Django Unchained 2012

علي المعموري

لا انفك أتحير من سبب متابعتي لأفلام كوينتن ترانتينو، المشحونة بمشاهد القتل المبالغ فيها، دماء تتناثر، انفجارات استثنائية، وقتلى بدون حساب منذ أول مشاهد الفيلم حتى نهايته، بأعنف الطرق الممكنة.

هذا الفيلم خير دليل على ذلك، منذ افتتاحيته بمشاهد المستعبدين السود، عراة، وهم يرفلون في السلاسل، وقد تهرأت أقدامهم الحافية من السير، بين أراضي صخرية وعرة، وأخرى زراعية ينتثر الشوك على أديمها، بين ثلج لاسع، وحر لافح، كأنهم يسيرون منذ الأزل، مسيرة الإنسانية بين السيد والمسود، مشاهد تتنقل فيها الكاميرا من جانب آخر إلى آخر طوال عرض الأسماء المشتركة في صناعة الفيلم، بطباعة الكلمات بذات الطريقة القديمة الأثيرة إلى نفس كوينتن.

ثم لم يستطع الصبر أكثر من ذلك، لتبدأ سلسلة القتلى من الدقيقة السابعة للفيلم.

تدور قصة الفيلم حول جانغو، المستعبد الذي فُرّق بينه وبين زوجته، بعد ان اكتشف السيد الأبيض زواجهما، وبيع كل منهما إلى سيد مختلف، وبدا الأمر كما لو أن جانغو قد استسلم فعلا لما حدث له، قبل ان يدخل على خط حياته طبيب أسنان ألماني ترك المهنة ليتحول إلى صياد جوائز، يأتي خصيصا للبحث عن جانغو الذي يعرف ثلاثة هاربين من العدالة، هم نفس الذين نكلوا به وبزوجته قبل بيعهما، ولأن د. شولتز يريد قتلهم، فإنه يحتاج جانغو ليدله عليهم، صدفة متوقعة في أفلام ترانتينو أن تلتقي رغبة شخصين متناقضين في قتل شخص آخر.

وشخصية الطبيب شولتز في حد ذاتها بالغة الغرابة، فهو ألماني يبغض العنصرية، ورغم عدم رحمته في قتل المطلوبين دون إنذار، إلا انه يتمتع بحس بالغ الشفقة تجاه أوضاع العبيد، ويبغض مستعبديهم البيض، فوق ذلك فإن من وجوه الغرابة أيضاً انه وبعد أن أردى أحد الأبيضين اللذان بدأ الفيلم بهما وهما يقودان نصف دزينة من المستعبدين، وشل حركة الثاني، في مشهد عنيف تتسم به ثيمة ترانتينو الإخراجية، فانه يدفع لهذا الأخير ثمن جانغو، وحصان أخيه الميت، وملابسه التي أمر جانغو بسلبها، ثم يدفع بقية السود إلى قتل سيدهم المشلول تحت حصانه القتيل، بطريقة مستفزة جدا، وهنا لاحظت خطأ فنيا، وهو ان د. شولتز وبعد أن اخذ مفتاح القيود من الرجل المشلول وفتح قيد جانغو رماه على الأرض، وبعد أن قتله وعاد إلى المستعبدين ليخيرهم بين حمل سيدهم المكسور لأميال كثيرة للتداوي، أو تحرير أنفسهم ثم قتل الأبيض، والهرب إلى أبعد مكان، فانه استخرج المفتاح من جيبه الصداري، رغم انه رماه ولم يحمله في البداية.

والأمر الآخر الأكثر أهمية أن هؤلاء المقيدين لم يفكروا بفك قيدهم ثم قتل السيد، بل زحفوا بقيودهم وأردوه بطلقة تناثر معها دماغه كالنافورة ــ ثيمة أخرى لترانتينو ــ كأنه تأكيد على ان البشر يفضلون الانتقام قبل أي شيء أخر حتى لو كانت الحرية!

يرحل جانغو بعدها صحبة الطبيب، يدخلون بلدة، ليقتل الطبيب مأمورها، الذي تبين انه هارب من العدالة ومطلوب حي أو ميت.

بالنسبة لي فان الغريب في شخصية جانغو، رغم ان شخصيات أفلام ترانتينو بالغة الغرابة بالمجمل، انه تحول فجأة من شخص متقبل لمصيره البائس كمستعبد، إلى سفاح عنيد يشارك د. شولتز عمله، بل ويقلل من طاعته له، رغم انه منحه حريته، ونسبة من أرباح العمل إذا شاركه، شرط أن يظل معه حتى يجدان الأخوة الثلاثة أولئك، أمر غير ممكن استيعاب حدوثه بمثل تلك السرعة.

من الأمور الغريبة الأخرى، هو أن الشخص الذي قتل في الدقيقة (7.30) عاد نفس الممثل الذي أدى دوره في شخصية أخرى  في الفيلم، حارس كالفن داندي الذي يقتل د. شولتز قبل نهاية الفيلم.

وكالعادة، فان كوينتن نفسه يظهر في الفيلم بدور شخصية حمقاء، يخدعه جانغو بسهولة، ثم يطلق عليه الرصاص تماما في حقيبة الديناميت التي يحملها، لينفجر دون ان يبقى منه شيء.

ومن الأمور التي يكررها ترانتينو في أفلامه هو ان يضع في السياق حادثة تجعل المشاهد يبني استنتاجات معينة، بينما هي موضوعة لخداعه، ليستنتج غير ما سيحدث، أو ان يقدم ممثلا معروفا في مشهد، وتتوقع ان يكون له دور في الأحداث، وإذا به لا يعود للظهور مطلقا، وهذا ما فعله في فيلمنا هذا، اذ أقحم الممثلة المعروفة (آمبر تامبلين Amber Tamblyn) في مشهد من ثواني، تبتسم بطريقة موحية وهي تراقب دخول د. شولتز وجانغو إلى البلدة، وجانغو راكب حصان، الأمر الذي كان ممنوعا وقتها، واثار ذهول مواطني البلدة، فظهرت تامبلين في مشهد من ثواني، بابتسامة جميلة موحية، شخصيا توقعت انها كممثلة معروفة سيكون لها دور، وإذا بها تختفي بعد تلك الثواني الوجيزة الدافئة المفعمة بالترقب والابتسامة.

كما يقدم ترانتينو ــ بالمقابل لشخصية د. شولتز ــ شخصية العبد ستيفن، النموذج الانتهازي، الذي صار اشد وطأة على العبيد من سيده الأبيض نفسه.

الفيلم يحمل بصمات ترانتينو التي يمكن أن يميزها أي شخص يتابع أفلامه، ابتداء من طريقة كتابة الأسماء، والحوارات الرنانة المنمقة بين الأشخاص كأنهم في مسرحية، ونوع الموسيقى التصويرية الثقيلة، إلى طريقة تنقل الكاميرا على الوجوه لالتقاط انفعالات الأبطال، والجمهور المحيط بالحدث، بسرعة خاطفة تقتنص المشاعر المختلفة، فضلاً عن المبالغة في مشاهد القتل، وانفجار الاشلاء، وعدد القتلى، ومنظر الدماء المتناثرة على الجدران والأشخاص.

اتصور ان الفيلم يقدم تناقضاً شفافاً، فالدكتور شولتز الماني يكره العبودية ويمقتها، ويعمل على مساعدة جانغو على استعادة زوجته، رغم سمعة الالمان المتسمة بالعنصرية كما هو دارج، على جانب آخر ينتفض العبد الاسود ستيفن حينما يرى جانغو على فرس ويعاند سيده كالفن داندي لانه سمح له بذلك، ويرفض ان يساير سيده في السماح له بالمبيت في البيت الكبير، كأن ترنتينو يريد القول ان مسألة الظلم وطغيان الاستعباد لا تتعلق باللون، بل تتعلق بالنفس البشرية ذاتها، وبما تنطوي عليه من سفالات وحب إيذاء الآخرين اذا تمكنت من ذلك.

 imdb 

 

r & Writer: Quentin Tarantino

Cast:

Jamie Foxx = Django

Christoph Walt = Dr. King Schultz

Leonardo DiCaprio = Calvin Candie

Kerry Washington = Broomhilda von Shaft

Samuel L. Jackson = Stephen

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.