زهاء حديد…ومعضلة الانتماء العراقي

ما هو الانتماء؟

وما هي الهوية؟

ولم نضيق على الآخرين وما يرغبون في قوله؟

هناك الكثيرون ممن تضايقوا من كثرة ما نعى العراقيون الراحلة (زهاء حديد) على الفيسبوك، قال بعضهم انها لم تعد نفسها عراقية يوماً، وأنها لم تتكلم العربية في أي لقاء ظهرت فيه على الاطلاق، وكنت مثلهم في القول حتى شاهدت الرابط المرفق بهذه السطور، فتغيرت وجهة نظري لا في زها وحسب، بل أعدت النظر في أصل موقفي من انتماءات العراقيين المبدعين الذين لم ينسوا أصلهم ولم يتنكروا لجلدتهم.

وبعضهم لام الراحلة لأنها لم تنفق على العراق، وهي تقول أنها ليست ثرية، وبغض النظر عن ثرائها المزعوم فهو إذا كان حقيقيا ليس سوى كدها وتعبها، وليست ملزمة تجاهكم إلا معنويا، أكيد كان ليذكر لها تبرعها كمنقبة كما ذكر لمن بذل للعراق، ولكن إعراضها لا ينتقص من قدرها إطلاقا.

طيب، قلت مرة هنا أنني لا اتفاعل مع أعمال زهاء حديد المعمارية، لأني ابن البيئة العراقية والعمارة العباسية، ولا أتفاعل مع الحداثة في الأدب والفن، أحب أعمال محمد مكية ورفعت الجادرجي، ولا أرتاح للبنايات ذات الكلف العالية التي كانت زها حديد تأتي بها من الأساطير، ولكني سأكون أقبح الناس إذا غمطت ابنة محمد حديد حقها، وقللت من شأن منجزها المعماري، لقد غيرت تلك الراحلة وجه العمارة، وجملت وجه الدنيا بما انجزته، كانت ملكا للانسانية قبل ان تكون ملكا لوطن أو لقومية أو لعرق، فلماذا تتضايقون ممن نعاها؟

يبحث العراقيون عن أحد، أي احد ليتفقوا عليه، ينقبّون عمن يرمم ذاتهم المهشمة، ويلملم كرامتهم الجريحة، فتأتون بمعاول (الاختلاف لأجل الاختلاف) وتنهالون عليهم ضرباً

لماذا؟ ما هو الهدف؟

على الأقل أفضل من أن ينشغلوا بهرجات الفيسبوك والسباب الطائفي.

طيب، هل تظنون أن زها حديد كانت لتنجح في العراق، إن نجاحها ارتكز بدرجة كبيرة على وجود البيئة الحاضنة للإبداع، ولا أحسب انها كانت لتبلغ ما بلغت لو بقيت رهنا لآليات مجتمعنا الراكدة، لقد بلغت ما بلغت لأنها انطلقت في مكان آخر وليس في هذه البيئة الملغومة.

من نحن لنحاسب الناس على انتماءاتهم، ولم نضيّق علاقتنا بالآخرين على أساس الانتماء الضيق، كل مبدع إنساني هو موضع محبة وتقدير عندي، مهما اختلفت معه، مهما عجزت عن فهمه، وخسارة كل مبدع هي خسارة شخصية لي، فكيف إذا كانت المبدع هذه المرة امرأة عراقية تقول بكل ثقة، بكل كبرياء وأنفة:

(أنا عراقية عربية، لست بريطانية).

مهما رطنت زهاء بالانجليزية، إنها عراقية كما تريد وكما ترغب وكما تشاء، ولا أحد يمتلك القدرة على أن يسلبها عراقيتها.

لقاء مع زها حديد…انا عربية عراقية

[الصورة: مركز ثقافي من أعمال زها حديد، ألا تذكركم بمضيف القصب في الأهوار؟]