عامر… وركضه العبثي

 

سألني بعض الأصدقاء، لماذا تستخدم هذه العبارة كـ(هاشتاك) في بعض ما تكتبه من شخابيط.

وحتى من يعرف أصل القصة، يستغرب بعضهم من استخدامي لها.

في الأسفل رابط لفيديو منتشر على موقع (يوتيوب)، يظهر فيه رجل ريفي في العراق، يرتدي سترة داكنة، وقد أرخى على كتفه شماغا أحمر قاني، وفتح عقاله ووضعه على رقبته، وهو أمر لو تعلمون عظيم.

خفيف شعر الرأس، بلحية مهملة يمكن لك ان تميزها في ابناء الريف، المشغولين بأرضهم وغنمهم عن أنفسهم، ينظر نحو الكاميرا بوجه تعلوه البلاهة، والدهشة، مندمجتين مع حيرة وحزن للظرف الذي ألم به.

حوله أرض مصفرة النبت، وبعض من خضرة تلوح في أعلى وحيدات من نبات لم اتبين نوعه، وخلفه نبتة صحراوية كثيفة الأذرع، هي الحلفاء، والمشهد برمته يخبرك أن الموسم كان يبابا، كهذا اللون الأصفر الذي يعم المكان بوحشية، لا يمكن لك ان تتبين الفصل إذا كان شتاءا أو صيفا، وإن تدثر ابطال المشهد بالملابس الثقيلة، لكنها ليست دليلا على الطقس عند البدو، الذين يرتدون (فروتهم) في الصيف كما في الشتاء.

على الأرض تمدد خروف كبير ــ ستعرف لاحقا أنه أنثى ــ، وضع الرجل رأسه في حضنه، وطوقه بذراعه كأنه يمسك رأس أبوه، أو فلذة كبده، وهو يبكي بين لحظة وأخرى، وتغلبه الدهشة من الموقف فينسى البكاء، من الجلي ان الخروف يحتضر، وستتبين ذلك من لعثمة الرجل ولخبطته بالكلام، حتى لم يعد يعرف ما يقول، وكل الذي يردده بين فينة وأخرى: (أخوي يا عامر اركض، اركض يا عامر اركض لخاطر الله) والمصور يستفزه قائلا (صار وجهه ازرق، راح يموت) فيهرف الرجل، فيقول له المصور، (ادعي الله) فيتمتم الرجل بكلام اهبل، ثم يهذر بكلمات غير مفهومه، ليطلب بعدها من صاحبه أي شيء ليذبح به الخروف قبل ان يموت، ويصل الأمر معه مداه حينما يسخف طلبه لدرجة غريبة (حديدة ما عندك؟ كزازة ـــ كسرة من زجاج ـــ ما عندك؟ درنفيس ـــ مفك براغي ـــ ما عندك؟) وكأنه سيذبح الخروف طعنا، أو يفك براغي عنقه، ثم يتذكر عامر، ويطلب منه ان يركض لعله يجلب عونا أو مدية تريحه وتريح الخروف.

وبعد استغاثة أخرى لعامر، الذي لا تسمع سوى ضحكته طول المقطع، يظهر فجأة أمامك في المشهد، يرتدي ملابساً فضفاضة مهلهلة، يلتف راكضا في الدغل الأصفر يبحث عن حل ترقيعي، رغم ان الخروف قد مات ثم يتلوه صاحب المصاب بنفسه، راكضا باتجاهات مختلفة جيئة وذهابا، قبل أن يجد كسرة من زجاج احتز بها رأس الخروف دون ان يشخب عنقه دما اطلاقا، لأنه مات.

حال هذا الرجل يذكرني بالكثير من المشاكل التي وصلت إلى مداها الأخطر في هذا البلد، ويحاول من يعنيه شأنها ان يجد حلا يطوق بعضاً من آثارها الكارثية، بعد ان فات موعد الحل، دون أن يعدم متفرجا يضحك على حاله، وأحمقا يجمد كالصخرة أمامه وهو يستصرخه طالبا العون، مثل صاحبنا عامر هذا، الذي ظل الرجل يستصرخه لدقائق ان يركض (لخاطر الله) دون فائدة، إذ ظل عامر متسمراً في مكانه، فاغرا فاه بضحك أبله، والمصور يلتقط بلؤم مقدار العبث البالغ التام الذي يحيط بالمشهد، بعد ان لم ينفع الدعاء حيث تكون الحاجة إلى الدواء، أو إلى المدية التي تجلب حلا يقلل من وقع الخسارة.

لهذا، أقوم بوسم بعض ما أكتبه بهذا الصريخ الذي تفلت من شفاه الرجل، في تلك اللحظة، ليعبر عن مدى العبث واللاجدوى اللذان يحيطان بنا اليوم.

 

#اركض_يعامر_اركض

 

https://www.youtube.com/watch?v=JTTqeKTMgP4

https://www.youtube.com/watch?v=LcoCESAzlqY