ في المعادلة؛ الذي يولد عنصرا جديدا ــ بعضا من أعظم الاختراعات كما قلت ـ لا يسلب العناصر الأصلية طبيعتها، ولا يغير كينونتها، والعنصر الجديد يظل جديدا، ينتمي لمن شكّله، ولا ينتمي من شكّله له.

العناصر تكتسب خصائصها بالفطرة، وتعركّها النار، فتزداد جودة، أو تزداد رداءة!

 6

كان نبيلا، قد يشتم، قد يصرخ، يضرب أحيانا، برقة لا يضربك بها أبوك، كان كغيره من قدامى المدرسين، ممن ضكهم جوع التسعينات، فاشتغل عشرات المهن خارج المدرسة ليقيم أود أسرته، دون أن ينجر كغيره إلى الارتشاء، أو إلى إعطاء الدروس الخصوصية في اقل تقدير، رأيته ذات مرة يحمل (ورقة سبرنك فحل) لسيارة لا اعرف طرازها، وهو يسير بهمة كعادته، لعله كان ماشيا ليبيعها، اخبرني احد الزملاء مرة انه أيضا عاد إلى البناء، المهنة التي تحترفها أسرته.

ولكن أليس المعلم بناء!

 7

في اللحظات التي أزعم لنفسي خلالها أنني سأكون يوما ما روائيا، يكون هو أول الشخصيات التي أجدها تقفز أمامي، نابضة بالحيوية، أفكر أنه يصلح لأن يكون شخصية روائية ملهمة، وهذه القطعة هي جزء من ذلك الحلم المبتور الذي أجده فيه، أتلمس ـ كالأعمى الذي يرى بيديه ـ كلمات تصلح لان تكون حدودا لشخصه، تتسع له، وينصهر فيها، يتقافز كالكنغر من شعبة إلى أخرى، ومن مهنة إلى أخرى، شامخا، متواضعا، بسيط السريرة، رقيق مهما كسا نفسه بالشوك.

ثم انكفئ على نفسي، أتقهقر، ولا غير الأسى في جيوبي، يبحث قلبي عن الوجوه التي أسعدتني ذات يوم بوجودها، ولا أجدها، ولا أجده بينها.

 8

هل سمعتم بالعراقي جبر، يختصر المثل الدارج على ألسنتهم حياته بكلمات محدودة: (جبر، من الفقر إلى القبر).

و”جبرنا” هذا، مدرس الكيمياء، وبعد حياة ليست طويلة بحساب السنين، أزلية بحساب الأذى، لوّعته بالعوز، وتنقل خلالها في البيوت المستأجرة، وما أن صار له مرتب يليق به، وبنى بيته، وقبل أن يمتلأ قلبه تماما من تلك السعادة التي يشعر بها الأب الجالس بين فروعه، مات.

 (في ذكرى أستاذي الراحل جاسم شريف، الذي درسني الكيمياء في مرحلة المتوسطة كلها، وأعطاني ـ خلال الامتحانات ــ أجوبة كل الدروس الأخرى على الطاير، رحمه الله وعطر ثراه)

[ملحوظة: كما تعلمون، الحوارات في النص؛ متخيلة]

الصورة المرفقة بعدستي

أشياء لا تراها إلا في مطار عراقي

علي المعموري

على قدر حبي للسفر بالطائرة لم أحب يوماً المطارات، ربما للاجراءات المقرفة الكثيرة التي يمر بها الداخل لها خصوصا في المطارات العراقية، ولأن الحكومة تبدأ بحلبك النقود كالشياه السمينة منذ ان تغادر بيتك متجها نحو المطار (الأكشر)، هذا ما حسبته لوهلة من زمن اسفاري القصير، ولكني اكتشفت أن هناك أمر آخر ربما يكون هو السبب الحقيقي وراء كرهي للمطارات، وهو اني اسافر من مطارات عراقية في الغالب، أو من مطارات يكثر فيها العراقيين.

في السفرات الهوائية التي جربتها، من مطاري النجف وبغداد، لم اجد سوى انماط متكررة من المسافرين العراقيين، نصفهم تقريبا من المرضى، الذين ضاقت بهم عللهم عن الشفاء في أرضهم، فقرروا الاستشفاء في بلاد الله الأخرى، وهؤلاء اغلبهم ممن ضنك نفسه، وباع ما خلفه وما امامه ــ كما يقول العرب ــ لكي يأخذ عزيز إلى أرض لعلها تمد في عمره أيام أخرى، أما البقية فهم خليط ممن يسافر لرؤية ما ينبغي ان تكون عليه حياة الانسان في أرض أخرى لا يوجد فيها ما في ارضنا من موانع للانسانية، أو من أولياء الله المقربين من المسئولات والمسئولين وابناءهم البررة، الذين يسافرون إما على ميزانية الدولة من جيوبنا، أو بما سرقوه، من جيوبنا، أو مهاجر عائد إلى مهجره، يلعن روحه التي استبد بها الشوق المغفل لغبار (ديرته) فجاءها لأيام، ليجد انه لم يعد قادرا على تكييف انسانيته للوجع القذر الذي يبصقه كل شيء في عينيه على هذه الارض، والبقية هم فئة قليلة من عباد الله الفقراء من أمثالي، الذين سهل الله لهم ابن حلال فوضع اسمهم في مؤتمر ما، أو تدريب ما وسافروا.

بالأمس طرت من مطار النجف إلى اربيل، وهذا المطار هو مسقف كبير أشبه بثلاجة ضخمة لخزن الخضروات، يسمع المسافرون على جانبي الترانزيت والدخول فيه أصوات مختلفة لمخلوقات الله، وصنائع مخلوقاته، وجدت نفسي كأني في سوق الشورجة في أزهى أيامه من شدة ضوضاء اصوات البشر المسافرين، وليس الطائرات بطبيعة الحال.

اكثر من نصف المسافرين هم من الإيرانيين، والبقية خليط من خليجيين، وعراقيين بين هارب عائد إلى منفاه، أو مريض يمزق القلب منظره، وتجار، وكسبة، وشباب حداثوين، معقلين ومبرنطين وحاسرين، بين (مدشدش، ومتبنطر)، نساء بالكاوبوي، وبالنقاب، بالعباءة وبالجادر، ضباط يخطرون متمايلين بالنجوم على اكتافهم، شباب يبدون كمن نهض لتوه من النوم، وآخرون يبدون كأنهم قضوا نصف النهار أمام المرآة، كتاكيت بعمر الورد وبالوانها، يتسائلون متعجبين عن المكان، أو عن اشياء لا يعرف اهلهم اجابات عنها، عمال هنود دائبين على مسح الارضيات، موظفين في المطار يجولون بين المقاعد ينادون على الصنف الاكثر بغضا لي، اولئك الذين يتذكرون كل ما عليهم فعله عندما يبدأ النداء بالركوب إلى الطائرة فيختفون، ليبدأ المنادي بالصراخ في طلبهم، دون جدوى.

تختلط أصوات الاطفال وهرجهم، وعبثهم بعواميد تحديد خطوط السير، التي وجدوا فيها لعبة غاية في المتعة، مع أصوات النساء، بين التي تنم على صاحبتها، أو التي تتبادل مغامرات السفرة مع نظيراتها، وبين برم الرجال، وجريهم خلف اطفالهم هنا وهناك ــ من أكثر خلق الله تدليلا لنسائهم هم الايرانيون، تجلس الخانم واضعة رجلا على رجل، والأغا يتراكض ليجلب اطفاله، أو ليشتري لها ما تبرد به قلبها، ثم يحمل الحقائب، ويحمل الاطفال وهي تسير على طولها غير آبهة به ــ مجموعة من الاطفال امامي في قاعة الانتظار الوسطى، التي تقع بين المدخل والبوردينغ وبين قاعات الانتظار والترانزيت، دأبوا على مجموعة من العواميد تلك، مركونة على جنب، يغيرون مساراتها، الغريب ان بنتاً بحدود الرابعة أو الخامسة، مع فتى بعمرها، جعلا همهما ان يعبثا بخطوطسيرها، ويغيران مساراتها، بينما يلاحقهما الاخ الاصغر بإصرار ليعيد الخطوط إلى ما كانت عليه.

ووسط هذا المهرجان والضوضاء، تندلق عليك المشاهد الأكثر إيلاما، مشاهد المرضى الذين يكظون اسنانهم على الالم، منتظرين طائرة الشفاء الموعود.

لقد اثارت قدرة الاطفال على الصراخ استغرابي على الدوام، خصوصا حينما يبكون متألمين، من الغريب حقا ان كائنا صغير الحجم، لا يتجاوز عمره الثالثة يستطيع ان يبكي صارخا، لتسمعه من آخر القاعة الكبيرة، ليطفو صوته فوق الاصوات المتشابكة، التي تنقض وتبرم، ليقع في فؤادك قبل سمعك، يصرخ، (بطني… بطني…)، وانت تتألم معه من اعماقك، اقتربت منه، لا اعرف ما الذي كان الوالدان يضعانه له من ادوية، وفي أي موضع، وبين نظرات المسافرين، الذين يتبرم بعضهم من هذا الذي (يعوي) وينظر اخرون بأسف وحسب، بينما يكتفي فريق بالنظر ببلاهة، وكأن الذي يتأوه أمامهم عدم لا كينونة انسانية له، ولكن الذي يصيبك بشيء من السعادة هو تراكض موظفي المطار ــ العراقيون ــ نحو العائلة المتألمة، يجلبون علب المناديل الورقية، أو ادوية مسكنة، ويستعجل بعضهم عمال تنزيل الامتعة من الطائرة التي ستقل العائلة إلى اربيل، تجمع اكثر من عشرة موظفين بملابس مختلفة حولهم، ولم يغادروا حتى انتهت جلسة التداوي، وهجع الولد الصغير، فانصرفوا متأسفين، مما سمعوه من الوالد عن مرض الطفل، ولم اسمعه متعمدا، ينظر بعضهم إلى بعض متسائلين: لماذا؟

أما انت، وبين هذه الوجوه المختلفة، والنوايا التي تتخذ مسارات متقاطعة، مختلفة، تتساقط على بعضها دون ان تلتقي حتى وإن التقت، تجلس وحيدا، تفكر بكل شيء، تستطلع الوجوه، تتيه في مسيل اسئلتك الجوفاء، عما تعلمه ولا تعلمه، لتنتهي إلى مبدأ الاسئلة ومنتهاها، هذا الوطن المُتعِب والمُتعَب، الوطن المؤلم، الذي لا تريد فراقه، ولا تطيق البقاء فيه، ثم تصمت، وتستمع إلى سعدون جابر يغني من شعر كاظم اسماعيل الكاطع:

بس المضيع وطن…….وين الوطن يلكاه

 

(اللوحة للفنان Alessandro Cau)