مالك الحارس

(1)

لا أذكر متى رأيته أول مرة، لأنه كان حاضر في حياتي منذ طفولتي، لكنني سأذكر على الدوام صورة أو صورتان له، عملاق يحجب نظرك إذا تمشى نحوك، شعر أقرب للصلع، وجه مشرب بحمرة، بيضوي، حين يمشي يندفع نصفه الأعلى إلى الأمام، كما هي سجيته المندفعة وروحه الاقتحامية التي لا تخاف شيئا، يضع على كتفيه (قمصلة) ثخينة ـ لعلها جيشية لا أذكر بالضبط ـ يمتطي دراجته النارية طراز MZ الألمانية، ذات اللون الاحمر ـ أو الأزرق؟ ـ وأحيانا، كان يضيف لها القطعة الثانية التي كانت تضاف كملحق للدراجات النارية، تركّب إلى يمين السائق، جسم طويل أشبه بالقارب، تحتوي مقعد لراكب آخر، وصندوق.

الصورة الأخرى له، يجلس على مقعد طويل ـ لعله لم يكن أكثر من منصة خشبية صنعت على عجل ـ على باب موقف السيارات في النفق الذي كان في ساحة الميدان، وكان قد استأجره لسنوات طويلة، نعود من الحي الصناعي، تنزل السيارة في النفق، ينزل أبي النافذة ويصرخ به: هاااااا يولد، فيرفع هو حواجبه، وكفه الضخمة تلوح في الهواء، مسلما.

(2)

اسمه لوحده قصة، يضربك بموسيقاه ومعناه، مالك الحارس ـ من آل الحارس الكرام، الذين يسكنون النجف والكوفة ـ تخيل اسمه المهيب ملفوظا بصوته العميق، يخرج من فمه فخما مضخما، ينحدر عليك من قمة رأس هذا العملاق الذي يرفع حواجبه خازرا، أنت تعرف أنه من أشرس خلق الله وأكثرهم بطشا، ومن أكثرهم ظرفا وفكاهة ومحبة، يمكن أن يميتك من الضحك، دون أن يبين على وجهه أي تأثر، يحفظ من الشعر الشعبي الكثير، ويلقيه بطريقة مؤثرة جدا، أما روحه من الدنيا، فهو ولده ابراهيم، اللطيف، تشعر بنشوة جارفة من الحب تفيض على وجهه وهو يتحدث عنه، بود، متحبب بلفظ اسمه: برهم.

(3)

بداية العام 2004، وفي مجلسه الذي اعتاده لسنوات بعد العام 2003، في طرف البراق ـ رغم انه ليس طرفه ـ على الدرج النازل من السور باتجاه الحمام، يجلس هناك، ظهره لمنزل آل يعقوب غازي السلاميين، ومن حوله يحف به الاصدقاء، وأبناء الاصدقاء، كنتُ متفائلا بالتغيير، وبأن القادم خير وبركة، نظر إلي بود، ابتسم، وجاءني صوته المنذر عميقا: عمي علاوي، انت بعدك صغير الان، يعني قياسا بي انا انت صغير حتى لو كنت متعلم وتقرأ، انت متعرف هذوله الجايين، اني اعرفهم، اسألني، هذوله ما بيهم حظ، إسا يحرﮔـون العراق وميبنون طابوﮔـة.

ولم يبنوا!

(4)

تقريبا، أي نجفي عرف مالك الحارس ـ وأغلب أهل النجف يعرفونه ـ يمكن أن يروي لك موقف حدث له مع (ابو ابراهيم)، نكتة، او نخوة، لا يمكن أن يمر ابو ابراهيم في حياتك دون أن يترك لديك أثر وذكرى، من الصعب أن تنساها إلى آخر يوم في عمرك، شخصيا لا استطيع أن أحصر الأشياء التي اتذكرها عنها، لهذا تحدثت عن صورته ببالي.

أكثر وقت اقتربت منه كانت أبان العام 2005، أيام الحرب في النجف، اذكر مرة أنه قال مفاكها أن الدبابة الامريكية وقفت بركن الحمام، وخرج منها جندي أسود، هنا، رفع ابو ابراهيم كفه إلى وسط جسمه، جعل اصابعه الضخمة بزاوية قائمة مع باطن كفه، وحركهن باتجاهي، مستطردا عما قاله الجندي له، قال: مالك، تُب، تُب، يعني (طُب = ادخل).

(5)

لفرط قوته وعافيته كنت أظن أنه سيعمر لثلاث قرون، ولكن الموت اخترمه، وكانت آخر سنواته عذابا له، مريض يرفض ان يتداوى، يًكابر ويدافع المرض بقوته، حتى صرعه المرض.

(6)

كان على طول الخط صادق مع نفسه، صريح، لم يدع ما ليس فيه، وكان يفعل ما بنفسه دون تردد ولا خوف من أحد، لك ان تفق معه، او تختلف، ولكنه تصالح مع نفسه وما يحب، إلى آخر الخط.

رحمك الله أيها الراحل، أحببتك كثيرا، وسأفتقدك كثيرا.

الصورة: ابو ابراهيم، في مجلسه البراقي.