10422439_10152918082418649_9143873027863837714_n

قحطان السيد زبر

هل تسمعين تلك الأصوات؟

همسات خفيضة، تعلو وتخفت بين لحظة وأخرى.

تسمعها القلوب حينما يسكت ضجيج البشر، حين يكفون عن اللهجة بمتطلباتهم، وتهجع أنانيتهم للحظات، لتشمخ برأسها مرة أخرى، وتظل تلك الأصوات طافية في الضياء، كالورد على المياه.

لابد أن تسمعيها، إنها تقض مضجعي، حتى صرت أرى أصحابها في كل الوجوه، وأسمعها في كل الأصوات، كل لحن، كل صوت عاصف، كل نأمة هادئة، تتراكم في روحي وئيدا، حتى تمسك بحسراتها كل حواسي، وتمنعني من الرقاد.

كيف لك أن لا تسمعيها؟

كيف لكم أن لا تسمعونها؟

ها هي؛ تقدم نحوي كل لحظة، أصوات تبكي الأب، تبكي الأم، تتحرق للمعيل، تبحث عن لقمة تقيم الأود، وثوب يرد عن وجناتها الحر والبرد، تتحرى في النفوس عن بقية من رحمة تتفيأ بها، تتخذها سقفا حيث لا سقف يرتفع على أرواحها الكسيرة، مات الأب هدرا كأي عراقي، وماتت الأم حرقة، وبقيت منهم أمشاج طرية تسعى، أبناء مهيضي الجناح، وجوه تبحث عن السعادة، أصوات تبحث عن أسماع تتلقفها ولا ترد لها الصدى القاسي دون التفات.

هل تسمعين؟

انا أسمعهم، أحس بهم، أراهم.

تلك الوجوه الممتلئة لهفة، المنتظرة للأمل أبدا، كيف يأتي الأمل إذا لم نحضره نحن؟

نحن الذين نستجلب الأمل لهم.

وها أنا ذا، اركض نحوهم، خشية أن لا يجد أطفالي من يركض نحوهم بعدي، كلنا على موعد من سفر لا إياب منه، نترك خلفنا قلوب تلتحف بالشوق لنا، أياد غضة تنتظر منا الحماية والرعاية.

لأقاسمنكم خبز أطفالي، ولحافهم، ولأوزعن الحنان بينكم كأنكم من صلبي، ولأنثرن بينكم الفرحة ما وسعتني القدرة، وما أعانني الله، وفي تلك اللحظة التي يأزف فيها موعد رحيلي، فسأغادر، وعيناي تتقلبان بينكم وبين بيتي، وقلبي عامر بالأمل، زاخر بالرضا، التفت إلى رحمة ربي، ان تشملكم، ان تكونوا في ميزان أعمالي، ان تكبرون، لتجدوا أمامكم وطنا لا حرب فيه، وطن يحنو عليكم كآبائكم، ويذوب فيكم كأمهاتكم، وتذوبون فيه وله، ويا له من حلم عزيز المنال.

 

استذكارا للدكتور الطبيب قحطان السيد زبر اختصاصي جراحة الانف والأذن والحنجرة في النجف، الذي عاجلته المنية فجأة، لم أعرفه يوما، ولكن أن يخرج العشرات من الأيتام في جنازة راحل، يحملون الورود في أكفهم الغضة، ويرفعون لافتة كتبوا عليها (نحن ايتامك يا سيد قحطان) فذلك أمر يستدر دموعي من القلب، ويملأني املا واحتراما.
علي المعموري
26/3/2015

علي المعموري

26/3/2015

4 تعليقات على “قحطان السيد زبر”

  1. السلام عليكم …عندما يخيم الظلام على بلدي ارى شموعا في الافق تصارع الظلام ….تحية لك اخي الكاتب …من احب عمل قوم حشر معهم

  2. قليل بحق هذا الانسان مهما قلنا عنه … ترك الدنيا بكافة مواردها هو طبيعته .. خدمة المرضى و المحتاجين هو همه … و اصلاح ذات البين هو سمته … فقدناك بلا بديل … رحمك الله و الى جنات النعيم

  3. حياك الله وباركك أخي الكريم، ورحم الله الراحل النقي برحمته الواسعة

  4. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أخي الكريم، وجعلني وإياك ممن يحبون الخير، فيحشرون مع أهله

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>