230416042013_140_2

المدينة التي تبتعد (3)

صور غابت

1ـ السبيل

لعله نُصب في موضعه مباشرة بعد هدم ما تبقى من الجهة الجنوبية لسور النجف، الممتدة في طرف البراق، بين الركن الشرقي الجنوبي، ومدخل شارع الرسول، بعد حوالي خمسين متر من مرقد (بنت الحسن) الذي هو على الأقوى مرقد (المحقق الكركي).

وعيت على الدنيا فكان منتصبا، أمام دكان المرحوم كاظم حميدي، صندوق خشبي أخضر اللون، تآكل صبغه رويدا، وتضعضعت جلسته، تدلت منه ثلاث أو أربع حنفيات، أول لعلهما اثنتين فقط، لا أذكر بالضبط، وتدلى منه قدح ماء سميك من (الستيل)، ربط بسلسلة اسوَّد لونها، ومن الخلف تسلل إلى جوفه انبوب مياه انبثق من الأرض.

كانت الألواح قد تباعدت فيما بينها، ولكن المياه كانت تجري من حنفياته دون كلل، وإن كانت أطرافه تنز قطرات مياه دائمة لكنها لم تكن تتناسب مع كونه خشبيا مضعضعا، لغز لم أفهمه إلا بعد وقت طويل، كيف يمكن لصندوق خشبي متآكل، تفلجت ألواحه كأسنان مهاة أوشكت أن (تحيل) كيف يمكن أن يكون سبيلا للمياه؟

نعم أراها جميلة كأنها أسنان مهاة أوشكت أن تحيل، انطباعي أنا!

كانت عمتي قد منعتني من الشرب منه، لأنه مشرب للغادي والرائح، ولأنه مورد (العربنجية) المرابطين هناك ونميرهم، منه يملئون (سطلات) المياه لحميرهم، ومنه يشربون، حتى جاء اليوم الذي قررت فيه أن أكون شجاعاً وأكسر المنع، فشربت من السبيل، ولم تكن المياه تختلف عن مياه المنزل، هي بذاتها.

كنت أمر قربه بوجل ، أهابه وأعجب به، واتسائل متحيرا، كيف تحتفظ هذه الألواح المفككة بالمياه السائلة داخلها، حيرة ما بعدها حيرة.

وأغرب ما علق بذاكرتي عن ذلك السبيل أنني طوال عمري لم أشاهد أحدا يضع الثلج فيه، إلا مرة واحدة، شاهدت من بعيد (خضير جلعوط) صديق أبي الحميم ومعه صديق آخر لا أتذكره اليوم، فتحا غطاء السبيل، وأخذا يكدسان قوالب الثلج في جوفه، ثم أحضرا بطانية ثقيلة، ولفا بها الثلج، لتزداد حيرتي، كيف يُلف الثلج بهذه القذارة ويفترض بنا أن نشربه، كنت متحيرا، فذهبت لأتساءل، لا إذكر أذا كان أبو حيدر (خضير جلعوط) هو من رفعني لأستكشف داخل السبيل أم رفيقه، بل أني لا أذكر إذا كنت قد رفعت غطائه مستكشفا بنفسي أم أن ابو حيدر هو من وضّح لي الأمور، لكن الحيرة تبددت ساعتها، واكتشفت أن نظام مياه السبيل الأسطوري ما هو إلا أنبوب حديدي طويل، التوى على نفسه مرارا وتكرارا، حتى غدا كجوف الإنسان، كأمعائه الملتفة على نفسها، تديم حياته ما بقيت نشطة الالتفاف، وأن الثلج المكدس فيها يعمل على تبريد الانابيب، والمياه تسري فيها، فتخرج مثلجة تبل عطش الشاربين.

بقي السبيل حتى نهاية التسعينات، ثم اقتلع من مكانه وابتنت البلدية مكان السور القديم محلات تجارية، وانثلم جزء حميم ودافئ من ذاكرة طفولتي.

2ـ أبو عماد المضمد.

لا أحسب أن أهل النجف وثقوا بطبيب ثقتهم بهذا المعاون الطبي القادم من نواحي النجف، لعله من أهل المشخاب.

كان محله حين وعيت على الدنيا يقع في شارع الصادق، قبيل (العـﮕد) المؤدي إلى (عـﮕد بيت المعمار)، كانت هناك شبه ساحة مربعة يشطرها شارع الصادق نصفين غير متساويين، يقع محل أبو عماد في الزاوية الغربية من النصف الجنوبي للساحة تلك، لم يكن يضع لافتة، بل كتب على زجاج محله أبو عماد المضمد فقط.

لا احسبني مبالغا إذا قلت أن ألوفا من الناس مرت من بين يديه، المجروح والمعلول، الطفل الصغير الذي يطهره ـ نافس بذلك غريمه (المطهرجي عباس كشكول) ــ كان أبو عماد أقرب إلى الأسطورة الطبية، يذهب إليه واحدهم بثقة تامة، ويصدر عنه أشد ثقة به، وقد زرقه إبرة، أو ناوله دواء، أو خاط له جرح غائر.

وبعد أن بنيت تلك الساحة وانتهى عهدها، انتقل إلى محل جديد خلف بناية (خان الشيلان) نهاية (عـﮕد السادة آل جريو)، وبقي فيه، متسلطنا على مشاعر الناس، اذكر ان مضمدا ماهرا جاوره، سمعته مرة يقول متذمرا من هذه الجيرة: (هذا الشايب قطع رزقنا) وبالفعل، فحتى بعد أن شاب ابو عماد، وترك العمل بيده، ووظف من يعمل عنه، بقيت الناس تذهب إلى أبو عماد ما غيره، حتى وفاته رحمه الله.

يتبع…

[الصورة، قمة ما تبقى من سور النجف في زاويته الشرقية الجنوبية]